آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 9 أكتوبر 2016

- بحث المشكلات الأسرية الأسباب والمعالجة

عدد المشاهدات:
مقدمة
الحمد لله الذي أكرمنا وأنعم علينا بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها،وأقام بنيان السكن على المودة والرحمة،ثم سما به فجعله من آيات التفكر والتأمل ،فقال جل شأنه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الروم:آيه21].
والصلاة والسلام على النبي الأمين،المبعوث رحمة للعالمين،من أثنى عليه ربه بأنه ذو خلق عظيم ،وشهدت له زوجه بأن خلقه القرآن الكريم ،عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ....وبعد
فالأسرة هي المحضن الأول للتربية ،والنبع الخالص للعاطفة ،وهي أولى الجماعات ذات التأثير المباشر في العلاقات الاجتماعية،فمن خلالها يكتسب الفرد أنماط التفكير والسلوك المختلفة،عبر ما يمارسه ويلاحظه من سلوكيات ،وما يطلق عليه العلاقات الأسرية،فالأسرة تتكون من مجموعة متشابكة ومتفاعلة من العلاقات،وتداخل هذه العلاقات يؤدي إلى زيادة التفاعل ،وتشابك الأدوار ،والاعتمادية المتبادلة ؛فينتج عن ذلك أن تصبح كثير من المواقف والأفعال_الإيجابية أو السلبية_ التي تصدر من أحد الأطراف ذات أثر عميق على الأطراف الآخرين.
ويشكل استقرار هذه العلاقات وديمومتها مطلب وغاية للجميع؛وحتى تصل هذه العلاقات إلى نقطة الاستقرار فإنها بحاجة لإيجاد نوع من الموائمة والتقارب بين توقعات وأهداف ومتطلبات واحتياجات مختلف الأفراد،ومن خلال ذلك يمكن للجو الأسري أن يتسم بالدفء والتفاهم.وقد تتباين هذه التوقعات وتختلف الأهداف فيعجز أفراد الأسرة عن تلبية المتطلبات والاحتياجات المختلفة المتبادلة بينهم،وينشأ عن ذلك نوع من الصراع،فتظهر أشكال متعددة من المشكلات الأسرية توتر العلاقات داخل الأسرة ،وتلقي بظلالها على المجتمع المسلم.
ومن هذا المنطلق يسعى هذا البحث إلى التعريف بمفهوم المشكلات الأسرية بشكل موجز،ويعمل على عرض بعضاً من الأسباب التي يمكن أن تنتج المشكلات،ثم يقدم معالجة مختصرة من خلال عرض بعض الأسس والوسائل التي يمكن أن تسهم في تكوين بيئة أسرية مستقرة.
وسيتم ذلك من خلال الثلاث فصول التالية:
تمهيد
يتكون المجتمع من وحدة متكاملة من الجماعات والمؤسسات التي تسعى لتحقيق هدف محدد ضمن نظام مرتب له،والأسرة تظل أكثر هذه المؤسسات تأثيراً على الفرد وعلى وحدة المجتمع ،بما يقع على عاتقها من أدوار ومسئوليات نحو الفرد والمجتمع،ومن خلال استمرارها وقوتها تستمد التنظيمات الاجتماعية الأخرى قدرتها على الاستمرار والمواجهة ،وفي المقابل فإن أي تفكك في مؤسسة الأسرة ينعكس أثره سلباً على تماسك المجتمع وترابطه،وتختلف مسببات هذا التفكك من مجتمع لآخر ،ولكن تظل المشكلات الأسرية هي العامل الأساسي في حصوله.
المبحث الأول: التماسك الأسري
الأسرة هي وحدة التكوين الأولى للمجتمع ، وبتماسك هذه الوحدة يتحقق تماسك المجتمع ،فطالما كانت الأسرة على قدر كبير من التماسك والاستقامة صلحت شؤون المجتمع واستقامت أموره ،ويتحقق التماسك في الأسرة إذا ما ساد الوفاق بين الزوجين ،وامتد ظله على باقي أعضاء الأسرة ، فأصبح جو الطمأنينة والاستقرار هو السائد في الأسرة بما يحقق الراحة النفسية لأفرادها ،ويحميهم من مؤثرات الانحراف ،ويدعم تماسك الأسرة وقوة صلابتها.
ويعرف التماسك الأسري بأنه" زيادة العلاقات الموجبة التي تدور في المحيط الداخلي للجماعة،فكلما ازدادت العلاقات ازداد تماسك الجماعة ،وكلما تشتت هذه العلاقات،واتجهت نحو الجماعة الخارجية ضعف التماسك الداخلي"
 ،ويتحقق التماسك الأسري عبر خمسة مقومات أساسية :
- المقوم البنائــي: ويتطلب وجود أسرة متكاملة من أب وأم وأبناء وغيرهم إن وجد.
- المقوم الديـني : وهو أهم المقومات التي تؤدي إلى زيادة التماسك والوحدة بين أعضاء الأسرة،ويزيد من تماسك الأسرة فكرياً ومعنوياً ويقيها من التفكك والانحراف.
- المقوم العاطفـي : ويعتمد على ما يسود الأسرة من عواطف إيجابية تربط بين   جميع أعضائها،تتجلى في الحب والتقدير والاحترام المتبادل.
- المقوم الاقتصادي:ويتمثل في قدرة الأسرة على إشباع الحاجات المادية لأفرادها المنتمين إليها،بحيث يشعر الفرد بالأمن والسعادة لانتمائه إلى هذه الأسرة.
 - المقوم الصحي : ويقوم على مدى خلو الأسرة من الأمراض المختلفة ،وخلوها من الأمراض الوراثية على وجه الخصوص، ومدى قدرة أفرادها على الترابط والتماسك ومواجهة أزمات المرض وما تخلفه من تبعات
  وبناء على ما سبق فإن أي خلل أو قصور في أحد هذه المقومات يمكن أن يدفع بالأسرة إلى التفكك،ويوتر العلاقات داخلها ويثمر مشكلات أسرية مختلفة.وقد يأخذ هذا التوتر مستويات مختلفة :
‌أ-مستوى عدم التوافق الأسري المزمن:يتمثل في غياب المقوم العاطفي اللازم لتحقيق التماسك الأسري،وذلك عندما تصاب العلاقات الأسرية بقدر ملحوظ ومستمر من الفتور والاختلاف في التوجهات،والفقر العاطفي،مع قدرة كل طرف على تلبية احتياجات الطرف الآخر ،والقيام بما عليه من واجبات، يستمـر في ضوئه البنيان الأسري قائماً ،في جو من الفتور العاطفي وضعف التواصل ،ومن شأن ذلك أن يخرج أفراداً يعانون من الحرمان العاطفي ، أو آخرين متمركزين حول ذواتهم.
‌ب- مستوى التفكك الأسري المعنوي:تتمثل في غياب أكثر من مقوم من مقومات التماسك الأسري،أبرزها المقوم الديني والعاطفي والاقتصادي ،وقد يتأثر بذلك المقوم الصحي.
فغياب الوعي والثقافة الدينية من شأنها أن تظهر مشكلات سلوكية عدة ،والحرمان العاطفي_كما سبق وأشرنا_ يؤدي إلى عدم التوافق ،وغياب المقوم الاقتصادي أو ضعفه يجعل الأسرة عاجزة عن تحقيق احتياجات أفرادها،وفي ظل هذه المشكلات الأسرية المختلفة ينشأ التوتر ضمن علاقات الأسرة ،ولكن تظل الأسرة باقية _ولو بشكل صوري_ ضمن المقوم البنائي.
‌ج- مستوى التفكك المعنوي والمادي : تنهار هنا جميع مقومات التماسك الأسري بما فيها المقوم البنيوي بانفصام عرى الزوجية ،ونقض الميثاق الغليظ وحدوث الطلاق وحرمان الأبناء من أحد الوالدين أو كليهما.
وجميع المستويات السابقة للتفكك تشكل وضع أسري متأزم يطلق عليه مشكلات أسرية.
المبحث الثاني: المشكلات الأسرية
لم يعد الدارسون لنظام الأسرة والعلاقات داخلها ينظرون إلى الأسرة السعيدة باعتبارها الأسرة التي تخلو من المشكلات،فالصراع عملية تفاعل حتمية لأي جماعة تعيش ضمن حيز مكاني وتربطها علاقات وخصائص مشتركة.
وتعرف المشكلات الأسرية من أوجه نفسية واجتماعية وسلوكية وتربوية مختلفة،فالبعض يعرفها بأنها :"المواقف والمسائل الحرجة المحيرة التي تواجه الفرد فتتطلب منه حلاً،وتقلل من حيويته وفاعليته وإنتاجه ومن درجة تكيفه مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه"  ،ويرى البعض الآخر بأنها" مفهوم يطلق على مشاعر وأحاسيس الفرد التي تتمثل في الضيق والقلق والتردد إزاء علاقته مع الآخرين في المنزل وفي الصحبة وفي المدرسة،حيث تفتقر هذه العلاقات إلى الدفء والصراحة والمحبة المتبادلة،كما تصنف المشكلات الأسرية وفق تصنيفات مختلفة،منها:
·   تصنف وفقا لأسباب حدوثها :فيصبح هناك مشكلة نفسية ،وأخرى اجتماعية واقتصادية وتربوية...
·   تصنف تبعا لنمط ظهورها إلى: مشكلات عابرة ،ومشكلات دائمة،أو مشكلات ظاهرة وأخرى خفية.
·   تصنف وفقا لطبيعة العلاقات الأسرية إلى:خلافات زوجية ،ومشكلات الطفولة.
وهو ما سنتناوله بشيء من التفصيل:
أولاً: الخلافات زوجية
تعرف الخلافات الزوجية بأنها " تضارب توجهات الزوجين حيال بعض الأمور التي تخص أيا منهما أو تخصهما الاثنين ،بحيث تستثير انفعال الغضب،أو السلوك الانتقامي أو التفكير فيه،وتعبر هذه الخلافات عن نفسها بمظاهر شتى مثل النقد أو السخرية،والمناقشات الكلامية الحادة،وقطع التواصل الكلامي أو التقليل منه،وعدم القيام بالأدوار سواء بصفة كلية أو جزئية،وقد يصل الأمر إلى هجر المنزل وفراش الزوجية أو حتى الضرب والإيذاء البدني،كما قد تودي إلى الطلاقوالحقيقة أن الخلافات في حدود معينة تعتبر عملية ملائمة وضرورية لمواجهة المشكلات وإيجاد حلول لها،فقد تؤدي إذا تم استثمارها وتوجيهها وجه صحيحة إلى التنفيس عن الشحنات الانفعالية الضارة ،واستبانة حقائق غامضة.
ويمكن تصنيف الخلافات الزوجية إلى :
·      الخلافات المدمرة أو الهدامة: وهي التي ترتكز على تجريح ذات الطرف الآخر،وتميل إلى تدمير الصورة والخيال التي يعيش بهما الإنسان.
·      الخلافات البنائية:وهي التي تضمن إعادة تحديد المواقف وتفسيرها،وتخفيف التوترات الانفعالية .
موضوعات الخلافات الزوجية:
 تتنوع الموضوعات التي تدور حولها الخلافات الزوجية،فقد تتباين التوجهات الدينية للطرفين ،وقد ينعكس هذا التباين على العبادات والسلوكيات الأخلاقية،وقد تكون الخلافات ذات طبيعة اقتصادية حين تدور حول المسائل المادية وميزانية الأسرة وأوجه الإنفاق ومصارفه وتقسيم المسؤوليات المادية ،كما قد تحتدم الخلافات الزوجية حول الموضوعات التربوية للأبناء بداية من توزيع الأدوار في تحمل مسؤولية التربية ثم طرق وأساليب هذه التربية وأنماطها ،ويأخذ الجانب النفسي حيز كبير من الخلافات الزوجية ،فهناك مستوى عاطفي متبادل بين طرفي العلاقة ،وهناك اختلافات شخصية متعددة،وسمات انفعالية مختلفة، وربما تكون الموضوعات الاجتماعية من أكثر الموضوعات التي تدور حولها الخلافات الزوجية فهناك علاقة كلا الزوجين بأسرة الطرف الآخر وهناك صداقات قد تكون مثار جدل ،وهناك علاقة الأسرة بالجيرة ،إضافة إلى مجموعة كبيرة من المؤثرات السلبية الاجتماعية التي باتت تشكل خطر على الأسرة المسلمة.

ثانيا:مشكلات الطفولة:
يتم تعريف مشكلات الطفولة بأنها"عبارة عن صعوبات جسمية ،أو نفسية ،أو اجتماعية تواجه بعض الأطفال بشكل متكرر،ولا يمكنهم التغلب عليها بأنفسهم أو بإرشادات وتوجيهات والديهم ومدرسـيهم،فيسوء توافقهم ويعـاق نموهـم النفـسي أو الاجتماعي أو الجسمي،ويسلكون سلوكا غير مناسب لسنهم أو غير مقبول اجتماعياً،وتضعف ثقتهم بـنفسهم،ويسوء مفهومهم عن أنفسهم وعن الآخرين،وتقل فاعليتهم الايجابية في المواقف الاجتماعية ،وتضعف قابليتهم للتعلم والتعليم والاكتساب،ويحتاجون إلى رعاية خاصة
وقد يتعرض الطفل خلال فترة الطفولة للعديد من المشكلات والاضطرابات التي تتفاوت من حيث طبيعتها وحدتها ويتم تصنيف هذه المشكلات وفق تصنيفات مختلفة ومتعددة،نذكر منها :
1- اضطرابات انفعالية : وتشمل الغيرة والغضب و الانسحابية والفوبيا ( المخاوف المرضية) والعناد وأحلام اليقظة.
