آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

- الوطن الأول فى حياة الانسان

☝الوطن الأول !!
🏆...أهل الإصطفاء هم الذين تفضل عليهم المتفضل في الأزل القديم بقلب سليم وروح من نور الحبيب الأعظم الذي هو من نور الله عز وجل .
فهم الذين أكرمهم الله عز وجل قبل التكوين وقبل إيجاد الجسم في عالم الدنيا بروحانيات عالية ومقامات راقية وأسرار غالية ، فكانوا بالحق للحق مشاهدون ، وبسمع من اسمه السميع لحضرته سبحانه مستمعون ، وبسر المتكلم الذي انبلج على ألسنتهم لحضرته مخاطبون ..

👀 أهل الإصطفاء شـاهدوا قبل التكوين وقبل إيجاد الجسم في عالم الدنيا كل النبيين والمرسلين ، والملائكة المقربين وأهل عالين وعليين ، والأرواح النورانية التي ستظهر في الحياة إلى يوم الدين .

💕 كل الأولياء والصالحين والصادقين رأوا من الأنوار وكوشفوا من الحق عز وجل بالأسرار بما لا يستطيع اي إنسان ان يبيحه في هذه الدار ، إلا لقلوب صفت ووفت وارتقت وسمت إلى آفاق يقول فيها الفتاح عز وجل : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد ٌ – 37 ق )
وجاء التحقيق بعد خلق الأجسام .. وبعد خلق الجسم وظهور الحقائق العالية فيه ، يحدث للإنسان لبس مما يراه بعين الحس ، ويسمعه بأذن الرأس ، ويلمسه بحاسة اللمس !! وفي ذلك يقول الحق عز وجل : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) 15 - ق..

💝إذا انشغل الإنسان بالأمور الجسمانية ، انتاب القلب اليقظ غفوة أو غفلة أو رقدة أو نومة أو جهالة ، فيغيب عن المشاهد والأحوال العالية !!
وحالة المريد الذي اصطفاه الله عز وجل يشعر بحنين إلى المشاهد والأحوال العالية ، وشوق شديد في الرجوع إليها إذا غاب عنها..

🌷إذا فالمقصد والغاية هو الرجوع إلى الحال الأول الذي كان عليه العبد في مواجهة حضرة الأول ..
وكل مايفعله العارفون والحكماء الربانيون والأفراد الروحانيون هو تطييب القلوب حتى يزيلوا هذه الغشاوة من عين القلوب فتنظر بنظر الله وتسمع بسمع الله وترجع للحالة الأولى التي كانت عليها في البداية بين يدي الله ..

👈فبدايتك هي أن تريد الرجوع لوطنك الأول الذي كانت فيه الروح في موطن الجمال والكمال ، وأن يكون الحنين لهذا المقام والشوق لهذا الجمال الذي رأته الروح ورآه القلب بعين البصيرة المضية ..
ويكون الحنين للمنزل الأول الذي كانت تحيا فيه الروح وتنال ماتشتهيه من الحياة الروحانية والحياة القلبية الهنية مع الله ومع رسل الله وأنبياء وأصفياء الله والمقربين من حضرة الله ..

💖💖فحنين العارفين وشوق الصالحين هو للجمال الذي لاح لهم وللوصال الذي ذاقوه ولم ينسوه ، وللعطاء الذي أخذوه وجعله الله مدخرا لهم في قلوبهم وأرواحهم ، ولم يحجبهم عنه إلا هبوط الحواس الكونية إلى الممارسات الدنيوية وإلى العناصر الطينية والشهوات الدنيوية .

🌹وجهاد النفس للرجوع إلى الأصل النوراني الأول والوطن الأول ، أساسه هو جهاد السالك ليتخلص من عادات الأصل الطيني وحكم النفس وطبائعها ، ويجمل نفسه بعادات سيد الأولين والآخرين ، وهذا هو الجهاد الشديد .
============================
🌾 قطوف من الحكمة من كتاب النفس وصفها وتزكيتها
👑 لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبو زيد 👑

