آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 31 مارس 2017

- البركة و التبرك

1- تعريف التبرك:

"التبرك هو ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) [الأعراف، 96]".[1]

وعليه فإن التبرك بالصالحين هو "طلب ذلك الخير الإلهي من الله عن طريق ذلك الصالح نبيا كان أو غيره أو عن طريق أثر من آثاره".[2]

وليس كما يزعم بعض الجاهلين ممن لا خبرة لهم بتفاصيل الشريعة أنه شرك وكفر، وفيما يلي الأدلة الناصعة على جواز التبرك بالصالحين.

2- التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته:

كان الصحابة رضوان الله عليهم يتبركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما حكاه عروة بن مسعود - قبل أن يُسلم - عن الصحابة بقوله –كما روى البخاري ذلك في صحيحه-: (فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم؛ خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم!!، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يُعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له).[3]

قال الحافظ ابن حجر معلقا على هذا الحديث: "وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل، والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة".[4]

وقال البدر العيني: "ومن الاستنباط من هذا الحديث، التبرك ببزاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقيرا له وتعظيما".[5]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خَدَمُ المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها).[6]

قال ابن الجوزي في شرحه لهذا الحديث: "إنما كانوا يطلبون بهذا بركته صلى الله عليه وسلم، وينبغي للعالم إذا طلب العوام التبرك به في مثل هذا ألا يخيب ظنونهم".[7]

وقال الإمام النووي: "وفيه التبرك بآثار الصالحين، وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية".[8]

كما أن الصحابة الكرام كانوا يتبركون بشعره صلى الله عليه وسلم، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُفرق شعره على الناس، ليتبركوا به، وهذا يدل عليه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث قال: (لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس).[9]

عن أنس بن مالك قال: "لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يُريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل".[10]

قال الإمام النووي والحافظ ابن حجر والإمام البدر العيني: "فيه التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم".[11]

وقال الحافظ أبو العباس القرطبي: "وتوزيعه شعره على الناس حرصا منه صلى الله عليه وسلم على تشريكهم في التبرك به، وفي ثوابه".[12]

وقال الإمام الشوكاني[13] والمباركفوري[14] وأبو الطيب آبادي[15]: "فيه مشروعية التبرك بشعر أهل الفضل ونحوه".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فنام عندنا فعرق، وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟"، قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب" رواه مسلم

وفي رواية أنه قال لها أيضا: "ما تصنعين يا أم سليم؟" فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: "أصبت"

فهذا إقرار منه صلى الله عليه وسلم على جواز التبرك بعرقه صلى الله عليه وسلم.

كما أن الصحابة الكرام كانوا يتبركون بلباسه صلى الله عليه وسلم ويرجون بركته، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة...، فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه؟، فأخذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم محتاجا إليها، فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها، فقال: نعم، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أُكفن فيها".[16]

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفيه جواز التبرك بالصالحين".[17]

كما لا يفوت الصحابة الكرام التبرك بالمكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أين تحب أن أصلي؟" فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".[18]

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: "في هذا الحديث من الفقه صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووطئها وقام عليها، وفي هذا دليل على صحة ما كان عليه القوم من صريح الإيمان، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق وجميل الأدب في إجابته كل من دعاه إليه ما لم يكن إثما".[19]

وقال القاضي عياض رحمه الله: "فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطئهم، ومواضع صلاتهم، وإجابة أهل الفضل لما رغب إليهم فيه من ذلك، تعاونا على طاعة الله، وتنشيطا على عبادته".[20]

وقال الإمام النووي رحمه الله: "وفيه التبرك بالصالحين وآثارهم، والصلاة في المواضع التي صلوا بها، وطلب التبريك منه".[21]

وقال الإمام الشوكاني: "وفيه أنه يشرع لمن دعي من الصالحين للتبرك به الإجابة، وإجابة الفاضل دعوة المفضول، وغير ذلك من الفوائد".[22]

ونجد عبد الله بن الزبير يتبرك بدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما صنعت يا عبد الله؟" قال: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس، قال: "فلعلك شربته؟" قلت: نعم، فقال: "ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس، وويل للناس منك".[23]

قال موسى: قال أبو عاصم: "فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم".[24]

قال ابن حجر: "وله شاهد من طريق كيسان مولى ابن الزبير، عن سلمان الفارسي، رُوِّيناه في جزء الغطريف، وزاد في آخره: "لا تمسُّكَ النارُ إلا تحلَّة القسم" وآخر عن أسماء بنت أبي بكر في معجم البغوي".[25]

3- التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم حال انتقاله إلى الرفيق الأعلى:

كما أن الصحابة الكرام كانوا يتبركون بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد التحاقه إلى الرفيق الأعلى، فعن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر أن أسماء أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة فلما قبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها".[26]

قال القاضي عياض: "وقولها: فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.: لما في ذلك من بركة ما لبسه صلى الله عليه وسلم أو لمسه، وقد جرت عادة السلف والخلف بالتبرك بذلك منه صلى الله عليه وسلم، ووجود ذلك وبلوغ الأمل من شفاء وغيره".[27]

عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارئ: "أنه نظر إلى ابن عمر وضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، ثم وضعها على وجهه".[28]

4- التبرك بالأولياء والعلماء الصالحين: 

ومازال سلف هذه الأمة وخلفها يتبركون بالصالحين والعلماء الربانيين يرجون أن تصيبهم من بركاتهم ما ينتفعون به.

يقول ابن جوزي في هذا الصدد: "وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر في سمته وهديه، لا لاقتباس علمه...[29]."

فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن علي بن ميمون قال: "سمعت الشافعي يقول: "إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرا -، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد حتى تقضى".[30]

وقال ابن الجوزي: "أحمد القزويني، كان من الأولياء المحدثين، توفي في رمضان هذه السنة فشهده أمم لا تحصى، وقبره ظاهر يتبرك به في الطريق إلى معروف الكرخي".[31]

قال الحافظ الخطيب البغدادي[32]، وابن أبي يعلى الحنبلي[33]، وابن مفلح الحنبلي[34] وابن الجوزي[35] في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد شيخ الحنابلة: "وقبره إلى الآن ظاهر معروف يُتبرك الناس به".

فهذه الأدلة وغيرها كثير أضربنا عن ذكرها مخافة التطويل وإلا فإن كتب التراجم والطبقات طافحة بما لا يدع مجالا للشك أن سلف هذه الأمة وخلفها ما زالوا يتبركون بالصالحين ويرجون بركتهم، ولا يعني ذلك أنهم يأتون منكر الأفعال والأقوال وبالأحرى الوقوع في الشرك كما يدعي من لا علم له، سوى التهجم على العلماء وتبديع الناس ورميهم بالكفر والزندقة، نعوذ بالله من الجهالة الجهلاء والجرأة على العلماء، وقديما قالوا: لو سكتَ من لا يعلم لقل الخلاف.

 الهوامش:

[1] - مفردات القرآن الكريم، الراغب الأصفهاني، 109.

[2] - التبرك بالصالحين، هشام محمد حيجر، 14.

[3] - صحيح البخاري، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، رقم الحديث: 2734.

[4] - فتح الباري، 5/341.

[5] - عمدة القاري، 3/178.

[6] - صحيح مسلم، كِتَاب: الْفَضَائِلِ، بَاب: قُرْبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ النَّاسِ وَتَبَرُّكِهِمْ بِهِ، رقم الحديث: 2324.

[7] - كشف المشكل من حديث الصحيحين، 3/312.

[8] - شرح صحيح مسلم، للنووي، 15/82.

[9] - صحيح مسلم، كتاب: الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر، رقم الحديث: 1305.

[10] - صحيح مسلم، كِتَاب: الْفَضَائِلِ، بَاب: قُرْبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ النَّاسِ وَتَبَرُّكِهِمْ بِهِ، رقم الحديث: 2325.

[11] - ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي، 9/54، فتح الباري، 1/275، عمدة القاري، 3/38.

[12] - المفهم، 10/137.

[13] - نيل الأوطار، 5/128.

[14] -  تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، 3/56.

[15] - عون المعبود شرح سنن أبي داود، 5/317.

[16] - صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، رقم الحديث: 5689.

[17] - فتح الباري، 3/144.

[18]- رواه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: الرخصة في المطر، رقم الحديث: 636.، ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر.

[19] - التمهيد لابن عبد البر، 6/227.

[20] - إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، 2/352.

[21] - شرح صحيح مسلم، 5/161.

[22] - نيل الأوطار، 3/95.

[23] - رواه الحاكم في مستدركه، 3/638. والبزار في مسنده، 6/169.

[24] - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، 6/152.

[25] - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، 6/152.

[26] - صحيح مسلم، كتاب: اللباس، باب: تحريم: استعمال إناء الذهب والفضة، رقم الحديث: 2069.

[27] - إكمال المعلم، 6/298.

[28] - الطبقات الكبرى لابن سعد، 1/254.

[29] - صيد الخاطر لابن الجوزي، المكتبة العصرية، بيروت، 1429هـ/2008م، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، ص: 165.

[30] - تاريخ بغداد، 1/123.

[31] - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، 9/139.

[32] - تاريخ بغداد، 12/66.

[33] - طبقات الحنابلة، 2/63.

[34] - المقصد الأرشد، 2/254.

[35] - المنتظم، 6/199.

- المروءة خلق الكرام

المروءة
إنها اتصاف النفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوان البهيم، والشيطان الرجيم. فإن في النفس ثلاثة دواعٍ متجاذبة: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان: من الكبر، والحسد، والعلو، والبغي، والشر، والأذى، والفساد، والغش. وداعٍ يدعوها إلى أخلاق الحيوان. وهو داعي الشهوة. وداعٍ يدعوها إلى أخلاق الملك: من الإحسان، والنصح، والبر، والعلم، والطاعة.

فحقيقة المروءة: بغض ذينك الداعيين، وإجابة الداعي الثالث. وحقيقة المروءة تجنب للدنايا والرذائل، من الأقوال، والأخلاق، والأعمال.[1]

واعتبرها أهل التصوف جُماع الأخلاق ومُنتهاها، ولحُمة الفضائل وسداها، وخُلُق الكرام، وأروع ما تحلّى به الرجال، فهي حِلية الفضلاء، وشِيمة النبلاء، بها تكمُلُ إنسانية الإنسان، ويتميز بها عن غيره من المخلوقات تميزا كبيرا.

وعرّفها كثير من أهل العلم بأنها هي: كمال الإنسان، من صدق اللسان، واحتمال عثرات الإخوان، وبذل الإحسان إلى أهل الزمان، وكف الأذى عن الأباعد والجيران.