2- اضطرابات العادات  :وتشمل اللزمات العصبية ، والتبول اللاإرادي ، ومص الأصابع وقضم الأظافر، وفقدان الشهية والشراهة ، وأكل الأشياء التي لا تؤكل  ، والأرق والنوم المتقطع.
3- اضطرابات السلـوك : وتشمل العدوان والتخريب والمروق، والسرقة والكذب والغش والاحتيال ، والهروب والتدخين والإدمان والنشاط الزائد.
4- اضطرابات التعلم  وتشمل صعوبات القراءة والكتابة ، والعجز عن التعلم ، وبطء التعلم، والتخلف الدراسي ، والتأخر الدراسي ، وصعوبات النطق والكلام. [المرجع سابق،ص254.]
وتشكل مشكلات الطفولة والخلافات الزوجية أزمات للأسرة ككل ،فلا يقتصر تأثير المواقف المتوترة على أطرافها المباشرة ،بل تمتد إلى مختلف أطراف العلاقة الأسرية وقد يخرج تأثيرها من إطار المنزل والحياة الأسرية ،ليمتد إلى العلاقات الاجتماعية الأخرى.
وتتعدد الأسباب المباشرة وغير المباشرة للمشكلات الأسرية بشكل يصعب حصره ،ولكن سيتم أدراج بعض هذا الأسباب ضمن مباحث الفصل الثاني.

المبحث الخامس:أسباب اجتماعية
تمهيد
إن السعي للوقوف على أسباب محددة وواضحة للسلوك الإنساني ليس بالأمر الهين ؛فالسلوك حصيلة تفاعل بين معطيات أساسية تتسم بالذاتية والفردية التي تميز كل شخصية عن الأخرى ،وبين عوامل متغيرة تبعاً للظروف الزمانية والمكانية .وليس من شأن هذه العوامل أن تُحدِث دوماً نفس الأثر لدى نفس الفرد، مما يجعل الإحاطة بهذه المعطيات والعوامل المسببة للسلوك الإنساني عملية معقدة ، ويزداد الأمر تعقيداً عند دراسة نمط العلاقة داخل الأسرة ؛لما تتميز به العلاقات الأسرية من تعقيد وتداخل وتفاعل داخلي وخارجي ؛لذلك فإن عرض أسباب المشكلات الأسرية أمر لا يخلو من الصعوبة،كما أن فصل الأسباب عن بعضها أمر غاية في التعقيد ،وهو بالتالي أمر نظري فقط.فالأسباب تظل متداخلة ومتتابعة ،لا يمكن عزلها عن بعض أو تجريدها، وسيتم في السطور القادمة تقديم بعض هذه الأسباب:
المبحث الأول:أسباب تتعلق بقصور النواحي الدينية
مما لا شك فيه أن الدين الإسلامي هو خير موجه للإنسان في معاملاته مع نفسه ومع غيره،وأي قصور في الدين من شأنه أن ينعكس على توجهات الفرد وسلوكياته،ومن أهم عوامل القصور التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث مشكلات أسرية ما يلي :
1-عدم الالتزام بأسس الشريعة في بناء البيت المسلم:فقد وضع الإسلام أسس الأسرة المسلمة ،بما يحقق المصلحة لكل فرد من أفرادها ،ودعا المسلم إلى الالتزام بها ليستقر بناء البيت المسلم،لذا فأي مخالفة لهذا الشرع لابد أن تخل بالبنيان ،وتخرج به من إطار المودة والرحمة .ومن هذه الأسس الشرعية_ على سبيل المثال_ أسس اختيار الزوج والزوجة وفق ميزان التدين والصلاح، فالواقع يظهر لنا أن أسس الاختيار الزواجي أصبح يغلب عليها تقديم وتغليب المعايير المادية والسعي وراء المظاهر الخارجية والكماليات لدى كل من الطرفين ."وبذا لم يعد مفهوم الزواج في الأسر المسلمة مختلفاً عنه في الأسر غير المسلمة،نظراً لضياع المقاصد الشرعية من الزواج،الأمر الذي سرعان ما يفضي إلى تفكك البناء الأسري" [شادية التل وشافي بن سفر الهاجري، وآخرون، التفكك الأسري
ومن تلك الأسس حق إبداء الموافقة على الزواج الذي ضمنه الإسلام للطرفين .فقد أعطت الشريعة الإسلامية للطرفين حق الاختيار والموافقة وإبداء الرأي ،وكان التوجيه في حق المرأة في الاختيار أشد، فليس لأحد أن يكرهها على الزواج ؛لأن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم على القسر والإرغام .
ومن ذلك أيضا الانصراف إلى المظاهر الدنيوية والمبالغة في تكاليف الزواج ،وقد حذر الله عز وجل في كتابه العزيز من الإسراف التبذير فقال تعالى :{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا }[سورة الإسراء:آية27]،وأخبر جل شأنه أن من صفات المؤمنين التوسط والاعتدال في الإنفاق فقال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [سورة الفرقان:آية67].
   وقد لا تقتصر هذه المخالفات على التبذير والبذخ ،بل قد تتعدى ذلك إلى ارتكاب بعض المخالفات في ليلة العرس مثل السماح بالمعازف والغناء وغير ذلك من المنكرات.
2-ضعف الوازع الديني ،والبعد عن منهج الله ،وعدم تطبيق حدود الله في العلاقات الأسرية .فارتكاب المعاصي والإتيان الفواحش يغضب الله عز وجل ،ويظهر أثر هذا الغضب للعبد في ضيق النفس وقلة البركة واضطراب العلاقات الأسرية،قال تعالى:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [سورة طه:آية124]،يقول إبن كثير " (ومن أعرض عن ذكري) أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه (فإن له معيشة ضنكا) أي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله"
 ويذكر ابن القيم في العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب ،أنه تعالى " قد رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره،فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه،وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم،ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب،والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه"
 ويعد ارتكاب الكبائر و المحرمات تعدياً وخروجاً على النظام الاجتماعي والأسري،وتأخذ الكبائر والمعاصي أشكالاً مختلفة ،وتؤثر على الفكر والسلوك ، والعلاقات الأسرية هي أكثر ما يؤثر ويتأثر بهذا الانحراف فالتزام العبد بالعبادات وبالمنهج الإسلامي في التعامل هو الحصن الحصين من كل خلق سيئ وسلوك جامح،والعكس من ذلك إذا ارتكب العبد ما يخالف منهج الله ،ونخص بالذكر هنا شرب الخمر وإدمان المخدرات.فالخمر والمخدرات يعملان على الحد من فاعلية أساليب الكف ضد السلوك والانفعال غير السوي."وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة التفكك الأسري في أسر المدمنين تزيد على سبعة أضعافها في أسر غير المدمنين.فكما هو معلوم فإن المدمن يفقد القدرة على القيام بأعباء الأسرة وأعباء العمل جراء تدهوره صحياً واجتماعياً واقتصادياً،فيفقد العمل والأصدقاء والصحة والأسرة، ويصبح عبئاً على الأسرة وعامل هدم لبنائها"
3- الجهل بالدين : عندما أرسى الإسلام قواعد بناء البيت المسلم ،أسس العلاقات داخله على مجموعة من الحقوق والواجبات التي يجب على كل فرد مسلم القيام بها .فإذا ما سارت الأسرة المسلمة وفق هذه الأسس والقواعد تحقق استقرارها ،أما إذا اتصف أفرادها بالجهل بهذه الحقوق فإن العلاقات لابد أن تضطرب ،ويظهر فيها أنماط من المشكلات الأسرية .
فالزوج الذي يجهل ما عليه من واجبات تجاه زوجته وأبنائه سيقصر في دوره،وقد يتعدى مدفوعاً بجهله على حقوق زوجه وأبنائه ،والزوجة كذلك،وعندما يجهل كلاهمـا هـدف الإسلام من تربية الأبناء ،وما أعده الله لهما من أجر في إخراج هذا النسل المسلم ،سيتصف نمط معاملتهما وتربيتهمـا لأبنائهـا بالضـيق والضجـر ثم الإهمال أو القسوة،وكذلك الأبناء عندما يجهلون أجر خدمة الوالدين وعقوبة عقوقهما فلن يكون هناك رادع لهم من الوقوع في العقوق. وقد أظهرت دراسة محمد خليل "أن  ضعف الوعي الديني بحقوق وواجبات الآباء والأبناء ،كان من أهم دوافع عقوق الوالدين.فكثير من الآباء لا يشغلون أنفسهم بتوعية الأبناء بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الآباء والأبناء"
كما أن الجهـل بالدين قد يأخذ منحنىً آخر متمثلاً في جهل الوالدين بالطرق الإسلامية في التنشئة ،وهي الطرق التي أقرها الإسلام كتاباً و سنة وعمل علماء التربية الإسلامية على تفصيلها ضمن مؤلفاتهم المختلفة،والجهل بهذه الطرق والأساليب يدفع بالوالدين إلى انتهاج أساليب مخالفة بين الإفراط والتفريط.
4- الغزو العقدي والفكري على المجتمع المسلم:يقصد بالغزو الفكري والعقدي "الوسائل غير العسكرية التي اتخذها الغزو الصليبي لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام،مما يتعلق بالعقيدة وما يتصل بها من أفكار وتقاليد وأنماط سلوك"
.وقد شمل هذا الغزو جوانب التشريع والعقيدة ،والتربية والتعليم،والإعلام والثقافة ...,وقد تأثرت الأسرة المسلمة بهذا الغزو باعتبارها جزء من هذا المجتمع وباعتبار أن الغزو قد توجه في صور عديدة نحو أسسها ،وقيم ومبادئ أفرادها ،وتطاول على العلاقات داخلها ،فكانت الدعوات لنزع الحجاب ،وتحديد النسل،والمساواة التامة بين المرأة والرجل ،وعمل المرأة دون شرط أو قيد...،إلى غير ذلك من صور الغزو التي ساهمت في توتر العلاقات الأسرية .
فإن كان من المسلمات أن العقيدة الإسلامية والمجتمع المسلم هما محط لتحديات عقدية وفكرية ،فإن المتتبع لطبيعة تمكن هذا الغزو وطرق وأساليب هذا التحدي لابد أن يرى أن الضعف والقصور في الجانب الديني لدى المسلمين عامة ،والأسرة خاصة،هو ما هيئ بيئة صالحة لهذا الغزو ،"فالهزيمة الروحية هي التي مكنت لهذا الغزو وهي التي جعلت كل ما يخططه المخططون يُنْفُذُ كأنه أمر حتمي لا مرد له وما كان شيء من ذلك ليحدث لو أن المسلمين كانوا على إسلام صحيح ،فالعقيدة الحية المتمكنة من القلوب لا تقهر،ولا يتخلى عنها أصحابها مهما وقع عليهم من الضغوط"
المبحث الثاني : أسباب تتعلق بقصور النواحي الأخلاقية :
تعد الأخلاق دعامة أساسية في بناء علاقة أسرية سوية،وأي خروج عن القيم الخلقية الإسلامية من شأنه أن يصبح سبب في توتر العلاقة ويتسبب في حدوث المشكلات ونذكر من ذلك:
1-غلبة الماديات وسيطرة المصالح الشخصية :حَرِصَ الإسلام على بناء البيت المسلم على أسس من شرع الله لضمان تحقق المودة والرحمة،ولم ينفِ أو يلغِ حق الفرد في تحقيق بعض احتياجاته أو ميوله ،ولكنه أكد على الأولى وجعل هذه فرعية،فإذا تحقق ذلك قويت العلاقات واستمرت،أما إذا أصبحت هذه الأسس الفرعية هي الأصول الثابتة في الاختيار والبناء،فإن ذلك سيؤدي إلى إخفاق عامل المودة والرحمة،وظهور أنماط غير أخلاقية من الاستغلال والطمع في ممتلكات الطرف الآخر.
فالزواج القائم على مصلحة دنيوية بحته غالباً ما يكون مصيره الفشل ؛لأن العلاقة الداخلية فيه قد ازدحمت مسالكها بدوافع الطمع والجشع وتغليب المصلحة الشخصية،وإذا قدر له أن يستمر فإن استمراره سيكون في جو من الملل والكراهية والتكلف ،وتشوبه الخلافات كلما تضاربت المصالح والمنافع بين الزوجين ،سواء كانت المصلحة من جانب واحد كالذي يتزوج امرأة لمالها فقط ،أو من الجانبين حيث تكون المصلحة متبادلة ،كالرجل الغني الذي يتزوج من غنية ،فيكون المال هو الجامع بينهما [المكتب العالمي للبحوث، الخلافات الزوجية في نظر الإسلام،بيروت:منشورات دار مكتبة الحياة،(د.ت)، ص 20.]