الاثنين، 15 مايو 2017

- نفحات الله

السؤال: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزوجل فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا " ما هذه النفحات؟ وكيف نتعرض لها؟
التعرض لنفحات الله هو التعرض لعطاءات الله، وعطاءات الله غير خيرات الله، فخيرات الله نأخذها بالحواس ويستفيد بها الجسم كالطعام والشراب، لكن عطاءات الله تنزل على القلب الذي صلح وانصلح وأصبح جاهزاً لنزول العطاءات من الله جل في علاه.
ففي هذه الليالي تنزل عطاءات من الله، ومن هذه العطاءات أن يتنزل الله في قلب المؤمن بالسكينة:
( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) (4الفتح)
أن يُنزل الله في قلبه الطمأنينة:
أن يجعل الله عزوجل في قلبه نوراً يمشي به في الناس:
) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (122الأنعام).
أن يجعل الله له ميزاناً في قلبه يكشف به الطيب من الخبيث، والحسن من السيء والحق من الباطل:
( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ) (29الأنفال)
أو أن يأخذه الله عزوجل ويرفع عنه حجاب الران ويجعله ينظر بعين قلبه في ملكوت حضرة الرحمن،
( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (75الأنعام)
أن يكرمه الله عزوجل فيجعله من أهل مقام الإحسان فيعبد الله عبادة فيها لذة وفيها خشية، يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادات الخاشين الخاشعين لله عزوجل.
أو يُكرمه الله عزوجل فيفتح له في قلبه عين يتلقى منها الإلهام المباشر من الله، فتجده مسدداً في القول، لا يقول قولاً إلا وهذا القول تجده صحيحاً فيما يحكيه ويرويه وفيما يتحدث فيه لأن الله عزوجل يلهمه بهذا الحديث من عنده:
( وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) (65الكهف).
أو يكرمه الله عزوجل فيقربه قرب قرابة من حبيب الله ومصطفاه، ويجعل سره متصلاً بأصله فيرى السر سر الوصول وهو حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، وقد يكرمه الله عزوجل فيفتح له آذان فؤاده فيسمع تسبيح الكائنات:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (44الإسراء).
فعطايا الله عزوجل لا تُعد ولا تُحد أشرنا إلى ذرة من هذه العطايا الإلهية التي يتعرض لها الصالحون، وذكر هذه العطايا لا يسعه وقت ولا تتحمله العقول، وإنما ينزل من المحبوب الأعظم عزوجل إلى قلوب الأحبة مباشرة بدون واسطة، نسأل الله عزوجل أن نكون من أهل هذه العطاءات أجمعين.
ونتعرض لهذه العطاءات بتجهيز القلب:)( إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )(89الشعراء) ، لا بد أن يكون القلب سليماً من الحظوظ والأهواء، ومن الميل إلى الفاني وإلى الشهوات وإلى كل المستلذات والمستحسنات، ويكون له ميل واحد في الله ولله عزوجل،
-----------------------------------

🌹 اشراقة من كتاب شرف شهر شعبان
🌹 لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- القلب النورانى.

- إن الله عز وجل أخذ العهد على جميع الخلق - وهم أرواح نورانية، أو نفوس ظلمانية ظهرت في صورة روحانية - فكان منهم الأرواح النورانية؛ وهي أرواح المؤمنين والمسلمين، والمحسنين والمتقين، والموقنين.

وهناك نفوس ظلمانية؛ وهي نفوس الكافرين والجاحدين، والمشركين والبعيدين عن رب العالمين.

جمع الله أرواح ونفوس الجميع، حيث لا حيث ولا أين، ولا تسأل أين، لأن الأين للمكان، وهم كانوا في حضرة قبل خلق المكان وقبل خلق الزمان - في حضرة الربوبية للواحد الديان.

- والكافر يا إخواني ليس له روح ولا قلب، وإنما له نفس، لكن الأرواح والقلوب للمؤمنين والمتقين، والبيان في قول الله، وفي كلامه سبحانه يقول:

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (٣٧:ق)

أي: لمن له قلب، إذاً ليس كل إنسان له قلب، ونقصد بالقلب القلب الذي يعقل عن الله، وليس القلب الموجود في هذا الجسم - أي قطعة اللحم الصنوبرية.

لكن القلب المقصود هو: الحقيقة الغيبية النورانية التي تعقل عن الله، وتتلقى كلام الله، وتفقه حديث حبيب الله ومصطفاه ...
-----------------------------------
🌹 الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

