آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

- عالم الملائكة بحث وتحليل

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, نحمده حمد الشاكرين ونشكره شكر الحامدين, والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد ,,
فالإيمان بالملائكة أصل من أصول الاعتقاد لا يتم الإيمان إلا به, فالملائكة عالم من عوالم الغيب التي امتدح الله المؤمنين به وتصديق الخبر لله سبحانه وأخبار رسوله  , قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)"1" .. يعد موضوع هذا البحث من الموضوعات التي يحتاجها المجتمع الإسلامي للاستفادة منها في الدين والدنيا وبسطت النصوص من الكتاب والسنة لعل الله أن ينفع به. وتقسيم إلى ثلاثة فصول ويتكون الفصل الأول (صفات الملائكة وقدراتهم) من ثلاثة مباحث. المبحث الأول صفاتهم الخِلقية وما يتعلق بها. والمبحث الثاني صفاتهم الخُلقية. والمبحث الثالث قدراتهم. والفصل الثاني (عبادة الملائكة) يتكون من أربعة مباحث. المبحث الأول مكانة الملائكة, والمبحث الثاني أخبار الملائكة, والمبحث الثالث نماذج من عباداتهم, والمبحث الرابع حفظ الملائكة للعبد. والفصل الثالث (الملائكة والإنسان) ويتكون من أربعة مباحث المبحث الأول الملائكة وآدم, المبحث الثاني الملائكة وبني آدم, المبحث الثالث الملائكة والمؤمنون, والمبحث الرابع الملائكة والكفار والفساق ..

- صفاتهم الخلقية وما يتعلق بها .

إن المادة التي خلقوا منها هي النور ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها أن رسول الله  قال: ((خلقت الملائكة من نور, وخلقت الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم)).
ولك يبين الرسول  أي نور هذا الذي خلقوا منه, ولذلك فأننا لا نستطيع أن نخوض في هذا الأمر لمزيد من التحديد, لأنه غيب لك يرد فيها ما يوضحه أكثر من هذا الحديث. وما روي عن عكرمة أنه قال: ((خلقت الملائكة من نور العزة, وخلق إبليس من نار العزة)) , وما روي عن عبدالله بن عمرو أنه قال: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)), لا يجوز الأخذ به, وعلى فرض صحته عن هؤلاء العلماء الأفاضل فهم غير معصومين, ولعلهم قد استقوه من الإسرائيليات ولا ندري متى خُلقوا, فالله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بذلك, ولكننا نعلم أن خلقهم سابق على خلق آدم أبي البشر, فقد أخبرنا الله أنه أعلم ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) "1" , والمراد بالخليفة آدم عليه السلام وأمرهم بالسجود له حين خلقه: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) "2"

ولما كانت الملائكة أجساماً نورانية لطيفة, فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم, خاصة أن الله لم يعط أبصارنا القدرة على هذه الرؤية.
ولم ير الملائكة على صورهم الحقيقية من هذه الأمة إلا الرسول  , فإنه رأى جبريل  مرتين في صورته التي خلقه الله عليها , وقد دلت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة, إذا تمثل الملك في صورة بشر.


- أهم صفاتهم الخلقية
أولاً : أجنحة الملائكة :
للملائكة أجنحة كما أخبرنا الله تعالى, فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة, أو أربعة, ومنهم من له أكثر من ذلك : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) "3" , والمعنى أن الله جعلهم أصحاب أجنحة, بعضهم له جناحان, وبعضهم له ثلاثة أو أربعة, أو أكثر من ذلك.

ثانياً : جمال الملائكة :
خلقهم الله على صور جميلة كريمة كما قال تعالى في جبريل: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى) "1" , قال ابن عباس: (ذو مرة) ذو منظر حسن , وقال قتادة: ذ خلقٍ طويل حسن. وقيل (ذو مرة) ذو قوة, ولا منافاة بين القولين فهو قوي وحسن المنظر.
وقد تقرر عند الناس وصف الملائكة بالجمال, كما تقرر عندهم وصف الشياطين بالقبح, ولذلك تراهم يشبهون الجميل من البشر بالملك, انظر إلى ما قالته النسوة في يوسف الصديق عندما رأينه: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) "2" , أي أعظمنه في صدورهن ورأين منظراً فائقاً لم يشاهدن مثله وقطعن أيديهن من الدهشة بتلك السكاكين


ثالثاً : لا يملون ولا يتعبون :
الملائكة يقومون بعبادة الله وطاعته وتنفيذ أوامره , بلا كلل ولا ملل, ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك, قال تعالى في وصف ملائكته: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) "3" , وفي الآية الأخرى: (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) "4" , تقول العرب سئم الشيء: أي ملّه .