قال الجنيد: "المروءة احتمال زلل الإخوان ".[2]

وقال الماوردي: "اعلم أن من شواهد الفضل ودلائل الكرم: المروءة التي هي حلية النفوس وزينة الهمم، فالمروءة مراعاة الأحوال التي تكون على أفضلها حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد، ولا يتوجّه إليها ذم باستحقاق".[3]

فالمروءة خلّة كريمة وخصلة شريفة، تحمل الإنسان على التمسك بالفضائل، والنفور من الرذائل، والتحلي بمحاسن الأخلاق، فهي صدق في اللسان، واحتمال لأخطاء الآخرين، وبذل للمعروف، وكفّ للأذى...

وجعلها ابن القيم على ثلاث درجات:

• الدرجة الأولى: مروءة المرء مع نفسه، وهي أن يحملها قسرا على ما يجمل ويزين. وترك ما يدنس ويشين، ليصير لها ملكة في العلانية. فمن أراد شيئا في سره وخلوته: ملكه في جهره وعلانيته. فلا يكشف عورته في الخلوة، ولا يتجشّأ بصوت مزعج ما وُجد إلى خلافه سبيلا...

• الدرجة الثانية: المروءة مع الخلق، بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء، والخلق الجميل، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه. وليتخذ الناس مرآة لنفسه. فكل ما كرهه ونفر عنه، من قول أو فعل أو خلق، فليجتنبه. وما أحبّه من ذلك واستحسنه فليفعله.

• الدرجة الثالثة: المروءة مع الحق سبحانه، بالاستحياء من نظره إليك، واطلاعه عليك في كل لحظة ونفس، وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان.[4]

فالمروءة مع الله تعالى تكون بالاستحياء من الله تبارك وتعالى حق الحياء، وأن لا يقابل إحسانه ونعمته بالإساءة والكفران، والجحود والطغيان، بل يلتزم العبد أوامره ونواهيه، ويخاف منه حق الخوف في حركاته وسكناته وخلواته، وأن لا يراه حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره.

أما المروءة مع النفس فتكون بحملها على ما يُجمِّلها ويُزيِّنها، وترك ما يدنِّسها، فيحرص على تزكيتها وتنقيتها، وحملها على الوقوف مواقف الخير والصلاح والبر والإحسان، مع الارتقاء بها إلى مراتب الحكمة والمسؤولية، لتكون الناصح الأكبر إليه والواعظ الأكبر له.

وتكون المروءة مع الخلق بإيفائهم حقوقهم على اختلاف منازلهم، والسعي في قضاء حوائجهم، ولطافة اللسان معهم، وسعة الصدر وسلامة القلب تجاههم، وقبول النصيحة منهم وستر عيوبهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.

يظهر من خلال هذا التصنيف أن أخلاق الصوفية كلها محاطة بسياج المراقبة لله عز وجل، فالصوفي مستشعر ومستحضر لرقابة الباري جل وعلا، حتى في اتصافه بأجلِّ الأخلاق وأكرمها، حتى قيل: المروءة اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحب الله والمسلمون من الخصال.

• وقيل لبعض الحكماء: ما المروءة؟ قال: طهارة البدن، والفعل الحسن.

• وسئل بعضهم: أي الحلال أجمع للخير، وأبعد من الشر، وأحمد للعقبى؟ فقال: الجنوح إلى التقوى، والتحيّز إلى فئة المروءة.

• وقال بعض العلماء: اتّق مصارع الدنيا بالتمسك بحبل المروءة، واتّق مصارع الآخرة بالتعلُّق بحبل التقوى، تفُز بخير الدارين، وتحل أرفع المنزلتين.

وعليه تكون المروءة من أجلّ الأخلاق وأعلاها عند الصوفية وغيرهم، فهي تجمع أكمل الصفات والفضائل التي رغّب فيها الشرع الحنيف، ولها مدلولها الكبير والواسع، فهي تدخل في الأخلاق والعادات والأحكام والعبادات.

الهوامش


[1]  ابن القيم: مدارج السالكين، 2/286.

[2]  سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص:200 .

[3] أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي (ت450هـ): أدب الدنيا والدين، شرح وتعليق: محمد كريم راجح، دار إقرأ، بيروت، ط4، 1405هـ/1985م، ص: 325.

[4]  ابن القيم: مدارج السالكين، 2/287-288.

- الفتوة فى القرآن

أصّل القشيري الفتوة بمعنى يجمع فيه فتوة الصوفية والفتوة عامة، حيث قال: "أصل الفتوة أن يكون العبد دائما في أمر غيره".[1]
ومن معانيها المختصة بالصوفية، ما ذكره أيضا من أن "الفتى من كسر الأصنام، قال الله تعالى: ﴿سمعنا فتًى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾،[2]... وصنم كل إنسان نفسه، فمن خالف هواه، فهو فتى على الحقيقة".[3]

ومخالفة الهوى تكون بالإحسان إلى الناس، وكف الأذى عنهم، واحتمال أذاهم، واستعمال حسن الخلق معهم، فالفتوة إذاً هي: "الإيثار على النفس بما تحب، والإحسان إلى الخلق بما يحب. ولذا قيل: لم تكمُلِ الفتوة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول في موضع لا يذكُر فيه أحدٌ إلا نفسه: (أُمّتي أُمّتي).[4] وقيل: ألاّ ترى لنفسك فضلا على غيرك، والفتى من لا خصم له، ومرجعها إلى السخاء والتواضع والشجاعة في مواطن الاضطراب، ففتوة العامة بالأموال، وفتوة الخاصة بالنفوس، وفتوة خاصة الخاصة بالأرواح، وبذل المُهج في جانب المحبوب".[5]

وأكثر تعريفات الصوفية للفتوة تنطوي على معانٍ خُلُقية عالية في التعامل مع الخلق أكثر من انطوائها على حقائق إلهية، وفي ذلك دلالة على أن الفتوة عندهم منظومة خلقية احتاجوها في التعامل فيما بينهم، ومع الناس، فهي أخلاق اجتماعية، كقول قائلهم: "الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان. وكقول القائل: الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك".[6]

وكقول الجنيد: "الفتوة كف الأذى وبذل الندى. وألا تُنافر فقيرا، ولا تُعارض غنيا".[7]

فالفتوة عند الجنيد جمعت مكارم الأخلاق من: عفو وإيثار وحماية للضعيف ونكران للذات وكرم وسخاء...، بل تجاوزت لديه هذه المعاني النبيلة إلى عدم النظر إلى الأعمال نظرة اعتبار وتقدير، مع إسقاط الروابط التي تربط الإنسان بأي شيء أو موجود غير الله تعالى، وعلى ذلك فالفتوة عنده هي الزهد الكامل، يظهر ذلك من خلال قوله: " الفتوة عندي ترك الرؤية وإسقاط النسبة".[8]

ويشتبه مصطلح الفتوة بمصطلح المروءة من حيث المعنى، وفرّق بينهما الإمام ابن القيم، فجعل المروءة أعم من الفتوة، "فالفتوة نوع من أنواع المروءة، فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد، أو متعد إلى غيره. وترك ما يدنِّس ويشين مما هو مختص أيضا به، أو متعلق بغيره. والفتوة: إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق".[9]

فالعبرة عند الصوفية ليست بالعموم أو الخصوص، إنما هي في التطبيق العملي والأمثل لهذه الأخلاق الكريمة، والسجايا الفضيلة، التي بدونها لا معنى للتصوف، أو للصوفي الساعي إلى تحقيق الكمال الخُلُقي، في تمسك كبير بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام وتطبيقهما على أرض الواقع.

الهوامش

[1] القشيري: الرسالة القشيرية، ص: 226 .

[2] الأنبياء، آية 60.

[3] المصدر السابق، ص:227 .

[4] النووي: شرح صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم، رقم 346.

[5] ابن عجيبة: معراج التشوف، ص: 37.

[6] القشيري: الرسالة القشيرية، ص: 226.

[7] سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص: 182 .

[8] المرجع السابق، ص: 182.

[9]  ابن القيم: مدارج السالكين، 2/277.

الخميس، 30 مارس 2017

- مدلول كلمة مدد فى الاسلام

 أخى الكريم : كلمة مدد تأتي بمعنى المساعدة والمعاونة وهي مستحبة في كل أنواع البر بجميع الطرق التي أجازها الشرع الحنيف، فاستعانة الناس بعضهم ببعض في الأمور لا مفر منها ولا غنى عنها والإنسان مأمور بها، ولاسيما في أمور البر والتقوى، فقد قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، فالتعاون  بين الخلائق هو المدد، أي المساعدة ونصرة بعضهم لبعض، فلو طلب الإنسان من بني جنسه الإمداد فليس بمعنى أنه يطلب منه كما يطلب من ربه، ولكن بالمدد والقدرة التي أمده الله بها.
ولتوضيح المراد من كلمة [مدد] قيل: "لا بد للمؤمن في جميع أحواله أن تكون له نظرتان:
 •  نظرة توحيدية لله تعالى، بأنه وحده مسبب الأسباب، والفاعل المطلق في هذا الكون، المنفرد بالإيجاد والإمداد، ولا يجوز للعبد أن يشرك معه أحدا من خلقه، مهما علا قدره، أو سمت رتبته، من نبي أو ولي.