الثلاثاء، 28 مارس 2017

- تعريف النفس

تعريف النفس
وقف العقل الكامل عن إدراك حقيقة النفس، ورسمها بحد، لأنها من أمر ربنا سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: () سورة الاسراء آية 85 ولا يزال الإنسان من لدن نشأته الأولى والنفس محل بحثه ونظره، حتى أن أكثر الحكماء المتقدمين والحكماء المسلمين، رأوا أنها ليست بجسم ولا بعرض، لأنهم أثبتوا وجودها لما لها من الأفعال الخاصة بها، والأحوال القاصرة عليها، التى تغاير بالمرة أعمال الأجسام، وخواص الأعراض، وتضاد أيضاً أجزاء الأجسام وخواصها، حتى لا تشاركه فى حال من الأحوال، وتباين الأعراض وتضادها كلها غاية المباينة، من حيث أن الأجسام أجسام، والأعراض أعراض، لأنه ثبت أن النفس لا تتحيز ولا تتغير، وتدرك جميع الأشياء بالسوية بدون أن يلحقها فتور ولا ملل ولا كلال.
وشرح ذلك أن أى جسم من الأجسام له صورة فإنه لا يمكن أن يقبل صورة أخرى من نوع صورته الأولى، إلا بعد أن يفارق صورته الأولى مفارقة حقيقية، فإنا لو فرضنا أن جسما ما على شكل مربع أو مثلث، وأردنا أن نجعله مستطيلا أو أسطوانيا، فلا يمكننا ذلك إلا بعد مفارقته شكله الأول، وكذلك إذا نقش فى جسم ما صورة من الصور، فلا يمكن أن ننقش فيه صورة أخرى، إلا بعد مفارقة الأولى، حتى لو بقى فيه بعض الصورة الأولى لما قبل الصورة الثانية على التمام، بل تختلط به الصورتان، والمُثل بيِّنة.
والحال أننا نجد أنفسنا نقبل صور الأشياء كلها على تباينها وكثرة أنواعها من المحسوسات والمعقولات بغير نقص ولا تفاوت، ولا مفارقة للأولى، ولا تعاقب ولا زوال رسم، بل تبقى الصورة الأولى تامة، وتقبل الرسم الثانى، ثم لا تزال تقبل الصور المختلفة، صورة بعد صورة دائماً أبداً، بدون أن تضعف، أو تفتر فى وقت من الأوقات عن قبول ما يرد عليها، ويتجدد لها من الصور، بل تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى، وهذه خاصة من خواصها تباين بها الأجسام، ولهذه الخاصة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض، وتكمل بالعلوم والآداب.
ينتج من هذه المقدمات أن النفس ليس جسما، وتقرر أنها ليست عرضا، لأن العرض لا يحمل عرضا، ولأن العرض فى نفسه محمول أبداً موجود فى غيره، لا قوام له بذاته، وجوهر النفس قابل أبدا حامل ما هو أتم وأكمل من حمل الأجسام للأعراض.
لهذا يظهر أن النفس ليست جسما ولا جزءاً من جسم، ولا عرضا، هذا والطول والعرض والعمق من المعانى التى صار الجسم بها جسما، تحصل فى قوة النفس الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة وتزداد فيها تلك المعانى أبدا بلا نهاية، فلا تغيرها عن حقيقتها ولا تتغير إذا تصورت كيفيات الجسم من الألوان والطعوم والروائح، ولا يمنع بعضها قبول بعض من أضدادها كما يمنع فى الجسم، وكذلك حالها فى المعقولات، فإنها تقوى بقبول بعض المعقولات على قبول غيرها أبدا بلا نهاية، وتلك الخواص فى غاية البعد عن الأجسام، والجسم لا يعرف العلوم إلا من الحواس، فيشتاق إليها بالملامسة كالشهوات البدنية ومحبة الانتقام، فإن الجسم يشتاق إلى تلك الأشياء، ويزداد بها قوة ويستفيد منها كمالا، ويفرح بها لأنها تتمم وجوده وتمده.
وأما النفس فإنها كلما تباعدت عن الشهوات البدنية وخلت بذاتها، ازدادت قوة وكمالا، وتجملت بالعلوم الحقة، والآراء الصحيحة، بذلك يثبت أن طباعها وجوهرها تباين طباع الجسم والبدن، وأنها أكرم جوهر، هذا مع شوقها إلى معرفة حقائق الأمور الكونية، ولهفها لفهم المعانى الإلهية وإيثارها لها، ولا يمنع من ذلك أنها أخذت كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس، لأن لها من نفسها علوما أخرى، وأفعالا لا تأخذها عن الحواس أبدا، وذلك ثابت بديهى خصوصا فى علوم النظر، وما تكاشف به من أسرار الملكوت والفقه فى دين الله تعالى، وهى التى تحكم على الحس بالصدق أو الكذب فكثيرا ما يشهد الحس الأمور على غير حقيقتها وهى ترده إلى الحق، كما ترى العين الشمس صغيرة، ويرى العامود الموضوع فى الماء معوجا، ويرى الراكب فى السفينة أنه ساكن، ويرى الأشجار حوله تمشى، كل تلك العلوم من نفسها. وقد يخطئ فيما يراه من بعد أو قرب، وكل الحواس تخطئ وتردها النفس، فقد تذوق حاسة الذوق الحلو مرا عند انحراف المزاج، وكل تلك المعلومات ليست من الحس، بل هى من ذات النفس.
من هذا حكموا أن النفس ليست جسما، ولا جزء منه، ولا عرضا، والمراد بالنفس إذا أطلقت النفس الملكية التى تسمى بالناطقة، وإذا أردت أن أعرِّفها فإنما تعرف بما يقرب حقيقتها لا حقيقتها، فأقول: هى جوهرة سماوية روحانية نورانية من أمر ربنا سبحانه وتعالى، ومما قلته فيها:
نفسى هى الكنزُ فيها سرُّ معناه بغير كيف وفيها نورُ مجلاه
جهلى بها الحجبُ عن علمى بمبدعِها وعلمُها كشفُ حجبى فهمُ معناه
نفسى مثال ترا آى لى به وضحت آياتُه وبه أُعِطيتُ جدواه
نفسى له صورةُ تنبى مشاهدَها إذا تحققَ أن المبدعَ الله
جهلى بها اللبسُ والتشكيكُ أجمعُه وعلمُها الكشفُ عن غيبٍ وأخفاه
جهلى بها التيهُ بل والبعدُ عن نسب بها يلوح جمالُ الوجهِ أجلاه
لو أنها أشرقت نفساً لعالمِها فُكت طلاسمُه ورقى لعلياه
يا نفسُ ما أنت؟ نورُ أنت أم عرضُ؟ أم كوكبُ مشرقُ بضياء؟ مبناه
وهل بك الجسم قد قامت معالمه؟ أو قُمْتِ فيه فهذا السرُّ أهواه
حيرتِ أفكارَ أهلِ العقلِ لم يصلوا إلى يقينٍ وفيكِى ضلَّ أهداه
العقلُ يعقلُ محسوساً ونسبتَه لا يدركا رتبتى والمنعمُ الله
سرى خفىّ عن الألبابِ يحجبها عنه نظائره فيه وأشباه
من أمر ربى ومن يطلبه يعرفه فيعرف الله ربَّ العرش مولاه
ونفخةٌ منه تجلى للمراد له فتشهدُ الوجهَ بالتنزيهِ عيناه
من كان يعرفنى بالفضلِ يعرفهُ أنا المثالُ له أفقٌ لمرآه
النفس واحدة وقواها ثلاث
قوة تسمى النفس الملكية أو الناطقة، وهى أعلى النفوس وأكملها، وقوة تسمى النفس السبعية أو الغضبية وهى أدنى من النفس الملكية، وقوة تسمى النفس البهيمية أو الشهوانية، وهى أدنى النفوس.
والإنسان لا يكون إنساناً حقيقية كاملاً إلا بالنفس الملكية، لأنه بها يشارك الملائكة، وبها يمتاز عن البهائم، فأكمل الناس وأشرفهم من كملت فيه تلك النفس وانصرف إليها، وأما من غلبت عليه إحدى النفسين انحط عن رتبة الإنسانية بقدر غلبتها عليه، فتدبر أيها السالك فى نفسك، أين تحب أن تكون من المنازل؟ ومن تحب أن تشارك؟ ومع من تكون؟ () سورة القيامة آية 14 وشتان بين من يرضى أن يكون بهيميا أو سبعياً، ومن لا يرضى إلا أن يكون ملكاً كريماً.
وبين تلك المقامات والمنازل مراتب شتى، بقدر أنواع الحيوانات ومقامات الملائكة () سورة الحديد آية 29.
وقد نرى من الناس من هم أقل من البهائم، ومنهم من تتولى خدمتهم الملائكة، ومنهم من هم شر من إبليس () سورة الشمس آية 9– 10 ومن زكى نفسه وطهرها، بلغ من المقامات إلى رتبة فيها تسبح نفسه فى عوالم الملكوت مشابهة للملائكة، وأن يكون جسمه مجملا بالأخلاق الطاهرة، والأعمال الصالحة.
ومنهم من ينحط حتى تنحصر آمالهم فى شهواتهم فحسب، كالمأكول والمشروب والملبوس والوطء، وهؤلاء هم الذين تجذبهم الشهوات لقوة نفوسهم البهيمية، فيرتكبوها ولا يرتدعوا عنها، ولكن تبقى فيهم بقية ضئيلة من النفس الملكية، فيستترون حياءً عند فعل القبائح والرذائل فى البيوت، حتى إذا اضمحلت النفس الملكية واختفت فى ظلمات طبعهم انتفى الحياء عنهم، فجاهروا بالقبائح كما تفعل البهائم، وتركوا أوامر الله وارتكبوا نواهيه بدون خوف منه سبحانه ولا حياء من خلقه، ولو أنك سألت المعظمين للذة والشهوات الذين يتسترون عند عملها، هل ما تستحسنونه من الملاذ فضيلة أم رذيلة؟ فإن كان فضيلة فلم تتسترون عند عمله؟ وإن كان رذيلة فلم عمله؟ والله سبحانه وتعالى يجملنا بالنفس الملكية إنه مجيب الدعاء.