- الصفات الخُلقية

الملائكة كرام بررة .
وصف الله الملائكة بأنهم كرام بررة (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) "1" , أي القرآن بأيدي سفرة أي الملائكة, لأنهم سفراء الله إلى رسله وأنبيائه, قال البخاري: سفرة: الملائكة واحدهم سافر, سفرت: أصلحت بينهم, وجعلت الملائكة – إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته – كالسفير الذي يصلح بين القوم. "2"
وقد وصف الله تعالى هؤلاء الملائكة بأنهم (كرام بررة) أي: خلقهم كريم حسن شريف, وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة, ومن هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.


- استحياء الملائكة .
من أخلاق الملائكة التي أخبرنا الرسول  بها: الحياء, ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول  كان مضطجعاً في بيتها, كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر, فإذن له وهو على تلك الحال فتحدث, ثم استأذن عمر, فإذن له وهو كذلك فتحدث, ثم استأذن عثمان, فجلس الرسول  وسوى ثيابه , فدخل فتحدث. فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تبال به, ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله, ثم دخل عثمان, فجلست وسويت ثيابك فقال: (ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة) "3". وقولها لم تهتش له: الهشاشة والبشاشة/ طلاقة الوجه وحسن اللقاء. وقولها لم تباله: لم تحتفل به.

 - قدراتهـم

قدراتهم على التشكل :
أعطى الله الملائكة القدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم, فقد أرسل الله جبريل  إلى مريم في صورة بشر. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) "1"
أي أنما وظيفتي تنفيذ رسالة ربي فيك, وهي بشارة عظيمة بالولد وزكائه, والزكاء يستلزم تطهيره من الخصال الذميمة واتصافه بالخصال الحميدة. "2"

وكان جبريل  يأتي الرسول  في صفات متعددة. فتارة يأتي في صور دحيه بن خليفة الكلبي "3". وتارة في صورة إعرابي.
وقد شاهده كثير من الصحابة عندما يأتي كذلك.

عظم سرعتهم :
أعظم سرعة يعرفها البشر هي سرعة الضوء , فهو ينطلق بسرعة (186) ألف ميل في الثانية الواحدة. أما سرعة الملائكة فهي فوق ذلك, وهي سرعة لا تقاس بمقاييس البشر. كان السائل يأتي إلى الرسول  فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتيه جبريل  بالجواب من عند رب العزة سبحانه وتعالى, واليوم لو وجدت المراكب التي تسير بسرعة الضوء, فأنها تحتاج إلى (مليار) سنة ضوئية حتى تبلغ بعض الكواكب الموجودة في آفاق هذا الكون الواسع الشاسع.

علم الملائكة :
الملائكة عندهم علم وفير علمهم الله إياه, ولكن ليس عندهم القدرة التي أعطيت للإنسان في التعرف على الأشياء , فالإنسان يتميز بالقدرة على التعرف على الأشياء واكتشاف سنن الكون, والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر من الله سبحانه وتعالى .
ولكن الذي علمهم الله إياه أكثر مما يعرفه الإنسان, ومن العلم الذي أعطوه علم الكتاب (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) "4"
منظمون في كل شؤونهم :
الملائكة منظمون في عبادتهم, وقد حثنا الرسول  على الاقتداء بهم في ذلك, فقال: (ألا تصفّون كما تصّف الملائكة عند ربهم) , قالوا: يا رسول الله وكيف تصّف الملائكة عند ربهم؟ . قال: (يتمون الصفوف ويتراصون في الصف) "1".
ويوم القيامة يأتون صفوفاً منتظمة (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) "2". أي صفاً بعد صف , كل سماء يجيء ملائكتها صفاً , وهذه الصفوف صفوف ذل وخضوع للملك الجبار "3".

- مكانة الملائكة

الملائكة مطوعون على طاعة الله, ليس لديهم القدرة على العصيان (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) "1". فتركهم للمعصية, وفعلهم للطاعة جمّلة, لا يكلفهم أدنى مجاهدة, لأنه لا شهوة لهم.

