آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 6 سبتمبر 2012

حكم قول جناب الله-

حكم قول جناب الله-
قال الرملي رحمه الله :(( سئلت عما يحلف به أهل مصر من قولهم والجناب الرفيع .
فقلت إن نوى به الله تعالى فهو يمين .
وإن نوى به النبي صلى الله عليه وسلم فليس بيمين لأنه يطلق عليهما إطلاقا واحدا بل قد يغلب في حق النبي صلى اللهعليه وسلم .
ج وكتب أيضا قال العراقي سئلت عمن حلف بالجناب الرفيع وأراد به الله تعالى هل تنعقد يمينه وتلزمه الكفارة إذا حنث فأجبت بأنها لا تنعقد لأن مدلول جناب الإنسان فناء داره ولا يجوز أن يطلق ذلك على الله عز وجل وإطلاقه على الله تعالى إلحاد في أسمائه ...
حاشية الرملي ج4/ص243 )).
قلت : فالرملي رحمه الله تعالى اعتبر الحلف بجناب الرفيع يمين صحيحة وهو ما يدل دلالة قطعية على جواز إطلاق هذه اللفظ عنده .
ثم ذكر الرملي أن العراقي منع منها .

فأين ادعاء تعميم منع العلماء لهذه اللفظة ؟

وفيما يلي مبحث لمعرفة الصواب في هذه المسألة وكيف أن هذه اللفظة استعملها علماؤنا قديما وحديثا .

معاني كلمة الجنب والجناب في اللغة :
قال في المعجم الوسيط ج1/ص138
(( ( الجنب ) من كل شيء ناحيته و شقه و معادله و يقال هذا قليل في جنب مودتك بالنسبة إليها .

و ماذا فعلت في جنب حاجتي في أمرها .
و في التنزيل العزيز { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله } في جانبه و في حقه .
( الجناب ) الناحية . و يقال مروا يسيرون جنابيه حواليه و فناء الدار أو المحلة و يقال أنا في جناب فلان كنفه و رعايتهو فلان رحب الجناب
 و خصيب الجناب سخي .))

قلت : فتبين مما سبق أن كلمة الجنب والجناب تشتركان في استعمالهما للناحية أي لهما نفس الاستعمال .

وكلمة الجناب تستعمل للناحية ( جناب فلان يعني ناحية فلان ) و لفناء الدار ( جناب فلان يعني فناء دار فلان ) وتستعمل للكنف ( جناب فلان يعني كنف فلان ) وتستعمل للرعاية ( جناب فلان يعني رعاية فلان ) وتستعمل لمعاني أخرى غير التي ذكرت .

لذا فإن حصر معناها بفناء الدار فقط ومن ثم اعتبار جناب فلان تعني ( فناء دار فلان) فقط وقياس جناب الله عليها غير مسلم به كما هو واضح .

والدليل على ذلك من القرآن العظيم في قوله تعالى
 { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله }.

والدليل الآخر هو استعمال علماؤنا الجهابذة للفظة جناب مع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا . .

وسأذكر فيما يلي تفسير أئمتنا لهذه الآية ليتبين لنا أن حصر معنى الجناب بفناء الدار ومن ثم اعتبار هذه اللفظة لا تليق بالله جل وعلا غير مسلم به .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج4/ص374

(( وليوقن كل الإيقان بأن ما جاءت به الآثار النبوية حق ظاهرا وباطنا وان قصر عنه عقله ولم يبلغه علمه فورب السماء والارض انه لحق مثل ما أنكم تنطقون فلا تلجن باب انكار ورد وامساك واغماض

لظاهره وتعجبا من باطنه حفظا لقواعدك التى كتبتها بقواك وضبطتها بأصولك التى عقلتك عن جناب مولاك .