لامام محمد ماضى ابو العزائم 

الخميس، 23 فبراير 2017

- حقيقة الإنسان


حقيقة الإنسان
الإنسان في الأصل نور قبل عالم الظهور، ولذلك رأينا كل عوالم النور :
( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) (172الأعراف)
ليس سمعنا ولكن "شهدنا" ماذا شهدنا؟ جمال الحضرة العلية وكل العوالم العلوية والملكوتية المندرجة في هذه الحضرة العلية، فلما نزل الإنسان إلي عالم الجسم في الدنيا حصل اللبس فأصبح الإنسان ثنائي بعد أن كان واحداً، فأصبح جسم وقلب، أو جسم وروح، أو جزء مكون من عناصر الأرض والجزء الثاني من نور الله.
الجزء الظاهر من الدنيا والجزء الآخر من الآخرة،
أو الجزء الظاهر من العالم الذي نحن فيه واسمه عالم الملك، والجزء الآخر من عالم الملكوت، الملك يقول فيه الله :( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ )(1 الملك)
والملكوت يقول فيه الله : ( بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (83 يس)
ويقول عن الإنسان "خلقتك بيدي" أي فيك الملك وفيك الملكوت.
الجزء الظاهر من عالم الظاهر والذي يرعاه اسم الله الظاهر الذي يتجلى في هذه المظاهر،
والجزء الباطن يتجلى عليه اسم الله الباطن ويرعاه من عالم البطون ومن كل البواطن.
الجزء الظاهر نراه بالعين الحسية ولذلك يسمي عالم الشهادة،
والجزء الباطن لا نراه إلا بالعين القلبية ولذلك يسمي عالم الغيب.
فالإنسان فيه غيب وفيه شهادة، فيه من عالم الشهادة الجسم ومن عالم الغيب القلب والروح والسر والخفا وكل الحقائق.فإذا استطاع الإنسان أن يجاهد ظاهره إلي أن يصفيه
لأن الجسم من كثافة وكثافته كثافة طينية لأنه من عناصر الأرض من تراب وماء وهواء ونار وهذه عناصر أي شيء علي وجه الأرض، فهو أولاً من ماء :﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (سورة المرسلات)
وثانيا ( خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ )(20 الروم) فعندما نضيف الماء إلي التراب يصير طيناً ... :
( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ )(الصافات)وعندما نضيف إلي الطين النار والهواء ماذا يصير؟ فخار (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن)
ففيه العناصر الأربعة، وكل من علي ظهر البسيطة من العناصر الأربعة ولكن بنسب متفاوتة لا يعلمها إلا من يقول للشيء كن فيكون، ومادام فيه هذه العناصر الأربعة فهو كثيف أي لا تري من وراءه ولا تري من بداخله ويحجب من خلفه وهكذا جسم الإنسان.
أما الجزء الآخر في الإنسان فهو لطيف لا يُري إلا لمن كشف الله عز وجل عنه الحجاب
فأصبح بنور الله يري، لكنه لا يُري بعين الحس ولكن يُري بعين البصيرة وبعين السريرة وبعين القلب وبعين السويداء
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيذ

الأربعاء، 8 فبراير 2017

- المعانى الغيبية وحقيقة الإنسان

المعانى الغيبية فى الإنسان 
معناه غيبٌ ومبناه مشاهدة   والفرد معنى وليس الفرد تكوينا
كل إنسان يا إخوانى له معنى وله مبنى، وله ظاهر وله باطن، وله غيب وله شهادة، وله سر وله جسم ... كل إنسان ..
والمعانى الغيبية الموجودة فىَّ وفيك هى الأسرار التى حيرت الأولين والآخرين ولم يَكشف عنها السِتار إلا سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ..
والعلماء بأجهزتهم ومعاملهم حاولوا أن يعرفوا سر القلب الذى فيه الحب والكره، والذى فيه البغض والود، والذى فيه الكرم والبخل، والذى فيه الإيمان والقرآن، أو والعياذ بالله     ( الكفر والشرك ).. فلم يعرفوا. وأين هو العقل؟ الذى فيه الذاكرة، والذى فيه عالم الخيال، والذى فيه عالم الوهم، والذى فيه عالم التصور، والذى فيه عالم الإدراك.. أيضا لم يعرفوا أين هو العقل لأنه لا يدريه إلا خالق العقل والقلب. وأين هى النفس؟ وشحها ونزعاتها ونزغاتها وميولها وشهواتها وحظوظها وأهواءها.. كل هذا من أسرار الغيب الذى فيك من خالقك وباريك عزوجل.
فهم كَشَف الله لهم الظاهر فعرفوه ...، وإن كانوا لم يصلوا إلى المدى الذى من أجله ركب الله عزوجل الأعضاء وطورها وصاغها ... !!، لكنهم يحاولون على قدرهم أن يعرفوا الخصائص ... أو المميزات ... أو القدرات ... التى من أجلها أوجد الله عزوجل هذه الأعضاء الظاهرة
ســعة القلـب
فالقلب الخاص بى وبك ما مدى سعته؟
إنه أكبر من السموات السبع ومن الأرضين السبع مجتمعة.. هذا هو القلب!
أما أين هو؟ أو ما شكله؟ أو ما حقيقته؟
هذه الأشياء لا تكيف بالعبارات، ولا ترمز إليها الإشارات، حتى أنهم لما سألوا الشيخ أبا يزيد البسطامى عزوجل وأرضاه عن بعض علوم المعرفة-وهذه من علوم المعرفة الخاصة التى تفاض من الله عزوجل على قلوب العارفين، ومن أين لنا أن نعرف هذه الأشياء إلا من العارفين لأنها ليست موجودة فى كتاب ولا يستطيع أحد أن يصل إليها إلا إن كان من أهل القلوب لأنها تحتاج الناس السياحين الذين لديهم أجنحة من ملكوت رب العالمين فيطيروا ويأتون على قدر وصولهم !!!
وهذه يسمونها السياحة الروحانية، يسوح بروحه وهو جالس هنا بجسمه-سألوه نريد أن نعرف مدى سعة قلب العارف؟ فقال لهم:
قلب العارف فيه ثلاثمائة وستون زاوية ... السموات السبع والأراضون السبع فى زاوية من هذه الزوايا الثلاثة مائة والستين، إذاً فما مقدار سعته هو؟!
هذه حاجة لا تكيف يا إخوانى ولذلك كل الذى يستطيع الإنسان أن يقوله كما قال الصالحون:
يا صورة الرحمن والنور العلى
يا سدرة الأوصاف والغيب الجلى
     
فيك العوالم كلها طويت فهل  أدركت سراً فيك من معنى الولى؟
         
فالعوالم كلها موجودة فيك، فى جزء منك وأنت لا تدرى لأنك مشغول بالظاهر وتارك الحقيقة التى أنت بها إنسان.

حقيقة الإنسان
بماذا أنت إنسان؟
بالجسم؟ أبداً الجسم يذهب كما نعرف جميعاً، فالجسم يتحلل ويذهب إلى  عناصر الأرض، إذاً فأنت إنسان بماذا؟ بمعناك ... فالمعنى هو حقيقة الإنسان يا إخوانى، وهذه هى حقيقة الإنسان التى يقولون عنها قلب الإنسان، مرة يقولون عنها روح الإنسان، ومرة يقولون سر الإنسان، ومرة يقولون عنها العوالم الخفية الموجودة فى الإنسان، كل هذه تعبيرات عن حالات الإتصال التى تتم بين الإنسان وبين العوالم الخفية التى فيك، ولذلك لو استطاع الإنسان أن يربط ظاهره بباطنه مثلما يفعل بعض الأفراد أو الصالحون فيحصل له الحاجات التى نراها هذه، لماذا هى تحصل؟ لأنه أصبح كما قال القائل:
رقَّ الزجاج وراقت الخمر
فتشابها فتشـاكل الأمـر