وخير ما يوصف به الملائكة أنهم عباد الله, ولكنهم عباد مكرمون, وقد سبق أن أشرنا إلى أن دعوى المشركين في أن الملائكة بنات الله, دعوى باطلة, لا نصيب لها من الصحة, وقد أكذب الله القائلين بهذا القول, وبين حقيقة الملائكة ومكانتهم في أكثر من موضع.

قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) "2". أي مهما أمرهم امتثلوا لأمره ومهما دبرهم عليه فعلوه, فلا يعصونه طرفة عين. ومع هذا فالله قد أحاط بهم علمه "3".

ومن تمام عبودية الملائكة أنهم لا يتقدمون بين يدي ربهم مقترحين, ولا يعترضون على أمر من أوامره, بل هم عاملون بأمره, مسارعون مجيبون وهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به, فالأمر يحركهم, والأمر يوقفهم , ففي صحيح البخاري عن أبن عباس"4" قال: قال رسول الله  لجبريل: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا ؟) , قال: فنزلت (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) "5". أي ليس لنا من الأمر شيء إن أمرنا ابتدرنا أمره ولم يعص له أمراً "6".

- أخبـار الملائكـة

إن الله تعالى خلق الملائكة حمداً ليس لهم أجواف وجعل أنفاسهم تسبيحاً أخرج البخاري في تاريخه قال: خلق الله الملائكة لعبادته.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبدالله بن الحارث قال: قلت لكعب أرأيت قول الله (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) "1". أما تشغلهم رسالة ؟ أما تشغلهم حاجة ؟ قال: جعل الله لهم التسبيح كما فعل لكم النفس, ألست تأكل وتشرب وتقوى وتجلس وتجئ وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس, فكذلك جعل لهم التسبيح.

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله  : (إن البيت الذي فيه صور لا تدخله الملائكة).
وأخرج الترمذي وأحمد وابن حبان عن أبي سعيد قال: قال رسول الله  : (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صور).

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله  : (إذا ولدت الجارية بعث الله إليها ملكاً يزف البركة زفاً يقول ضعيفة خرجت من ضعيفة, القيم عليها معنا إلى يوم القيامة, وإذا ولد غلام بعث الله إليه ملكاً من السماء فقبل بين عينيه وقال: الله يقرئك السلام).

- نماذج من عبادتهم

الملائكة عباد الله , مكلفون بطاعته, وهم يقومون بالعبادة والتكاليف بيسر وسهولة ومن هذه العبادات التي حدثنا الله أو رسوله  عنها أنهم يقومون بها :
1. التسبيح / الملائكة يذكرون الله تعالى, وأعظم ذكره التسبيح, يسبحه تعالى حملة عرشه (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) "1".
هذا مدح لهم بكثرة عبادتهم لله سبحانه وتعالى وخصوصاً التسبيح والتحميد وسائر العبارات تدخل في تسبيح الله وحمده"2".
وما كثرة تسبيحهم إلا لأن التسبيح أفضل الذكر, روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال: سئل رسول الله  أي الذكر أفضل؟ قال: (ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده, سبحان الله وبحمده) "3".

2. الاصطفاف/ في مشكل الآثار للطحاوي, وفي المعجم الكبير للطبراني عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله  في أصحابه إذ قال لهم: (أتسمعون ما أسمع؟) , قالوا: ما نسمع من شيء, قال: (إني لأسمع أطيط السماء ، و ما تلام أن تئط ، و ما فيها موضع شبر إلا و عليه ملك ساجد ، أو قائم) "4".

3. الحج/ للملائكة كعبة في السماء السابعة يحجون إليها , هذه الكعبة هي التي اسماها الله تعالى البيت المعمور, وأقسم به في سورة الطور (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) "5".
قال ابن كثير عن تفسير هذه الآية: (ثبت في الصحيحين : أن رسول الله  قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته السماء السابعة: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور , وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم) "6". يعني يتعبدون فيه, فيطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم, والبيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة, ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسند ظهره إلى البيت المعمور, لأنه باني الكعبة الأرضية , والجزاء من جنس العمل.
وذكر ابن كثير أن البيت المعمور بحيال الكعبة, أي فوقها, لو وقع لوقع عليها ، وذكر أن في كل سماء بيتا يتعبد فيه أهلها ، ويصلون إليه ، والذي في السماء الدنيا يقال له : بيت العزة.
وهذا الذي ذكره ابن كثير من أن البيت المعمور بحيال الكعبة مروري عن علي بن أبي طالب .