• ونظرة للأسباب التي أثبتها الله تعالى بحكمته، حيث جعل لكل شيء سببا".]
وقد جعل الله تعالى في هذه الدنيا لخلقه ما جعل للملائكة الكرام عليهم السلام من وظائف وأعمال ظاهرية وباطنية، وزوّدهم بإمدادات وقدرات نورانية، فقد أكرم الله أنبياءه ورسله وأولياءه بشيء من الأسرار التي تجعلهم قائمين بها على نصرة دين الله، ويمدون بها من شاؤوا بإذن ربهم ورضاه؛ لإقامة دين الله جلّ جلاله.
فالمؤمن يتخذ الأسباب ولكنه لا يعتمد عليها، ولا يعتقد بتأثيرها الاستقلالي، فإذا نظر العبد إلى السبب واعتقد بتأثيره المستقل عن الله تعالى فقد أشرك، لأنه جعل الإله الواحد آلهة متعددة، وإذا نظر للمسبب وأهمل اتخاذ الأسباب فقد خالف سنة الله الذي جعل لكل شيء سببا. والكمال هو النظر بالعينين معا، ولتوضيح هذه الفكرة نسوق بعض الأمثلة:
إن الله تعالى وحده هو خالق البشر، ومع ذلك فقد جعل لخلقهم سببا عاديا، وهو التقاء الزوجين، وتكوُّن الجنين في رحم الأم، وخروجه منه في أحسن تقويم، وكذلك فإن الله تعالى هو وحده المميت، ولكنه جعل للإماتة سببا هو ملك الموت، فإذا لاحظنا المسبب قلنا: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾. وإذا قلنا: إن فلانا قد توفاه  ملك الموت، لا نكون قد أشركنا مع الله إلها آخر، لأننا لاحظنا السبب، كما بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم﴾.[]
كذلك بالنسبة للاستعانة، فإذا نظرنا للمسبب قلنا: "إذا استعنت فاستعن بالله"، الحديث وإذا نظرنا إلى السبب قلنا: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾."والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". فإذا  قال المؤمن لأخيه: أعِنِّي على حمل هذا المتاع، لا يكون مشركا مع الله تعالى أحدا، أو مستعينا بغير الله، لأن المؤمن ينظر بعينيه، فيرى المسبب والسبب، وكل من يتهمه بالشرك فهو ضال مضل.
ومبدأ البركة أو المدد معروف في الفكر الإسلامي، قال عنه أبو حامد الغزالي: "أنه إذا حق دخول النار على طوائف من المؤمنين فإن الله تعالى بفضله يقبل فيهم شفاعة الأنبياء والصديقين، بل شفاعة العلماء والصالحين، وكل من له عند الله تعالى جاه وحسن معاملة، فإن له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه، فكن حريصا على أن تكتسب لنفسك عندهم رتبة الشفاعة".[18]
وذكر محمد زكي إبراهيم أن طلب الدعاء والشفاعة من الحي أو روح الميت طلب عبودية لله، وهو مباح في مبادئ الإسلام، وطلب المدد من الحي معناه دعاؤه، وإرشاده، وروحانيته، وتوجهه، وبركة صلاحه، وتقواه، وسره مع الله، وطلب المدد من الميت طلب من روحه الحي بخصائصه في برزخه السامع المدرك الذي له ما يشاء عند ربه".]
فمعنى المدد هنا هو طلب التوسل إلى الله والاستشفاع به إليه عز وجل في قضاء الحوائج ودفع الجوائح، والتماس بركة مقامه عند الله تعالى، والاستمداد من مدد الله وسره. ﴿وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾.]
والتوسل ليس معناه التوسل بالذات المشخصة من اللحم والدم والعظم والعصب، وإنما هو التوجه إلى الله تعالى بالمعنى الطيب في الإنسان، والمعنى الطيب ملازم للروح سواء تعلقت بالجسم في الحياة أو تخلصت منه بالموت واستقرت في برزخها على مقامها هناك...]
 وقال تعالى حاكيا عن جبريل عليه السلام: ﴿قال إنما أنا رسول ربك لِأَهَبَ لَكِ غلاما زكيّا﴾. هنا أسند جبريل عليه السلام الوهب لنفسه مع أن الوهاب الحقيقي هو الله تعالى...
        وقال تعالى أيضا: ﴿ إِن تتوبا إِلَى الله فقد صغت قلوبكما وإن تَظَاهَرَا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾. وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن الله تعالى وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة كلهم أعوان للرسول صلى الله عليه وسلم على من آذاه وأراد مساءته]
وهو نص صريح في جواز الاستعانة بجبريل أو الملائكة أو صالح المؤمنين من الأولياء والصالحين، وما يؤكد هذا ويثبته أيضا، ما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما-  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله".7]
وقد ثبت أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أريد مرافقتك في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: "أعِنّي على نفسك بكثرة السجود". أي العبادة.
فهذه كلها أدلة تؤكد مشروعية طلب المدد من الله تعالى عن طريق عباده الصالحين وأوليائه المتقين، وكل ذلك متوقف على حسب نية الإنسان واعتقاده...
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل

الأربعاء، 29 مارس 2017

- الغرب مصدر الشر

الغرب مصدر الشر
الغرب هو عبارة عن أوربا وأمريكا، وهما القارتان اللتان لم ينظر الله إليهما نظرة إحسان وحب فيبعث فيهما رسولاً، أو يجعل لهم نوراً في قلوبهم تتضح به أنوار التوحيد فيعرف به سكانهما أنفسهم، والواجب عليهم لله  تعالى ولأنفسهم ولإخوانهم  في الإنسانية، حرمهم من هذا الخير عدلاً منه سبحانه، هذا ما نشهده بالحس للآن  ولا نعلم ماذا يكون غداً .

قال العربي :

وأعْلَمُ عِلمَ اليومِ والأمسِ قَبْلَه
ولكنَّني عن عِلمِ ما فِي غدٍ عَمِى

أقول ذلك لأن أهل الغرب شغلوا بما تشتغل به البهائم، فاستخدموا عقولهم  ومداركهم في تيسير الشهوات البهيمية والملاذ الحيوانية، فهم إنما يجتهدون في اختراع الأسلحة الفتَّاكة ببني الإنسان ليكونوا شرّاً من السباع، ويتفننون في الزينة وما تدعو إليه الحظوظ مع غفلتهم عن أنفسهم، وجهالتهم بسر إيجادهم  وإمدادهم، وبعدهم عن الملاذ الروحانية، والأخلاق الفاضلة الإنسانية من حب  الرحمة والعطف والمساواة والعدل، فهم أضر من الوحوش الكاسرة، وشر من              الشياطين، فهم كسياط النقمة التي ينتقم الله بها ممن التفت عنه ونسيه ونسى  أيامه. سلطهم الله على الشرق ولا دين لهم يخافون به من ربهم، ولا رحمة في قلوبهم تكبح تلك النفوس الشريرة، فجاسوا خلال الديار وطعنوا في الدين، وهمهم  سلب الإيمان والعقول، وتفرقة المجتمعات، وهضم الحقوق. يسلبون من الأمم   فضائلهم وصنائعهم وفنونهم وأملاكهم، ولا يكتفون بذلك حتى يستعبدونهم بدعوى أنهم آلهة مقدسون، لهم الحق وليس عليهم الحق. كل ذلك حصل لغفلة المسلمين

عن سر مجدهم وسبب عزهم والداعي إلى رفعة شأنهم وتمكينهم في الأرض، وهو العمل بكتاب الله وبسنة رسوله، فتفرق المسلمون بعد الاتحاد، واختلفوا بعد الائتلاف، ولعبت بهم أيد أثيمة لا يرضيها إلا أن تكون في مقام الألوهية والعالم  أجمع في مقام العبودية .

الثلاثاء، 28 مارس 2017

- حقيقة التنافس

التنافس
النفس الملكية تواقة إلى عالمها العلوى، تشتاق للاتصال به علماً وعملاً وحالاً، ولكن الفطر البشرية تحول بينها وبين ما جبلت عليه من الاستشراف إلى علومها ومعارفها ومشاهدها، فإذا أكرم الله الإنسان بعالم عامل بجميع الأعمال وعلى الأحوال، وكانت قواه البشرية متوسطة لا تحجب النفس الملكية عن شهود علومه وأعماله وأحواله لاشتغالها بدواعى الحظوظ والأهواء البشرية، فإن النفس بميل الإنسان إلى هذا العالم تستيقظ من نومها بحظوظ الجسم، واشتغالها بأهوائه، فتشرق عليه شمس أنوار الملكوت وتنكشف له حقائق الأسرار وما عليه العالم العلوى من المشاهدات، والقيام بالطاعات والقربات فتحصل العزيمة والرغبة والشوق والوله والمسارعة إلى المزيد من العمل، وتحصيل المعارف الحقة، والعقائد الحقة، والتخلى عما كان عليه من قبيح العمل، وردىء الاعتقاد، وسيئ الخلق، وشر الحال، فتحصل المنافسة فى طلب الخير، والتجمل بالمعانى القدسية، حتى يتشبه بالملائكة الروحانيين، وتدوم منافسته حتى تجلى له حقائق صادقة فى نفسه وفى الآفاق، فتبدل صفاته وأطواره ومعارفه وعقائده وأعماله بالمعانى الروحانية، حتى يكون روحانيا حقا ربانياً صدقاً.
وبذلك يتخلق بأخلاق ربه العلىّ ويتصف بالقرآن، ويكون فى معية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو البدل الكامل والإنسان الكامل، الذى انجذب بكليته إلى الجناب العلى، وواجهته الجمالات الربانية، وفاز بالمنازلات الإلهية، ويكون قلبه مواجهاً الجبروت الأعلى بعد مواجهته للملكوت والعزة، وتكون هممه وعزائمه وإقباله ومعارفه وفقهه فى الله ومن الله، وله فى كل نفس فيوضات ومواهب ترد عليه من حضرة المنعم الوهاب سبحانه وتعالى، وقد تبلغ المنافسة مبلغا تجعل المنافس يبذل النفس والنفيس فى نوال حظوة من حظوات القدس.
نسأل الله تعالى أن يمنحنا الإخلاص لذاته، والصدق فى معاملته، والحفاظ على السنة والعمل بها، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وورثته والتابعين آمين.
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- لذة النفوس الطاهرة

لذة النفوس الطاهرة
تكون بإتباع أولياء الله تعالى، واعتقاد عقيدة الخواص من عباده الصالحين، ومذهب الربانيين الذين أسلموا لربهم ولم يشركوا معه غيره لا سرا ولا علنا، وهم الذين صفت قلوبهم عن درن الشهوات الجسمانية، وطهرت أخلاقهم من العادات الرديئة، فاضمحلت عن ضمائرهم الآراء الفاسدة، وصانوا جوارحهم عن الأعمال السيئة، وألسنتهم عن الفحشاء والمنكر، وأخلصوا سرائرهم مع الله ولم يعترضوا عليه فى شىء من تدبير خلقه سراً وعلانية، فأصلح الله قلوبهم وزكى نفسهم وطهر أخلاقهم، فهم لا يضمرون لأحد من خلق الله تعالى سوءاً، ولا يرون لهم على أحد فضلاً، صالحوا الخلق سرا وجهرا لما وصفهم الله بقوله: () سورة الفرقان آية 63 فهم يمشون على الأرض بأجسادهم، ونفوسهم متعلقة بالمحل الأعلى، ذلك أنهم لما عرفوه تركوا كل شىء سواه، واشتغلوا به وبذكره () سورة البقرة آية 195 () سورة التوبة آية 91 وسئل النبى صلى الله عليه وسلم ما الإحسان؟ فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) كيف لا يراه أولياء الله؟! ولا يشاهده أصفياؤه؟! وهم معتقدون متحققون بقوله: () سورة المجادلة آية 7، وبقوله: () سورة ق آية 16، وقوله تعالى: () سورة الطور آية 48، وقوله تعالى: () سورة طه آية 46، وقوله تعالى: () سورة الحديد آية 4.
هذا وليس من لذة النفوس ولا سرور الأرواح ولا فرح القلوب ألذ وأروَح من روح الأنوار، وبرد اليقين فى قلوب أولياء الله تعالى، بما وعدهم يوم يلقونه من نعيم الجنان، وما يرضونه من نيل الثواب وجزيل العطاء فى الآخرة، وما يجدون فى نفوسهم من شدة الشوق إلى رؤيته لشدة محبتهم إياه وكثرة ذكرهم إحسانه، كما قيل: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، قال تعالى: () سورة البقرة 165 وقد وبخ الله من يحب غيره وذمهم بقوله تعالى: () سورة البقرة 165.
ثم اعلم أنه هذه اللذة التى وصفناها أن قلوب أولياء الله تسارع نحوها فى دار رضوانه الأكبر، ومقر رحمته ونعيمه المقيم، انكشفت لقلوبهم فى تلك الدار الدنيا بعين اليقين، كما تكشفت لهم الدنيا عن حقيقة زوالها ودناءتها، فاشتد شوقهم إلى ما أعده الله لهم وأخبرهم به سبحانه رغبة فى نوال رضاه الأكبر، والفوز بسعادة التنعم بجمال وجهه العظيم.
تولوا ربهم بالقيام بأوامره، والإقبال بالإخلاص على ذاته، فتولاهم الله تعالى بحقيقة الولاية حتى صار سبحانه وليا لهم وهم أولياء له، فلم تشغلهم الدنيا عن الآخرة، لأن الله سبحانه رغبهم فيها، ولا الآخرة عن الله تعالى، لأن الله وليهم، فهم المنظورون بأعين الله تعالى، المشاهدون لجمال وجهه سبحانه () سورة الأنبياء آية 103 أعانهم الله فصفت نفوسهم، وواجههم بوجهه الجميل فأشرقت عليهم أنوار القرب وعلامات الحب، فهم صفوة الله من عباده () المطففين آية 26. أسأل الله تعالى أن يجعلنى وإخوانى وأهلى ممن صافاهم واصطفاهم إنه مجيب الدعاء.
بهجة الروحِ بالجمالِ العلىِّّ لا بملك يفنى وحظ دنىّ
وابتهاجُ الحيوانِ أكلٌ وشربٌ ونكاحٌ وذاك قصدُ القصىّ
وابتهاجُ الشيطانِ حسدٌ وكبرٌ بفسادٍ وفرقةٍ وبِغَى
وابتهاجُ النفوسِ بعد زكاها رغبة الفوزِ بالمقامِ الهنىِّ
فى رياض الجناتِ فى رغد العيش بمرأى هذا الجمالِ الجلى
بين تلك النفوس بونٌ بعيدٌ فى خفاءٍ عن مدركِ الألمعى
هى نفس إن طهرت وتزكت تتهنى بحظوةٍ بالولى
وهى إبليسُ إن أبَتْ وتعالت وتعامت عم سِرِّها الآدمى
وهى حيوان بل أضلُّ سبيلا إن تَسَلَّتْ عن حسنِها بالدنىّ
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- دواء النفس من أمراضها