فإذا ما ساد الجو الأسري الرغبة في تحقيق أكبر قدر من المصلحة الشخصية دون مراعاة للأطراف الأخرى ؛فإن من شأن ذلك أن يوتر العلاقة ويدفع بأطرافها للدخول في صراعات مختلفة.
3- سوء الخلق: يشتمل هذا العامل على كل ما يعد نقصاً في الأخلاق الحميدة،والتي تدفع بالفرد إلى البعد عن الحلم ومحبة الآخرين والتضحية من أجلهم،وتجعله يتمركز حول نفسه ويتصف بالأنانية.
ويأتي في مقدمة هذا الخلق الغضب غير المبرر وحدة الطبع ،والنزعة التنافسية الشديدة ،وعدم القدرة على التحكم في الانفعالات،والعناد ،والإصرار على الرأي ،وحب التملك والسيطرة ،والكذب، والخروج عن حدود اللياقة في المعاملة ،والغيرة المبالغ بها،والشك،وعدم التزام احد أطراف العلاقة بالقيم الدينية والاجتماعية ،والبخل والإسراف.
فعلى سبيل المثال: قد يشكل البخل أو الإسراف عاملاً قوياً في ظهور المشكلات الأسرية ،"فالزوج قد يتهم زوجته بالإسراف وسوء التصرف في إدارة المنزل ،وأنها السبب الرئيسي في ضياع ميزانية المنزل، أو يكون العكس من ذلك كأن يكون أحد الزوجين شديد البخل فلا يقبل الطرف الآخر هذا التقتير والحرمان فينشأ الصراع بين الطرفين ، كما قد يؤدي إلى كره أبنائه له"
المبحث الثالث : أسباب تتعلق بقصور النواحي النفسية              
إن القصور في النواحي النفسية يفرز العديد من المشكلات الانفعالية والسلوكية داخل الأسرة ،وينعكس أثر ذلك على الجو الأسري والعلاقات الأسرية ككل،ويشكل أحد أهم روافد المشكلات ،ويمكن لذلك أن يظهر من خلال :
1- الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية : مما لا شك فيه أن الصحة النفسية عامل أساسي في توازن سلوك الفرد،وأن الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية لا بد أن يخل بهذا التوازن ،ويؤثر على طرق التواصل والتوجيه،كما يؤثر على أفراد الأسرة من نواحي نفسية واجتماعية واقتصادية مختلفة.
ويأخذ هذا السبب بعد عميق داخل المجتمعات العربية ،حيث لازالت فئات متعددة داخله لا تعترف بالمرض النفسي ويتم تجاهله أو اللجوء لطرق غير سوية لعلاجه ،كما يحمل المريض النفسي وصمة اجتماعية قد تزيد تفاقم حالته وتؤثر بالتالي على أفراد أسرته .
فإصابة أحد أفراد الأسرة بمرض نفسي أو عصبي تشكل معاناة شخصية له ويعاني أفراد أسرته لمعاناته ،كما أن المرض النفسي لأحد الزوجين قد يكون سبب رئيس للعديد من الخلافات الأسرية
 2- التباين الفكري والعاطفي : يشكل التوافق الفكري والعاطفي عاملاً داعماً لاستقرار العلاقات الأسرية وبعدها عن كل ما يعكر صفوها من بغضاء وكره وأي دوافع أخرى للمشكلات،والعكس صحيح ؛فوجود نوع من التباين والتباعد في الفكر والعاطفة يؤدي إلى نفور الأنفس ،الصراعات الأسرية.
وتظهر خطورة هذا العامل أكثر ما تظهر ضمن العلاقة الزوجية ،والتي تعتبر الأساس لجميع العلاقات الأسرية الأخرى، فالتباين الفكري والعاطفي يباعد بين طرفي العلاقة الزوجية ،ويجعل لكلٍّ منهما توجهاته ونظرته الخاصة لمختلف الأمور،واختلاف التوجهات غالباً ما يؤدي إلى اختلاف المواقف،وربما دفع بأحد أطراف العلاقة إلى السعي للسيطرة وفرض الرأي على الطرف الآخر؛فيدخل الزوجين في سلسلة من الصراعات التي تزيد من شدة الخلاف،وتؤجج نار البغضاء والحقد .
ولكن الخلاف عادة لا يبقى قاصراً على الوالدين ،بل إنه ينتقل لأفراد الأسرة، فنجد أنه "من المظاهر المألوفة أن يعبر الأبوان المتشاجران عن حقدهما على الأطفال ، فكثير من صور القسوة في معاملة الأطفال من جانب آبائهم ليست إلا تعبيراً مضمراً عن كراهية كامنة بين الأبوين، فالأم التي يضربها زوجها تستطيع بدورها أن تضرب الطفل الذي يمثل صورة الأب المعتدي.."
3- ضغوط الحياة: كان للنمو والتسارع الحضاري في مجالات الحياة المختلفة،وما نتج عنه من اشتداد حدة التنافس والسعي لإثبات الذات وتحقيقها أثراً كبيراً على الأسرة ،حيث شكل ذلك ضغطاً على العلاقات الأسرية ،فالأسرة اليوم تتعرض لمجموعة من الضغوط المختلفة داخلياً وخارجياً،فهناك الضغوط والتنافس في مجال العمل ،والسعي لتنشئة الأبناء تنشئة قويمة في ظل التحديات المختلفة يشكل ضغطاً على الأسرة إلى غير ذلك من الضغوط التي تشكلها متطلبات الحياة المادية والمعنوية .
 ومثل هذه العوامل من شأنها أن تشكل ضغوطاً نفسية على أفراد الأسرة ،فينعكس ذلك على سلوكياتهم وفقاً لمدى تحملهم لمثل هذه الضغوط،فالزوج الذي يعاني من ضغط نفسي ،يصبح مشحوناً بمجموعة من التوترات ،فيسعى للخفض من حدتها عن طريق تفريغها نحو هدف ما داخل الأسرة ،والتي تشكل في حد ذاتها عبئاً إضافياً عليه .
وكذلك الزوجة التي تعاني من ضغط نفسي سيظهر ذلك في سلوكها في شكل توتر وعصبية ،وينعكس على علاقتها بزوجها وأطفالها وعلى أدائها لمسئولياتها المختلفة،والمحصلة النهائية هي توتر العلاقات الأسرية وتعرضها لصور مختلفة من المشكلات .
4- الجهل بخصائص النمو لمراحل العمر المختلفة:كثيرا ما يجهل أفراد الأسرة الخصائص التي تميز كل مرحلة عمرية _للزوجين والأبناء_ ويترتب عن هذا الجهل عدم قدرة على استيعاب وفهم المتغيرات والمتطلبات والتعامل معها بحكمة،"فالسلوك الذي يعتبر عاديا في سن معينة يصبح من علامات سوء التوافق إذا لازم الطفل عندما يكبر:فثورات الغضب تعتبر عادية بالنسبة لطفل الثانية أو الثالثة من عمره،ولكنها تصبح علامة خطيرة على سوء التوافق عند طفل في العاشرة".
كما أن الجهل بخصائص مرحلة المراهقة كثير ما يدخل الأسرة في غياهب المشكلات ،ويدفع بالمراهق إلى رفقاء السوء،وجهل كلا الزوجين بخصائص تطور شخصية كلاهما واختلاف متطلباتها مع تقدم العمر ينذر بأزمات مختلفة.
5- عدم إشباع الحاجات النفسية المختلفة:ينشأ الكائن البشري وهو يحمل قدراً من الضعف وعدداً من الحاجات التي يسعى لإشباعها ،وتأخذ هذه الحاجات أشكالاً عدة بدءاً من الحاجة إلى الطعام والمأوى،وانتهاء بالحاجة إلى تحقيق الذات،ويتحقق هذا الإشباع من خلال ما توفره البيئة المحيطة بالفرد _الأسرة_ من قدرة على الاستجابة ومرونة في التعامل ،وحتى يصبح هذا الإشباع ذا أثر إيجابي لابد أن يتميز بقدر معتدل من الاستمرارية والتوازن؛ليصبح له أثر فاعل في سلوك الفرد ونشاطه واتجاهاته ومواقفه تجاه الآخرين.
فإشباع الحاجات يسهم في تكوين شخصيات سوية لا تشعر بالتوتر أو النقص ،ولا تسعى لتعويض هذا النقص عير اتجاهات وسلوكيات غير سوية،والعكس صحيح"فينتج عن عدم إشباع الحاجة خبرة ذاتية بالحاجة إلى شيء ما،ويطلع على هذه الخبرة (التوتر)"
المبحث الرابع: أسباب تتعلق بقصور النواحي التربوية
التربية هي أحد أهم وظائف الأسرة،وتختلف درجة الوعي التربوي والحرص على التنشئة السوية من أسرة إلى أخرى،وقد يؤدي تبني أنماط معينة من الأساليب التربوية إلى ظهور مشكلات متعددة .
دور الأساليب التربوية غير السوية في المشكلات الأسرية:
عندما يجهل الوالدين _أو يتجاهلا _ أهمية تربية وتنشئة الجيل المسلم عامة وأبناءهم خاصة على القيم والمبادئ الإسلامية ،وما يمكن أن يشكله هذا الجهل وذلك التجاهل من خطورة على الفرد والأسرة والمجتمع ،فإن من شأن ذلك أن يساهم في زيادة المشكلات الأسرية عبر أكثر من قناة ،لعل أبرزها:
_ اضطراب العلاقات الأسرية نتيجة للتخلي أو التقصير في أحد جوانب التربية المختلفة ،وما قد يشمله ذلك من تحميل أحد أطراف العلاقة المسؤولية عن هذا التقصير.
- أن الأسر الجاهلة والمقصرة بأهمية تربية الأبناء على القيم الإسلامية تخرج للمجتمع أفراد يعنون من قصور في أحد الجوانب المختلفة للتربية ،وهؤلاء بدورهم سيحملون مسؤولية بناء أسرة ومجتمع مسلم .
وقد تكون لدى الوالدين إدراك حقيقي وصادق بأهمية التربية ،ولكن هناك جهل بالأسلوب الأمثل لتحقيق هذه التربية،فينتج عن ذلك أن تأخذ التربية أنماط غير سوية من شأنها أن توتر العلاقة الأسرية وتخلف العديد من المشكلات ذات الأثر القريب والبعيد على الأسرة والأبناء ومن هذا الأنماط :
1 - نمط القسوة والتسلط:وهو النمط الذي يعتمد فيه الوالدان على أسلوب فرض الرأي والوقوف أمام رغبات الطفل التلقائية بشكل دائم،ومقابلة رغباته بالمنع والرفض غير المبرر،وإتباع أسلوب القسوة والصرامة والعقوبة المفرطة في طرق التنشئة،وأهم الآثار النفسية التي يتركها هذا النمط من التربية على شخصية الطفل، " خوف الأبناء المفرط من صرامة الأبوين،ثم خوفهم بعد ذلك من مواجهة المواقف المختلفة،بشعور منهم أن سلوكهم في هذه المواقف قد يعود عليهم بالعقاب بصورة أو بأخرى،كما ينتج عنها ضعف الثقة بالذات نتيجة لتكرار العقاب،واتسام العلاقة مع الأبوين بطابع التشدد والصرامة ،مما ينتج عنه انتهاج سلوك التحاشي في المواقف المختلفة،والاعتمادية الشديدة.."
أو العكس من ذلك حين ينتهج الطفل سلوكاً عدوانياً نحو الذات أو الآخرين،كردة فعل عن القسوة والتسلط الممارس ضده .
2- نمط الحماية الزائدة :وهو نمط يتعمد فيه الوالدان القيام بما يفترض أن يقوم به الطفل من أعمال وسلوكيات،فيقومان نيابة عنه بالواجبات التي يفترض أن يقوم هو بها ،بطريقة تؤدي إلى حرمان الطفل من رغبته في الاستقلال والشعور بالذات ،وهذا النمط من التربية وإن كان ظاهره الحنو والعطف على الصغير إلا أنه قد يحمـل نوعـين مـن القسوة على الطفل ،فالطفل لا يتقبل غالباً التمتع بهذه الحماية بصفة مستمرة مما يدفع بالوالدين إلى استخدام أسلوب التسلط والقسوة، ومن جهة أخرى قد يلجأ الوالدان إلى أسلوب الابتزاز العاطفي لإخضاع الطفل .
وينتج عن مثل هذا النمط من التربية عدم قدرة الطفل على تحمل المسئولية ؛لأنه حُرم من فرص التعلم،فيصبح ذا شخصية قلقة مترددة ،معتمدة على الآخرين ،مع عجزه عن مواجهة مشكلات الحياة، ذو شخصية انسحابية مهزوزة ،تواجه المواقف المختلفة بوجل وارتباك وخوف ،غير قادرة على تكوين علاقات اجتماعية ناجحة أو مواجهة الأشخاص بشكل ايجابي فاعل، وبالتالي فهي تستمرئ الخضوع والخشوع والطاعة في غير ما يستوجب ،وهي في ذات الوقت شخصية مهملة غير منظمة ؛مما يجعلها ترتكب الأخطاء تلو الأخرى وهي مع ذلك ليس لديها رغبة في الإصلاح
3- نمط التذبذب:ويقصد به عدم اتفـاق الوالدين أو استقرارهما على أسلوب موحد في التنشئة ،كأنْ يثاب الطفل على سلوك معين ،ثم يعاقب عليه في وقت آخر أو من طرف آخر،كما يتضمن التقلب في معاملة الطفـل بين اللين والشدة في مواقف مشابهة ،بشكل لا يتمكن الطفـل معه من تكوين تصور قيمي أو معرفي عن السلوك المرغوب وغير المرغوب ، فيفرز هذا شخصية متقلبة ومتذبذبة.