- حفظ الملائكة للعبد

قال تعالى (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) "1".
قال ابن العماد في كشف الأسرار قبل: أراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد, حذف الأول لدلاله الثاني , كقولهم قطع الله يد ورجل من قالها. وقعيد بمعنى قاعد . ثم قال: واختلف في عدد الملائكة التي على كل إنسان فقال: عشرون ملكاً نقله الفكهاني في شرح الرسالة عن المهدوي.
وروي أن عثمان بن عفان  سأل النبي  : كم من ملك على الإنسان, فذكر عشرين ملكاً. قال: "ملك عن يمينك على حسناتك وهو آمين على الذي على يسارك, فإذا عملت حسنة كتبت لك عشراً, وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أأكتب؟ فيقول: لا لعله يستغفر أو يتوب فإذا لم يتب قال : نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه "2". لقول الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) "3".
قال الفكهاني : إن الملائكة التي ترفع عمل العبد في اليوم هم الذين يأتون غداً أم غيرهم؟ قلتك الظاهر أنهم هم وأن ملكي الإنسان لا يتغيران عليه ما دام حياً ويوضحه قول الملكين في الحديث المذكور (أراحنا الله منه فبئس القرين) والقرين المصاحب , كما قاله ابن السكين وهذا الدعاء إنما يكون عند طول الصحبة وإلا فصحبة اليوم والساعة لا يسأل الراحة منها.

قال الشاعر :
أمام وخلف المرء من لطف ربه كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر
الكوالئ: الحوافظ وقول الملك: أراحنا الله منه هو دعاء لأنفسهما بالتحول عن مشاهدة المعصية لأنهم يتأذون بذلك ويحتمل أن يكون هذا في حق الكافر الذي لا يتوب ولا يستغفر, فإن المؤمن من عادته وغالب أمره الاستغفار ولاسيما عند وقوع المعصية, ويحتمل تعميم ذلك في سائر العصاة من الموحدين والكافرين ويكون دعاء عليهم بالموت وهو جائز.

- الملائكة وآدم

سؤالهم عن الحكمة من خلق الإنسان:
عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق آدم أعلم ملائكته بمراده, فسألوه عن الحكمة من وراء ذلك, لأنهم علموا أنه سيقع من بني آدم فساد وسفك دماء, وعصيان وكفر, فأخبرهم سبحانه أن من وراء خلقه لآدم حكماً لا يعلمونها (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) "1".

قالت الملائكة عليهم السلام: أتجعل فيها من يفسد فيها بالمعاصي ويسفك الدماء , وهذا تحفيص بعد تعميم لبيان شدة مفسدة القتل . ونحن ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك, فقال الله تعالى : إني اعلم عن هذا الخليفة مالا تعلمون "2".

- سجودهم له عند خلقه :
أمر الله الملائكة بالسجود لآدم حين يتم خلقه وتنفخ فيه الروح, (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) "3". أي مادته من طين فإذا سويت جسمه وتم فقعوا له ساجدين, فلما خلقه في بدنه وروحه , وامتحن الله آدم والملائكة في العلم, وظهر فضله عليهم, أمرهم الله بالسجود)"4".
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  (خلق الله آدم على صورته , طوله ستون ذراعاً, فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك, نفر من الملائكة جلوس, فاستمع ما يحيونك , فأنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال السلام عليكم. فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله ) فزادوه ورحمة الله "5".

- الملائكة وبني آدم

الملائكة وبني آدم عليه السلام :
علاقة الملائكة بذرية آدم علاقة وثيقة, فهم يقومون عليه عند خلقه, ويُكلّفون بحفظه بعد خروجه إلى الحياة, ويأتونه بالوحي من الله , ويراقبون أعماله وتصرفاته, وينزعون روحه إذا جاء أجله .

المطلب الأول : دورهم في تكوين الإنسان :
في الصحيحين عن أنس عن النبي  قال: وكّل الله بالرحم ملكاً, فيقول: أي ربِّ نطفة, أي ربِّ علقة, أي ربِّ مضغة, فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) "1".