دواء النفس من أمراضها
أكثر علماء الأخلاق الكلام فى أمراض النفوس وعلاجاتها، كما أكثر الأطباء الكلام فى أمراض الأجسام وأسبابها وعلاماتها، والحقيقة أن النفس تكون أمراضها إما لازمة لها مقهورة عليها، ولا سبيل إلى علاجها كما يحصل لأصحاب الأمزجة المختلفة، والذين اختلف تركيب أبدانهم، فنشأوا غير مؤهلين للفضائل ولا قابلين لها ممن فقدوا قوة العقل والفهم، وابتلوا بفساد المزاج واختلاف الأعضاء، وكل واحد من هؤلاء إنسان فى الصورة، ولكنه يشبه نوعا من أنواع الحيوانات عملا أو خلقا إن نافعا وإن ضارا، وأما من اعتدلت أمزجتهم، وتناسبت أعضاؤهم، فهم المؤهلون للعلوم والفضائل، وأكمل دواء لهم العناية بهم وهم صبيان، بتمرينهم على الأعمال الفاضلة، والأقوال الفاضلة، وبث روح الدين فى قلوبهم، حتى ينشأوا مؤمنين بالله ورسله وكتبه، مصدقين بالثواب والعقاب، محافظين على ما ينالون به حسن الجزاء فى المستقبل والخير والكرامة، ويتباعدون به عن العقوبة والشر والغرامة.
وكل ذلك لا يمكن أن يتحصل عليه إلا بمدارسة التعاليم القرآنية، والوصايا النبوية، وتلقينها بالعمل أولا من الآباء والإخوان، وبالعلم من العلماء والأساتذة، وبالتذكير عند النسيان أو الغفلة بعبارات مؤثرة مقبولة على قدر عقل الطفل، فإذا كبر ووقع فى رذيلة من الرذائل فالدواء الحقيقى إقامة الحدود الشرعية التى تكبح جماح المفسد، وتكون عبرة لغيره، والشفاء الحقيقى كتاب الله وسنة رسوله وهدى الأئمة الراشدين المرشدين، والعمل الجميل لا يخفى على إنسان، والله أسأل أن يمنحنا العناية والتوفيق لما به نيل رضاه وفضله آمين.
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- تعريف الفضائل

تعريف الفضائل
1- الحكمة: هى فضيلة النفس الملكية، وقد تقدم شرحها مفصلة فى أول الكتاب، ولكنى أقول هنا باختصار: الحكمة أن تعلم الأمور الإلهية والإنسانية حتى ينتج من العلم بهما أن تعرف ما يجب أن يعمل شرعا وعقلا، وما يجب أن يترك شرعا وعقلا.
2- العفة: هى فضيلة الحس الشهوانى، وهى حفظ الأعضاء من المحظور شرعا مع البهجة بذلك، حبا فى ذات الله وتعظيما لأحكامه، حتى لا يخالف أوامر الله تعالى فى صغيرة ولا كبيرة بمجاهدة تامة، حتى تكون فطرة للنفس ويصير ذلك عبداً لذات الله، حراً لا يستعبده شىء من شهواته.
3- الشجاعة: هى فضيلة النفس الغضبية إذا اقتدت بالنفس الملكية باستعمال ما يوجبه الشرع من الأعمال الهامة، كالصبر على العظائم، والإقدام على القيام بالعظائم، والجلد عند الهول، كل ذلك فى ذات الله تعالى وفى نوال فضله ورضوانه، فلا يخاف من الأمور المزعجة إذا كان فعلها لله تعالى، والصبر عليها محمود.
4- العدالة: هى فضيلة النفس تحدث لها إذا تجملت بتلك الفضائل الثلاثة، وأحبت الجناب المقدس ورغبت فى فضله ورضوانه، فإنها بذلك توسم بسمة يختار بها الإنسان دائما الإنصاف من نفسه على نفسه أولا، ثم الإنصاف والانتصاف من غيره وله، كل ذلك حبا فى الحق، وتخلقا بأخلاقه العلية سبحانه، وتحت كل فضيلة من تلك الفضائل أنواع من الفضائل، تعلم لمن صفت نفسه بالبداهة.
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- فضائل النفس ورذائلها

فضائل النفس ورذائلها
معلوم أن لكل موجود عملا خاصا به، وكمالا يصل إليه، ومنزلة أهله الله تعالى لها، بحيث لو قصر عنها انحط إلى ما دونه، وأن الله تعالى خلق الإنسان وجعل له كمالا خاصا به، وأعمالا خاصة به، وهيأ له ما به يرث الملك الكبير، وأمده بما به يحظى بالنعيم المقيم فى الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء، فإذا أعانه الله تعالى وصدرت عنه أعماله الخاصة به، ووفقه فتكمل بكمالاته الخاصة، نال السعادتين وفاز بالخير كله، وإذا صدرت عنه الأفعال بعجلة وحظ وشهوة، وميل عن الحنيفية البيضاء والمحجة السمحاء، لأجل الشهوة التى شارك فيها البهائم، والخبث الذى شارك فيه الشياطين، أو الاغترار بزهرة الفانية التى تشغله عن تزكية نفسه التى يبلغ بها منازل الملك الرفيع والسرور الحقيقى، ويرفعه الله بها إلى قرة العين التى قال تعالى فيها: () سورة السجدة آية 17 ويمنحه الله بها إلى أن يشاهد وجهه الجميل فى النعيم المقيم والملاذ التى لم ترها عين، ولا سمعتها أذن، ولا خطرت على قلب بشر.
من خدعته شهواته الخبيثة، عن الفوز بتلك المواهب الأبدية الشريفة، وفرح بتلك الخساسات والرذائل التى لا ثبات لها، فقد أعد نفسه للمقت من خالقه عز وجل، وسارع فى تعجيل العقوبة له، وإراحة العباد والبلاد منه.
ومعلوم أن الخيرات والشرور من الأفعال الإرادية إما باختيار ما أمر الله به، والعمل به الرضا عنه فيه، أو باختيار ما نهى الله عنه والتلذذ به والغفلة عن التوبة.
ولما كانت السعادات الدنيوية، وتحصيل السعادات الأخروية، لا يمكن أن يقوم بها كل واحد بنفسه، لزم أن يقوم بها جماعة كثيرة من الناس، وأن يجتمعوا على تحصيل تلك السعادة المشتركة، لتكميل كل فرد بمعاونة الباقين له، حتى يكون المسلمون كجسد واحد، كل فرد منهم عضو عامل لخير الجسد كله فتكون الخيرات مشتركة، والسعادة بينهم، حتى يقوم كل واحد منهم بجزء منها، وتحصل للجميع بمعاونة الجميع، ولذلك أوجبت الشريعة على الناس أن يحب بعضهم بعضا، وحرمت التباغض والتنافر والعداوة والاعتداء، لأن كل واحد يرى كماله عند الآخر، وكمال الإنسان بتمام أعضاء بدنه.
ولما كانت قوى النفس ثلاثة كما تقرر: وهى القوة التى بها الفكر والشوق إلى معرفة الله تعالى، وتحصيل العلوم الحقيقية المسماة (بالملكية أو الناطقة). والقوة التى بها الغضب والنجدة والإقدام على العظائم، والميل إلى التسلط والترفع، وأنواع الكرامات والسعى فيما يبلغ إلى نوال ذلك وتسمى (بالغضبية أو السبعية). والقوة التى تكون بها الشهوة وطلب الغذاء والحظوظ الجسمانية التى فى المأكل والمشرب والمنكح، وتسمى (البهيمية أو الشهوانية).