4 - نمط الإهمال والنبذ: وهو نمط يتعمد فيه الوالدان ترك الطفل بدون توجيه أو عنايـة ،فلا تتم الاستجابة لحاجات الطفل ،كما قد يتعمدان عدم تشجيعه على السلوك المرغوب فيه ،وكذلك إغفال محاسبته على السلوك غير المرغوب،فلا يحصل الطفل على التعزيز المناسب لسلوكه ،وينتج عن هذا النمط من التربية "أن ينمو الطفل المهمل وهو يحمل إحساساً بالنبذ وعدم الانتماء ،وقد يظهر لديه التخبط في التصرف نتيجة لعدم الوضوح في قواعد السلوك ،وهو عرضة للخضوع لتأثير جماعة الرفاق ؛نتيجة لحرصه على تقبل الجماعة له مما قد يؤدي إلى الانحراف ومخالفة القوانين"
ويؤثر نمـط الإهمال والنبذ تأثيراً سلبياً على سلوك الطفل حين يدفعه إلى انتهاج سلوكيات غير سوية ؛ للتعويض عما يعانيه الطفل من نبذ وعدم تقدير ،" ففي حالة إذا ما عجز الطفل عن لفت نظر والديه أو كسب عطفهم فإنه قد يلجأ إلى سرقة شيء عزيز لديهم ويحتفظ به،كما قد يقوم بأنواع أخرى من السلوك مثل العدوان والثورة والعناد والتخريب أو إتلاف أدوات المنزل أو كثرة الشقاوة والنشاط الزائد والصراخ، وفي حالات أخرى يعرض الطفل المنبوذ نفسه للجروح والكدمات أو يدعي المرض بصفة متكررة ،وقد يمتنع عن الأكل أو الكلام ، أو يتبول على نفسه لا إرادياً ، وما هذه إلا مظاهر للاضطراب النفسي"
5- نمط التفرقة:ويقصد به عدم حصول الأبناء على معاملة والدية متساوية ،وذلك بلجوء الوالديـن إلى أسلوب التفضيل بين الأبناء بناء على اعتبارات عدة منها الجنس أو المركز، أو السن أو أي سبب آخر، وتؤدي التفرقة إلى ظهور شخصية تشعر بالظلم والعجز والافتقار للعدالة،وشخصية أخرى في المقابل " أنانية حاقدة تعودت أن تأخذ دون أن تعطي، تحب أن تستحوذ على كل شيء لنفسها أو على أفضل الأشياء ،حتى ولو على حساب الآخرين"
وجميع هذا الأنماط إما أن تشكل مشكلة أسرية أو تتسبب في ظهورها.
المبحث الخامس: أسباب اجتماعية
يقصد بالأسباب الاجتماعية المحيط الاجتماعي للأسرة وأفرادها،والذي يمكن أن يشكل تدعيماً وتعزيزاً للمشكلات الأسرية ،أو يحرض عليها.ويشتمل هذا الجانب على أسباب عدة منها ما يلي:
1- التغير الاجتماعي:يرى البعض أن هذا العامل يعتبر أبرز العوامل والأسباب الاجتماعية للمشكلات الأسرية ،وهو بمثابة الأساس الذي تتمخض عنه أسباب وعوامل أخرى، فالتغير الاجتماعي السريع الذي خضعت له المجتمعات الإسلامية ،ساهم إلى حد كبير في ازدياد حدة المنافسة الفردية ،والتي أصبحت بدورها أحد العوامل المسيطرة على العلاقات الاجتماعية السائدة ،فأدى ذلك إلى تغليب المصالح الشخصية والرغبة المستميتة لتحقيق الذات وإثباتها داخل المجتمع.
ولم تسلم العلاقات الأسرية من هذا التغير خاصة في ظل تداخل عوامل ومستجدات حديثة، أثرت على تركيبة الأسـرة ،وتوزيـع الأدوار داخلها ،وتقسـيم المسئوليات.ولعل أهم ما يذكر في هذا الجانب ما أحدثه هذا التغير السريع من فجوة بين الأجيال ووجود نوع من صراع القيم بين الأجيال داخل الأسرة الواحدة. حيث يتبنى الآباء قيماً تقليدية محافظة في حين يميل الأبناء إلى تبني قيم متحررة وبالتالي يميلون إلى التمرد ،ورفض قيم الآباء ،"فعدم اقتناع الآباء في كثير من الأحيان بالمستورد من الأفكار والتقاليد التي تخالف ما عاشوا عليه من شأنه إحداث عدم تماسك أسري واضطراب في تنشئة الأبناء"
كما ساهم التغير الاجتماعي والتحول إلى الأسرة الحضرية وسيادة نمط الأسرة النووية في إيجاد نوع من الصراع بين أدوار كل من الزوج والزوجة والأبناء ،وخاصة دور الزوجة والتي أصبحت تقوم بأدوار متعددة ،مما جعل العلاقة الأسرية عرضة للتوتر والصراع بين التوقعات والأدوار .فالمرأة التي كانت لا تتمتع بقدر كافٍ من التعليم،والقدرة على العمل وإعالة نفسها أصبحت الآن تتمتع بدرجات عالية من التعليم،وفتح لها مجال العمل"وهي لذلك تميل إلى تحديد دورها في هذه العلاقة بطريقة تختلف عن الصورة التقليدية القديمة ،ولا تميل إلى تقدير مركز الزوج بنفس الدرجة السابقة"
 ولا يمنع ذلك من أن التغير الاجتماعي قد ساهم في تحسين الكثير من أوضاع المرأة والأسرة ،ولكنها طبيعة وحتمية الصراع والسعي للتوافق بين القديم والجديد.
2- خروج المرأة للعمل: أفرز خروج المرأة للعمل مجموعة من النتائج الإيجابية والسليبة في شخصية المرأة نفسها وفي دورها ومسئولياتها كأم ،ورغم أن هذه النتائج مازالت مثار جدل ،إلا أن المفروغ منه أن خروج المرأة للعمل شكل في حد ذاته نوعاً من الضغط النفسي والمعنوي على المرأة نفسها،فكثيراً ما تجد المرأة العاملة نفسها أمام متطلبات عدة قد تعجز عن تلبيتها بشكل يضمن لها تحقيق استقرار نفسي ،فتظل في صراع بين تحقيق متطلبات وتوقعات الزوج والأبناء،وبين تحقيق ذاتها وأهدافها في ميدان العمل،وبين هذا وذاك تضيق مساحة إشباع احتياجاتها المادية والمعنوية .وليس ثمة شك أن وضعاً كهذا كفيل بأن يعرض المرأة إلى اضطراب وعدم توازن نفسي نحو ذاتها ،وفي تعاملها مع الآخرين.
أما عن تأثير خروج المرأة للعمل على علاقتها الأسرية فتشير سناء الخولي إلى  أننا " لا نستطيع أن ننكر أن العلاقات الأسرية في الأسرة التي تعمل فيها الزوجة قد تأثرت بعمق،وإن كانت نتائج ذلك تختلف من فئة لأخرى، ومن أبرز جوانب التأثر ذلك الصراع الظاهر أو المستتر بين الزوج والزوجة على السيادة والميزانية والادخار ومعاملة الأطفال والصلة بالنسق القرابي وتمضية وقت الفراغ إلى غير ذلك.

أما عن تأثير عمل المرأة على الأبناء فيؤكد السيد المخزنجي " أن المرأة العاملة تعود مرهقة من العمل خارج البيت ،ولذلك فإنهـا لا تستطيع أن تتحمل أبناءها ،فتلجأ إلى ضربهم ضرباً قد يكون مبرحاً ،الأمر الذي أدى إلى ظهور مرض تسبب فيه هؤلاء النساء العاملات اسمه (مرض الطفل المضروب)"

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدراسات قد أظهرت أن هناك إيجابيات عديدة لخروج المرأة  للعمل على شخصيتها، وعلى تربيتها لأطفالها،وتدعيم علاقتها بزوجها،فعلى سبيل المثال أظهرت دراسة محمود منسي " وجود فروق ذات دلالة إحصائية في السلوك الاجتماعي بين أبناء العاملات وأبناء غير العاملات الذكور والبنات لصالح أبناء وبنات العاملات"
.وأشارت تماضر حسون إلى "أن الأمهات العاملات أكثر حرصاً على مستقبل أبنائهن،ويبذلن بالتالي قصارى جهودهن في الإشراف على تعليمهن وتثقيفهن،كما أن أبناء العاملات أكثر اعتماداً على النفس وأكثر ثقة من أبناء الأمهات غير العاملات،كما أن خروج المرأة للعمل عزز من علاقتها بزوجها ،وأنشأ نماذج جديدة من العلاقات بين الزوجين تتألف من مزيج من الاحترام المتبادل والتفاهم ،وباتت الظروف وقضايا الزوجية والأسرة في غالبية أسر العاملات لا تتخذ إلا بعد تداول ونقاش بينهما..

 والحقيقة أن وجود هذا النوع من التوافق أو عدمه يتوقف على الخصائص النفسية للمرأة نفسها وقدرتها على القيام بأكثر من دور ،والتوفيق بين الأدوار المختلفة،كما يتوقف على نوعية العمل وساعات تواجدها به. ولكن يظل العامل الأهم هو مدى تقبل الزوج لعمل الزوجة ومدى حرصه على التعاون معها،وعلى مدى توافر جو أسري متكافل.
3- الاعتماد على الخدم والسائقين:يربط الكثيرون بين خروج المرأة للعمل وانتشار ظاهرة الخادمات والسائقين ولكن الواقع يؤكد أن الظاهرة لم تعد حكرا على المرأة العاملة ،ولسنا هنا بصدد طرح قضية دور وأهمية هؤلاء من عدمه،فما يهمنا هو ما يمكن أن تخلفه هذه الظاهرة من آثار سلبية ومشكلات على الأسرة المسلمة في ظل امتداد دور الخادمة من عاملة منزل إلى ما يشبه ربة البيت المنابة بشؤون المنزل كافة،والأم البديلة في التربية والرعاية وما يمكن أن يشكله ذلك من خطر يهدد التنشئة الأسرية،وفي ظل ائتمان السائق على أطفال الأسرة ومحارمها .
فإذا ما سلمنا بأن الكثير من الأسر تحرص على الاستعانة بخادمات وسائقين مسلمين ،فإنه يظل هناك عامل آخر مؤثر على تنشئة الأبناء وهو جهل الأسرة بالخلفية الاجتماعية والثقافية للخادمة والسائق إضافة لجهل هؤلاء بخصوصية ثقافة مجتمع الأسرة.
ويمكن أجمال دور الخادمات والسائقين _ بشكل مباشر وغير مباشر_ في تعريض الأسرة للمشكلات فيما يلي :
‌أ- التأثير على المعتقدات الدينية والقدرات اللغوية،نظرا لاتساع التفاعل بين الخادمات والسائقين وأطفال الأسر.
‌ب- إهمال الزوجة والزوج لكثير من الحقوق والواجبات وتكليف الخادمة والسائق بها.
‌ج- تحميل الأسرة أعباء مالية .
‌د- ظهور قيم اجتماعية غير إيجابية ،كالاتكالية ،والاعتماد على (الغير)،وانعدام روح المبادرة.
‌ه- تعرض الأطفال للأذى الجسدي أو المعنوي .
‌و- تدني مستوى ارتباط الأطفال بالوالدين والأخوة،مما أدى إلى إضعاف صلة الطفل بأمه وأبيه إلى حد واضح في كثير من الحالات ..ولا شك أن هذا الضعف إنما جاء كنتيجة طبيعية لتقليص دور الأم والأب
‌ز- استغلال بعض الأبناء لضعف الرقابة الأسرية ووجود خادمة أو سائق،وارتكاب المنكرات في غفلة من الوالدين.
4- وسائل الإعلام :يفترض أن وسائل الإعلام هي أحد وسائط التربية التي لها دور بارز في التنشئة الاجتماعية ،ولكن الواقع يظهر أن وسائل الإعلام أصبحت تشكل أحد روافد المشكلات الأسرية المختلفة في ظل شبه غياب للإعلام الإسلامي القادر على الوصول لكل بيت مسلم ،وفرض أطروحاته ومواجهة الإسفاف الإعلامي لوسائل الإعلام المنتشرة ،والتي أشغلت حيز وقتي وعقلي انعكس بشكل سلبي على أنماط التفاعل داخل الأسرة.