اياك مما يخالف المتقدمين من التنزيه وتوق التمثيل والتشبيه ولعمرى إن هذا هو الصراط المستقيم الذى هو أحد من السيف وأدق من الشعر ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ))

وقال أيضا في مجموع الفتاوى ج6/ص70

((والمشركون يقولون عظمة الرب وجلاله يقتضى ان لا يتقرب إليه الا بواسطة وحجاب فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع ))

وفي شرح العقيدة الطحاوية ج1/ص284
(( فلا يكون في جناب الحق تعالى ان يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما هذا من أبين المحال فإنه سبحانه الخير كله بيده والشر ليس إليه بل كل ما إليه فخير ))

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي ج1/ص89

(( ووقعت مسألة وهى أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى أو انه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه ))

وقال أيضا في الجواب الكافي ج1/ص98
(( وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأعلى ذكرهم وجعل اللهفيهم الملك والخلافة والعزو وضع أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أين ما ثقفوا وهذا يتضمن غاية القدح فى جناب الرب تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا ))
استعمالها كناية عن الذات الإلهية :
وفي تفسير البيضاوي ج5/ص74
(( { على ما فرطت } بما قصرت { في جنب الله } في جانبه أي في حقه وهو طاعته
وقيل في ذاته على تقدير مضاف كالطاعة .

[ قلت : يعني الجناب هنا كناية عن الذات ]

وقيل في قربه من قوله تعالى { والصاحب بالجنب }))

وقال إمام المفسرين الطبري في تفسيره ج13/ص162

(( وقوله { على ما فرطت في جنب الله } في ذات الله كأنه عندنا قيل في الله .))

[ قلت : وهذا أوضح قول في أن جنب الله يعني بها الذات الإلهية
 والجنب يعني الذات ]
وقال الإمام السمعاني في تفسيره ج4/ص477

(( وقوله { على ما فرطت في جنب الله } أي ضيعت في ذات الله .))

وفي تفسير أبي السعود ج7/ص260

وهو كناية فيها مبالغة وقيل في ذات الله على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى والصاحب بالجنب .

وهنا استعمالها مع اسم الرحمن .

وقال ابن حيان 745 في مقدمة تفسيره البحر المحيط ج1/ص100 :

(( ألوذ بجناب الرحمن وأقتصر على النظر في تفسير القرآن فأتاح الله لي قبل بلوغ ذلك العقد وبلغني ما كنت أروم من ذلك القصد ))
استعمالها مع لفظ الجلالة الله :

وقال الإمام ابن كثير ( ت774) في تفسيره ج1/ص16
(( ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
 أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم )).

استعمالها مع لفظ الرب تبارك وتعالى :

تفسير ابن كثير ج2/ص459

(( { قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله } يقول أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب تبارك وتعالى))
تفسير اسم العزيز ب ( منيع الجناب )

تفسير ابن كثير ج1/ص345

(( { والله عزيز } أي منيع الجناب عظيم السلطان .))

استعماله مع اسم العلي :

وقال العلامة الشوكاني في فتح القدير ج2/ص235
(( بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العلىمفوضين الأمر إليه طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر))

استعماله مع الضمير الدال على لفظ الجلالة الله :

الشوكاني في فتح القدير ج3/ص81

(( { ويهدي إليه من أناب } أى ويهدى إلى الحق أو إلى الإسلام
 أو إلى جنابه عز وجل

وهنا استعماله مع اسم الخالق :

فتح القدير ج3/ص180
(( قوله { ضرب الله مثلا } لما قال سبحانه إن الله يعلم أى بالمعلومات التى من جملتها كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون علمهم سبحانه كيف تضرب الأمثال فقال ضرب الله مثلا أى ذكر شيئا يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه وبين ما جعلوه شريكا له من الأصنام .

وقال الآلوسي ( ت1270) في تفسيره روح المعاني ج1/ص48

وهنا الاستعانة بالجناب كناية عن الذات .