ومن المعلوم أن إحدى تلك القوى إذا قويت أضرت بغيرها، أو أبطلت عمل غيرها، كما نرى فى بعض من قويت نفسه الشهوانية أنه أدنى من البهائم لفجوره ومجاهرته، وبعض من قويت نفسه الغضبية أنه أضر من الوحوش لتهوره وظلمه، ومن غلبت عليه نفسه الملكية، فارق نوع الإنسان وصار شبيها بالملائكة فى أخلاقه وأعماله الصادرة عنه، وخير الأمور الوسط، وهو الفضيلة التى أمر الله بها، وأمر بها رسول الله صلى الله عليه سلم كما قال تعالى: () سورة الفرقان آية 67 وقال سبحانه: () سورة البقرة آية 143 وكما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأحبكم إلىَّ وأقربكم منى مجالس يوم القيامة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويألفون) وكما قيل: خير الأمور الوسط.
وقد تكون تلك القوى– مع التوسط – نفسا واحدة، لأنها تنقاد للنفس الملكية، فلا تختار إلا ما يحبه الله تعالى ورسوله من العقائد والعبادات والآراء والأخلاق والمعاملات.
وشرح هذا الباب لا يعنينا فى هذا المختصر الذى قصرنا النظر فيه على الكليات التى بها يستنير قلب المرشد والمسترشد، ويكفى المطلع أن يعلم أن للنفس قوى ثلاث متباينة، يقوى بعضها ويضعف حسب المزاج أو العادة أو التزكية.
ولما كان لكل نفس كمال به يكون جمالها، وتصدر عنها الفضائل، كانت الفضائل ثلاث: لأن للنفس الملكية فضيلة وهى العلم والحكمة، لأنها متى كانت حركة النفس الملكية من ذاتها ومعتدلة، واشتاقت إلى المعارف الصحيحة التى ليست بجهالات حدثت عنها فضيلتها التى هى فضيلة (العلم، اللازم لها الحكمة)، ومتى كانت حركة النفس الشهوانية معتدلة منقادة للنفس الملكية غير منهمكة فى اتباع هواها حدثت عنها فضيلة (العفة، ويلزمها السخاء) ومتى كانت حركة النفس الغضبية معتدلة مقتدية بالنفس الملكية غير متهيجة، حدثت منها فضيلة (الحلم، وتلزمها فضيلة الشجاعة) ومتى اعتدلت تلك النفوس وقويت النفس الملكية وظهرت الفضائل الثلاث، لزمها فضيلة رابعة وهى أكمل الفضائل وأعلاها، وهى فضيلة (العدالة).
فالفضائل إذن أربع: العلم ويتبعه الحكمة، والعفة ويتبعها السخاء، والحلم ويتبعه الشجاعة، والعدالة وهى جماع الخير بها الفخر، وبتوفرها فى الشخص السعادة ولا فخر بغيرها.
ومن افتخر بآبائه وأجداده فذلك لأن الله وهبهم تلك الكمالات، ومَنَّ عليهم بهذه المحاسن.
ولا تكون تلك الفضائل فضائل حقيقية إلا إذا ظهرت لوازمها فى غير الشخص المتجمل بها، فإن العلم لا يكون فضيلة للشخص إلا إذا نفع غيره، والشجاعة لا تكون كذلك إلا إذا نفعت الغير بالذود عن الدين وعن الضعفاء وعن الأعراض وإقامة الحدود، والسخاء لا يكون فضيلة إلا إذا بذل المال فى وجوهه الشرعية، وأعان به العلماء العاملين، الأتقياء الصالحين لوجه الله العظيم، وكل تلك الفضائل لا تسمى فضائل حقيقية إلا إذا كان صاحبها من العارفين بالله تعالى، العالمين بتصريف الأحوال والنيات.

رذائل النفس
تقدم أن الفضائل أربع، لأن كل فضيلة وسط بين رذيلتين كما قررنا، إلا أن أصول الرذائل أربع، وهى أضداد الفضائل: الجهل والشره والجبن والجور، وتحت هذه الأجناس أنواع من الرذائل لا تحصى، وهى أمراض نفسانية تحدث منها علل كثيرة، كالخوف والحزن والغضب لغير الله تعالى، وأنواع العشق الشهوانى وضروبٌ من سوء الخلق، من أحب معالجتَها فليراجع ما كتبناه فى الأخلاق فى غير موضع من كتاب: (شراب الأرواح) وفيما كتبناه من الآداب فى: (أصول الوصول) وما كتبناه من الحكم فى رسالة: (أصول الطريق)
هى النفس للدانى تحنّ وترغبُ وللعاجل الفانى تميلُ وتطلبُ
هى النفس تهوى حظَّها ولو أنها أضاء لها التحقيقُ من ذاك تهرب
أيا نفسُ لو تدرين عاقبة الذى ترومينَه جهلا لصحَّ التجنب
فزهرةُ دنياك الغرورةِ بهجةُ ولكنها سُمّ يُذابُ ويُشرب
تغرُّ رجالا جاهلين بقدرهم وتخدعهم بجمالها ثم تسلب
أيا نفسُ إن تصفى وتزكى وتطهرى تلوح لك الأنوارُ يصفو التقرب
وتشرق شمسُ الحقِّ من كل وجهةٍ عليك وهذا الوهمُ بالحقِّ يغرب
أيا نفس يا كنزَ الجمالاتِ كلِّها ويا مطلع الأسرارِ ربى أقرب
فلو نَفسا طُهِّرْتِ من رينِ مبعدٍ لك الراحُ فى روضِ المعيِة يُوهب
دعى عنك زهرةَ عاجل وتحققى وللحق أوبى تصفُو ثَمَّ المشارب
على سنة المختارِ طه إمامنا ألا فانهجى فالمستقيمُ محبب

الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- تعريف النفس

تعريف النفس
وقف العقل الكامل عن إدراك حقيقة النفس، ورسمها بحد، لأنها من أمر ربنا سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: () سورة الاسراء آية 85 ولا يزال الإنسان من لدن نشأته الأولى والنفس محل بحثه ونظره، حتى أن أكثر الحكماء المتقدمين والحكماء المسلمين، رأوا أنها ليست بجسم ولا بعرض، لأنهم أثبتوا وجودها لما لها من الأفعال الخاصة بها، والأحوال القاصرة عليها، التى تغاير بالمرة أعمال الأجسام، وخواص الأعراض، وتضاد أيضاً أجزاء الأجسام وخواصها، حتى لا تشاركه فى حال من الأحوال، وتباين الأعراض وتضادها كلها غاية المباينة، من حيث أن الأجسام أجسام، والأعراض أعراض، لأنه ثبت أن النفس لا تتحيز ولا تتغير، وتدرك جميع الأشياء بالسوية بدون أن يلحقها فتور ولا ملل ولا كلال.
وشرح ذلك أن أى جسم من الأجسام له صورة فإنه لا يمكن أن يقبل صورة أخرى من نوع صورته الأولى، إلا بعد أن يفارق صورته الأولى مفارقة حقيقية، فإنا لو فرضنا أن جسما ما على شكل مربع أو مثلث، وأردنا أن نجعله مستطيلا أو أسطوانيا، فلا يمكننا ذلك إلا بعد مفارقته شكله الأول، وكذلك إذا نقش فى جسم ما صورة من الصور، فلا يمكن أن ننقش فيه صورة أخرى، إلا بعد مفارقة الأولى، حتى لو بقى فيه بعض الصورة الأولى لما قبل الصورة الثانية على التمام، بل تختلط به الصورتان، والمُثل بيِّنة.
والحال أننا نجد أنفسنا نقبل صور الأشياء كلها على تباينها وكثرة أنواعها من المحسوسات والمعقولات بغير نقص ولا تفاوت، ولا مفارقة للأولى، ولا تعاقب ولا زوال رسم، بل تبقى الصورة الأولى تامة، وتقبل الرسم الثانى، ثم لا تزال تقبل الصور المختلفة، صورة بعد صورة دائماً أبداً، بدون أن تضعف، أو تفتر فى وقت من الأوقات عن قبول ما يرد عليها، ويتجدد لها من الصور، بل تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى، وهذه خاصة من خواصها تباين بها الأجسام، ولهذه الخاصة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض، وتكمل بالعلوم والآداب.
ينتج من هذه المقدمات أن النفس ليس جسما، وتقرر أنها ليست عرضا، لأن العرض لا يحمل عرضا، ولأن العرض فى نفسه محمول أبداً موجود فى غيره، لا قوام له بذاته، وجوهر النفس قابل أبدا حامل ما هو أتم وأكمل من حمل الأجسام للأعراض.
لهذا يظهر أن النفس ليست جسما ولا جزءاً من جسم، ولا عرضا، هذا والطول والعرض والعمق من المعانى التى صار الجسم بها جسما، تحصل فى قوة النفس الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة وتزداد فيها تلك المعانى أبدا بلا نهاية، فلا تغيرها عن حقيقتها ولا تتغير إذا تصورت كيفيات الجسم من الألوان والطعوم والروائح، ولا يمنع بعضها قبول بعض من أضدادها كما يمنع فى الجسم، وكذلك حالها فى المعقولات، فإنها تقوى بقبول بعض المعقولات على قبول غيرها أبدا بلا نهاية، وتلك الخواص فى غاية البعد عن الأجسام، والجسم لا يعرف العلوم إلا من الحواس، فيشتاق إليها بالملامسة كالشهوات البدنية ومحبة الانتقام، فإن الجسم يشتاق إلى تلك الأشياء، ويزداد بها قوة ويستفيد منها كمالا، ويفرح بها لأنها تتمم وجوده وتمده.
وأما النفس فإنها كلما تباعدت عن الشهوات البدنية وخلت بذاتها، ازدادت قوة وكمالا، وتجملت بالعلوم الحقة، والآراء الصحيحة، بذلك يثبت أن طباعها وجوهرها تباين طباع الجسم والبدن، وأنها أكرم جوهر، هذا مع شوقها إلى معرفة حقائق الأمور الكونية، ولهفها لفهم المعانى الإلهية وإيثارها لها، ولا يمنع من ذلك أنها أخذت كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس، لأن لها من نفسها علوما أخرى، وأفعالا لا تأخذها عن الحواس أبدا، وذلك ثابت بديهى خصوصا فى علوم النظر، وما تكاشف به من أسرار الملكوت والفقه فى دين الله تعالى، وهى التى تحكم على الحس بالصدق أو الكذب فكثيرا ما يشهد الحس الأمور على غير حقيقتها وهى ترده إلى الحق، كما ترى العين الشمس صغيرة، ويرى العامود الموضوع فى الماء معوجا، ويرى الراكب فى السفينة أنه ساكن، ويرى الأشجار حوله تمشى، كل تلك العلوم من نفسها. وقد يخطئ فيما يراه من بعد أو قرب، وكل الحواس تخطئ وتردها النفس، فقد تذوق حاسة الذوق الحلو مرا عند انحراف المزاج، وكل تلك المعلومات ليست من الحس، بل هى من ذات النفس.
من هذا حكموا أن النفس ليست جسما، ولا جزء منه، ولا عرضا، والمراد بالنفس إذا أطلقت النفس الملكية التى تسمى بالناطقة، وإذا أردت أن أعرِّفها فإنما تعرف بما يقرب حقيقتها لا حقيقتها، فأقول: هى جوهرة سماوية روحانية نورانية من أمر ربنا سبحانه وتعالى، ومما قلته فيها:
نفسى هى الكنزُ فيها سرُّ معناه بغير كيف وفيها نورُ مجلاه
جهلى بها الحجبُ عن علمى بمبدعِها وعلمُها كشفُ حجبى فهمُ معناه
نفسى مثال ترا آى لى به وضحت آياتُه وبه أُعِطيتُ جدواه
نفسى له صورةُ تنبى مشاهدَها إذا تحققَ أن المبدعَ الله
جهلى بها اللبسُ والتشكيكُ أجمعُه وعلمُها الكشفُ عن غيبٍ وأخفاه
جهلى بها التيهُ بل والبعدُ عن نسب بها يلوح جمالُ الوجهِ أجلاه
لو أنها أشرقت نفساً لعالمِها فُكت طلاسمُه ورقى لعلياه
يا نفسُ ما أنت؟ نورُ أنت أم عرضُ؟ أم كوكبُ مشرقُ بضياء؟ مبناه
وهل بك الجسم قد قامت معالمه؟ أو قُمْتِ فيه فهذا السرُّ أهواه
حيرتِ أفكارَ أهلِ العقلِ لم يصلوا إلى يقينٍ وفيكِى ضلَّ أهداه
العقلُ يعقلُ محسوساً ونسبتَه لا يدركا رتبتى والمنعمُ الله
سرى خفىّ عن الألبابِ يحجبها عنه نظائره فيه وأشباه
من أمر ربى ومن يطلبه يعرفه فيعرف الله ربَّ العرش مولاه
ونفخةٌ منه تجلى للمراد له فتشهدُ الوجهَ بالتنزيهِ عيناه
من كان يعرفنى بالفضلِ يعرفهُ أنا المثالُ له أفقٌ لمرآه
النفس واحدة وقواها ثلاث
قوة تسمى النفس الملكية أو الناطقة، وهى أعلى النفوس وأكملها، وقوة تسمى النفس السبعية أو الغضبية وهى أدنى من النفس الملكية، وقوة تسمى النفس البهيمية أو الشهوانية، وهى أدنى النفوس.
والإنسان لا يكون إنساناً حقيقية كاملاً إلا بالنفس الملكية، لأنه بها يشارك الملائكة، وبها يمتاز عن البهائم، فأكمل الناس وأشرفهم من كملت فيه تلك النفس وانصرف إليها، وأما من غلبت عليه إحدى النفسين انحط عن رتبة الإنسانية بقدر غلبتها عليه، فتدبر أيها السالك فى نفسك، أين تحب أن تكون من المنازل؟ ومن تحب أن تشارك؟ ومع من تكون؟ () سورة القيامة آية 14 وشتان بين من يرضى أن يكون بهيميا أو سبعياً، ومن لا يرضى إلا أن يكون ملكاً كريماً.
وبين تلك المقامات والمنازل مراتب شتى، بقدر أنواع الحيوانات ومقامات الملائكة () سورة الحديد آية 29.
وقد نرى من الناس من هم أقل من البهائم، ومنهم من تتولى خدمتهم الملائكة، ومنهم من هم شر من إبليس () سورة الشمس آية 9– 10 ومن زكى نفسه وطهرها، بلغ من المقامات إلى رتبة فيها تسبح نفسه فى عوالم الملكوت مشابهة للملائكة، وأن يكون جسمه مجملا بالأخلاق الطاهرة، والأعمال الصالحة.
ومنهم من ينحط حتى تنحصر آمالهم فى شهواتهم فحسب، كالمأكول والمشروب والملبوس والوطء، وهؤلاء هم الذين تجذبهم الشهوات لقوة نفوسهم البهيمية، فيرتكبوها ولا يرتدعوا عنها، ولكن تبقى فيهم بقية ضئيلة من النفس الملكية، فيستترون حياءً عند فعل القبائح والرذائل فى البيوت، حتى إذا اضمحلت النفس الملكية واختفت فى ظلمات طبعهم انتفى الحياء عنهم، فجاهروا بالقبائح كما تفعل البهائم، وتركوا أوامر الله وارتكبوا نواهيه بدون خوف منه سبحانه ولا حياء من خلقه، ولو أنك سألت المعظمين للذة والشهوات الذين يتسترون عند عملها، هل ما تستحسنونه من الملاذ فضيلة أم رذيلة؟ فإن كان فضيلة فلم تتسترون عند عمله؟ وإن كان رذيلة فلم عمله؟ والله سبحانه وتعالى يجملنا بالنفس الملكية إنه مجيب الدعاء.