فهناك الآثار السلبية للإعلام غير الهادف على الجانب الديني والأخلاقي والثقافي،إلى جانب ترويج ثقافة الاستهلاك والنهم للكماليات بشكل أثقل كاهل الأسرة ماديا،وهناك تعزيز تقليد الأفراد كبار وصغار للممارسات المختلفة التي يشاهدونها والمطالبة بمثيلها على أرض الواقع.
وهناك الترويج لثقافة العنف ،فوسائل الإعلام تضفي على العنف نوعاً من التشويق،يزيد من خطورة العنف الموجه ،خاصة على صغار السن .وقد يختلط هذا التشويق بإضفاء بعض الشرعية والتبرير على السلوك العنيف ،فيشكل ذلك أثراً ذا بعد قوي على تقبل العنف كسلوك مشاهد في واقع الحياة أو كسلوك متبع ،وبشكل عام "فقد أثرت وسائل الإعلام الحديثة،خاصة غير المنضبطة منها،على قيم التضامن العائلي،وقيم الاحترام المتبادل،وأخلت بمعايير الحلال والحرام،والطبيعي والشاذ،والمقبول وغير المقبول..
5- المشكلات الاقتصادية : يشكل المقوم الاقتصادي عاملاً أساسياً في تماسك الأسرة وتحقيق احتياجاتها المختلفة ،فوجود مصدر تمويل للأسرة يعني تحقيق الاستقرار المادي ،وبالتالي تمكينها من تحقيق أهدافها ،والعكس صحيح .فالظروف الاقتصادية السيئة تشكل عائقاً في طريق توافق الزوجين وتكيف الحياة الأسرية.
كما تشكل التطلعات المادية غير المتناسقة مع إمكانات الأسرة والتي قد يحملها أحد أطراف العلاقة الأسرية عامل مهم في إثارة العديد من المشكلات .
ويعد الفقر والبطالة في كثير من المجتمعات مسئولان عن العديد من المشكلات الأسرية،فالبطالة قد تقلل أو تهمش السلطة الوالدية،وقد تدفع أحد أفراد الأسرة إلى مزاولة أعمال يحرمها القانون
وفي ذات الوقت قد تشكل الإمكانيات المادية العالية سبب للمشكلات الأسرية عندما لا يصبح هناك تخطيط سليم للموارد،أو يتم استنزاف طاقة رب الأسرة على حساب وقت وراحة الأبناء والزوجة.
6- تأثير الأقارب وجماعة الرفاق:بالرغم من أهمية العلاقات الاجتماعية في تقوية البناء الأسري ،إلا أن مثل هذه العلاقات قد تشكل عامل للمشكلات الأسرية،فقد يلعب الأقارب دورا سلبيا حين يتم تحريض أحد أطراف العلاقة ضد الآخر،أو يتم التدخل بشكل غير الواعي في الخلافات الزوجية أو في طرق تربية الأبناء .
كما تشكل جماعة الرفاق أحد أهم الجماعات المؤثرة في التنشئة الاجتماعية،وتكتسب هذه الجماعة أهميتها الخاصة في مرحلة المراهقة .فمن أهم خصائص هذه المرحلة الميل الشديد للرفاق ،سعيا للتخلص من سيطرة الأسرة وإظهاراً لاستقلال الذات فإذا ما كانت هذه الرفقة سيئة فإن المراهق سيتشرب بآرائها الخاطئة نحو اللهو والجنس والعنف ...
ولا يقتصر دور رفقاء السوء على مرحلة المراهقة فقد يلعب هؤلاء دوراً خطيراً في العلاقات الأسرية ،إما بإكساب الفرد نمطاً من السلوك غير المقبول ،أو بالتدخل السلبي في العلاقات العائلية،والذي يمكن أن يؤدي إلى إحداث حالة من التوتر بين الزوجين ،فاختلاط كلا الزوجين بأصدقاء السوء من شأنه أن يدفعهم لتبني اتجاهات وانتهاج سلوكيات تؤثر على العلاقة الزوجية، وتخلق العديد من التوترات داخلها،فقد يتدخل أصدقاء السوء في الشئون الأسرية الخاصة، ويوعز إلى أحد أطراف العلاقة بضرورة السيطرة على الطرف الآخر، أو الاستغناء عنه مادياً أو معنوياً. ومما لا شك فيه أن ذلك كفيل بإثارة العديد من المشكلات الأسرية.
كان هذا عرض مجمل لبعض الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى المشكلات الأسرية،وسيتم تناول بعض سبل المعالجة من خلال الفصل القادم.

الفصل الثالث: سبل المعالجة
تمهيد
أن طرح معالجة للمشكلات الأسرية رغم أنه ضرورة حتمية إلا أنه لا يقل صعوبة عن تصنيف مسببات هذه المشكلات،وكما تم الاكتفاء في الفصل السابق بعرض بعض من الأسباب،سيتم الاكتفاء في هذا الفصل بعرض بعض الأسس والأساليب التي يمكن أن تسهم في معالجة المشكلات الأسرية وتقوية أواصر الروابط داخل الأسرة،من خلال مايلي:
المبحث الأول: تطبيق شريعة الله فكراً وسلوكاً:
أنزل الله ـ عز وجل ـ شريعته السمحاء لتكون نورا تهتدي به الإنسانية في شتى مجالات حياتها ،ويتحقق من خلالها سبل الاستقرار والسعادة ،فكل طريق يضاء بنبراس الشريعة هو طريق خير وفلاح،وإذا ما خفت هذا الضياء تاهت البشرية في مسالك الكبد والمشقة.
فالتمسك بشرع الله وتطبيق حدوده هو سبيل الاستقرار في العلاقة الأسرية ،وقد يشتمل هذا التطبيق مرحلة ما قبل الزواج ،ومرحلة ما بعد الزواج.
1-  تطبيق شريعة الله فكراً وسلوكاً في مرحلة ما قبل الزواج:
إن التطبيق السليم للأسس الإسلامية في تأسيس البيت المسلم وبناء دعائمه على القيم والمبادئ الإسلامية كفيل بتجنيب الأسرة العديد من المشكلات ؛على أن يتم ذلك من اللحظات الأولى لتكوين عش الزوجية،بالاختيار السليم،والتيسير في النكاح:
أ-الاختيار الزواجي السليم:
العلاقات الأسرية هي أكثر العلاقات الاجتماعية خصوصية وتماسك ،لذلك حرص التشريع على توفير شتى السبل الميسرة لبقائها واستقرارها ،وأول خطوات هذا السبل هي منح الحق في الاختيار لكلا الطرفين ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى ‏ ‏تُسْتَأْمَرَ ‏،‏وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا :يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ))
وبذلك ترسي الشريعة الإسلامية أسس البيت المسلم المستقر من اللحظة الأولى التي يسعى فيها كل طرف من الزوجين للارتباط وبناء أسرة مسلمة ،فتحث كل طرف على الاختيار السليم المبني على مقومات ومعايير التي تكفل حصول كل طرف على شريك يتمتع بقدر مناسب من الأخلاق الإسلامية ،تجعله قادرًا على تحمل المسئولية وعلى احترام وتقدير الطرف الآخر وحفظ حقوقه ،وتكوين بيت مسلم مستقر ،وبناء علاقات أسرية متماسكة وموثقة بروح الحب والألفة ، فيصبح البيت المسلم محضناً صالحاً لصنع الأجيال المؤمنة، ويتم تقسيم هذه المعايير إلى :
- معايير ثابتة:حثت الشريعة على الأخذ بها ،ورغبت فيها ،وتشتمل على معيار الدين والخلق.
- معايير ملحقة: أعطت للفرد حق الأخذ بها دون تقديمها على المعايير الثابتة.
وسنتناول كل جانب بشيء من التفصيل:
 - المعايير الثابتة :
أول هذه المعايير هو معيار الدين والخلق ،وهما الترجمة السلوكية والفكرية لصلاح الإنسان وقدرته على البناء والتفاعل المتوازن وفق منهج الله القويم ،وبناء على ذلك كان الدين والخلق معياراً ثابتاً في الاختيار لكلا الزوجين ،قال تعالى : â وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ á [ سورة النور : آية 32]، ويتضح لنا المراد بالصلاح من ضوء الآية الكريمة في قوله تعالى : â عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا  á [سورة التحريم :آية 5]
،وهكذا فإنه من المفترض أن تشكل هذه الصفات انعكاساً أخلاقياً على الفرد الملتزم بها، فتلقي بضوئها على سلوكياته وعلاقاته بالآخرين.
وقد رغّبت السنة المطهرة في اختيار الزوجة صاحبـة الدين وتقديمها على من سواها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(‏تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ:لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا ،فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ ‏ ‏تَرِبَتْ يَدَاكَ
،يقول ابن حجر في شرح الحديث:" والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته،فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية"[ أحمد بن علي بن حجر  العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري،ج9، بيروت:دار المعرفة للطباعة والنشر ،(د.ت)، حديث رقم 5090، ص 50.  ] ،وبصلاح الزوجة يتحقق السكن المقصود ، ومن مظاهر السكن أن تكون الزوجة صاحبة فطرة سليمة وخلق سوي ، تألف وتؤلف،وتساعد على تكوين بيئة المودة والرحمة .
وعلى الجانب الآخر حرصت الشريعة على صلاح الزوج وتدينه ،وأن يكون صاحب خلق إسلامي قويم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ،إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ ‏‏عَرِيضٌ )[ محمد بن عيسى الترمذي ،سنن الترمذي، ج3، القاهرة:دار الحديث ، (د.ت)،كتاب النكاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، حديث رقم 1084، ص 385.] ، ويمثّل معيار الدين والخلق جانباً أكثر أهمية فيما يتعلق بالزوج،لتعلّق القوامة به،كما أنه بمثابة القدوة الأولى والقائد للأسرة ،يضاف إلى ذلك أن بيده حلِّ عقد الزوجية ،لذلك يقول أبو حامد الغزالي:"والاحتيـاط في حقهـا أهم ؛لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال ،ومن زوّج ابنته ظالماً أو فاسقاً أو مبتدعاً أو شارب خمر فقد جنا على دينه ،وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار ، وقال رجل للحسن :قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها؟قال: ممن يتقي الله ،فإن أحبهـا أكرمهـا،وإن أبغضها لم يظلمها"[ محمد بن محمد الغزالي ، إحياء علوم الدين،. بيروت:دار المعرفة، (د.ت) ، ج2،ص 41.]
- المعايير الملحقة :
مما يميز الشريعة الإسلامية واقعيتها،فهي تراعي رغبات الإنسان واحتياجاته،وتسعى لإشباعها ،لذلك نجدها لم تهمل الصفات الأخرى التي يمكن أن تكون عامل جذب للطرفين ،ولم تعطها أكبر من قدرها ولكن اعتبرتها صفات فرعية، فالبناء الأساسي يرتكز على الدين ،ثم تلحق به هذه الصفات ،وهذا ما يوضحه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :( لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ ،ولَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ ،وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ ،وَلَأَمَةٌ ‏‏خَرْمَاءُ*‏سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ )[ خرماء:‏أي مقطوعة بعض الأنف ومثقوبة الأذن.].
وكذلك الأمر في اختيار الزوج ،كما روى‏‏ ‏ابن أبي حازم ‏عن‏ ‏أبيه ‏عن ‏‏سهل قال:"‏‏مر رجل على رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال:(‏ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟قَالُوا :حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ،وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ ،وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ:مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟.قَالُوا:حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ ،وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)[ محمد بن إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري، ج7،كتاب النكاح،باب الأكفاء في الدين، حديث رقم 29، ص12.]
إذاً فالمعيار الثابت هو معيار الدين والخلق ،وهو ما تستديم به الحياة وتُأسَّس في ظله الأسرة المسلمة القائمة على طرفين يتمتعان بقدر عالي من الإيمان الصحيح المحقق للأخلاق الفاضلة ،والصحة النفسية ،والقدرة على تكوين علاقات اجتماعية سوية تجنب الأسرة الكثير من المشكلات.
ب- التيسير في النكاح:
مما لا شك فيه أن الزواج مطلب ديني ودنيوي وهو طريق لتحقيق السعادة لكلا الزوجين ،فإذا عرفت الغاية سهل الوصول لها ،وأصبح تيسير تحقيقها مطلب للجميع،ولكن النفوس قد تغفل عن ذلك ،وتنشغل عن أولوياتها بفروع لا تصل بها إلى الغاية السامية وهي تحقيق السعادة ،فواجب الأسر والمجتمع أن يحرص على تيسير أمور النكاح أولا بالحد من المغالاة في المهور والتقليل من مطالب الزواج ونفقاته،اقتداءا برسول الله صلى الله عليه وسلم ،روي‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة بن عبد الرحمن ‏ ‏أنه قال: (سَأَلْتُ ‏عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمْ كَانَ ‏ ‏صَدَاقُ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَتْ :‏ ‏كَانَ ‏ ‏صَدَاقُهُ ‏ ‏لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ‏ ‏أُوقِيَّةً ‏ ‏وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ قَالَ قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ ‏ ‏أُوقِيَّةٍ ‏ ‏فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا ‏ ‏صَدَاقُ ‏ ‏رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لاَزْوَاجِهِ)
.فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير البرية وهذه هي مهور نساءه أمهات المؤمنين.