المطلب الثاني : سفراء الله إلى رسله وأنبيائه :
قد أعلمنا الله أن جبريل يختص بهذه المهمة : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) "1".
وهو جبريل عليه السلام الذي آمن أن يزيد فيه أو ينقص على قلبك يا محمد لتكون من المنذرين لتهتدي به إلى طريق الرشاد, ولتنذر به عن طريق الغي"2".
وقد يأتي بالوحي غير جبريل وهذا قليل . كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي  سمع نقيضاً من فوقه, فرفع رأسه, فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم , لم يفتح قط إلا اليوم, فنزل منه ملك, فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم, فسّلم , فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك, فاتحة الكتاب, وخواتيم سورة البقرة, لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) "3".

المطلب الثالث : نزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم :
اختص الله بعض ملائكته بنزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم التي قدرها الله لهم. قال تعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) "4". أي جعله الله وكيلاً على قبض الأرواح وله أعوان فيجازيكم بأعمالكم فانظروا ماذا يفعل الله بكم "5".
وتنزع الملائكة أرواح الكفرة والمجرمين نزعاً شديداً عنيفاً بلا رفق ولا هوادة. أما المؤمنون فإن الملائكة تنزع أرواحهم نزعاً رقيقاً.

- الملائكة والمؤمنون

تحدثت الباحثة في المبحث السابق عن الدور الذي كلف الله ملائكته القيام به تجاه بني ادم كلهم , مؤمنهم وكافرهم وللملائكة دور مختلف مع المؤمنين والكفار, و سنتناول دورهم و موقفهم من كلا الفريقين بالبيان والتوضيح.


- دور الملائكة تجاه المؤمنين
1. محبتهم للمؤمنين:
روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة , رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أحب الله عبداً نادى جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحببه, فيحبه جبريل , فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه, فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ) (1)

2. تسديد المؤمن:
روى البخاري في صحيحه عن حسان بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال : (للهم أيده بروح القدس ) (2)

3. صلاتهم على المؤمنين:
أخبرنا الله أن الملائكة تصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم " إن الله وملائكته يصلون على النبي" (3)
والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند ملائكته, وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء والاستغفار لهم.


- نماذج من الأعمال التي تصلي الملائكة على صاحبها

أ) معلم الناس الخير:
روى الترمذي في سننه عن أبي أمامه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) (1)

ب) الذين يتسحرون:
في صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين) (2)

واجب المؤمن اتجاه الملائكة
الملائكة عباد الله اختارهم واصطفاهم ولهم مكانة عند ربهم , والمؤمن الذي يعبد الله و يتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير, ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم, و سنتناول شيئاً من ذلك بالبيان والتوضيح.

1. عدم إيذاء الملائكة:
شدد العلماء النكير غلى من يسب الملائكة أو يتكلم بكلام يعيبهم  , قال العلامة السيوطي رحمه الله تعالي: "قال القاضي عياض في الشط : قال سحنون: من شتم ملكاً من الملائكة فعليه القتل, وقال أبو الحسن القابسي الذي آخر كأنه وجه مالك الغضبان: لو عزه أنه قصد ذم الملك قتل .

قال القاضي بن عياض : وهذا فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة, أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة فمن نص الله عليه في كتابه أو حققنا علمه بالخبر المتواتر, والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع, كجبريل وميكائيل ومالك وخزنة الجنة وجهنم والزبانية , وحملة العرش وعزرائيل واسرافيل ورضوان والحفظة و منكر ونكير.
فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه, ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة كهاروت وماروت فليس الحكم فيهم والكافر بهم كالحكم فيما قدمناه, إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة" (3)


2. البعد عن الذنوب والمعاصي:
أعظم ما يؤذي الملائكة الذنوب والمعاصي والكفر والشرك, ولذا فإن أعظم ما يهدى للملائكة ويرضيهم أن يخلص المرء دينه لربه ويتجنب كل ما يغضبه, لذا فإن الملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله تعالى, أو التي يوجد فيها ما يكرهه الله ويبغضه, كالأنصاب والتماثيل والصور ولا تقرب من تلبس بمعصية كالسكران.


3. الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم:
بثت في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم, فهم يتأذون من الرائحة الكريهة, والأقذار والأوساخ.