لامام محمد ماضى ابو العزائم 

- حكمة الشريعة

حكمة الشريعة
حكمة أحكام الشريعة، والمراد للشارع سبحانه من كلامه خفىّ جداً بعيد الغور، لا ينكشف لك فى أول وهلة إلا بفضل عظيم من الله تعالى، أو إحسان سابق لك من استعداد للنظر والفكر والفطنة والفطرة على الذكاء، وتهذيب نفسك وتزكيتها، هذا فيما يتعلق بالعقائد والعبادات، فأما فى الأحكام الشرعية فإن أحكام الشريعة لا يدرك حكمها الإنسان من أول وهلة إلا بعد البحث، وعلم المراد من النفع العام لجميع العباد، ومساواة الأفراد فى الخيرات، وإن ظهر للإنسان أن الأحكام على غير ذلك فى أول نظرة، ولكنه بعد الرياضة يعلم حق العلم أن أحكام الشرع هى القسطاس المستقيم، وما عداها باطل وإن ظهر حسنه فى أول نظرة.
مثال لذلك: ضرب العلماء الربانيون مثلاً، فقالوا: إنه كان رجلان اصطحبا فى طريق على سفر، فلما انتهيا إلى شاطئ نهر قعدا للغذاء فأخرج كل واحد زاده، فكان مع أحدهما رغيفان ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فكسراها فى موضع واحد ليأكلاها، إذ مر بهما مجتاز، فدعواه إلى طعامهما فأجاب وجلس وأكل معهما، فلما فرغوا قاما ورمى بين يديهما خمسة دراهم، وقال: اقسموها بينكما بالسوية، ومضى هو لسبيله، فقال صاحب الرغيفين لصاحبه: لك النصف ولى النصف الباقى، لأنه قال بالسوية، وقال صاحب الثلاثة الأرغفة: بل العدل أن يكون لى ثلاثة دراهم ولك درهمان، لأنه قال بالسوية بحسب الرغيفان، فتنازعا وتخاصما وتحاكما إلى قاض من حكام الشريعة، فحكم بينهما أن لصاحب الرغيفين درهم واحد، ولصاحب الثلاثة أربعة، وكان هذا الحكم هو الحق وغاية الصواب، فتفكر يا أخى فيه، فإن فهمت معناه، وتوجه لك الصواب، فأنت فقيه فى أحكام الشريعة، وإن ذهب عليك فيه وجه الصواب وغاية الحقيقة، فاذهب إلى حاكم الشريعة ليعرفك وجه الصواب، وحقيقة المعنى.

هذا وبعض من لم يتفضل الله عليهم بنور المعرفة من بعض العقلاء الذين يطالعون فى كتب الفلاسفة والمعقولات، إذا فكروا بعقولهم فى أحكام الشريعة وقاسوها بآرائهم وتمييزهم وفهمهم يؤديهم اجتهادهم وقياساتهم إلى أن يروا ويعتقدوا فى كثير من أحكام الناموس، أن العدل والحق والصواب فى مخالفة كل ذلك، لقصور فهمهم وقلة تمييزهم وعجز معرفتهم عن كنه أسرار أحكام الشريعة.
مثال ذلك: أنهم إذا تفكروا فى حكم المواريث أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فيرون أن الصواب كان أن يكون للأنثى حظ الذكرين، لأن النساء ضعفاء قلائل الحيلة فى اكتساب المال.
ولا يدرون ولا يبصرون أن هذا الحكم الذى حكمت به الشريعة، سيئول الأمر به إلى ما أشاروا إليه وأرادوه، وذلك أن الشريعة لما حكمت للذكر مثل حظ الأنثيين حكمت أيضا أن المهر فى التزويج والنفقة على الرجال للنساء، فهذا الحكم يؤول الأمر به إلى أن يحصل للأنثى فى المال مثل حظ الذكرين وأكثر، والأمثلة ظاهرة.
يثبت من ذلك أن أحكام الشريعة ليست جزئية لنفع البعض فقط، بل هى كلية لنفع العام، والمساواة الحقيقية والصلاح للكل فى العاجل والآجل، والخير فى الدنيا والآخرة جميعا بالنظر فى العواقب، والله أسأل أن يمنحنا الفقه فى قلوبنا، ويكاشفنا بمراده سبحانه وتعالى فى أحكامه، ويوفقنا لحسن اتباع سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم.
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- حكمة بعثة الرسل

حكمة بعثة الرسل
لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بنى جنسه، وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما، يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير، وكان مما يتعسر إن أمكن، وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع، متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات تدل على أنها من عند ربه، ووجب أن يكون للمحسن والمسىء جزاء من عند القدير الخبير، فوجب معرفة المجازى والشارع، ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة، ففرضت عليهم العبادة المذكرة للمعبود، وكررت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير، حتى استمرت الدعوى إلى العدل المقيم لحياة النوع، ثم زيد لمستعمليها بعد النفع العظيم فى الدنيا، الأجر الجزيل فى الآخرى، ثم زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة التى خصوا بها فيما هم مولون وجوههم شطره.
فانظر إلى الحكمة ثم الرحمة والنعمة تلحظ جنابا تبهرك عجائبه، ثم أقم واستقم وتحقق أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو النعمة العظمة على العالم بأجمعه، وأن اتباعه على الوجه الأكمل هو السعادة الحقيقية، والفوز بمقعد صدق عند مليك مقتدر، ونيل محبة الله التى ينال من فاز بها المجد الأبدى، والبقاء السرمدى، فى مواجهة قدس الجبروت الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء قال تعالى: () سورة آل عمران آية 31، ولما كان اتباعه صلى الله عليه سلم على الوجه الأكمل، يجعلك يا أخى على ما كان عليه صلى الله عليه سلم هو وأصحابه فتكون من الفرقة الناجية الذين هم أهل معية رسول الله صلى الله عليه سلم، وخاصة أولياء الله تعالى من العلماء الراسخين، والمخلصين الروحانيين، أسأل الله تعالى أن يشهدنا مشاهد أهل محبته، ويناولنا من طهور المقربين، إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- واتقوا الله ويعلمكم الله