وعلى مثل ذلك كان زهده صلى الله عليه وسلم في تأسيس بيته وبناء حجرات زوجاته ،حتى قال سعيد بن المسيب: ( والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من أهل المدينة ، ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر ،وقال أبو أمامة يومئذ : ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ، ويروا ما رضي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ومفاتيح خزائن الدنيا بيديه )
والالتزام بالتوجيهات النبوية في التيسير في الزواج من شأنه أن يساهم في استقرار الأسرة مستقبلا ،حيث يخفف من الأعباء المادية على الزوجين ،ويضفي نوع من الاستقرار النفسي والطمأنينة والراحة على العلاقة الزوجية من بداية تكوينها.
2- تطبيق شريعة الله فكراً وسلوكاً في مرحلة ما بعد الزواج:
كما حرصت الشريعة على تطبيق الأسس الأسلامية الكفيلة باستقرار الأسرة قبل تأسيس البيت المسلم،حرصت كذلك على حماية الأسرة واستيفاء الحقوق والواجبات داخل علاقاتها ،وتنشئة أفرادها على القيم والمبادئ الإسلامية.
أ- أداء الحقوق والقيام بالواجبات المتبادلة بين الزوجين:
تقوم الأسرة في الإسلام على جملة من الحقوق و الواجبات بين أفرادها ، فتفرض الشريعة السمحاء للزوجة حق المهر،والنفقة،والعشرة بالمعروف ، والعدل بينها وبين من سواها من زوجات إن وجد..وغير ذلك ، وتعطي للزوج حق الطاعة والقوامة وغيرها،وتجعل حقوق أخرى مشتركة بينهما كحق العشرة بالمعروف.
ويتحقق من خلال أداء الحقوق والقيام بالواجبات ترسيخ الإحسان والعشرة بالمعروف والأمن والعدل والمساواة لأفرادها ،كما تضمن هذه الحقوق والواجبات ألا يعتدي طرف على آخر في الأسرة ،ولا يجبر طرف الآخر على ما لا يرضاه إذا كان في ذلك مخالفة لحدود الله، بما يضمن أمن الأسرة واستقرارها،وضمن قاعدة عامة فحواها أن كل حق لأحد الزوجين يقابله واجب للآخر ،وتبادل الحقوق والواجبات هو السبيل لاستقرار الأسرة وتجنب المشكلات.قال تعالى : :â... وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌD [سورة البقرة : آية 228 ].
ب- الحرص على تحقيق التربية الدينية لجميع أفراد الأسرة:
فيحرص كلا الزوجين على صلاح دين الطرف الآخر ،وعلى المشاركة في العبادات وعلى طلب العلم وحضور مجالس الذكر،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وتقديم النصح للطرف الآخر ،قال تعالى :{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [سورة التوبة:آية71].
ويحرص كلاهما على بناء جيل مسلم واعٍ بشرع الله ومطبق له،وفق قوله تعالى: â   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  [ سورة التحريم:آية6] ،أورد ابن كثير في تفسير الآية:" قال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله ،وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه ،فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها،وهكذا قال الضحاك ومقاتل:حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه"
ويسعيا إلى إعداد الطفل إعداداً جسمياً وعقلياً وروحياً ووجدانياً واجتماعياً ؛لكي يكون عضواً نافعاً،وقد رغب الإسلام في ذلك وحث عليه بأن جعل عظيم الأجر لمن وفّى به،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والده تاجاً يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم،فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟) [أبو داود سليمان بن الأشعث،سنن أبي داود، ج2، بيروت:دار الحديث،1394هـ،كتاب الصلاة،باب ثواب قراءة القرآن، حديث رقم1453،ص148.] ،وحذر من التقصير في ذلك أو تركه،وجعلت فيه أثماً كبيراً،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول)[

وفي ظل ما تشهده مجتمعاتنا من استهداف وغزو عقدي وفكري ،فإن تقوية البناء العقدي لأفراد الأسرة يعد مسؤولية حتمية ،فيعمل الوالدين على ترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم أولاً وفي نفوس الأبناء ،ويسعيا إلى زيادة الوعي الثقافي الإسلامي ،خاصة في تربية الفتاة المسلمة ،فيغرسا في نفس الطفلة منذ صغرها العزة بالإسلام منهجا وسلوكا. فقد حرص المصطفى على بذل التربية على العقيدة الصحيحة للنشء كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (‏‏ كُنْتُ ‏ ‏رَدِيفَ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا غُلَامُ ‏ ‏أَوْ يَا  غُلَيِّمُ ‏ ‏أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ فَقُلْتُ: بَلَى فَقَالَ ‏: ‏احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ ‏ ‏كَائِنٌ ‏ ‏فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ‏‏وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[ مسند أحمد ،مسند بني هاشم ،بداية مسند عبد الله بن عباس.].ومثل هذه التربية كفيلة بتنشئة الأبناء على القيم الإسلامية ،وبمساعدة الأسرة على تجاوز الكثير من مشكلات الطفولة.
المبحث الثاني: تقوية البناء الأخلاقي للأسرة:
سعت التربية الإسلامية إلى تنشئة أفراد المجتمع المسلم على الفضائل الظاهرة والباطنة ،وعلى أن تتخذ هذه الفضائل منهجاً للحياة ،بتطهير النفس أولاً من جميع الرذائل الأخلاقية والإرادات الشريرة ،ثم بتحليتها بالمبادئ والقيم والعادات الخيرة والحسنة.
وأخذت هذه الأهمية بعدا آخر داخل الأسرة،لأن الاهتمام بالجانب الأخلاقي للأبناء من شأنه أن يحمي الأسرة والمجتمع من المشكلات، والتلقين للقيم في مرحلة الطفولة مدعاة للتمسك بها وتطبيقها ،يقول أبي حامد الغزالي:"والصبي أمانة عند والديه،وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة،وهو قابل لكل ما نقش ،ومائل إلى كل ما يمال به إليه،فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ،وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقـي وهلك ،وكـان الـوزر في رقبة القيم عليه والوالي له...
ويمكن للأسرة أن تقوي البناء الأخلاقي وتتجاوز المشكلات ذات البعد الأخلاقي من خلال:
1-السعي لغرس القيم الأخلاقية في سلوك أفراد الأسرة:
فالنفس الإنسانية تمتلك فطرة طيبة تجعلها صالحة للخير غير ضائقة به ،فإن انحرفت إلى جانب الشر كان ذلك أمراً عارضاً تجب معالجته ،وعامة هذا الانحراف منشأه من قصور التربية .يقول ابن القيم: "ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره: من حرد وغضب ولجاج، وعجلة ،وخفة مع هواه،وطيش، وحدة ،وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز،فضحته ولابد يومـاً ما ،ولهـذا تجـد أكثر النـاس منحرفـة أخلاقهم، وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها"
.فواجب الزوجين رعاية الفطرة الخيرة في نفوسهم ونفوس الأبناء وحمايتها من عوارض الشر، ويتم ذلك بتكوين القدوة الصالحة، والتعود على مسالك الخير والفضيلة وغرس مبادئ الأخلاق الإسلامية ،وتقبل النصح والتوجيه الأخلاقي .
ومن أهم واجبات الوالدين في تربية الأبناء تعويدهم منذ الصغر على القيم والمبادئ الخلقية التي أقرها الإسلام وحثت عليها التربية الإسلامية ،وأن يُبتدأ بذلك منذ سنين الطفولة المبكرة ،حتى إذا شب النشء صارت مثل هذه القيم عادات لديه، ومنهجاً لحياته.وتأخذ هذه الأخلاق والقيم اتجاهات مختلفة منها:
-الأخلاق الاجتماعية: فيعمل الوالدان على تنشئة الطفل من البداية على اللطف والأدب في معاملة الآخرين ،و أن يعود الطفل آداب الحديث وأساليب المعاملة الصحيحة ،وتقديم الآخرين على نفسه،وعدم الاعتداء على حقوق الغير.
-الأخلاق الاقتصادية: يغرس الوالدان في الطفل حب العمل والإنتاج ،ومعنى الكسب الحلال،وتقدير قيمة الأشياء والحرص عليها ،مع التأكيد على الأمانة ومراعاة حقوق الآخرين والبعد عن أساليب الاستغلال والابتزاز[عبد السلام عبد الله الجقندي، التربية المتكاملة للطفل المسلم في البيت والمدرسة،دمشق:دار قتيبة،1424هـ،ص286.].
ومثل هذه الأخلاق والقيم كفيلة بغرس السلوك الأخلاقي السوي الذي يقي الأسرة من مغبات المشكلات.
2- حسن العشرة :
 الزواج في الإسلام هو الوسيلة الوحيدة لبناء الأسرة والاستقرار النفسي للزوجين،وتنشئة أفراد مسلمين متوازنين ومتكيفين .وحتى يتحقق ذلك لابد أن تقوم هذا العلاقة على أسس قوية من الأخلاق السوية وحسن العشرة والمودة .
ومع أن العشرة بالمعروف حق مشترك بين الزوجين فإن الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة جاءت بالتأكيد على حسن العشرة في جانب الزوجة أكثر منها للزوج ،فجاء الخطاب القرآني للرجال بقوله تعالى : â...  وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ... [سورة النساء: آية 19] .يقول القرطبي في تفسير الآية الكريمة: " المعروف هنا شامل لكل ما من شأنه الإحسان إلى المرأة ، فهو أمر من الله بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن ؛لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال ،فإنه أهدأ للنفس ، وأهنأ للعيش"
وقد كان قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن الخلق جميل العشرة مع نسائه ،يحسن إليهن ويجالسهن ويداعبهن .ومما روي في ذلك مسابقته لعائشة رضي الله عنها ، فقـد قالت:( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا خفيفة اللحم،فنزلنا منزلاً،فقال لأصحابه .تقدموا،ثم قال لي :تعالي حتى أسابقك . فسابقني فسبقته،ثم خرجت معه في سفر آخر،وقد حملت اللحم،فنزلنا منزلاً،فقال لأصحابه :تقدموا ،ثم قال لي:تعالي أسابقك .فسابقني فسبقني، فضرب بيده كتفي ،وقال:هذه بتلك)
كما جاءت الأحاديث النبوية كذلك بالحث على حسن العشرة للزوجة ،قال رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ ،وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ ،فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ،وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ ،فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)[ محمد بن إسماعيل البخاري ،صحيح البخاري، ج7، كتاب النكاح ، باب الوصايا بالنساء، حديث رقم 116،   ص46.]. ولعل ذلك لسببين رئيسيين :
أولهما :أن الرجل أعطي حق القوامة والرعاية والزوجة أمانة بين يديه ، فكان لابد من التأكيد على اتصاف هذه القوامة بحسن العشرة والتصرف وفق المنهج الإسلامي القويم .
وثانيهما:الطبيعة التي جبلت عليها المرأة من ضعف وتقلب وحاجة للرعاية والحماية وحب للدلال والحنان ،فواجب الزوج أن يعفو ويتجاوز عن التقصير،ويغض الطرف عن الهفوات البسيطة ،ويتذكر أن التكوين النفسي للمرأة يتميز بالعاطفة المندفعة ،والرغبة في المعاملة الرقيقة .فأسلوب الشدة قد لا يأتي بفوائد في مواقف كثير ،"وأن المرأة لا تصلح لها المحاكمة المستقصية والمناقشة العسيرة ، والرجل يحس برداً وروحاً حين يعلم أن هذه طبيعة المرأة،فيتقبلها كما هي ،ويأخذ نفسه بالحكمة معها والصبر عليها ،ولا يجنح إلى الخيال،ولا يتطلب الكمال"
 وحتى تتحقق العشرة بالمعروف وجب أن تكون حقاً مشتركاً وواجباً مشتركاً ،فكما على الزوج أن يحسن عشرة زوجته ،كذلك فعلى الزوجة أن تقوم بحق زوجها ،وتحسن عشرته ،وأول واجبات حسن العشرة أن تراعي حقه في القوامة ،وما له عليها من حق الطاعة والاحترام ،وأن تحسن إليه فتلين الكلام، وتكثر من الزينة ،وتحرص على ألا يرى منها قبحاً ،وأن تعبر عن مشاعرها وتتحكم في انفعالاتها بصورة متزنة.