(( وأما الثامن فلأن معنى الحديث أفعل كذا مستعينا بإسم الله الذي لا يضرني مع ذكر أسمه مستعينا به شيء إذ من أستعان بجنابه أعانه ومن لاذ ببابه حفظه وصانه ))
استعماله مع اسم العلي والأعلى

روح المعاني ج1/ص400

(( واصلة من الله إليه وهي شهادته تعالى لإبراهيم عليه السلام بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفا وجيء بالوصفين لتعليل الإنكار وتأكيده فإن ثبوت الشهادة عنده وكونها من جانب جناب العلي الأعلى عز شأنه من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشد الزواجر عن كتمانها ))
استعمالها بدلا من الذات الإلهية .

روح المعاني ج2/ص92
(( { ويكون الدين كله لله } بتوجه الجمع إلى الجناب الأقدس والذات المقدس ))

استعمالها مع اسم الحق .

روح المعاني للآلوسي ج11/ص148

(( { ولا تعملون من عمل } إلخ خلا أن لهم في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسبما درجات تفاوت إستعداداتهم وأقصى الدرجات ماإنتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حتى جمعوا بذلك بين رياسة النبوة والولاية ولم يعقهم التعلق بعالم الأشباح عن الإستغراق في عالم الأرواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن التبتل إلى جناب الحقسبحانه عز وجل لكمال إستعداد نفوسهم الزكية
 المؤيدة بالقوة ))

استعماله مع اسم القوي .

روح المعاني ج12/ص126

(( قوله عليه السلام { أرهطي } إلخ الرد والتكذيب لقومه فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لعزته بل لمراعاة جانب رهطه رد عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله تعالى حق قدره ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون رهطي الأذلة ))
استماله مع اسم المبدئ

روح المعاني ج13/ص228

(( أنه كما لايستحق الوجود ابتداء لايستحقه بقاء وانما ذلك من جناب المبدىء الأول عز شأنه وجل فكما لايتصور وجوده ابتداء مالم يسند عليه جميع انحاء عدمه الاصلي لايتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته مالم ينسد عليه جميع انحاء عدمه الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي ))
استعماله مع اسم الجليل .

روح المعاني ج14/ص13

(( وأن الملائكة لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق الإتيان الشامل للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الأخر منها بل من الأسفل إلى الأعلا وأن يكون مقصد حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا تحت ملكوت أحد من البشر وإنما الذي يليق بشأنهم النزول من مقامهم العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل قاله شيخ الإسلام ))

استعماله مع اسم الكبير واسم المتعالي .

روح المعاني ج14/ص195

(( ويزيد ذلك تعظيما قوله سبحانه { منا} أي من جنابنا الكبير المتعالي ))
استعماله مع اسم الملك .

روح المعاني ج16/ص268

(( { فتعالى الله الملك الحق } لما فيه من انشاء التعجب فكأنه قيل حيث نبهت على عظمة جلالة المنزل وأرشدت إلى فخامة المنزل فعظم جنابه الملك الحق المتصرف في الملك والملكوت ))

وقال العلامة السعدي ( ت1375 ) في تفسيره ج1/ص708

استعماله مع صفة الكبرياء .

(( { وإنا لنحن المسبحون } أي والمقدسون لله سبحانه
 عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه ))

استعماله مع اسم العظيم .

تفسير السعدي ج1/ص268

(( ولكن لما كان هذا السب طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل غيب وآفة وسب وقدح . ))
وقال  ابن باز في مجموع فتاوى ابن باز
(( ذلك بتقدير العزيز العليم ، وهو الذي قدر سبحانه وتعالى لها ذلك . العزيز ، ومعناه : المنيع الجناب الغالب لكل شيء ، العليم بأحوال خلقه سبحانه وتعالى . والله ولي التوفيق .))



ولا يسعني في ختام هذا البحث إلا أن أنصح نفسي أولا وكل الأخوة الأحبة والأخوات الفضليات أن يراقبوا الله عز وجل في نقلهم لما يخص ديننا .
وأختم بحثي بكلام المعصوم عليه الصلاة والسلام الآتي
فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
 ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع )
وأسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وما أخطأنا به إنه جواد كريم وغفور رحيم .
والله أعلم 

شارك فى نشر الخير