يعنى أن الطين الذى منه الجسم ... هو الذى يحجبنى عن هذه العوالم الغيبية، قال الله تعالى:
 [بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ55ق]
الخلق الجديد، أما ذاك فما هو اسمه؟
 [أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ15 ق]
الخلق الأول الذى هو على صورة حضرة الأول عزوجل، صورة الرحمن عندما ينزل فى الأكوان ... مقتضى عالم أسباب الله فيه لا بد أن يحصل تسبب بين الرجل وبين المرأة، ويحصل اختلاط عوالم الأسباب فيه الماء والتراب والطين والهواء وغيره حتى ينشأ الإنسان ويتعامل مع هذه الأسباب.
منقول من كتاب طريق الصديقين
لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

الأحد، 22 يناير 2017

- فن النفوس الطاهرة

كثيرة هي نماذج العطاء فيما بيننا , كثيرون هم الذين يضربون نماذج متفردة في تقديم جهدهم وأوقاتهم وأموالهم من أجل إسعاد الآخرين .
هذا العطاء هو ماسميته فيما قبل ب" فن النفوس الطاهرة " , يعني كيفية إدخال السرور على الناس , وكيفية تجفيف دموعهم , وكيفية رسم الابتسامة على وجوههم بدلا من تجاعيد الألم ..
هذا العطاء لا مثيل له في الأعمال الصالحة , فهو كما في الحديث :" أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم " البيهقي وحسنه الألباني ..
إنها مشاعر سامية تلك التي يستشعرها المرء عندما يسعد الآخرين أو يشارك في إسعادهم أو تخفيف آلامهم ..سعادة لا تحس بها إلا النفوس الطاهرة النقية , التي رجاؤها دوما وجه ربها وسعيها دوما هو في طرقات الخير المضيئة ..

والناس جميعهم يحتاجون يدا حانية , تربت على أكتافهم في أوقات الشدة , وتقوم انكسارهم في أوقات الآلام , وتبلل ريقهم بماء رقراق عند جفاف الحلوق , وتجفف دمعهم عند البكاء ..
إن أعلى الناس قدرا في هذه الحياة هم الحاملون للخير لغيرهم , المعطاؤون بلا مقابل , الناصحون لغيرهم بالعلم النافع والمفرجون كرب الناس والميسرون على المعسرين والباذلون جهدهم لإسعاد غيرهم ..

لكن كثيرا من هؤلاء المعطائين الكرماء , يبذلون أنفسهم وجهدهم لغيرهم دون أن ينظروا لأنفسهم , ودون أن يراعوا مطالبهم وحاجاتهم الذاتية , ودون أن ينتبهوا إلى أنهم هم أنفسهم بحاجة لمن يهديهم السعادة ويقدم لهم السرور ..

إن أشد المشاهد على النفس هو مشهد الشمعة المحترقة التي لطالما تغنى بها الشعراء وتألموا ..

ومن اهل البذل والعطاء من هم مثل تلك الشموع التي تحترق لتضىء للآخرين طريقهم , وتهديهم السعادة , بينما هم يتساقطون ألما ووهنا وضعفا ..
من هنا فيجب أن يهتموا بأنفسهم حتى يستطيعون إكمال المسيرة , وحتى يقدرون على البقاء على الطريق , طريق إسعاد الناس ..
إن فاقد الشىء لايعطيه , وفاقد السعادة يصعب أن يقدمها وهو مكبوت مكروب مهموم , فيلزم أن يهتم بإسعاد نفسه لينجح في إسعاد الناس ..
فيجب أن نحاول أن نسعد انفسنا كما نسعد الآخرين , يجب أن نعطي حق أنفسنا من إسعادها بما أحله الله ..

وللأسف فالبعض يريدوننا دائما أن نعيش لأجلهم , ولأجلهم فقط , ربما يكون ذلك لأنهم تعودوا منا على العطاء , قد نعذرهم في بعض الأحيان لنواياهم الطيبة , وربما لأنهم لم يروننا يوما نتألم أو نطلب منهم شيئا ..!
لكن يجب أن نحادث من حولنا بأننا أيضا نحتاج لأوقات للسعادة , ونحتاج لراحة , ونحتاج لهدوء وطمأنينة وأمان ودعم نفسي وعملي لنستطيع مواصلة الطريق ونستمر في العطاء

يجب أن نبحث عن لحظات السعادة لأنفسنا , ونأخذ هذا القرار , لمصلحة أنفسنا وايضا لمصلحة من نحب ..