روى البخاري و مسلم عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل الثوم أو البصل والكراث فلا يقربن مسجدنا, فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (1)
في الحديث مسائل:
1- استشعار حضور الملائكة للصلوات, واحترام هذا الحضور ولو مع غير الرؤية.
2- احترام شعور المصلين, سواء في الروائح الكريهة كالثوم والبصل والكراث أو روائح السجائر والتدخين أو روائح الجوارب. أو كان ذلك بالأصوات كأصوات تنظيف الأنف التي يتأذى منها الناس.
3- لو كان جماعة المسجد كلهم يأكلون الثوم – مثلاً – فهل ينهون عن أكل الثوم أو يقال أنه لا أحد منهم يتأذى بمثل هذه الروائح ؟
والصحيح: أنه يجب احترام المساجد وتعظيمها وأن العلة ليست تأذي الناس فحسب وإنما يضاف إليها تأذي الملائكة. (2

- الملائكة والكفار والفسَّاق

وضحت الباحثة فيما سبق موقف الملائكة من المؤمنين, وقد أتضح من خلال ذلك موقفهم من الكفرة, فهم لا يحبون الكفرة الظالمين المجرمين, بل يعاندوهم ويحاربونهم , ويزلزلون قلوبهم, كما حدث في معركة بدر والأحزاب , وستوضح الباحثة في هذا المبحث ما لم تذكره هناك.

1. إنزال العذاب بالكفار:
عندما كان يكذبُّ رسول من الرسل, ويصرّ قومه على التكذيب, كان الله ينزل في كثير من الأحيان بهم عذابه, وكان الذي يقوم بالتعذيب أحياناً الملائكة.

2. لعن الملائكة المرأة التي لا تستجيب لزوجها:
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  : (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء, لعنتها الملائكة حتى تصبح)  "1" , وفي رواية في الصحيح: (حتى ترجع) "2".

طلب الكفار رؤية الملائكة :
وقد طلب الكفار رؤية الملائكة التدليل على صدق الرسول  , فأخبرهم الله أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة يوم شؤم عليهم, إذ الكفار يرون الملائكة عندما يحل بهم العذاب أو عندما ينزل بالإنسان الموت, ويكشف عنه الغطاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

الملائكة من علم الغيب قد استأثر الله بعلمه ولا يعلمه من خلقه أحد , فخليق بالمسلم أن يبحث في الملائكة وأخبارهم وأن يحفظ أسماءهم ويتعرف على أعمالهم ويؤمن بهم.

وقد تناولت الباحثة في موضوعها ما يلي: صفات الملائكة الخُلقية والخلقِية, وقدراتهم , وتناول عبادة الملائكة, ومكانة الملائكة, وأخبارهم , ونماذج من عبادتهم , وحفظهم للعبد , وتناول الملائكة والإنسان, والملائكة وآدم , والملائكة وبني آدم, والملائكة والمؤمنون, والملائكة والكفار والفسَّاق.

وقد توصلت الباحثة إلى ضرورة الإيمان بالملائكة وأن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان إلا به, وأن من أنكرهم أو شك في وجودهم فقد كفر, وأنهم خلق من خلق الله , خلقهم من نور, وكلفهم بعبادته ووكَّل إليهم أعمال يقومون بها, فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وتوصي الباحثة كل مكَّلف شرعاً أن يؤمن بالملائكة ويعتقد اعتقاداً جازماً بأنهم موجودون , وأنهم مكرمون وأنهم قادرون على التشكيل بالأشكال الحسنة المختلفة, وتوصي بالتصديق بالنسبة لمن ذكر نوعه كحملة العرش وغيرهم, ومن ذكر بشخصه وجب عليه التصديق بشخص كجبريل وميكائيل ومالك عليهم السلام, والإيمان بجميع الأدلة التي ذكرت في كتاب الله وسنة رسوله . والانتهاء عن الترهات بادعاء البعض رؤية الملائكة أو تصويرهم وكل ما يشيع في الانترنت من خزعبلات يجب على الإنسان عدم تصديقها والخوض فيها, فهذه مسائل عقائدية بيننا وبينها خط أحمر يجب ألا نتجاوزه.

أولاً : المراجع العامة :
* الأشقر, عمر سليمان. عالم الملائكة الأبرار . الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع , 1425هـ - 2005م , الطبعة الثالثة عشر.
* حجازي, أحمد. شرح الأربعين النووية . القاهرة: دار الفجر للقرآن, 1422هـ - 2001م , الطبعة الأولى.
* السعدي, عبد الرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. القاهرة: دار الغد الجديد, 1430هـ - 2009م , الطبعة الأولى.
* عبد السلام, محمد. أخبار الملائكة – القاهرة: دار شارق للنشر والتوزيع , 2008م , الطبعة الأولى.