ومن حسن العشرة كذلك أن تعفو الزوجة وتتجاوز عن بعض الهفوات والتقصير من زوجها مـع حرصها على كسب رضاه وإصلاح ذريته ،فإن رأت منه إعراضاً عنها؛فعليها أن تحتال لكسب وده ،فإحسان العشرة يكون بالحرص على إقامة علاقة زوجية يتحقق من خلالها بيئة صحية خالية من أسباب النزاع والشقاق وعوامل الضيق والكآبة ،وذلك بالبعد عما يكدر صفو العلاقة والسعي إلى التعاون على إصلاحها واستقرارها ؛وذلك من خلال الحرص على الإخلاص في أداء الواجب، والتسامح مع التقصير الوارد في الحقوق المتبادلة ،والعطف والتلطف في الحديث ،واحترام الرأي،والتجاوز عن كل الأمور الصغيرة التي يمكن التجاوز عنها ،فلا يحاسب عليها أحد من الزوجين صاحبه ،وإذا كان هناك أمر ذو أهمية فيمكن التغلب عليه بمد جسور التفاهم والصراحة بينهما، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم معلم البشرية يتجاوز عن هفوات أمهات المؤمنين ،روى أنس رضي الله عنه :(أن النبيصلى الله عليه وسلم ‏كَانَ ‏عِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ،فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى ،بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ يَدَ الرَّسُولِ فَسَقَطَتْ الْقَصْعَةُ فَانْكَسَرَتْ فَأَخَذ النَّبِيُّ ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ‏الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى ،فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ،وَيَقُولُ:‏غَارَتْ أُمُّكُمْ كُلُوا ،فَأَكَلُوا فَأَمْسَكَ حَتَّى جَاءَتْ بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا ،فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ، وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا)

والإحسان كذلك في علاقة الآباء بالأبناء فعلى الرغم مما تتصف به هذه العلاقة من حب فطري قد جبلت عليه الأنفس،إلا أن الإسلام كان حريصاً على تأصيل خاصية الإحسان هنا أيضا،فحث على معاملة الأبناء بالرفق وإشباع احتياجاتهم المختلفة والتدرج في تربيتهم بما يتفق مع مراحل نموهم، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقة مع الصغار،وحسن معاشرته لهم ،كمثال توجيهه لعمر بن أبي سلمة في أدب الطعام برفق ولين ،قال عمر بن أبي سلمة كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانـت يدي تطيـش في الصحيفة،فقال لي رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ،فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)[ محمد بن إسماعيل البخاري،صحيح البخاري، ج7،كتاب الأطعمة،باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، حديث رقم3،ص121.] ، ومما ورد مـن مداعبتـه للصغار وتلطفه معهم كما روى‏ ‏أنس رضي الله عنه : (كَانَ النَّبِيُّ ‏ ‏‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ،وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ ‏أَبُو عُمَيْرٍ‏،‏قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ ‏: ‏يَا‏ ‏أَبَا عُمَيْرٍ ‏ ‏مَا فَعَلَ ‏ ‏النُّغَيْرُ ؟‏ ‏نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ ،فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا)[ المرجع السابق، ج8،كتاب الأدب ،باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل، حديث رقم225،ص82.] ‏
ومما لا شك فيه أن العشرة الحسنة بين أفراد الأسرة عامل مهم في تحقيق التماسك الأسري والتغلب على المشكلات.
المبحث الثالث: السعي تحقيق الصحة النفسية لأفراد الأسرة:
يشكل تحقيق الصحة النفسية مطلب أساسي لجميع أفراد الأسرة،ويمكن أن تتحقق الصحة النفسية من خلال إيجاد جو أسري مستقر نفسيا وقادر على إشباع الاحتياجات المختلفة وعلى قدر من المعرفة بخصائص كل مرحلة عمرية،ومن خلال مقدار ما يتصف به أفراد الأسرة من مقدرة على التعبير عن انفعالاتهم بطريقة سوية ومن خلال التواصل البناء بين أطراف العلاقة الأسرية،وسيتم تناول ذلك فيما يلي:
1-إشباع الاحتياجات النفسية المختلفة لأفراد الأسرة :
تأخذ الاحتياجات النفسية أشكال ومستويات مختلفة ،ويشكل إشباعها أوجب وأيسر الطرق لتحقيق الصحة النفسية وتجنب الكثير من المشكلات الزوجية ومشكلات الطفولة،وسيكتفى بعرض بعضا منها على النحو التالي:
أ-إشباع الاحتياجات النفسية المختلفة للزوجين:
حتى تتميز العلاقة الزوجية بحد مناسب من الاستقرار والتفاهم ،فإنها لابد أن تسعى لإشباع عدد من الاحتياجات ،منها:
- إشباع الحاجة إلى الحب والأمن:تشكل الحاجة للحب والأمن دافعاً رئيسياً في رغبة الفرد في الزواج وتكوين أسرة جديدة ،وهو ما حرصت عليه التربية الإسلامية في بناء العلاقة الزوجية ،وتأسيسها على أسس من إشباع المحبة والمودة .قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الروم:آية21] .ونجده صلى الله عليه وسلم يعبر لعائشة- رضي الله عنها عن حبه لها بعبارات جميلة،روي عن ربيعة بن عثمان،قال:أسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ثم قال لعائشة:( لأنت أحب إلي من زبد بتمر)
وترتبط الحاجة للحب برباط وثيق بالحاجة للأمن ،وفي مجال السعي لترسيخ هذه السبل الميسرة لتحقيق الأمن النفسي لكلا الزوجين نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى الوعيد الشديد لمن يسعى للإخلال بأمن الأسرة من خلال التفريق بين أفرادها ،ويأتي في مقدمة ذلك التفريق بين الأم ووليدها ،قال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ  وَوَلَدِهَا فَرَّقَ  اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
كما نجده صلى الله عليه وسلم يدعو إلى كل ما من شأنه إشباع الحاجة للأمن داخل العلاقة الأسرية ، فيؤصل صلى الله عليه وسلم مبدأ الرفق واللين في التعامل .قالت أم المؤمنين عائشة:‏( دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏ ‏عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏فَقَالُوا :‏السَّامُ ‏‏عَلَيْكُمْ قَالَتْ:‏عَائِشَةُ ‏فَفَهِمْتُهَا ،فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ‏ ‏السَّامُ ‏وَاللَّعْنَةُ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ صلى الله عليه وسلم‏:‏مَهْلًا يَا ‏عَائِشَةُ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا .قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏ :‏قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ)[ محمد بن إسماعيل البخاري،صحيح البخاري، ج8، كتاب الأدب ، باب الرفق في الأمر كله، حديث رقم 53، ص21.].ويظهر الحديث السابق مدى رفق رسول الله ‏صلى الله عليه وسلمبأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في رده الطيف على تصرفها،وهو مبدأ أساسي في تحقيق الحاجة للطمأنينة النفسية للزوجة.
- إشباع الحاجة إلى التقدير والاحترام:تمثل حاجة الفرد في الحصول على التقدير والاحترام دعامة أساسية لنجاح العلاقة الزوجية واستمرارها ، وكلا الزوجين بحاجة إلى تقدير الآخر،فهذا التقدير يخلق لدى كل منهما إحساسًا بأنه مقبول داخل إطار العلاقة الزوجية ،وأنه ذو فاعلية وذو مكانة،فيزيد ذلك من تقديره لذاته ،ومن شأن ذلك أن يولد لديه مشاعر الكفاءة والثقة والسداد ،أما إذا لم تشبع الحاجة للتقدير فيكون هناك مشاعر مختلطة من الإحباط والشعور بالتقصير وتثبيط الهمم  ،ومن شأن ذلك أن يعزز المواقف التصادمية المختلفة.
لذلك حرصت التربية الإسلامية على تحقيق الإشباع إلى التقدير والاحترام لأطراف العلاقة الزوجية،وقد ظهر ذلك جليًّا في تعامله صلى الله عليه وسلم وتقديره لزوجاته رضوان الله عليهن.قال أنس رضي الله عنه: ‏‏بلغ‏ ‏صفية‏ ‏أن حفصة قالت:بنت يهودي ،فبكت ،فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ‏وهي تبكي،فقال: ما يبكيك؟، فقالت:قالت لي ‏‏حفصة‏ :‏إني بنت يهودي.فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم :( ‏‏إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ ،وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ،وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ ،فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ ثُمَّ قَالَ :اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ)
ب-إشباع الاحتياجات النفسية المختلفة للأبناء:
يحتاج الطفل إلى إشباع مجموعة من الاحتياجات ؛لكي يتحقق له قدر مناسب من الاتزان والصحة النفسية ويجنبه الكثير من مشكلات واضطرابات الطفولة،وفيما يلي بعضًا من هذه الاحتياجات:
-إشباع حاجة الأبناء للحب والأمن: إن إشباع الحاجـة للحب والعطف يشعر الفرد بالاستقرار النفسي والقبول الاجتماعي لدى الآخرين ،ويجعله قادراً على بناء علاقـات إيجابيـة ومتزنة مع من حوله ،كما أن الشعور بالحب والتقبل دافع نحو السلوك الإيجابي والمقبول اجتماعياً ، ويشكل الوليد الإنساني أكثر الكائنات الحية حاجة إلى إشباع هذه الرغبة ،"حيث ترتبط الحاجة للحب والحنان ارتباطاً وثيقاً بالعلاقات الأسرية في السنوات الأولى من الحياة ، ومع بداية العاشرة تبدو هناك حاجة إلى هذا الحب وهذا الحنان من الآخرين ،وعندما لا يتحقق ذلك تزداد نسبة الشذوذ في السلوك
وقـد يأخـذ التعبير عـن الحب مظهراً سلوكياً أو لفظياً أو مادياً ، وجميعها تحمل نفس الأثر ، وهو ما أكدت عليه التربية الإسلاميـة عبر التوجيهات النبوية القولية منها والفعلية .فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏فِي طَائِفَةٍ مِنْ النَّهَارِ ،لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ .حَتَّى جَاءَ ‏سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ،‏ ‏ثُمَّ انْصَرَفَ.حَتَّى أَتَى خِبَاءَ ‏فَاطِمَةَ‏ ‏،فَقَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ [لكع: المراد به هنا الصغير.] ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟‏ ‏يَعْنِي‏ ‏حَسَنًا، ‏فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا [سخابا:قلادة من الطيب أو الخرز تعمل على هيئة سبحة وتجعل للصبيان أو الجواري.] ،فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ ‏ ‏يَسْعَى.حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏:اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ) [مسلم بن الحجاج،صحيح مسلم،كتاب فضائل الصحابة،باب فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهما ،حديث رقم 2421،ص1319.]. فالحديث السابق يظهر مدى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إشباع حاجة الصغير للحب بشتى صورها ،فنجده صلى الله عليه وسلم تارة يعبر عنها بمداعبة الصغير بلفظ (لكع) ،وتارة باعتناقه له وملامسته ،وتارة أخرى بالتعبير اللفظي عن الحب والدعاء له بالخير.وواجب الوالدين أن يسيرا على هذا النهج في إشباع حاجة النشء للحب والعطف.
- إشباع حاجة الأبناء إلى التقدير والاحترام:وقد تجلت صور اهتمام التربية الإسلامية بإشباع هذا الجانب في مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم ،وفي حرصه على تقدير النفس الإنسانية مهما صغر سن الفرد أو مكانته الاجتماعية ،روى سهل بن سعد الساعدي ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أتي بشراب‏ ،‏فشرب منه وعن يمينه ‏غلام ‏وعن يساره ‏أشياخ ،فقال للغلام:( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟،فَقَالَ الْغُلَامُ:لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا .قَالَ : فَتَلَّهُ [فتله في يده: ‏أي وضعه فيها.] ‏رَسُولُ اللَّهِ ‏ صلى الله عليه وسلم‏فِي يَدِهِ) [مسـلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الأشـربة،باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ،حديث رقم 2030،ص 1121.]
فالتوجيهات النبوية التربوية تحث على حصول  الأبناء على قدر كافٍ من التشجيع والاطمئنان والقبول ممن حولهم ومن الوالدين على وجه الخصوص ؛ليتحقق من خلال ذلك حاجة الطفل إلى تقدير المحيطين به لشخصه،وذلك خليق بأن ينمي فيه صفات العزم والشجاعة والمبادرة ،ويبعث فيه الحماسة لإتباع السلوك المرغوب فيه.والعكس صحيح،فقدرات الطفل ونزعاته الإيجابية تنمو بالتشجيع والتقدير،وتضعف باللوم والتثبيط،وحتى يصبح الفرد قادراً على احترام الآخرين وتقديرهم لابد أن يحصل على ثقة وتقدير ذاته أولاً.
2- العمل على ضبط الانفعالات وتهذيبها:
حرصت التربية الإسلامية على تهذيب النفس وتنقية المشاعر، وتنحية العناصر المذمومة ،والتأكيد على استجلاب وجذب وتركيز وتأسيس العناصر الجيدة المفتقدة أو المفتقر إليها،كما جاءت أيضاً بقواعـد وضوابط للمشاعـر والعواطـف .قال تعالى :{ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَD[سورة آل عمران:آية134] .يقول السعدي في تفسير الآية الكريمة :"والكاظمين الغيظ‏‏ أي‏:‏ إذا حصـل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل ،هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية،بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم‏،â... وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ...  يدخل في العفو عن الناس العفو عـن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء،وهذا أنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة .ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان، فقال ‏تعالى‏‏‏:â‏... وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ...‏ "

وكما نرى فالسياق القرآني يتدرج بالنفس الإنسانية في تهذيب انفعالاتها بداية بكف الفعل المبني على الانفعال الشديد ،ثم التدرج في السمو بالانفعال ذاته من خلال العفو والتسامح عن فاعله ،ثم مرحلة عليا أخرى من السمو هي الإحسان لمن أساء،حتى يتم تفريغ الانفعال في مجال إيجابي بنّاء .