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

- صور الاعمال الروحانية

إن اعمال المؤمن تخرج منه ولها صورة روحانية مدركة وعاقله مثلها صلى الله عليه و سلمفي الحديث المروي عن سيدنا رسول الله :من توضأ ؛ فأحسن الوضوء ، ثم صلَّى ، فلم يحدِّث نفسه بشيء ؛ خرجت وهي بيضاء مسفرة هذه الصلاة ....: يخلق الله منها صورة روحانية ، نورانية ، بيضاء مسفرة – حتى تصل إلى عنان السماء ؛ فتفتح لها أبواب السماء وهذا الحديث يفصل كيفية دخول الأعمال إلى السماء :
فتفتح لها أبواب السماء ستدخل إذاً ، وسيغلق الباب بين الملكوت وعالم الأرض ، فتودِّع صاحبها ، قال فيها – فتلتفت إلى صاحبهابمعنى أن فيها حركة وفيها حياة وترى وتتكلم وتقول له : حفظك الله كما حفظتني . .. فقد خلق منها إذاً صورة روحانية تصعد إلى عالم الملكوت الأعلى ...!!.، تعبد الله عز و جل بجميع الحركات ، ؛و قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه الإمام الترمذي رضي الله عنه :إن ما تذكرون الله تعالى به ، من التسبيحات ، والتهليلات ، والتكبيرات ؛ يخرجن ولهن دويٌّ كدوي النحل – أزيز أوصوت كصوت النحل – حتى يصلن إلى العرش ؛ فيطفـن حوله ‘ يذكّـِرن بصاحبهن إلى يـــــــوم القيامة وفى رواية أخرى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الذين يذكرون من جلال الله ، من تسبيحه ، وتحميده ، وتكبيره ، وتهليله ؛ يتعاطفن حول العرش ، لهن دويٌّ كدوي النحل ؛ يذكِّرون بصاحبهن ، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به ؟
والأقوال ، والأفعال ، والدعوات التي قالها المؤمن لله وهو في الصـلاة ،يذكرون بصاحبهن إلى يوم الدينوكل ذلك يبقى في صحيفة هذا العبد !فهذه صورة ملكوتية تخرج من أعمال المؤمنين والمؤمنات .والسماء ملأى بهذه الصور ..!!وهذه الصور ، مطبوع عليها صورة صاحبها ،ولذلك ؛ وعندما بكرم الله العبد ، ويفتح له عين القلب يرى الجنان ،و يرى صورالاعمال الروحانية في عوالم الملكوت الأعلى .

الخميس، 27 أكتوبر 2016

- ما الذى يموت فى الانسان الروح أم النفس؟

إن الله عندما ذكر الوفاة لم يذكر الروح بل ذكر النفس:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [185آل عمران ] {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [42 الزمر] وهنا نبسط فى عجالة كيفيات قبض الأنفس كما ورد فى كتاب الله: فهناك أنفس يتولى قبضها ملائكة العذاب: {وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}93 الأنعام) وهناك أنفس يتلقاها ويتوفاها ملائكة الرحمن {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ}32النحل وهناك أنفس يتوفاها ملك الموت لقول الله{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }[11السجدة]وهناك أنفس وهى أعلاها وهى قلة يتوفاها الحق بنفسه:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[ 42 الزمر] وهذا ما يقصده الحبيب بدعائه: وتولَّ قبض روحى بيمناك مع شدة الشوق إلى لقائك يا رحمن.
فالذى يتوفاه هو الله وليس ملك الموت وليس الملائكة ولكن الله بذاته هو الذى يتوفى الأنفس لعلو قدرها وارتفاع شأنها عند ربها فهو عز شأنه هو الذى يقول فى الحديث القدسى:{ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأكْرَهُ مَسَاءَتَهُ} عن أبي هريرة صحيح البخارى
موسى عليه السلام وملك الموت
كان ملك الموت يأتى الناس عياناً قبل رسول الله وعندما ذهب إلى سيدنا موسى والأنبياء يخيرون وهذه خصوصية لهم واستمعوا له ماذا قال :{ جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَىٰ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ. قَالَ فَلَطَمَ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا. قَالَ فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللّهِ تَعَالَىٰ فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَىٰ عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ. وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي. قَالَ فَرَدَّ اللّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَىٰ عَبْدِي فَقُلِ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَىٰ مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ. فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. رَبِّ أَمِتْنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ : وَاللّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَىٰ جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ} عن أبي هُرَيْرَةَ صحيح البخارى ومسلم
لكن الله يحب إكرام عبده فلا يريده أن يموت على ضيق، فرأى سيدنا موسى نفراً يحفرون قبراً لرجل، فسألهم ماذا يفعلون؟ فقالوا نحفر قبرا لرجل كريم على الله، فقال: أتأذنون لي أن أرقد فيه؟ فأذنوا له فنام فيه فقبضت روحه، فلا يعرف قبره إلا رسول الله الذي زاره في الإسراء، والقبر في سيناء ولكن لا أحد يعرف في أى مكان بها.