واتقوا الله ويعلمكم الله
إن الله جلت قدرته وتقدست صفاته، خلق الإنسان على أكمل صورة، وأتم معنى، وجعل خَلْقَه الجميل مَحلاًّ للتجمل بالخُلق الجميل وهداه النجدين، وأبدع له من الآيات، ما قامت به الحجة وثبتت به المحجة وظهر به البرهان، وَوَضح به البيان على قدرة القادر البديع بداهة، بأول جولة للنظر فيما فى السموات والأرض، وفيما هو فى نفس الإنسان، حتى أشعر قلبه بأنه سبحانه هو الموجد البديع بدلائل حسية، قامت واضحة البرهان، أقربها إليه احتياجه لما حوله واحتياج ما حوله إليه، وتغير الكل فى اللحظة من حال إلى حال، حتى برهن الكل أنه صنعة قادر حكيم مدبر بديع ولىّ وّهاب، ثم مَنَّ سبحانه على الإنسان ببعثة الرسل صلوات الله تعالى عليهم وسلامه يدعون الخلق إلى الحق الذى شعرت به قلوبهم، وقامت الأشياء كلها دالة على وحدانيته وكمال قدرته ومشيئته، فأقاموا الحجج الناصعة على أنهم رسل ربنا بالأدلة الواضحة، وعمل المعجزات الباهرة، التى هى فى قوة ( صدق عبدى فى كل ما يبلغ عنى فاتبعوه).
بينوا لنا ما يجب أن نعقد عليه القلب من عقائد التوحيد، وما يلزم أن نعلمه من كمال التنزيه، وما نطالب به من التسليم لأوامره وأحكامه، وما لابد لنا من التصديق به من أحوال المرجع إليه سبحانه، ومواهبه اللدنية التى منَّ بها على المصطفين من خيرة عباده، وتفضل سبحانه فكلفنا بما يسره لنا، ويسرنا له، بدون فادح كلفة ولا عظيم مشقة، من المعتقدات الحقة، التى تعترف بها العقول السليمة، والأخلاق الطاهرة التى تتعشقها النفوس الطيبة، والعبادات التى تشعر بوجوبها الفكرة الصائبة، شكراً لذاته العلية، على منن ومواهب وإحسانات عمت الكل فرداً فرداً، بل شملت كل كائن. ثم أطلق لنا العنان فى الفكر فى بدائع الكائنات، والبحث عن أسرار الآثار، مما ينكشف بظهوره حجاب الغفلة، ويفتح قفل الشك، ويزيل الوسواس، كل ذلك سعيا وراء معرفة بدائع صنعه، وحكم مكوناته، ودلائل قدرته وبراهين وحدانيته، لنزداد إيمانا على إيماننا، وهو المنهج المستقيم والصراط القويم، الموصل لحضرة الحق جل جلاله.
ثم وفق سبحانه من اجتباهم لهذا النهج، فتلقوا تعاليم الرسل بقلوب مبتهجة بما تلقت، قد فقهت الأحكام والحكم، وأبدان هينة لينة للسمع والطاعة، مسارعة فى تأدية ما أمرت به، وعمل ما كلفت بعمله، بإخلاص فى النية، وإتقان فى العمل، وصدق فى المعاملة، وإقبال بالكلية على الوهاب الذى عمهم بفضله وشملهم بكرمه، وألزمهم بما عمهم به بشكره شعورا بالقلوب وحسا بالجوارح، وحكما بالعقل وبيانا من الشرع. فلما وفقهم للقيام بما أمر كاشفهم بعلم أسرار الأحكام، وحقيقة الحكم، فاطمأنت قلوبهم، وقوى يقينهم، وانشرحت صدورهم بما شرحه لهم من العلم المكنون والسر المصون.
علَّمهم ما لم يكونوا يعلمون وأشهدهم ما لم يكونوا يشهدون، حتى صاروا راسخين فى العلم، فانكشف عنهم الحجاب، وانمحى البين من البين، حتى علموا حق اليقين، وغاب الوهم الحاجب والوسواس المشكك والجدل القاطع والبحث بالعقول والأفكار السخيفة، تارة بقياس الغائب على الشاهد، وتارة بتأويل كلام الله تعالى، بظلمة فكره وقصر رأيه، معجباً برأيه متبعا هواه، مغروراً بما مَنَّ الله عليه من العافية والمال والعلم حتى يكون على غير الصراط المستقيم، ويحسب أنه يحسن العمل، ويتجاوز الأدب مع الحق ومع رسله صلى الله عليهم، وعلى أهل العلم بالله تعالى، وربما ظن لقصر عقله وظلمة بصيرته، أن رأيه هو الحق وما سواه هو الباطل، ويرمى من خالفه بالكفر أو بالضلال، ولو أنه عمل بما علمه من الدين، بأن اعتقد العقيدة التى قررها القرآن الكريم بالحجة الواضحة، وبينها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بأركان الدين بإخلاص وتسليم، وترك الجدل والبحث، لأن الله سبحانه أغنى عباده بكلامه الذى هو تفصيل لكل شىء، وأغنانا سبحانه ببيان سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى جعل الله سبحانه بيانه هو عين بيانه سبحانه وتعالى.
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- الفكر فى آلاء الله لا فى ذات الله

الفكر فى آلاء الله لا فى ذات الله
معلوم أن أكمل الأعمال هى أعمال القلوب، وأن أعمال الجوارح المجردة عن أعمال القلوب مختلف فى قبولها بنص قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) وبما ورد فى محكم الآيات القرآنية من الحث على الإخلاص والصدق والتفكر، حتى كانت كل دلائل التوحيد وبراهين الوحدانية الواردة فى القرآن الشريف كلها من طريق الفكر والنظر فى الآثار الكونية والآيات الربانية الظاهرة فيها كقوله تعالى: (إِنَّ فى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار) الآية، إلى يعقلون () سورة البقرة 164 فى البقرة، وقوله تعالى: (إنَّ فى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله تعالى سبحانك فى: () سورة آل عمران آية 190-191 فى آل عمران وقوله تعالى: سورة يونس 101 الآية فى يونس، وقوله تعالى: () سورة فصلت آية 53 فى فصلت، وإلى قوله تعالى: () سورة الغاشية آية 17-18 الخ فى سورة الغاشية وآيات لا تحصى من المحكمات.
فأقام الله سبحانه وتعالى الدلائل على أنه سبحانه وتعالى تفضل بالعناية الكبرى بالإنسان، وسخر له ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه ليتفكر فيما أحاط به وفيما فى نفسه، حتى تحصل له الطمأنينة بأن الله سبحانه وتعالى هو المبدع لكل ذلك الذى أنشأه من العدم، فيطمئن قلبه بربه سبحانه وتسكن نفسه إليه سبحانه وتعالى كامل الإيمان بحقيقة التوحيد، مصدقا بالغيب الذى أخبر الله تعالى عنه من كمالاته الذاتية وأسمائه وصفاته، وما أعده لعباده الصالحين من النعيم المقيم وما أعده للكافرين الظالمين من العذاب الأليم.
الفكر فى آلاء الله، موصل إلى السعادة الأبدية فإن الفكر فى تلك الآثار الكونية يدل على أنها مبدعة محدثة، خصوصا إذا فكر فى تلك الأجرام السماوية العظام وإبداع صنعتها، وفى نفسه وما أحاط به وما فيها من غرائب الحكمة وبدائع القدرة مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه، تحقق عظمة شأن الصانع وكبرياء سلطانه، لأن أكمل فكر وأصفى عقل يعجز عن إدراك أسرار الآيات الظاهرة ويندهش العقل عند ظهور بعض حكمها، وما هى عليه من كمال النظام والترتيب العجيب، فسبحان من لا يعلم قدره غيره ولا يبلغ الواصفون صفته.
فإذا كان الفكر فى الآلاء عجز عن كشف أسرارها وعن نسب مراتبها، فكيف يتسنى للفكر أن يتفكر فى حقيقة الصانع البديع الخلاق العظيم؟! عن النبى صلى الله عليه وسلم: (بينا رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً، اللهم أغفر لى، فنظر الله إليه فغفر له) وقال عليه الصلاة والسلام: (لا عبادة كالتفكر) هذا والفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفكروا فى آلاء الله ولا تفكروا فى ذات الله).
ولما كان لابد لمن يريد أن يتفكر فى آلاء الله من أن يعرف ما أحاط به من الكائنات، فاستحسنت أن أعرِّف ما لابد للمتفكر منه بقدر ما يناسب عقل المسترشد، وقبل التعاريف أذكر تلك الآبيات الحاثة على الفكر فى آلاء الله، والمبينة لما اختص به الإنسان من حيث هو إنسان ذكرى لمن كان له قلب:


زجَّ بالفكرِ فى شئون المعانى بيقين محصنٍ بالأمانى
تتجلى من الشئون شموس مشرقات بنورها الربانى
لا تجاوز تلك الشئون بفكر فالمعانى جلت عن الإمكانى
ورياض التفكير تلك المرائى وهو كنز طِلَّسْمُه بالمبانى
ودع القلب للمقلب يجلى فيه ما شاء من شهود بيانى
وإلى الله فِرَّ بالحول منه بسكونٍ لا حيرة وافتتان
ودع الحول للمحول واسكن مطمئنا بالواحد الصمدانى
فمعانى الصفاتِ غيبٌ وعلىٌّ لا تراه القلوب والعينان
عدّ عن فكرك المقيد وارحل عن موازين عقلك الإنسانى
وبنورِ اليقينِ فاسكن إلى الله بصدق تفُزْ بالرَّوْحِ والريحانى
ما توهمَته بميزان كسب فهو مهواة حاطبٍ حيران
نَزِّه الذاتَ والمعانى عن الفكر وجُلْ فى سائر الأركان
جلت الذاتُ والمعانى تعالت هى غيبٌ والكونُ أى البيان
من يمت يحى باقيا بحياة وبقاء منعما بالعيان
يحيى بالله سامعا وبصيرا يَبْقَى بالله فى مقام التدانى
ذاك سرُّ عن دركه كل عقل مبعد بالحدود والإمكانى
وشهودى معناى محوُ وجودى بانبلاج المعنى وحجب المبانى
عندها الظاهرُ القريبُ تعالى بالتجلى منزهٌ عن ثانى
أنا أفقُ الأنوارِ سرُّ التجلى فِىَّّ آى من الجمال المصان
<بى> أضاءت ولى تراءت بنفسى وبعجزى علمى به إيقانى
كل ما فى الأكوانِ سُخِّرَ فضلا لى بمحضِ الحنان والإحسان
الامام محمد ماضى ابو العزائم 

- Working for the hereafter

Working for the hereafter
A Muslim should prepare himself a place to live in (after death), because there are not places for rent there. Once, some companions of the messenger of Allah (May the blessings and peace of Allah be upon him) went to visit Abi-Zarr at his house, they found that he only had a simple mattress to sleep on, a cup for drinking and a bowl for eating, washing clothes and kneading, they asked him: "Where is the furniture of your house?" He said:
"We have another house; we will soon go there, so we sent our good furniture there."
A wise man said:
"A man has no house to live in after death but that he built before death. If he built it legally, it would be a pleasant one, but if he built it illegally, it would be a miserable one."
If it is the soul (desires) that controls the body, then man only looks under his feet and only seeks his hopes, his desires, what he eats today, what he drinks today and what he wears today, it doesn't matter if he gets this legally or illegally, if it is not completely legal, if there is hypocrisy or if he does the work only for people. This happens because desires here blinds him from seeing the bounties of Allah, the right way of Allah and the legislation of Allah (Glory to Him).
The messenger of Allah has given us glasses to look by them at this life, how could we look by these glasses O messenger of Allah? He said:
"Look at those who are under you and don't look at those who exceed you, thus you won't despise grants of Allah in your hands."1
So you should:
• Look at those who exceed you in religion.
• Compete to be like them.
• Don't envy them but try to be like them.
Companions of the messenger of Allah (May the blessings and peace of Allah be upon him) did this.
********************************************************
1- Narrated by Ibn Heb'ban in his Sahih, it's his text and Al-Hakem and said it's sahih (correct)




الأحد، 26 مارس 2017

- Islamic extremism


Why does the west complain from Islamic extremism but at the same time protect Muslim extremists, give them diplomatic immunity and refuse to send them back to their countries to be judged?
==========================
This proves that the west makes extremism and extremists. They support them with money, give them weapons, give them plans and information, then they accuse them of frightening, killing and corruption so as not to be accused of conspiring with them.
The whole world knows it is the United States of America, who made Al-Qaeda in Afghanistan and trained their leaders in the desert of Nevada in America, in order to face communist Russia and dismiss them from Afghanistan to protect its utilities.
When Russia was dismissed from Afghanistan, America reversed against Al-Qaeda, and this was the reason to enter and occupy Afghanistan.
The same thing happens with all extremist groups everywhere and at all times, they are made by the west, they support them, watch over their formation, set plans for them and they assume prevailing and inflating their deeds by the enormous mass media they have.