ثانياً : الشبكات العنكبوتية :
صيد الفوائد  ] 1432 [http://www.saaid.net/










الخميس، 3 أكتوبر 2013

- ماء زمزم لما شرب له

- ماء زمزم لما شرب له

زمزم لما شرب له" ويضيف ابن عباس رضي الله عنهما في روايته الحديث :ماء زمزم لما شرب له ، إن شربته تشتفى به شفاك الله ، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله ، وهي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل - رواه ابن ماجة في سننه ، كتاب المناسك ، حديث 3053

حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم قال :قال عبد الله بان المؤمل انه سمع ابا الزبير يقول : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ماء زمزم لما شرب له

كذلك روي عن هذا النبي الخاتم صلى الله عليه و سلم عدد غير قليل من الأحاديث في ماء زمزم ، وفضله ، ووصف بئره التي قال فيها صلى الله عليه و سلم بأنها هزمة جبرائيل ، وسقيا الله لإسماعيل

وبئر زمزم فجرها جبريل عليه السلام بأمر من الله تعالى تكريماً لأم إسماعيل ورضيعها اللذين تركهما نبي الله إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ، وعندما هما بالانصراف فزعت هذه السيدة الصالحة من قفر المكان ، وخلوه من الماء والنبت والسكان ، فجرت وراء زوجها تسائله : إلي من تكلنا ؟ إلي من تتركنا في هذا المكان القفر ؟ قال إلى الله عز وجل ، قالت : قد رضيت بالله عز وجل ، ثم سالته بثقتها فيه ، ويقينها بأنه نبي مرسل: آلله امرك بهذا ؟ فأجاب بنعم واستمر في سيرة ، حتي غاب عن زوجه وولده فاستقبل بوجهه البيت ودعا الله لهما بالأنس والرزق والستر

وقفلت أم اسماعيل راجعة وهي تقول :إذا فلن يضيعنا ،ورداً علي هذا الإيمان العميق بالله واليقين الصادق بقدرته ورحمته ، ومعيته اكرمها ربنا تبارك وتعالى بتفجير هذه البئر المباركة بغير حول منها ولا قوة

وخروج بئر وسط صخور نارية ومتحولة شديدة التبلور، ومصمطة ، ولا مسامية فيها ، ولا نفاذية لها في العادة ، أمر ملفت للنظر، والذي هو أكبر من ذلك وأكثر أن تظل هذه البئر تتدفق بالماء الزلال على مدى أكثر من ثلاثة الاف سنة على الرغم من طمرها وحفرها عدة مرات علي فترات

ويبلغ معدل تدفقها اليوم ما بين 11 ، 18.5 لتراً في الثانية فهي بئر مباركة ، فجرت بمعجزة كرامة لسيدنا إبراهيم، وزوجه ،وولده عليهم جميعا من الله السلام ولم يعرف مصدر المياه المتدفقة إلى بئر زمزم إلا بعد حفر الأنفاق حول مكة المكرمة وفي جميع الأتجاهات من حولها ، وهذا يؤكد قول المصطفي صلى الله عليه و سلم بأنها نتجت عن طرقة شديدة وصفها بقول الشريف: هي : هزمة جبريل ، وسقيا الله إسماعيل، والهزمة في اللغة الطرقة الشديد

وبئر زمزم هي إحدي المعجزات المادية الملموسة الدالة على كرامة المكان ،وعلى مكانة كل من سيدنا إبراهيم وولده سيدنا إسماعيل وأمه الصديقة هاجر عند رب العالمين ، وسيدنا إبراهيم عليه السلام وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء الذي أعاد حفر بئر زمزم، وسيدنا إسماعيل هو الذبيح المفتدى بفضل من الله تعالى والذي عاون أباه في رفع قواعد الكعبة :المشرفة وأنطلاقاً من كرامة المكان ، وعميق إيمان المكرمين فيه ، كان شرف ماء زمزم الذي وصفه المصطفي صلى الله عليه و سلم بقوله : ماء زمزم لما شرب له و بقوله : خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم ،فيه طعام طعم وشفاء سقم

ويروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم كلما زارت مكة المكرمة ، وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يحمل منه كذلك ليسقي المرضى ، ويصب على أجزاء أجسادهم المصابة فيشفون وتشفى أجسادهم بإذن الله