الروح فى عالم البرزخ

ظن البعض أن الموت هو نهاية الحياة فى حين أن الحقيقة التى ذكرها كتاب الله وبينها سيدنا رسول الله أن الموت يكون للجسم أما الروح فلا تموت ولا تفوت وإنما تنتقل إلى دار تسمى(دار البرزخ)يقول الله تعالى فيها ففى الآية ( 100المؤمنون){وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } كلمة (البرزخ) أى الحاجز بين شيئين وهو هنا والحاجز بين الدنيا والآخرة يسمى البرزخ أو يسمى القبر لأنه يستر الإنسان لكن الإنسان بمجرد أن تخرج روحه من جسده يخرج إلى عالم فسيح عالم الإطلاق فالروح عند الموت لها شأن آخر فى عالم البرزخ فإن كانت من الشهداء فالله يقول في الشهداء {بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 وإن كانت من أهل درجة من درجات اليمين من المؤمنين فهي في عليين: [إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ{18} وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ{19} كِتَابٌ مَّرْقُومٌ{20} يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ{21}] [المطففين] فهى على كل حال في حضرات إلهية فيها صفاء وفيها نقاء وهناء لا يستطيع الإنسان أن يصفه أو حتى يشير إليه لأن العقول لا تتحمله في هذه الحياة الدنيا وهذا سر قول النبى : {لَوْ تَعْلَمُون مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَليلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ولخرجتم إلى الصعداء تجئرون }عن أنسٍ صحيح البخارى ومسلم
فالروح لاتموت ولا تفوت ولذا ورد أن الإمام الغزالى عندما حانت وفاته جلس تلاميذه حوله يبكون فقال لهم:
قل لإخوانٍ يـرونى ميتا
ليس والله بالميت أنــا
أنا عصفور وهذا قفصى
طرت منه إلى دار الهنـا
فوصف الجسم فى تقييده للروح كالقفص الذى يحبس فيه الطائر فالجسم يحبس الروح عن الحركة فإذا خرجت الروح من الجسم سرحت فى عالم الإطلاق ما شاءت لأنها تكون مطلقة وغير مقيدة.
لاترعكم هجمة الـموت
فما هو إلا نقلة من ها هنا
إنتقال من دار إلى دار ليس أكثر ويبين هذه الحقيقة فقد ورد فى الأثر أن نسبة البرزخ إلى دار الدنيا كنسبة الدنيا إلى بطن الأم، فالإنسان عندما يكون جنيناً فى بطن أمه يظن أنه الحياة التى فيها كل المنى، فهى حياة واسعة وفيها كل ما يبتغيه وعندما يهبط من بطن أمه يبكى على مفارقته هذه الحياة التى كان فيها وبعد أن يعقل يجد الدنيا واسعةً جداً ليس هناك نسبة بينها وبين بطن أمه وهذه مثل نسبة البرزخ إلى عالم الدنيا ولتقريب الحقيقة أقول أن عالم البرزخ فيه كل السابقين أجمعين حاضرين فكم يكون النسبة بينه وبين عالم الدنيا؟ ففيه من أول أدم وكلهم أحياء عند ربهم يرزقون وأياك أن تخص الحياة ببعض دون البعض لأن الله ذكر أن حياة البرزخ لكل الخلائق لأن البرزخ أما يكون روضة من رياض الجنة وأما حفرة من حفر النار أى أن الإنسان فيه أما أن ينعم وأما أن يعذب، ولكى ينعم أو يعذب لابد أن يكون فيه حسٌ وأحساس يدرك النعيم ويشعر بالألم والعذاب وضرب الله مثلا للكافرين فقال تعالى عن فرعون وقومه:{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} فأين ذهبوا؟ {فَأُدْخِلُوا نَاراً} (25نوح) بعد الغرق مباشرة أدخلوا النار وحتى لا يلتبس الأمر على البعض ويظن أن النار نار الآخرة بين الله الحقيقة فقال فى سورة غافر:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }فالنار التى يعرضون عليها غدوا وعشياً هى نار البرزخ لأن الآخرة ليس فيها غدو ولا عشى ولا يوم ولا شهر ثم يبين بعد ذلك أنهم يذوقون أشد العذاب فى الآخرة لنعلم يقيناً أن هذه النار هى نار الحياة البرزخية التى يعذب فيها قوم فرعون والنبى بيّن هذه الحقيقة عندما دفن قتلى الكفار فى غزوة بدر وكانوا حوالى سبعين، فأتى فقامَ عليهمْ ونادى وقال: { يا أبا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يا أُمَيَّةُ بنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ يا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقَّاً، فإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقَّاً؟ قالَ: فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ، فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُونَ قَوْلَكَ، أَوْ يُجِيبُونَ وقد جَيَّفْوا؟ فقالَ: والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ، ما أَنْتُم بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، ولكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا} عن أنسِ بنِ مالكٍ، صحيح ابن حبان، وفى البخارى ومسلم
فبين أن الإنسان الذى يغادر هذه الدنيا يسمع ويحس ويشعر ولكن الكافر يكون فى سجن إنفرادي لا يستطيع أن يتحرك أو يجيب، أما المؤمن فيكون فى حياة مطلقة يذهب إلى الجنة كيف يشاء، بل ويذهب إلى الأماكن التى يحبها فى الدنيا ويزور الأحباء الذين كان يحبهم ويودهم فى الدنيا له حرية مطلقة فى الحركة لأنه كما قال الله فى شأنه فى [34 الزمر]:{لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ } فكل الذى يشاءه ويختاره يعطيه له الله فى هذه الحياة البرزخية ومن فضل الله علينا معشر المؤمنين في البرزخ أن المؤمن لا يخرج منه إلا وقد طاب أمره وصلح شأنه وأصبح صالحاً لدخول الجنة إلا أقل القليل وهم من ماتوا مسرفين على أنفسهم فى الكبائر ولم يتوبوا قبل الموت لكن أى مسلم لم يرتكب الكبائر فإن الله يمحصه ويغفر له ويعفو عنه فى الحياة البرزخية حتى يخرج منها صالحا لدخول جنة النعيم، فهذه الحياة البرزخية أكرم الله بها الأمة المحمدية وجعلها إكراما لنا جماعة المسلمين وهو سر قول رسول الله :{ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مُتَابٌ عَلَيْهَا تَدْخُلُ قُبُورَهَا بِذُنُوبِهَا وتَخْرُجُ مِنْ قُبُورِهَا لاذُنُوبَ عَلَيْهَا يُمَحَّصُ عَنْهَا باسْتِغْفَارِالمُؤْمِنِين َ لَها}عن أنس السيوطى فى شرح الصدور والطبرانى فى الأوسط
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد
جاري التحميل...