- Happiness in life and the hereafter


Happiness in life and the hereafter
******************
When loving this life enters our hearts, courts and police stations are filled and the reconciliation councils become impossible. All these problems come from loving this life, if you look at any problem either in family or in streets, you will see that it comes from loving this life. If man achieves balance and gives the body its legal share of legal food permitted by Allah, gives mind its share of thinking and contemplation, gives heart its share of continuous remembering of Allah and gives spirit its share of reciting the book of Allah and thinking deeply in it, such a man will be supported by Allah all over his life, how will his problems be solved?
His ship will be directed by the heart that receives inspiration from Allah, if this body is directed by the heart, this man will have clear insight and look forward to what is beyond this life. So he can reserve himself a seat among the seats of truth and book himself a dwelling at any part in paradise according to the offerings in the book of Allah, whoever wants to be in Al-Ferdaws, what should he do? He should prepare what it requires, whoever wants Aden, he should prepare what it requires, every paradise has its own advertisement in the book of Allah, Al-Khold, Al-Ma'wa, etc… whoever wants the neighbors before the house, and wants to stay at the province of honorable, prophets, messengers and great people, he should do as Allah says:
"Muhammad is the Messenger of Allah and those who are with him" 48-29

- The successor of Allah in this world


The successor of Allah in this world
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Allah sent religion so that man can live on land on behalf of Allah and give each reality what is convenient to it as he was taught by Allah, demonstrated by the book of Allah, showed practically by Allah's beloved and chosen (prophet Mohammed) and was clarified more and more by the companions of the prophet (May the blessings and peace of Allah be upon him).
By this balance, If he walks in the desert, wild animals fear from him. Wild animals used to listen to the orders of the companions of the prophet and leave their way because they wanted only to transfer the mission of Allah.
Let's take an example of the effective weapons that helped Muslims to conquer the world, is it missiles, or bombs and planes?
It isn't this or that but it is as Allah says:
"And He (Allah) cast terror into their (disbelievers') hearts," 59-2
Armies used to flee a month before the arrival of the Muslim army; this fear and fright come from Allah as He says:
"But honor, power and glory belong to Allah, His Messenger (Muhammad), and to believers," 63-8
So the messenger of Allah puts prescription for reforming Muslim society.
Fawzy Mohammed Abu Zeid

- What are the latent and hidden reasons of Islam phobia?


What are the latent and hidden reasons of Islam phobia?
==========================================
Islam phobia means fearing Islam. The first reason of Islam phobia is that lots of European, American and other extremists want to defame Islam by twisting facts to prove that it calls for frightening, killing and terrorism, though they are completely sure it does not.
The second reason is that the Europeans and the Americans wanted to select elite among those who tend to them in thinking and their ideas, they help them to be leaders and rulers, then they can dictate their policies, then Muslim countries are under their orders, policies and wishes.
This made few people among those who are jealous and care about Islam to rise to face these conspiracies, they try to control things and get some of those who are loyal and truthful to lead Muslim countries.
This of course hurts western countries and their followers, so they try to stick some vexatious accusations to them, they make all this and others to be an excuse and justification to the phenomenon of Islam phobia so that people all over the world fear Islam. In time, they make people more scared from Islam to make the world fight Islam and not giving hand or help Muslims but boycott them totally.

- Qur'an and insight


Qur'an and insight
Koran is the food of minds, health of spirits and success of male and female believers in this life. Allah made food for all realities apparent and hidden, when a believer gives to each reality its proper right, he is directed by The King of kings (Allah), He guides him either in dream or by inspiration. He may see in his dreams as the companions of the prophet did, the prophet (May the blessings and peace of Allah be upon him) used to pray the dawn prayer with them, turns to them and ask them:
"Who saw a dream this night?" 1
Then every one tells him his dream, because they slept in clear and pure condition, so Allah took their souls to the highest kingdom to nourish them by clarity, pureness and directions that make all their lives clear, pure and away from troubles and distress. Or Allah may direct him by inspiration in his chest as Allah says:
"If you obey and fear Allah, He will grant you Furkan (a criterion to judge and realize what is right and what is wrong)," 8-29
No one could trick him because he has light to show him the way. The light of a lamp only shows bodies, but the light of The Furkan coming from Allah shows the tricks in eyes, the artifices in chests and every hidden thing in this life. Whoever sees by the light of Allah, the prophet (May the blessings and peace of Allah be upon him) says about him:
"Be afraid of a believer's insight, because he sees by light of Allah and utters by guidance of Allah." 2
The words that he says, no one could find them wrong to blame or punish him, why? Because Allah says:
"And they are guided (in this world) unto goodly speech and they are guided to the Path of Him Who is Worthy of all praises." 22-24
Whoever reaches this condition, he has no concern with the problems of life, sustenance, how he lives, children and how they will marry, because Allah says:
"We provide sustenance for you and for them (your children);" 6-151
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- By Safeena the servant of Om Salama, she attributed these narrations correctly to the prophet, Al-Mostadrak Lel-Hakem.
2- Ibn Jareer by Thowban – Jamea Al-Ahadeeth Wal-Maraseel.



السبت، 25 مارس 2017

- العارف بالله

العارف
العلوم الإلهية أسرار غامضة، تدرك لقوى خاصة بالإنسان، تلك القوى التى هى نور العقل الكامل، الذى لم يقهره عامل الأخلاق الإنسانية، ولا باعث الطبع الحيوانى، ولا داعى الحظ الإبليسى، بل تجرد عن لوازم الانفعالات الحيوانية، وداعيات المنافسات العمرانية، وإن اشتغل لضروريات الحياة، فإنها لابد منها من وجوهها الفاضلة، بل المراد عدم الاشتغال بالكمالات التى تميل النفس إلى الانفراد بها دون غيرها من بين نوعها، الناتجة عن حب الذات، والأمل فى البقاء.
فإذا تخلى الإنسان عن تلك المقدمات المنتجة للمفاسد الخلقية، وتحقق أنه عضو لمجموع الوجود الحى، متمم له، وأنه به يحيى حياة طيبه، فخدم الكل لصالح نفسه، متحققا بأن الكل هو عينة، وذاق لذة أنه نافع نفعا عاما، أنس بكل شىء، واستأنس به أنساً يدفعه إلى التنعم بمزاياه وخواصه، وتجردت نفسه من دواعى المضار، وبواعث الفساد، فتزكى وتتطهر من نية السوء، وقصد المضار، وانشرح صدره بكل بنى نوعه، وبذلك يحفظ من الشر منهم، ويحفظون من شره، فيستريح قلبه ويشتغل بما يقربه إلى ربه، لأن أعضاءه مطهرة من النجس، وفكره صاف من شواغل الخلق، فيميل بكليته إلى الله تعالى مخلصا صادقا، حتى يمنحه الله تعالى واردات الإحسان.
وهذا يترقى إلى مقام القرب، ويذوق حلاوة الحب، فتنكشف له غوامض العلوم، التى لا يلمسها إلا مطلوب، وتلوح عليه أنوار الربوبية فيعلم الحق، وينكشف له الحق، وعندها يتحقق بأنه عارف بالحق، ويترقى إلى مراتب المعرفة، حتى ينتهى إلى مقام العجز عن إدراك الحقيقة.
فالعارف من عرف الحق كشفا وعلما، وعجز عن الحقيقة كشفا وعلما، وهى الرتبة التى بعدها يعد العارف عبدا كاملا لله تعالى، متحققا بمقام العبودية، والله ولى المؤمنين:
العارفون لهم ظهرت حقيقتُهم فجملتهم بعلم الحق خشيتُهم
بعلمهم نفسهم علموا مقامَ علا فأوقفتهم على الآداب رهبتُهم
عرفوا نفوسَهمُ ذلا ومسكنةً وقد حباهم فدامت فيه رغبتُهم
عكفوا عليه بإخلاص فواجههم بالوجهِ فانبلجت من ذاك نشوتهم
سكروا فطابوا به أنِسُوا فأنزلهم منازلَ القرب فاتضحت محبتهم
فروا اليه به والوجه مقصدهم والعلو والسفل لا تحويه فكرتهم
الله معبودهُم وهو المراد لهم وقد رأت نورهَ علناً بصيرتهم
وجنةُ الخلدِ لو ظهرت بطلعتها لفارقت حُسْنَها بالزهد همتهم
لا كفؤ لله يحجبهم فيبعدم أحد تنزه تعلمه سريرتهم
هو الولِىُّّ تولاهم فحصنهم عن العوالمِ قد رُفعت مكانتهم
العرشُ والفرشُ والكرسىُّّ خلفهم وجنةُ الخلدِ والفردوس حيطتهم
لا يخطرُ الملكُ والملكوتُ فى نَفَس على قلوبهم والخوفُ شيمتهم
حصنُ الجلالِ وسرُّ الكبرياء بدا فحُصِّنُوا فيه واتضحت هدايتهم
قد قربوا لجناب القدسِ منزلةً رُفعت بها بين أهلِ القربِ نسبتهم
فى غيبِ غيبٍ عن الأكوان قد رفعوا عن الشئونِ وقد وافتك حالتهم
الذلُّ عزهم والجهلُ علمُهم وخشيةُ الله بهجتُهم ولذتهم
رضوا عن الله فى الدنيا فجملهم منهم بحق يقين فيه نعمتهم
أنسوا بما استوحش الجهالُ منه وقد صحت بدايتُهم طابت نهايتهم
لم تستفزهم الدنيا وبهجتُها والوجهُ مشهدهم والكونُ آياتهم
تدرعوا باليقين الحق واتشحوا بالصدق حتى به دامت معيتهم
ما حيطةُ الملكِ والملكوتِ عندهم إلا منازل سفرآن أوبتهم
ومرجعُ الكلِّ لله العلىِّّ على حق اليقين وقد وضحت طريقتهم
لم يلتفت أحدٌ منهم لعاجلهٍ والكل لله قد خلصت سريرتهم
شربوا من الراحِ راحِ الذكرِ خمرتَهم وهدىُ طه على التحقيق سيرتهم
يارب صلِّ على طه وعترتِه وآلهِ الغرِّ من رفعت مكانتُهم
الامام محمد ماضى ابوالعزائم


الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

شارك فى نشر الخير