ولقد جاء في كتاب ( فيض القدير ) في شرح حديث المصطفى صلى الله عليه و سلم الذي يقول فيه: ( ماء زمزم لما شرب له ) ما نصه : وأما قوله ( لما شرب له ) فلأنه سقيا الله وغياثه لولد خليله ، فبقي غياثا لمن بعده ، فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث ، وقد شربه جمع من العلماء لمطالب فنالوها

وذكر ابن القيم (رحمه الله) في كتابه ( زاد المعاد ) : "وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بما زمزم أمورا عجيبة ، واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله ، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذاوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ، ولا يجد جوعاً وذلك تصديق لوصف المصطفي صلى الله عليه و سلم لهذا الماء المبارك بقوله : فيه طعام طعم وشفاء سقم

وذكر الشوكاني (رحمه الله) في كتابة ( نيل الأوطار ) مانصه: " قوله ( ماء زمزم لما شرب له ) في دليل على ان ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر شربه لاجله ، سواء كان في أمور الدنيا أو الاخرة لأن ( ما ) في قوله ( لما شرب له ) من صيغ العموم ، وقد دونت في زماننا أحداث كثيرة برئ فيها أعداد من المرضى بأمراض مستعصية بمداومتهم على الأرتواء من ماء زمزم

وقد أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت على ماء بئر زمزم أنه ماء متميز فى صفاته الطبيعية و الكيميائية ، فهى ماء غازي عسر ، غنى بالعناصر و المركبات الكيميائية النافعة التى تقدر بحوالى (2000) ملليجرام بكل لتر ، بينما لا تزيد نسبة الأملاح فى مياه آبار مكة وآبار الأودية المجاورة لها عن 260 ملليجرام بكل لتر ، مما يوحى ببعد مصادرها عن المصادر المائية حول مكة المكرمة ، وبتميزها عنها فى محتواها الكيميائى وصفاتها الطبيعية

والعناصر الكيميائية النافعة فى ماء زمزم يمكن تقسيمها إلى أيونات موجبة وهي بحسب وفرتها تشمل :ايونات كل من الصوديوم ( حوالي 250 ملليجرام / لتر )، والكالسيوم ( حوالي 200 ملليجرام / لتر ) والبوتاسيوم ( حوالي 120 ملليجرام / لتر) والمغنسيوم ( حوالي 50 ملليجرام / لتر ) ، وايونات سالبة وتشمل أيونات كل من الكبريتات ( حوالي 372 ملليجرام / لتر ) ، والبيكروبونات ( حوالي 366 ملليجرام / لتر ) والنترات ( حوالي 273 ملليجرام / لتر ) ، والفوسفات ( حوالي 0.25 مليجرام / لتر )، والنشادر ( حوالي 6 ملليجرام / لتر)

وكل مركب من هذا المركبات الكيميائية له دوره المهم في النشاط الحيوي لخلايا جسم الإنسان ، وفي تعويض الناقص منها في داخل تلك الخلايا ، ومن الثابت أن هناك علاقة وطيدة بين إختلال التركيب الكيميائي لجسم الإنسان والعديد من الأمراض ومن المعروف أن المياه المعدنية الصالحة وغير الصالحة للشرب قد استعملت منذ قرون عديدة في الإستشفاء من عدد من الأمراض من مثل أمراض الروماتيزم ، ودورها في ذلك هو في الغالب دور تنشيطي للدورة الدموية ، أو دور تعويضي لنقص بعض العناصر في جسم المريض

والمياه المعدنية الصالحة للشرب ثبت دورها في علاج أعداد غير قليلة من الأمراض من مثل حموضة المعدة ، عسر الهضم ، أمراض شرايين القلب التاجية ( الذبحة الصدرية أو جلطة الشريان التاجي)، وغيرها، أما المياه المعدنية غير الصالحة للشرب فتفيد في علاج العديد من الأمراض الجلدية ، والروماتيزمية، والتهاب العضلات والمفاصل ويرها

فسبحان الذي أمر بشق بئر زمزم فكانت هذه البئر المباركة ، وسبحان الذي أمر الماء بالتدفق اليها عبر شقوق شعرية دقيقة، تتحرك إلى البئر من مسافات طويلة ، وسبحان الذي علم خاتم أنبيائه ورسله بحقيقة ذلك كله ، فصاغه في عدد من أحاديثه الشريفة التي بقيت شاهدة له صلى الله عليه و سلم بالنبوة وبالرسالة

شارك فى نشر الخير