ووفق ذلك يجب أن تقوم العلاقة بين الزوجين ،ويربى الأبناء عليها ،فيكون دور الوالدين هو ترسيخ هذه المفاهيم وغرس القواعد و الوعي بأهمية ضبط الانفعالات،والتحكم في انفعالات بصورة أكبر ،وتكوين أفكار أكثر عقلانية.وهذا هو مصدر قوة الإنسـان،وليـس مصـدر قوته التصرف بانفعال شديد أو الاعتداء الجسدي واللفظي على الآخرين،قال صلى الله عليه وسلم :( ‏ لَيْسَ الشَّدِيدُ‏ ‏بِالصُّرَعَةِ ،‏ ‏إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)[ مسلم بن الحجاج،صحيح مسلم،كتاب البر والصلة والأدب،باب فضل من يملك نفسه عند الغضب،وبأي شيء يذهب الغضب،
ويرشدنـا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديـث آخر إلى أحد طرق تهذيب الانفعالات ،فيما روى ‏سليمان ابن صرد ‏ ‏قال :( اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏،فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ ‏أَوْدَاجُهُ‏ ‏،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏صلى الله عليه وسلم:‏إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ :أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَقَالَ الرَّجُلُ:وَهَلْ ‏تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ)[ المرجع السابق،كتاب الـبر والصلـة والأدب،بـاب فضـل مـن يملـك نفسه عند الغضب،وبأي شيء يذهب الغضب،حديث رقم 2610،ص1407.] .فالتوجيه النبوي يحث من سيطر عليه انفعال شديد أن يصرف هذه الطاقة باللجوء إلى الله ،فهو _جل وعلا_من بيده مقاليد الخير والشر ،والاستعاذة من شر الشيطان اتلرجيم ومكائده،والنفس لا تشعر بالطمأنينة مثلما تشعر بها وهي في حمى الله .
وبذلك يتم تهذيب الانفعال والسمو به،ويعويد أفراد الأسرة على التحكم الإيجابي في الانفعالات السلبية ،والصبر على الضغوط والأزمات،والاستجابة السوية نحو مثيراتها،والبعد عن أسلوب الهرب أو الحيل النفسية،وتجاوز تأثير الإحباط بشكل عملي،والاتصاف بالمرونة في معالجة المواقف المتأزمة والاتزان والموازنة في تقدير الأمور، ضمن العلاقات الاجتماعية عامة والعلاقات الأسرية على وجه الخصوص.
3-زيادة فرص وأساليب التواصل الجيد داخل العلاقات الأسرية:
ويقصد بالتواصل الجيد داخل العلاقات الأسرية أن تشتمل أنماط التحدث والحوار والتفاعل والمشاركة والتعليقات وردود الفعل ..وغيرها على تبادل وتقاسم المشاعر ،وأن يكون أساسها الود والاحترام والإنصات والتجاوب الإيجابي
ويأخذ التواصل أشكالاً عده لعل أبرزها:
1.       التواصل الوجداني .
2.       التواصل العقلي.
ويتمثل التواصل الوجداني في رغبة الفرد على التعبير عن مشاعره الطيبة تجاه الآخرين ،وقدرته على فهم مشاعرهم وتقديرها .فالتقارب بين الزوجين يضفي على العلاقة روح المشاركة والتعاون ،بما يزيد من فرص الاستقرار والأمن النفسي والشعور بالراحة ،ويخفف من ضغوط العمل ومسؤوليات الحياة ،كما أنه يمد الزوجين بإشباع الشعور بالذات والانتماء والعطف والمودة ؛لذلك لا يعاني الزوجان القادران على التواصل الوجداني الجيد من صعوبة فهم الرسائل الانفعالية لبعضهما البعض .والعكس صحيح،فانعدام التفاهم يدفع الزوجين إلى تشويه تلك الرسائل بطريقة سلبية
وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أورع الأمثلة في التواصل الوجداني مع أمهات المؤمنين ،عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (‏إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ قَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ ‏ ‏مُحَمَّدٍ ‏ ‏وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ) [مسلم بن الحجاج،صحيح مسلم،كتاب فضائل الصحابة ،باب فضل عائشة ،حديث رقم 2439،ص 1324 .]
كما يتمثل التواصل العقلي بين أفراد الأسرة بالتحدث والتفاهم حول أمورهم المشتركة والتعبير عن المشكلات اليومية المعتادة في الحياة ،والحديث المشترك حول الاهتمامات والطموحات ورسم الأهداف المستقبلية،ويضمن التواصل العقلي –غالباً- استمرارية العلاقة الزوجية بصورة أكثر هدوءاً،وتحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام الذي يقلل من فرص التصادم بأشكاله المختلفة .
وكذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على هذا النوع من التواصل،روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل على أم المؤمنين في صلح الحديبية فذكر لها ما لقي من الناس فَقَالَتْ له رضي الله عنها:(  ‏يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا ‏ ‏حَالِقَهُ ‏ ‏فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا ) [محمد بن إسماعيل البخاري،صحيح البخاري،ج4،كتاب الشروط ،باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب،حديث رقم18،ص 39.].
وكلا التواصلين هامين في إيجاد فرص للحوار والإنصات والتجاوب وعرض وتحليل المشكلات الأسرية ،والسعي لحلها ضمن إطار الأفكار المشتركة بين الوالدين والأبناء.
المبحث الرابع:تحقيق التربية السوية
يقصد بالتربية السوية ،أنماط التربية المشتمل علـى ممارسة فعلية لأساليب تتصف بقدرتها على إشباع الاحتياجات المختلفة للطفل بطريقة متزنة وقادرة على تعزيز شعوره بالمحبة والتقبل ،والأمن والطمأنينة ،وإتاحة الفرصة أمامه للاستقلال وتحقيق الذات ،وبناء الشخصية ضمن جوانبها المختلفة:جسديا،ونفسيا،وأخلاقيا،واجتماعية...وتحقيق مثل هذه التربية يتطلب:
 1-استشعار الوالدين لمسئولية تربية الأبناء ،وقيامهما بها على الوجه الأكمل:
من نعم الله تعالى أن فطر الوالدين على حب الولد والحرص على رعايته،ثم كان من زيادة الحرص على مصلحة الولد أن جعل القيام عليها مسئولية عظيمة ،إما أن يؤجر عليها الوالدان إذا أتماها ،أو أن يعاقبا على التقصير فيها .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله سائل كل راع عما استرعاه ، أحفظ ذلك،أم ضيع ، حتى يسأل الرجل على أهل بيته)[ أحمد بن شعيب النسائي ،سنن النسائي ،حديث رقم 9129.] . ووفق هذا المنهج يجب على الوالدين أن ينظرا لتربية الأبناء على أنها من أعظم المسئوليات ،وهي مسئولية تحمل جانب تعبدي ،فهما مسئولان أمام الله ثم أمام المجتمع عن عبء إخراج الجيل الصالح السوي،وأول درجات تحمل هذا العبء هي أن يحصل النشء على جو أسري مستقر وآمن ،وعلى علاقة أسرية قائمة على المودة والرحمة والرفق ،وعلى أساليب تربوية نابعة من المنهج الإسلامي القويم وبعيدة عن أشكال القسوة و الاهمال وغيرها من أنماط التربية غير السوية التي من شأنها أن تؤدي إلى التفكك الأسري، أو تبرز للمجتمع أشكالاً مختلفة من الانحراف.ويتحقق ذلك على أكمل وجه إذا ما استشعر الوالدان بأن مسئولية تربية الأبناء تتعدى أهداف الأسرة إلى هدف وغاية تحقيق المجتمع المسلم الآمن والصالح ،والقادر على تحقيق الخلافة في الأرض من خلال هؤلاء الأبناء.
2- تنوع الأساليب التربوية :
فلا يكتفي الوالدين بأساليب تربية معينة وإنما يحرص كلا منهما على يحصل على مخزون ثقافي تربوي يمكنه من التعامل مع الأبناء بشكل واعي،ويحصل من خلاله على طرق وأساليب تربوية متنوعة،قادرة على تحقيق أهداف التربية ومعالجة مشكلاتها.
ويحتاج الوالدين للتنوع في الأساليب التربوية لأسباب عدة :
1. المشكلات تتنوع في الأسباب والآثار والنتائج.
2. السمات الشخصية تختلف من شخص لآخر.
3. النتائج الفاشلة لأسلوب معين لا تعني الفشل في حل المشكلة ،ولكنها دعوى لتغيير الأسلوب.
4. النفس تميل بطلعها إلى الملل والرغبة في التنوع ،ويمثل الأسلوب الجديد مثير جديد لها يدفعها للاستجابة.
فيستخدم الوالدين أسلوب القصة،الحوار،وضرب الأمثال،والممارسة والعمل، والترغيب والترهيب،والتربية بالأحداث...وغير ذلك.
المبحث الخامس:المعالجة الاجتماعية لمشكلات الأسرة
1-تقوية البناء الداخلي للأسرة:تحتاج الأسرة للسعي الدءوب في تقوية بناءها الداخلي ؛لتتمكن من مواجهة ما يمكن تسميته بالتأثيرات الخارجية المسببة للمشكلات؛فتسعى الأسرة بداية على تقوية الأسس العقدية والتعبدية لأفرادها ،وتزويدهم بقدر كافي من الثقافة الإسلامية تمكنهم من التعامل وفق الأصول الإسلامية ،والوعي بخطر المؤثرات الخارجية.كما تسعى الأسرة إلى تأصيل القيم الأخلاقية في أفرادها ،وأن تقوم طرق التواصل داخل الأسرة وخارجها وفق هذه القيم .كذلك تسعى الأسرة إلى تحقيق الصحة النفسية لأفرادها من خلال إشباع الاحتياجات ،وفهم النفسيات ،وتحقيق فرص أكبر للتواصل .كما تحرص الأسرة على إتباع الأساليب السوية والفاعلة في التوجيه والتربية ،ومن خلال كل ما سبق يمكن للأسرة أن تصبح أكثر تماسك وقدرة على مواجهة التأثيرات السلبية الخارجية.
2- تكامل جهود مؤسسات المجتمع في التصدي لمشكلات الأسرة:
وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع المسلم بالجسد الواحد فقال صلى الله عليه وسلم : ( ‏‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ،مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا ‏اشْتَكَى ‏‏مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم، كتاب البر والصلة ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم 2585، ص1396. ،فالمجتمع المسلم وحدة متكاملة، ومن هذا المنطلق  يجب أن تتم معالجة أي مشكلة اجتماعية عبر تسخير مؤسسات التربية جميعها .
فيقوم المسجد بدوره التربوي في مساندة الأسر المسلمة دينيا وتربويا واجتماعيا،ويمكن لذلك أن يتم بشكل وقائي و علاجي:
- دور وقائي: ويتمثل في التوعية العامة بالعقيدة والعبادات والمعاملات الإسلامية ،وبالأخلاق والقيم والمبادئ الإسلامية التي دعت إليها الشريعة،والتوعية بالحقوق والواجبات لكلا الزوجين ،وحقوق وواجبات الآباء والأبناء ، والتوعية بطرق التوجيه والتربية وفق الأسس والأصول الإسلامية.
- دور علاجي : يمكن للمسجد أن يضم لجنة لإصلاح ذات البين وحل المشكلات المختلفة لأفراد الحي، بما في ذلك المشكلات الأسرية التي يمكن أن تستعصى على أفراد الأسرة .وتتكون هذه اللجنة من أفراد من الحي ممن يشهد لهم بالحكمة والصلاح ، ويشرف عليهم إمام المسجد ، ومثل هذا النموذج للمعالجة ثابت في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وصحبه الكرام من بعده .
كما تسعى المدرسة للقيام بدورها في تنشئة جيل صالح واعي متمسك بدينه ومطبق لتعاليمه ومحافظ على الأخلاق الإسلامية في تعاملاته.
وكما أن وسائل الإعلام يمكن أن تصبح رافدا للمشكلات الأسرية ،فإنها يمكن أن تحقق قدر كبير من الوقاية والمعالجة للمشكلات الأسرية ،وذلك إذا ما حرصت على القيام بدورها التربوي ،وحرصت على تقديم الإعلام الإسلامي الواعي والمفيد،والذي يمكن أن يخدم الأسرة ،فيصبح هناك برامج وإصدارات للتوعية بأسس بناء البيت المسلم،وغيرها لحل المشكلات الأسرية وفق الأسس والطرق الإسلامية ،وأخرى لطرق وأساليب التربية والتوجيه الإسلامية ،وأخرى للرد على دعاوى التغريب والعلمنة ... إلى غير ذلك.
ولا نغفل دور مؤسسات الرعاية الأسرية في رفع مستوى وعي أفراد المجتمع بأهمية الأسرة وخطورة المشكلات ،والسعي لإقامة الدورات التدريبية لأفراد الأسرة،وتقديم الاستشارات،وإصلاح ذات البين.
وتكامل جهود المؤسسات المختلفة من شأنه أن يكون بيئة اجتماعية مساندة للأسرة في جوانب عدة،ويقلل من أثر المشكلات التي تواجه الأسرة المسلمة.

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير