آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 30 سبتمبر 2016

- - طريق الهجرة الى الاخلاق الحسنة

مع بداية العام الهجرى الجديد ينظر المؤمن إلى عباداته فإن وجد في عباداته تكاسلاً أو تراخياً أو قلة إخبات وخشوع وخضوع رجع إلى نفسه ليصلح من شأنه فإن وجد نفسه يصلي الصبح بعد شروق الشمس فليبكي بدل الدمع دماً وإذا وجد أن نفسه لا تتأسف على ذلك ولا تحزن على ذلك فإن الذي يستيقظ من نومه بعد الشمس ولا يجد في قلبه لوماً ولا توبيخاً ولا تعنيفاً لنفسه فقد سقط من عين الله
لأن من عظمة الله جعله يعظم فرائضه ومن سقط من عين الله جعله يتكاسل ويتراخى عن فرائضه وقد وصف بذلك المنافقين فقال {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} النساء142
وقال صلى الله عليه وسلم: {بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ ، لاَ يَسْتَطِيعُونَهُمَا}{1}
وقال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: {أتى علينا وقت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يتخلف عن صلاة الجماعة في وقتها إلا منافق ظاهر النفاق}
فيتخلص من أمثال هذه العادات وأيضاً إذا وجد نفسه يجلس يتحدث أو يجلس وليس له عمل ويستمع إلى الآذان ولا يجد من نفسه عزيمة ولا حركة لتلبية الآذان في وقته فليعلم علم اليقين أنه في هذا الوقت ممن باءوا بالخذلان من الرحمن عز وجل
لأن الله لا يحضر أمام حضرته في الصف الأول في الوقت الأول إلا من يحبه عز وجل ، وفى الأثر كما أسلفنا: {إذا أحب الله عبداً سخره لأفضل الأعمال في أفضل الأوقات} وقد قال له سيدنا جابر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا}{2}
ثم بعد ذلك يكون للمسلم وقفة مع عاداته فإن كانت عاداته توافق شرع الله حمد الله عليها وذلك كعاداته في أكله وفي شربه وفي زيه وفي نومه وفى مشيه وفي حديثه وفي جلوسه مع الآخرين فإن كان من الذين {إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}الفرقان67
فرح وبشر نفسه لأنه من عباد الرحمن
أما إذا كان مقتراً على نفسه وأهله مع السعة أو مبذراً فإن هذه علامة أن الله لا يحبه لقوله عز وجل {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} الأنعام141
وقوله {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} الإسراء27
فمثلاً إن كان يشرب دخاناً فالله أمرنا أن نشكره على النعم ومن أجل النعم نعمة المال وهل يليق بمؤمن أعطاه الله المال أن يشكره بحرق هذا المال؟ هذا مع أنه يحرق مع المال صدره ورئتيه وأعضاء جسمه لا يحرق المال فقط بل يضر نفسه ويضيق على أهل بيته فليهجر هذه العادة الذميمة مع مطلع العام الهجري الجديد ليكون من المهاجرين {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ما جزاؤهم؟ {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحشر8
إذا كان يجالس بعض الغافلين الذين يخوضون بالباطل في أعراض الآخرين ولا يتورعون عن الغيبة والنميمة فليمتثل لقول ملك الملوك عز وجل {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الأنعام68
يهجر هذه المجالس ويجالس الذين أمر الله المؤمنين أن يجالسوهم في قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة119
وكذلك إذا كان له عادات في مشيه وفي نومه وفي حديثه لا تطابق ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله فليهجرها ليكون مهاجراً وكذلك في معاملاته ، فالرجل الصالح في زماننا هو الذي يتعامل مع الخلق على سنة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم
فلو كانت الكذبة الواحدة ستدر عليه ملايين الدولارات يرفضها ويأباها لأن فيها مخالفة لله ومخالفة لحَبيب الله ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم ويكفي أن الكاذب يدخل في قول الله {فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران61
فلا يدخل في لهو ولا في مزاح ولا في جد لا مع صبيان ولا مع أهله ولا مع إخوانه لأن المؤمن الصادق في كل أقواله وأعماله فيتحرى في تعامله مع إخوانه أن يكون من المؤمنين وهذا يقتضي أن يتبرأ من الغش لقول سيد الأولين والآخرين: {مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا}{3}
فلا يغش الأمة أو أي فرد من الأمة في نصيحة أو في قول أو في عمل أو في بيع أو في شراء أو ما شابه ذلك فلو طالبه إنسان بنصيحة وقال خلاف ما يعرف ويعلم إن ذلك خلاف الحقيقة فهو غش يحاسب عليه يوم الدين وما أكثر الغشاشين في زماننا بهذه الطريقة
المهاجر هو الذي يهجر من نفسه خلقاً ذميماً أو عادة سيئة أو معاملة غير طيبة وقد قال الإمام أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه {ليست الكرامة أن تطير في الهواء لأن أي طائر يفعل ذلك ، ولا أن تمشي على الماء لأن الأسماك تستطيع ذلك ، ولا أن تقطع ما بين المشرق والمغرب في لحظة لأن إبليس يفعل ذلك ولكن الكرامة أن تغير خلقاً سيئاً فيك بخلق حسن}
وهذه هي العظة الكبرى من الهجرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع أن يغير أخلاق العرب من الفسق والفجور والظلم والكبرياء واللهو والمجون والفخر بالآباء والأجداد والأحساب والأنساب إلى فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، قال صلى الله عليه وسلم: {المهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه}

{1} رواه الطبراني في الكبير عن قتادة، والأوسط عن عائشة
{2} رواه مسلم عن ابن مسعود، والخطيب عن أنس والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود
{3} رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة

منقول من كتاب {الخطب الإلهامية_ج1_الهجرة ويوم عاشوراء}
اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً

- عناية الله تأييده لكل عبد تمسك بهدى الله

إن عناية الله وكفالة الله وتأييد الله لكل عبد تمسك بهدى الله عز وجل، يكفينا جميعاً قول الله عز وجل: ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) [الآية، ولم يقل الله فى الآية: فقد ينصره الله، وإلا كان النصر معلقاً وحادثاً، لكن جاء بما يفيد أن النصر من الله مقدر له صلى الله عليه وسلم قبل خلق الخلق، لأن القرآن كلام الله القديم فقد نصره الله قبل خلق الخلق، ونصر الله واضح فى آيات القرآن، فإن الله عز وجل كما أخبر القرآن عندما خلق الحبيب صلى الله عليه وسلم روحاً نورانياً قبل خلق جسمه وخلق أرواح الأنبياء والمرسلين جمعهم وأخذ عليهم العهد والميثاق أجمعين أن يؤمنوا به وينصروه ويؤازروه ويبلغوا أممهم بصفاته ونعوته، ويطلبوا ممن طال به الزمن إلى عصر رسالته أن يؤمنوا به ويتبعوه: ( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ  ) -والنبوة قبل الرسالة - ( لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ ) - والرسالة لا تكون إلا بعد ظهور الجسم فى الحياة الدنيا، لأنها تكليف من الله لإبلاغ دعوة الله إلى خلق الله، ماذا أخذ على النبيين من الميثاق: ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) (81) سورة آل عمران، فأخذ الله العهد على الأنبياء أجمعين أن ينصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف ينصروه ولم يحضروا زمانه، وتنتهى آجالهم قبل مجيء أوانه، كيف؟ بإظهار صفاته ونعوته وعلاماته لأممهم وأتباعهم ويأمروهم أن يتبعوه إذا حضروه، وقد كان ذلك، والأمر يطول فى ذلك لو تتبعنا السيرة العطرة، لكن يكفى ما جاء على لسان نبي الله موسى وما جاء على لسان نبي الله عيسى: ( ومبشراً برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد ) [الآية، ولم يبشروا به وبنعوته فقط، حتى أوصاف أصحابه كانت مذكورة فى التوراة والإنجيل، ( محمد رسول الله والذين معه مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل .. ) [الآية، مذكورين بصفاتهم، حتى أن التاريخ يروي أن عمر بن الخطاب t لما توجه إلى الشام مع البطارقة لإستلام مفاتيح بيت المقدس، ذهب وخادمه ولم يكن لهم إلا ركوبه واحدة، وكانوا يتناوبون، عمر يركب والخادم يمشي فترة، ثمر يركب الخادم ويمشي عمر خلفه، فلما اقتربوا من القوم كانت نوبة الخادم فى الركوب، فقال: يا أمير المؤمنين إنى تنازلت لك عن نوبتي هذه، لأن القوم على استعداد للقائك، وكيف يلقوا أمير المؤمنين ماشيا والخادم راكب، فأصر على ذلك، فلما دخلوا عليهم، سأل البطارقة أين عمر؟ فقالوا: الذي يمشي، فقالوا: هكذا نجد عندنا صفته فى الإنجيل، أنه يدخل بيت المقدس ماشياً وخادمه راكب بجواره، فأوصاف أصحابه كذلك، ذكرها الله فى التوراه وذكرها الله فى الإنجيل وذكرها الله فى الزابور وذكرها الله فى كل الكتب السابقة، وأنتم تذكرون جميعاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: {أنا دعوة أبى إبراهيم} ( ربنا وابعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) [الآية، دعوة سيدنا إبراهيم وكان صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله عز وجل لحبيبه ومصطفاه من قبل القبل أيده بالوحي وأمر رسله الكرام بإبلاغ صفاته ونعوته لأممهم وهيأ الكون وأمره أن يكون رهن إشارته، لكن العبرة التى نحتاجها فى هذه الظروف الحالكة فى حياتنا ان نعلم علم اليقين ولا نشك فى ذلك طرفة عين ولا أقل : ان أي رجل منا أقبل بصدق على الله وتمسك فى سلوكه وهديه وحياته بشرع الله، ولم ينافق ولم يمارئ ولم يبتغى بعمله إلا وجه الله، فإن الله عز وجل يجعل له قسطاً من نصر الله لحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، يؤيده وينصره، فى أى موقع وفي أي زمان وفى أى مكان، لأن هذه سنة الله التى لا تتخلف، نأخذ مثال واحد حتى لا أطيل عليكم، ( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما فى الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا ) [الآية، وهذه رحمة الحبيب، سيدنا موسى عليه السلام عندما خاف قومه بعد خروجهم من مصر من لحاق فرعون، قالوا: سيلحق بنا، قال لهم: لا تخافوا، ( كلا إن معى ربي سيهدين ) [الآية، أنا معي ربي فلا تخافوا، لكن سيدنا رسول الله قال: إن ربنا معنا كلنا ( إن الله معنا ) ، ولم يقل معي، معنا هذه لكل مؤمن إلى يوم القيامة، ولذلك أيده الله فى كتاب الله فقال: (´ولينصرن الله من ينصره ) [الآية، من ينصر الله ينصره، أي ينصر شريعته ويقيمها فى نفسه وفى بيته وفى عمله وفى أهله، وفى من حوله، نصر الله يعنى إحياء شريعة الله، والعمل بها بين خلق الله، لا بد أن ينصره الله، فأيده الله صلى الله عليه وسلم ( فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) (40) سورة التوبة، أول عطاء أنزل عليه السكينة، والسكينة هي المهمة، وأين السكينة ومن أين نحصل عليها؟ لا تأتى إلا بتوفيق الله لمن أحبه الله واجتباه : ( هو الذي أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ) [الآية، كما نزَّل عليه السكينة كذلك ينزل علينا السكينة، السكينة يعنى الطمأنينة بوعد الله والثقة فى قدرة الله، ورعاية الله وكلاءة الله، وصيانة الله وحفظ الله لمن تمسك بشرع الله ابتغاء وجه الله عز وجل، يكون واثق فكما أنزل عليه السكينة كذلك فتح المجال لجميع المؤمنين، وأعلمنا علم اليقين أن السكينة لا تأتى إلا من عنده، وهو الذي ينزلها بنفسه، حتى لا عن طريق ملك ولا عن طريق أى كائن أو مخلوق، هو بنفسه، هو الذي ينزل ولم يقل ينزل، بل قال: ( أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ) [الآية، ببركة الإيمان وبشرح صدورهم للعمل بأركان الدين، والإهتداء لتعاليم القرآن والتأسي بسنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، ولذلك المثل الذي نأخذه : ( وأيده بجنود لم تروها ) [الآية، هذه كثيرة، أيده بالملائكة وأيده بالأرض وقال له: الأرض طوع أمرك، مرها بما شئت وقل لها: خذيه تمسك الفرس، أتركيه: تتخلى عن الفرس، فكانت طوع أمره كما يريد، وليس مرة واحدة بل ثلاث مرات، وأيده بالحمام وأيده بحشرة بسيطة وهى العنكبوت، وأيده بالأنصار وأيده بالمهاجرين، وأيده بأناس قبله جهزوا له المكان الذي سيسكنه صلوات الله وسلامه عليه، الهجرة إلى المدينة كان يعلمها من قبل، من ساعة ما أرسل وأخذته زوجته السيدة خديجة لابن عمها ورقة بن نوفل وقال له: ليتني أكون فيها جزعاً يعنى شاباً فتياً عندما يخرجك قومك، فقال: أومخرجي هم؟ قال: نعم، ما أرسل رسول بما أرسلت إلا أخرجه قومه، لكن المكان الذي سيهاجر إليه صلى الله عليه وسلم كان يعلمه من سبقه من الأنبياء والمرسلين، ولذلك يروى القرآن أن اليهود تركوا بلاد الشام وجاءوا إلى المدينة، مترقبين قدوم النبي الذي قرب زمانه وعندهم صفاته وكانوا يرجون أن يكون منهم، وقد ذكر الله ذلك: ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) [الآية، كان عندما تحدث حرب بينهم وبين أى قبيلة يقولون كما قالت السيرة العطرة : "اللهم بحق النبي الذي ستبعثه فى آخر الزمان انصرنا عليهم" فينصرهم الله عز وجل، وكانوا يعرفونه: ( يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) [الآية، أيتوه أحد عن أولاده، عارفينه كما يعرف الرجل أولاده تماماً، ولذلك يروى الإمام السمهدوى فى كتابه (وفاء الوفا) والإمام القسطلاني فى كتابه (المواهب اللدنية) حادثة غريبة أن تبع ملك اليمن وكان اسمه أسعد الحميري، أعطاه الله قوة وبسطة فجهز جيشاً كبيراً وخرج يغزوا ويريد أن يتسع ملكه ويقيم دولة كبيرة فوصل إلى المدينة وكان اسمها "يثرب" فخرج إليه أحبار اليهود، وقالوا: أيها الملك إنك لن تتمكن من دخول هذه القرية، قال: ولم؟ قالوا: لأنها مهجر نبي آخر الزمان وإن الله حفظها ولن يمكنك من دخولها، فاستشار من معه من العلماء، فأقروا بذلك، فاختار ربعمائة عالم ممن معه وزوجهم وأعطاهم المال وأمرهم أن يقيموا بهذا الموطن حتى يبعث النبي فينصروه صلوات الله وسلامه عليه، وبنى لكل واحد منهم بيتاً من طابق واحد وبنى لكبيرهم بيتاً من طابقين، وترك معه رسالة وأمره أن يسلمها لولده ولولد ولده حتى يسلموها لهذا النبي، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: {أول من آمن بي تبع} وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم تعرفون أن الكل كان يمسك بالناقة ، والرسول يقول لهم دعوها فإنها مأمورة، وكانت لأمر يعلمه الله إذا مرت على بيت يهودي تمر مسرعة، وإذا مرت على بيت مؤمن تقف، لأن المؤمنين قد جهزوا لاستقبال الرسول ما يليق بهم وبحالهم لا ما يليق بذاته صلوات الله وسلامه عليه، الذي جهز التمر والآخر جهز اللبن والثالث جهز الحلوى، فتقف حتى يقدم تحيته للرسول ومن معه، حتى جاءت للمربض –المكان الذي ينشر فيه البلح ليكون تمر- وأناخت، وجاء سيدنا أبو أيوب الأنصارى وأخذ رحل الرسول وأدخله بيته وباقى الأنصار وبنى النجار يطلبون رسول الله فحسم الموقف صلى الله عليه وسلم وقال: {المرء مع رحله } بعدما دخل عند أبى أيوب قال له: أين كتاب تبع؟ فكان بيت زعيم العلماء واكن من نسله وكانت الرسالة:
شهدت على أحمد أنه
رسول من الله بارى النسم
فإن مد عمرى إلى عمره
لجالت عنه كل هم
وحاربت بالسيف أعداءه
وفرجت عنه كل غم
يعلن بأنه آمن بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرسول الله سكن فى بيته ولم يسكن عند أحد من الناس، فانظر كيف نصر الله لحبيب الله ومصطفاه حيث تذكر بعض الروايات تقول أنه بينه وبين تبع خمسمائة سنة وغيره يقول ألف سنة، فمن هذه المدة هيأ الله له البيت الذي سيسكن فيه، وهيأ له الأنصار، لأن الذين سكنوا كانوا من ذرية العلماء هم الأوس والخزرج الذين نصروا رسول الله وأقاموا معه على نصر دين الله عز وجل، فهيأ الله عز وجل لحبيبه كل شيء حتى أنه عز وجل لم يتركه يدخل المدينة دخول الهارب كما يقول البعض، لكن دخول الفاتحين، قبل المدينة بثلاث مراحل، رجل من العرب سمع بالجائزة التى جهزتها قريش لمن يقبض على النبي مائة جمل، فخرج ومعه سبعون نفراً من قومه ومعهم السيوف والرماح، وذهب إلى المدينة وسألهم وهنا يظهر إعجاز الله عز وجل، فقال: من الرجل؟ فقال: أنا محمد رسول الله، لم يستتر ولم يبالى، فشرح الله صدره للإسلام وآمن بالله عز وجل وقال: يا رسول الله لا ينبغى أن تدخل المدينة هكذا، وأتى برجاله بعد أن أسلموا السبعين رجلاً وصفهم صفين، 35 على اليمين، و35 على الشمال، ووضع غطاء عمامته الشال الأبيض، وربطه فى رمحه وجعله كعلم ومشى أمامهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى فى الوسط.
سيدنا الزبير بن العوام آتى من بلاد الشام، قال: يا رسول الله أنا معى ثياب بيض لا تليق إلا بالملوك فخذ هذا الثوب وأدخل فيه المدينة، وانتهى من الكلام وقد حضر عبدالرحمن بن عوف وكانوا تجار، فدخل صلى الله عليه وسلم فى ملابسه الزاهية الجديدة البضاء وحوله العسكر دخول الفاتحين المنتصرين تصديقاً لقول الله عز وجل : ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) [الآية، من الذي بعث له هذا الجيش؟ ومن الذي بعث له هذه الملابس؟ الله عز وجل، ومن الذي جهز له هذا البيت؟ الله سبحانه وتعالى، لكن الذي أريد أن أصل به لنفسي وإخواني أن كلنا لنا نصيب فى هذا الأمر، إن استمسكنا بهدي الله ولن تغرينا مغريات الحياة، ما الذي جعل الله ينصر رسوله هذا النصر العجيب، عرضوا عليه إن كنت تريد مالاً ها هو جمعنا لك مالاً حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا، وإن كنت مريضاً طلبنا لك الشفاء والأطباء والدواء، قال: لا، لا هذا ولا ذاك، لا أريد مالاً ولا أي شيء من الدنيا، ( إن أجرى إلا على الله ) [الآية، أريد أن تهتدوا إلى الله، ولا أريد منكم شيء، لأن أجرى من الله عز وجل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {العنكبوت جند من جنود الله} مع أنها حشرة بسيطة كلنا نتبرم منها فى بيوتنا، لكن هذه الحشرة الإمام على t وكرم الله وجهه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله نصر بها أعز خلقه وليس رسول الله فقط، فقد نصر بها سيدنا داود من قبل، ونصر بها فى عصر رسول الله سيدنا عبدالله بن أنيس، ونصر بها بعده سيدنا زيد الأبلج ابن سيدنا جعفر الصادق، سيدنا داود عليه السلام لما اهتزت بنى اسرائيل لتركهم شرع الله، وملك الله أرضهم للعماليق، وهؤلاء قوم كانوا يسكنون غزة عندهم بسطة فى الجسم وقوة فى العضلات، واستولوا على أرضهم وأذلوهم وأذاقوهم الخسف، وذهبوا إلى نبي الله فى هذا الزمان وكان اسمه "شمويل" وكان فى مغارة فى الجبل وقد اعتزلهم يتعبد لله عز وجل، وقالوا نريد ملك يأتينا حتى نحارب هؤلاء وننتصر عليهم، فجاء الملك من بنى اسرائيل ( إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) (246) سورة البقرة، وقد اختار لهم طالوت وجهز جيشه ليحارب ولم يكن يعترفون به لأنه رجل فقير، وجالوت وهو زعيم العماليق كان يهزم جيشاً بأكمله بمفرده بقوته لشدة بأسه، فخرج أمام الجيش وقال: من يبارز؟ أخرجوا له واحد أبارزه؟ من يخرج؟ لا أحد يرد، من يخرج ويضربه سأزوجه ابنتى وأجعله الخليفة من بعدى ومع ذلك لم يخرج أحد، سيدنا داود أبوه كان موجود معه ثلاثة أخوته وهو كان صغيراً وطالع يعاونهم فى الحرب فقط، فقال أنا أحاربه، قال: إنت تروح فين فى هذا؟ وكان سيدنا داود قصير القامة، كل ما ينادى لم يخرج إلا داود، فى النهاية وافق وألبسه الدرع وعدة الحرب وأعطاه السيف والرمح وقال: أخرج وأركبه الفرس، بعدما ركب سيدنا داود وتحرك تجاه جالوت رجع مرة ثانية، قالوا: ما شأنك أخفت منه؟ قال: لا، الحاجات دي غرتني وخلع ملابس الحرب وخرج عارياً ليس معه إلا المقلاع كان يطرد به الذئاب، عند رعى الغنم، المهم من أول رميه من المقلاع جاء الحجر فى رأس جالوت فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وانتصر على الأعداء، ووفىَّ معه طالوت وزوجه ابنته وقال له: أنت الخليفة من بعدى، تكررت الحروب وصار وذاع صيت سيدنا داود فحدث شيء من الغيرة فى نفس طالوت فهم أن يقبض عليه، فخرج سيدنا داود وإختبأ فى غار وذهب طالوت ومن معه يبحثون عنه وجاءت عناية الله وخبأه العنكبوت من أعينهم وكانوا قريباً من الغار فخرج فى الليل وقد أناهم جميعاً حتى الحرس حتى وصل إلى خيمة طالوت وأخذ سيفه ورمحه وأسلحته وذهب ولم يقتله ليعرفه المبادئ والمثل، حتى إذا أصبح الصباح أرسلها إليه وقال له: هذه ثيابك وهذه أسلحتك، وكنت أستطيع قتلك، فعفى عنه بعد قصة طويلة وتاب إلى الله مما فعله، المهم ما الذي أنجاه؟ العنكبوت كما نجى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيضاً سيدنا رسول الله ­صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، واحد من الجماعة العرب عند عرفات فى مكان يسمى عرنه، وفيها مسجد نمرة الآن واسمه خالد بن نبيح الهذلى قعد هناك وجعل يجمع العرب ليحارب الرسول صلى الله عليه وسلم فسيدنا رسول الله نادى على عبدالله بن أنيس وقال: اذهب إلى خالد بن نبيح الهذلى واقتله، قال: يا رسول الله والله لا أعرفه، كيف أعرفه؟ قال: إذا رأيته ذكرك الشيطان، وعندما تقف أمامه تصيبك رعدة هزة، فتعرف أنه هو، وذهب الرجل بمفرده ... مادام النبي أمره لا يتخلف، لم يقل كيف أقتله؟ وليس معى جيش ولا فرقة، لابد أن أنفذ أمر رسول الله، فذهب إليه وحدث العلامة فعرف أنه هو، فقال: عرفت أنك تجمع الناس لتحارب هذا الرجل –النبي- وأنا معك وأخذه يتمشى معه حتى خرج بعيداً عن جيشه وقتله، فأحسوا بما فعل فأتبعوه فأسرع إلى غارة فى جبل ونسج العنكبوت عليه ونجاه الله عز وجل من مكرهم ببركة العنكبوت، أقول لكى نعرف أن الفضل الذي أحاط به الله حبيبه ومصطفاه، يحيط الله ولو بنذر يسير منه كل عبد صدق في عقيدته ولم يتزعزع فى العمل بشرع الله عز وجل، المهم سلامة العقيدة، والثبات على المبدأ، وعدم التهور مهما كانت فتن الزمان، معنى لم يتحول عن المبدأ لأن الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهو خارج من مكة إلى المدينة وآذوه وأخذوا أموال أصحابه وطردوهم وعنده أموالهم التى يخافون عليها لم يأخذها ويهاجر بل أقام الإمام عليّ، وعرضه للقتل فى سبيل أن يكون المثل الأعلى فى آداء الأمانة حتى يرد الحقوق إلى أهلها، لم يقل مادام الحرب بينهم وبينه فهذه غنيمة، قال: لا، لأن هذه أمانة أعطوها له بنفسهم، فبقى سيدنا علىَّ حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم لكل صاحب أمانة أمانته، ما هذا الوفاء والأمانة، هذه علامة الإيمان، اسمعوا إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: {لا إيمان لمن لا أمانة له}، الدليل على صدق الإيمان: الأمانة فى القول، الأمانة فى الفعل، الأمانة فى العمل، الامانة فى السلوك، الامانة فى القول، فإذا استمع حديثاً لم ينقله إلى غيره، ليسبب به فتنة أو يشعل به ناراً بين أخوين أو صديقين، وقد قال صلى الله عليه وسلم من مبلغ أمانته، أنه كان إذا التفت، لا يلتفت بعنقه أو بعينه كان فى سمته كان إذا التفت، التفت جميعاً، هكذا ليكون واضح كوضوح النهار لأن الله عز وجل حذر قوماً فقال: ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ) [الآية، خائنة الأعين التى تنظر من تحت إلى تحت، حتى هذه لم تكن عند رسول الله، لما يحارب قال له: ( فانبذ إليهم على سواء ) [الآية، أعلن الحرب على الملأ .. هذا مع الأعداء، لكن عندما يكون زميله فى العمل ويدبر له مؤامرة ليزيحه ويحل مكانه وعمّال يعملها فى الكتمان والسر، كيف يكون هذا مؤمن؟ فيعمل على أخيه ليزيحه من منصبه ليحل محله، إذا كان الكافر لا بد أن يكون على سواء، المؤمن الذي يتمسك بهذه المثل وهذه الفضائل، معه نصر الله وتأييد الله وإكرام الله.
الدرس الذي نأخذه جميعاً من هجرة رسول الله وما أكثر دروسها، أن المرء منا لا يتوقف عند أى أمر أمره الله مهما لاقى فى سبيل ذلك من صعاب فالذي أعز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شدة عقيدتهم فيما ذكرناه فكان الرجل منهم لا يبيح لنفسه، أن يخرج عن المثل والمبادئ الإيمانية قيد أنملة، خوفاً من الله عز وجل، مهما تعرض لصعاب لكن فى عصرنا الآفة التى انتشرت فى مجتمعنا أن الناس قد اجتهدوا من عند أنفسهم اجتهاداً خاطئاً فى تبرير الزيغ والبعد عن المثل والمبادئ الإسلامية، فيبيح لنفسه الكذب بحجة أنه مضطر، ويبيح لنفسه أخذ ما يريد من المال العام بحجة أن مال الحكومة ملك للجميع وكل واحد له فيه نصيب، ويبرر لنفسه التزويغ من العمل بحجة أن أجره لا يكفى هذا الوقت – على قد فلوسهم كما نسمع منهم – ويبيح لنفسه أن يخدع فى تجارته، أن يغش فى بيعه وكيله، وميزانه وإلا لا أعرف العيش والكسب، هذه أمور سولتها النفس وعززها وأيدها الشيطان وهذا الذي جعلت عناية الرحمن، فلم تبعد عنا الحمد لله هي معنا لكن أخذ الله يبتلينا ليذكرنا، ليس للانتقام، لأنه لا ينتقم من المؤمنين أبداً، لكن يذكرنا المرة تلو المرة، مرض، فقر، غلاء كل هذا ابتلاءات حتى نرجع إليه لكن والله الذي لا إله إلا هو لو تمسكنا بهدى الله، لفتح الله عز وجل لنا الخيرات من الأرض وأنزلها من السماء، تأتينا أرزاقنا فى أيدينا بغير عناء ولا تعب: ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) [الآية، لم يقل لفتحنا عليهم خيرات ، لأنها ممكن تكون كثيرة ولا تكفى لعدم وجود البركة فيها، لكن لو رزق القليل وبارك فيه لأغنى عن الكثير والكثير كل هذا يحتاج إلى صلابة من الإنسان فى تطبيق شرع الرحمن، على نفسه وعلى أهل بيته أولاً، هذا الذي كلفت أن تقيم الشرع فيه باليد، أما غيرهم فعليك النصيحة، والنصيحة بالطريقة الصحيحة، النصيحة على الملأ فضيحة، لكن تنصحه كما قال الله: بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يستجيب لك، يمكن الناس بتشتكى فى زماننا من كثرة الأمراض ومع كثرة المستشفيات لم تعد تستطيع أن تقوم بمهمة العلاج والأمراض الموجودة كلها فى الأجسام لا تساوى مرضاً واحداً من امراض الأخلاق التى حذر منها الكريم الخلائق والتى هى تنخر فى مجتمعنا نخر السوس، الشقاق، والنفاق، والحسد، البغضاء، والكراهية، والأحقاد، وغيرها من هذه الأمراض هى التى نعانى منها من الضغوط النفسية والتوترات العصبية، وهى التى تسبب صعوبة الأمراض الجسدية، الامراض الجسدية إن لم تكن التوترات العصبية تخف فى طرفة عين، لكن الذي يزيد المرض التوتر، والضغط والمشاكل وهذا يأتى من أنه حامل هم هذا ويحسد هذا، وكاره هذا، ويوجد مشاكل بينه وبين هذا حتى أن كل مؤمن بينه وبين إخوانه المؤمنين حروباً لا عد لها، حروب مع جيرانه، وحروب مع زملاؤه فى العمل، وحروب مع أقاربه، لماذا؟ إلا الذين قال الله عز وجل فيهم: ( ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ، والشكاوى فى المحاكم من أجل سهم فى البيت أو سهمين فى الغيط، والأخ وأولاده وامرأته حرب على أخوهم والثانى كذلك، وهذا يتعدى وهذا يتعدى هذا، ألم يسمعوا عن القوم الذين آخذوا الغرباء عنهم فى النسب لكنهم معهم وقريبين منهم فى الدين، يقول لها، أقبل، هذا البيت نصفين واختار الذي يعجبك والمال نصفين واختار ما يعجبك، وانا أراك غير متزوج وأنا متزوج اثنين، انظر إلى أيهما تحب أطلقها لك وبعد انتهاء العدة تزوجها أنت على سنة الله ورسوله، الوصية التى أعطاهم إياها الله: ( يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) [الآية، وليس هذا فقط، عندما جاءت الفتوحات وجاءت الخيرات جمعهم النبي وقال: تعالوا يا معشر الأنصار ويا معشر المهاجرين يقول للأنصار: ما رأيكم أتى لى خير كثير، أقسمه عليكم أنتم الاثنين، ويظلون معكم فى السكن والأموال، أو أعطيها للمهاجرين ويتركوا لكم السكن والأموال التى أخذوها منكم؟ قالوا: لا، أعطيها كلها لهم ولا نأخذ شيئاً مما أعطيناه لهم – (الراجع فى هبته كالراجع فى قيئته)، أعطها لهم ويكفينا رضى الله عز وجل عنا، أين هؤلاء الآن؟ فهم أجدادنا وآباءنا وهؤلاء قدوتنا وأسوتنا وهم الذين قال لنا ربنا فيهم: ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [الآية، امشوا مع هؤلاء، ما لكم وغيرهم، نحن محتاجين نصر الله وتأييد الله، ولطف الله وتوفيق الله، من فينا لا يحتاج ذلك، من أين تأتى هذه الأمور؟ الجندى المؤمن الذي لا يكذب ولو كان فى هذه مليار مليار مليار جنيه، لأنه يعلم أن الله لا يبارك فى مال جاء عن طريق الكذب وقد قال صلى الله عليه وسلم : (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) يأتى المال لكن بدون بركة، ماذا يفعل بالمال؟ لا يليق بالمؤمن أن يسمح بلسانه أن يخوض فى الأخ المؤمن خوفاً من أن يكون يوم لقاء الله فى الصنف الذين يفضحهم الله ويأمر بهم إلى سقر فتخاطبهم الملائكة: ( ما سلككم فى سقر، قالوا لم نكن من المصلين ... وكنا نخوض مع الخائضين ) [الآية، نتكلم فى حق فلان وفلان، هل عندنا وقت لذلك؟ {كن مع الله يكن الله معك}، وأعلم علم اليقين أن نصر الله، لا يتخلف عن المؤمنين، وليس نصر الله المقصود فى الحرب فقط بل فى أى شدة، فى أى كرب، فى أى مرض، فى أى مشكلة، عندما يأتى نصر الله يفرج الكرب، ويزيل الهم، ويشفى المرض، ويعلى شأن المرء بين إخوانه وليس النصر فى المعارك الحربية بل محتاجين للنصر فى كل أمر حتى ابنى الطالب يحتاج لنصر الله فى الامتحان، حتى يلهمه الله بالإجابة السديدة، جائز أنه حافظ وعندما يقعد فى اللجنة ينسيه، وبعد أن يخرج من اللجنة يتذكر كل شيء ، لكن قد انتهى الوقت، ونصر الله أكثر نحتاجه ليعيننا على عمل الصالحات، الذي ينصره الله ساعة الفجر يؤمنه ويسدده حتى يتوضأ ويذهب ليصلى فى بيت الله جماعة، ومن الذي يؤيده يجد لسانه دائماً وأبداً يذكر الله، يقول لا إله إلا الله أو يستغفر الله، أو يمسك كتاب الله، او يصلى على رسول الله أو يسبح الله ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {إذا أحب الله عبداً ألهمه ذكره}، والذي غضب عليه الله يكون قاعدا بدون عمل وغير موفق لأن ينطق لسانه بكلمة لا إله إلا الله : ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ) [الآية، ما الذي يجهده؟ وإذا قال: أستغفر الله، هل الجسم يتعب أو اللسان يكل؟ أبداً، إنه يتكلم بالخمس ساعات مع الواحد ولا يمل، لكن علامة نصر الله أن ينصره على نفسه وهذا أكبر نصر، حيث لا تسول له المعاصى، ولا يتبعها فى هواها ولا يحقق لها مناها إلا إذا كان فيه رضاء لخالقها ومولاها عز وجل، فنحن فى حاجة لهذه الوقفة، عليك يا أخى بهدى وصمم على العمل بأمر الله وإياك أن تسمع لحديث نفسك أو لوسوسة جنك، أو لهمسات زوجك أو لطلبات ولدك لأن الله قال لنا: ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) [الآية، ومن يتلهى بهم - ( ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) [الآية، لأن الله لم يكلفنا بشيء صعب، أنت تمشي فى الطريق ما يتعبك عندما يقول لسانك أستغفر الله، لا يعطلك عن شيء، وأنت راقد فى البيت ما الذي يمنعك أن تكون ممن قال الله فيهم ( يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ) [الآية، عن اى شيء تعطلك، ليس فيها عطلة عن الرزق بل تخفف عنك العناء، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلملما ذهبت ابنته السيدة فاطمة وقالت: أنا تعبت، ليس هى أحد فى البيت أدق نوى البلح للفرس، وأحضر الشعير وأصفيه وأطحنه على الرحاية وأعجنه واخبزه كل يوم، وأغسل الثياب لقد تعبت، أعطى خادم –حيث قد جاءه خدم كثير فى ذلك الوقت – قال لها: أعطيك واترك أهل الصفة يتكففون العيش، لا يكون ذلك أبداً، ابنته وقرة عينه ، وجبراً لخاطرها قال تعالى سأقول لك احسن من ذلك، إذا أخذت مضجعك فقولى: سبحان الله ثلاث وثلاثين مرة والحمد لله ثلاث وثلاثين مرة، والله أكبر ثلاث وثلاثين مرة، وأختمى المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فهى خير لك من الخادم...
ساعة ما كانت تقولها كأنها دخلت غرفة الإنعاش، كل التعب الذي حلّ بالجسم يذهب، كانوا يحافظون عليها ولم أتركها حتى فى يوم صفين، قال: حتى فى حرب صفين لأن الحرب والتعب فلم أتركها لأزيل التعب والعناء طوال النهار من النفس والجسم ولا يكون إلا بذكر الله ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [الآية، اللسان يظل شغال بذكر الله، لا يحصل عنده كوارث ولا مصائب ولا مرض ويستفحل ويشتد لأن الذكر يخفف الوضع ومعه اللطف، تمر عليه الفتن كما قال صلى الله عليه وسلم: {طوبى للمخلصين لربهم، تمر بهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها فى عافية} لأنهم فى حضن الله عز وجل، لأن الولد الصغير إذا حزبه واحد واشتد عليه، ساعة ما يرمى نفسه فى حضن أمه، كل حاجة تروح وانت ترمى نفسك فى حضن من؟ أرحم الراحمين  عز وجل، فالواحد لما يضع نفسه فى حضن الله ويستعين بالصبر وبذكر الله، خلاص كل شيء سيعدى عليه (لا يمسهم فيها نصب) لا يأتى له تعب أو عناء إلا حاجات خفيفة، لماذا؟ لأنه مع الله، نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وان يوفقنا لحسن طاعته، وأن يلهمنا بالعمل الصالح والعلم الرافع والنوايا الطيبة الخالصة، والقصود الصالحة وأن يسترنا بستره الجميل فى الدنيا، ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى غيره طرفة عين ولا أقل وينعم علينا بمدد من عنده، يجعلنا فى غنى عن جميع خلقه، حتى لا نحتاج إلا إليه ولا نقف إلا على بابه وأن يجعلنا فى الدنيا من أهل شريعة النبي المختار وأن يرزقنا مرافقته يوم القيامة مع الأبرار، وأن يجعلنا معه فى الجنة فى درجته مع أهل القرب والأنوار،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

- الهجرة والمبادئ الإيمانية

إن الدرس العملي الذي نأخذه جميعاً من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أكثر دروسها أن المرء منا لا يتوقف عند أي أمر أمره به الله مهما لاقى في سبيل ذلك من صعاب فالذي أعز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة عقيدتهم فكان الرجل منهم لا يبيح لنفسه أن يخرج عن المثل والمبادئ الإيمانية قيد أنملة خوفاً من الله مهما تعرض له من صعاب

لكن في عصرنا الآفة التي انتشرت في مجتمعنا أن الناس قد اجتهدوا من عند أنفسهم اجتهاداً خاطئاً في تبرير الزيغ والبعد عن المثل والمبادئ الإيمانية فيبيح لنفسه الكذب بحجة أنه مضطر ويبيح لنفسه أخذ ما يريد من المال العام بحجة أن مال الحكومة ملك للجميع وكل واحد له فيه نصيب ويبرر لنفسه التزويغ من العمل بحجة أن أجره لا يكفي ، وهذا الوقت على قدر فلوسهم مثلما نسمع منهم
ويبيح لنفسه أن يخدع في تجارته أو يغش في بيعه وكيله وبلسانه وإلا لن يستطيع أن يعيش أو يكسب في زعمه ، هذه الأشياء التي سولّتها لنا النفس وعززها الشطان وهذا الذي جعل الله يبتلينا ليذكرنا وليس للانتقام منا لأنه لا ينتقم من المؤمنين ولكن يذكرنا المرة تلو المرة بالمرض أو الفقر أو الغلاء فكل هذه ابتلاءات كي نرجع إلى الله
لكن والله الذى لا إله إلا هو لو تمسكنا بهدى الله لفتح الله لنا الخيرات في الأرض وأنزلها من السماء وكنا كأهل الجنة تأتينا أرزاقنا في أيدينا دون عناء أو تعب {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} الأعراف96
لم يقل فتحنا عليهم خيرات لأن الخيرات ممكن تكون كثيرة ولكنها لا تكفي لأنها ليس فيها بركة لكن لو رزقنا القليل وبارك الله فيه لأغنى عن الكثير والكثير
فنحن نشتكي في زماننا من كثرة الأمراض ومع كثرة المستشفيات لم تعد تستطيع أن تقوم بمهمة العلاج ، والأمراض الموجودة في الأجسام كلها لا تساوي مرضاً واحداً من أمراض الأخلاق التي حذّر منها الكريم الخلاق والتي تنخر في مجتمعنا نخر السوس كالشّقاق والنفاق والحسد والبغضاء والكراهية والأحقاد وغيرها من الأمراض التي نعاني منها من الضغوط النفسية والتوترات العصبية
كل هذا يسبب وجود الأمراض الجسدية ، والأمراض الجسدية لو لم يوجد خلفها التوترات العصبية سوف تشفى بإذن الله لكن الذي يزيد المرض هو التوترات والضغوط والمشاغل وكل هذا جاء من الحسد لهذا والكره لهذا حتى أن كل مؤمن بينه وبين إخوانه المؤمنين حروباً لا عدّ لها حروب مع الأولاد وحروب مع زملائه في العمل ، والحروب مع الأقارب لماذا؟ أين الذين قال الله فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر47
الذين ملأوا المحاكم من أجل سهم في البيت أو سهمين في الغيط والأخ وأولاده وزوجته حرب على أخوهم والثاني كذلك وهذا يستعد وهذا يستبدّ ألم يسمعوا عن القول الذين أخذوا الغرباء عنهم في النسب لكنهم معهم وقريبين منهم في الدين

 
ويقول له تعالَ أقسم بيتى نصفين وتختر أحدهما والمال نصفين واختر ما يعجبك وانظر إلى زوجتى الاثنتين أيهما تعجبك فأطلقها وبعد انتهاء العدة تتزوجها أنت على سنة الله ورسوله هؤلاء الجماعة ماذا قال الله لهم في الوسام الذي أعطاه لهم؟ {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر9
ليس ذلك فقط بل عندما جاءت الفتوحات وجاءت الخيرات جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم تعالَوْ معشر الأنصار وتعالَوْ معشر المهاجرين ، فقال للأنصار: ما رأيكم جاءت إلينا خيرات كثيرة أقسمها بينكم أنتم والمهاجرون ويظلون معكم؟ أم أعطيها للمهاجرين ويتركوا لكم البيوت والأموال التي معهم؟ قالوا: لا، أعطيها لهم كلها ولا نأخذ شيئاً خرجنا منه لله {لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءُ الْرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يرجع فِي قَيْئِهِ}{1}
اعطِ لهم الكل ونحن والحمد لله يكفينا رضاء الله علينا ، أين هؤلاء؟
هؤلاء هم أجدادنا وهم آباؤنا وهم قدوتنا وهم أسوتنا وهم الذين قال الله فيهم {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام90
فنحن جميعاً نحتاج نصر الله وتأييد الله ولطف الله وتوفيق الله وهذا هو السبيل البين والطريق القويم له

{1} رواه أحمد عن ابن عباس

الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

- دور الهحرة فى علاج مشاكل المجتمع


الحمد لله ربِّ العالمين، يعزُّ عباده المؤمنين في كل وقت وحين، باتباعهم لأوامر وسنَّة سيد الأولين والآخرين. فمن أعزَّ القرآن أعزَّه الله ومن تمسك بالسنَّة نصره الله، ومن ابتغى الهدى في غيرهما أضله الله وأعماه.
سبحانه سبحانه! هو العزيز الذي لا يزل أبداً، وهو الحكيم الذي لا يسهو أبداً، وهو الحي القيوم الذي لا يغفل ولا ينام: } لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ { (255-البقرة)، وهو العلي العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جمع الخير كله للأولين وللآخرين، وللإنس وللجن وللملائكة، وللشباب وللشيوخ وللنساء وللرجال، وللعرب وللعجم بين دفتي هذا الكتاب، الذي قال فيه وهو العليُّ الوهاب: } لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا { (49-الكهف). فسبحان من جعل في هذا الكتاب كل أسباب السعادة في الدنيا ويوم الحساب، وسبحان من نَمَّق في ألفاظ هذا الكتاب ما فيه خير الدنيا والآخرة لجميع الناس، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، ومناهجهم وبلدانهم، وهو عزَّ وجلّ العليُّ العزيز.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليله. اختاره الله عزَّ وجلَّ لرسالته، وعلَّمه علوماً علوية من علوم حضرته، وجعله هو المعلم الأول لكافة بشريته، فعلمهم ما فيه نفعهم، وحذَّرهم ممَّا فيه ضُرُّهم، ونبههم إلى ما فيه بِرُّهم، وقال لهم في شأنه إلهـهم عزَّ وجلَّ: } وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا {         (7-الحشر).
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي قام بالذكر والصلاة، وكان عمله خير شراب لمن استضاء به من الأصحاب، وقد كان ردُّه خير بيان لكل قلب يسمع عن الحنان المنان، وكانت توجيهاته هي التوجيهات السديدة للقلوب الرشيدة. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وخيار صحبه، وكل من تمسّك بهديه إلى يوم الدين آمين. (أما بعد)
فيا إخواني جماعة المؤمنين: يا من أغناكم الله بهذا الدين، ووضع لكم وبين أيديكم كنوز الغنى التي بها لا تحتاجون للأولين ولا للآخرين، فما من شئ يصيبكم في أنفسكم أو في مجتمعكم، أو في بيوتكم أو في أزواجكم، أو في أولادكم أو في أرزاقكم، أو شئ من أحوالكم، إلا وتجدون الشفاء التام فيه جاهزاً، إما في كتاب الله، وإما في سنة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإني لأعجب كيف يتيه عَبْدٌ عن علاج نفسه؟!! أو كيف يتعب في علاج زوجه؟!! أو كيف ييأس من إصلاح ولده؟!! أو كيف يبحث عن سبيل لإصلاح مجتمعه؟!! وبين يديه كتاب الله يُقْلِّبُه، وبين يديه سنة سيدناومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستوضحها، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: { أَيُّها النَّاسُ إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ الله وسنتي }[2]. إذن من ضلَّ ومن ذلّ، ومن هوى ومن بَعُدَ ومن تعب، فإنما هو لأنه لم يتمسك بما أمره به صلى الله عليه وسلم.
ونحن في العام الهجري المنصرم، ونستعد لاستقبال العام الهجري الجديد، هل من جديد يصلح حالنا؟!! أو هل من جديد يغير شأننا؟!! هل من جديد يحول أحوالنا إلى أحوال ترضي ربنا عزَّ وجلّ؟!!
تعالوا جميعاً نفتح كنز الهجرة، ونأخذ منه العبرة، فإن هجرة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها العبرة لمن اعتبر، وفيها الحل لكل مشكلات البَشَر!!
فمثلاً - وهو مثالٌ واحدٌ نسوقه كي لا نشق عليكم - ما نعاني منه الآن من مشكلات اقتصادية، ونفسية، واجتماعية، استشرت حتى وصلت إلينا جميعاً!! فلم يَنْجُ منها أحد، لأننا نحتاج إلى بعضنا في أمور الحياة.
فمِنَّا من يشكو من ماله، ومِنَّا من يشكو من رفيق في العمل، ومِنَّا من يشكو من التجار، ومِنَّا من يشكو من الزراع، ومِنَّا من يشكو من المرءوسين، ومِنَّا من يشكو من الحكام والمديرين، ومِنَّا من يشكو من أحوال المجتمع بالمرة.
نشكو من ماذا؟ أصبحنا وكل واحد مِنَّا مشغولٌ بنفسه، لا يفعل إلا عن نفسه، ولا يريد أن يجلب الخير إلا لنفسه، ولا يريد أن يدفع المكروه إلا عن نفسه، ونسى جاره، ونسى أخاه، بل ربما أحياناً ينسى أباه وأمه - حتى يضطرهما أن يرفعا ضده شكاوي في المحاكم، لأنه لا يهتم بأمرهما، ولا يحس بمشاعرهما، ولا يشاركهما في مشاكلهما.
فالتاجر لا يهتم إلا بالكسب السريع - سواء احتكر على المسلمين أو رفع السعر وغالى فيه على المؤمنين، أو غشهم في بيعه أو في وزنه، أو سلعته وصنفها ونوعها، أو في الجودة، لا يهتم بذلك، لأن همَّه كلَّه هو المكسب السريع ولا شأن له بذلك.
والموظف يريد أن يتسلق على أكتاف رفاقه وإخوانه، تارة بالكيد لهم، وأخرى بالتجسس على أحوالهم، وثانية بالقيل والقال لرؤسائه ومديريه ليغير قلوبهم على إخوانهم، ليأخذ مكانهم الذي جُعل لهم ولا يهتم إلا بنفسه! وهكذا يا إخواني.
هل لهذا الشأن من علاج فيما نحن فيه من أحكام وقوانين؟!! لا والله، فلو سنَّتْ الدولة ألف قانون وقانون، فإنهم يتعلمون كيف يتهربون منها؟ وكيف يجدون المخرج فيها؟ لأن الغالب عليهم هو حب الذات والأثرة والأنانية التي أمتلأت بها النفوس، وأصبحت تعيش وكأنها في يوم الفيامة، والكل يقول نفسي نفسي لا أريد غيرها!!
ما العلاج؟!! لا يوجد علاج إلا إذا نظرنا إلى كنز الهجرة، ونظرنا إلى ما فيه من علاج هؤلاء القوم!! تركوا دورهم وأموالهم، وأهليهم وزراعاتهم وتجاراتهم، وهاجروا - ولا يجدون حتى الكفاف، بل لا يجد الواحد منهم ما يستر عورته، أو ما يلبسه في قدمه - وذهبوا إلى الأنصار بالمدينة!! فأفاء الله عليهم الخير، ووجدوا عندهم الحدائق الغناء، وعندهم التجارة وعندهم الزراعة، ماذا فعلوا؟ وماذا صنعوا؟
إن هذا ما يخبرنا عنه الله - وهو العلاج الأوحد لمجتمعنا يا أحباب الله ورسوله:  } يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { (9-الحشر).
هذا هو العلاج!! العلاج أننا نُصْلِحُ القلوب فَنُطَهِّرُهَا من الذنوب، ومن الأثرة ومن الأنانية، ومن حُبِّ الذات، ومن الغِلِّ والحقد، ومن الحرص على الدنيا الفانية، ونملؤها إيماناً بالله، ونملؤها ثقة في وعد الله - حتى تكون بما في يد الله أوثق منها بما في يد أنفسها - ونملؤها يقيناً أن ما قدر لها يكون، وأن الرزق لا يسوقه حرص الحريص، ولا يناله طالب إلا بما كتب له الواحد عزَّ وجلّ، ولن ينال بسعيه وحرصه، وكده وطلبه، ما يناله غيره إلا ما قدره وكتبه له ربه عزَّ وجلّ.
نملأها يقيناً بأن الآخرة خير وأبقى، فيؤثرون الآخرة على الحياة الدنيا، ويُقْبِلُوا على أعمال الآخرة، وأحوال الآخرة، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويفرح إذا رأى الخير عند إخوانه، ويُسَرُّ إذا رأى السرور والطرب عند جيرانه، ويحزن لحزن إخوانه، ويتألم لآلام جيرانه.
قال صلى الله عليه وسلم:{ لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الّذي يَبيتُ شَبْعاناً وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهو لا يشعر به }[3]. أي: لا يؤمن إيماناً صحيحاً عند الله، ينال به الدرجة العالية من الله، إلا إذا كان يحسُّ بإخوانه، ويشعر بآلام جيرانه، ويشارك أقاربه وخلانه!!
هذا ما صنعه لكم ومعكم الله على يد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأصبح الرجل منهم يسارع فيما يرضي الله، حتى كان الرجل المهاجر عندما ينزل المدينة المنورة يحضر أهلها ويتنافسون ويتصارعون، وكل يريد أن يأخذه إلى بيته ليحظى بالفضل والرضوان من الله عزَّ وجلّ، ومن شدة تَهَافُتِهِم وصراعهم كان لا يذهب الرجل المهاجر إلى أحدهم إلا إذا أجروا القرعة والمساهمة فيما بينهم!!
فمن وقعت عليه القرعة فهو الذي يفوز بهذا الغُنْمِ الأكبر، وهذا الفوز الأعظم، وهذا الأخ الذي يأخذه ويواسيه، ويطعمه ويجالسه، ويقيمه في بيته، لأنه يعلم أن هذا هو الفضل الأعظم عند الله عزَّ وجلّ. وهذا عكس ما نراه الآن - فيرى بعضنا أنه إذا أخذ شخصاً ضيفاً إلى بيته يراه غُرْماً!! يراه سيغرمه كوبَ شاي، وسيغرمه بضعَ أرغفة، وسيغرمه مبلغاً من النقود، يراها غرامة.
وهم كانوا يرونها غنيمة!! لأنهم يرجون الفضل من الله عزَّ وجلّ، حتى أنه بلغ الأمر من أحدهم - لأنهم يتعاملون مع ربهم عزَّ وجلّ - أن أخذ أخاه، وكان هذا الرجل المهاجر هو عبد الرحمن بن عوف، والرجل الأنصاري هو سعد بن الربيع رضى الله عنه فأحضر ماله وقسَّمه نصفين، وقال له: اختر أيهما شئت!! وقسم بيته قسمين، وقال له: اختر أيهما شئت!! ثم قال له: هل تزوجت؟ قال: لا. قال: إن لي زوجتين، فانظر إليهما فأيهما أعجبتك أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها حلالاً !!
هم رضى الله عنهم تربوا على مائدة القرآن، وكانوا كما وصفهم الحنان المنان: }لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا{ (273-البقرة). هذا بالإيثار وهذا بالعفة، فزهدوا في الدنيا، فسُخِّرَتْ لهم الدنيا وكانت لهم الدنيا. فقال له عبد الرحمن رضى الله عنه: (بارك الله لك في زوجك، وبارك الله لك في بيتك، وبارك الله لك في مالك، ولكن دُلَّني على السوق).
بماذا كافأه الله على هذه العفّة؟!! كان كما قال رضى الله عنه وأرضاه: لو تاجرت في تراب لحوله الله إلى ذهب!! وعندما مات - وقد هاجر لا يملك قليلاً ولا كثيرا -ً ووزعوا الذهب الذي خلفه على زوجاته، من كثرة هذا الذهب أخذوا يضربونه بالفؤوس ليوزعوه على زوجاته وبنيه، لماذا؟!! لأنه فتح بالعفة كنز فضل الله، وكنز أخلاق الله، وكنز خَيْرِ الله عزَّ وجلّ له ولزوجه وولده!!!
فهؤلاء تعاملوا بالإيثار، وهؤلاء تعاملوا بالعفة، والكُلُّ تربَّى على مائدة القرآن، وتأسى بالنبي العدنان، فلم يكن لهم في مجتمعهم مشكلة، ولم يكن لهم في مجتمعهم معضلة، ولم ينتابهم في جميع أمورهم أي شئ يعكر صفوهم، أو يشغلهم عن ربِّهم، أو عن عبادة الله، أو عن طاعة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم شغلوا أنفسهم بكتاب الله وبهدى سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعلاج أمراضنا في هؤلاء الثلاث:
أولاً: الحُبّ، } يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ { (9-الحشر) : إذا أحببنا بعضنا، ويكفينا في هذا حديثٌ واحد لو طبقناه - على أنفسنا وفي مجتمعنا - ما وجدت مشكلة بيننا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: { لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ }[4].
فكما لا أحب أن يوشي أخي عليَّ وشاية فلا أَشِي على أخي، وكما لا أحب أن يستأثر أخي عليَّ فلا استأثر على أخي، وكما لا أحب أن يسبَّني أخي فلا أسبُّ أخي، وكما لا أحب أن تتطاول علي زوجة جاري فلا أسمح لزوجتي أن تتطاول على جاري، وكما لا أحب أن يؤذيني ابن أخي - أو جاري أو قريبي - فلا أسمح لابني أن يؤذي أخي - أو جاري أو قريبي - وكل شئ لا أرضاه لنفسي لا أرضاه لغيري. إذا فعلنا ذلك لم يكن هناك مشكلة ولا يصير بيننا مشكلة } وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا { (9-الحشر).
العلاج الثاني: إذا وثقت أن المعطي هو الله، ويعطي بحكمة لا يعلمها إلا الله، فلماذا تحزن إذا لم يعطِ لك ولداً كفلان؟!! ولماذا أغتم إذا حلَّى زوجة هذا ولم يُحَلِّ زوجتي؟!! ولماذا أحمل الهمَّ فوق رأسي إذا جاء لزميلي في العمل ترقية ولم أنالها؟!! وقيل شعراً لأحدهم[5]:
أَلا قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِدًا
أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْت الأَدَبْ
أَسَأْت عَلَى اللَّهِ فِي حُكْمِهِ
لأَنَّك لَمْ تَرْضَ مَا قَدْ وَهَبْ
فَجَازَاك رَبِّي بِأَنْ زَادَنِي
وَسَدَّ عَلَيْك وُجُوهَ الطَّلَبْ
الحسود يعترض على المعطي عزَّ وجلّ لأنه هو الذي قسَّم الأرزاق، وهو الذي قسَّم الأخلاق، وهو الذي قسَّم العطاء، وهو الذي - أيضاً - قسَّم البلايا والعناء، ولو نظرت على التحقيق لوجدت أن الكل سواء. فكما أن هذا عنده عطاء فلابد أنه عنده جانب من البلاء - وإن كنت لا أراه ولا أشعر به - ولكن إعلم يقيناً أن الله عزَّ وجلّ } وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ { (46-فصلت).
فإذا رأيت على أخي نعمة، أو رأيته في مِنَّة، فيجب عليَّ أن أفرح وأن أشكر الله، وأن أحمد الله، وأن أدعو الله أن يزيده نعماً على نعمه، وخيراً وبرًّا على خيره وبرِّه، وفضلاً على فضله. ولا تطلب من الله عزَّ وجلّ أن يمحق هذا الفضل، أو أن يذهب هذا البرّ، لأن هذا ليس من خصال المؤمنين، وإنما من خصال الجاحدين والمنافقين - والعياذ بالله عزَّ وجلّ.
فالمؤمن لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد، ولا حقداً على أحد، ولا حسداً لأحد، بل يتمنى الخير والبر لجميع عباد الله، حتى أنه يتمنى الهداية للكافرين، ويتمنى العناية للجاحدين، ويتمنى أن يوفق الله المشركين ليهتدوا لهذا الدين، ويحب الخير حتى للكافرين. يحب لهم أن يؤمنوا بالله، وأن يهتدوا بهدى الله، فما بالك بإخوانه المؤمنين؟!!! إنه يحب لهم الخير في الدنيا والسعادة في يوم الدين: } وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ { (9-الحشر)، يفضل إخوانه على نفسه، لأنه يعلم أن الدنيا فانية، وأن النعم الحقيقية هي النعم الباقية في جوار الله عزَّ وجلّ: } وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً { (46-الكهف).
النعم الفانية تحتمل البلاء وتحتمل العطاء، فهي فتنة: } إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ { (15-التغابن)، حتى المال والولد فتنة!! } لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ { (40- النمل)، فإذا وُفِّقَ لشكر الله على نعمة الولد فقد فاز وجاز، وإذا وُفِّقَ لشكر الله على نعمة الزوجة فقد فاز وجاز. ولكنه إذا نسى الله ولم يشكره على نعمه وعطاياه، فقد جحد ورسب في الاختبار الذي أجراه له الله: } تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ -لماذا؟ لِيَبْلُوَكُمْ - أي يختبركم- أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ { (1: 2-الملك).
لكن النعم الخالصة - التي ليس فيها احتمال، وإنما هي محض عطاء - أن يوفقك للعبادات، وأن يفتح لك باب القبول على الطاعات والقربات، وأن يُلْهمَ لسانك ذكره وشكره وحُسن عبادته، وأن يحبِّب إليك تلاوة القرآن، وأن يحبِّب إليك متابعة النَّبِيِّ العدنان، وأن يحبِّب إليك فِعْلَ الخير في كل وقت وآن، وأن يذكِّرك بالدار الآخرة لتستعد لها، وأن يذكِّرك بالموت لتتأهب له.
هذه هي النعم الحقيقية التي يفرح بها المؤمنون، وليس فيها ابتلاء، وليس فيها فتن، وليس فيها اختبار، وإنما هي كما ورد فى الأثر: { إذا أَكْرَمَ اللهُ عَبْداً أَلْهَمَهُ ذِكْرَه، وألزمه بابه وآنسه به، يصرف إليه بالبِرِّ والفوائد، ويُمِدُّه مِنْ عند نفسه بالزوائد، ويصرف عنه أشغال الدنيا والبلايا، فيصير من خالص عباد الله وأحبابه، فطوبى له حيًّا وميتاً، لو علم المغترون بالدنيا ما فاتهم  - من حظ المقربين، وتلذذ الذاكرين، وسرور المحبين - لمَاتُوا كَمَداً } [6].
إذا أحب الله عبداً يلهمه بذكره وشكره وحسن عبادته عزَّ وجلّ، فإذا استطعنا أن نحيي في نفوسنا هذه المعاني: الحُبَّ لعباد الله، وأن نحمي نفوسنا من البغضاء والشحناء، والحقد والحسد لجميع عباد الله، وأن نملأ قلوبنا بالرغبة في العمل الدائم الذي ينفعنا بعد هذه الحياة، من الإيثار، ومن المعونة، ومن المساعدة، ومن المواصلة، ومن البرِّ ومن كظم الغيظ، ومن العفو عن الناس، ومن الإحسان إلى المظلومين، ومن مساعدة المنكوبين، ومن التفريج عن المكروبين. إذا أحببنا هذه الأعمال وقُمْنَا بها، فلن يكون في مجتمعنا مشكلة أبداً - يا إخواني جماعة المؤمنين!!
ورد عن أصحاب نبيِّكم الكريم: أن رجلاً ذبح شاة وتصدق برأسها على رجل من الفقراء، فجلس مع زوجته فنظر في أمر نفسه وأمر إخوانه ثم قال: يا أم فلان إن أخي فلان أحوج إليها مني، وذهب وأعطاها له. فجلس الثاني مع زوجته ونظر في أمر إخوانه المؤمنين وقال: يا أم فلان إن أخي فلان أحوج إلى هذه الرأس مني، وذهب وأعطاها إليه. فطافت الرأس على سبعة دور، ثم رجعت إلى الأول مرة ثانية!! لتثبت سلامة صدورهم، ورِقَّةِ شعورهم وإحساسهم، واستحقاقهم للوسام الذي وسَمَهم به ربُّهم: } وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { (9-الحشر).
نسأل الله عزَّ وجلّ أن ينفعنا بتلك الآداب، وأن يخلقنا بتلك الأخلاق. قال صلى الله عليه وسلم: {ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء}[7]، وقال صلى الله عليه وسلم: {المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدهِ، والمهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه}[8].
أو كما قال: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونتوب إليه ونستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، السميع البصير، اللطيف الخبير. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، البشير النذير والسراج المنير. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، واعطنا الخير وادفع عنا الشر، ونجنا واشفنا وانصرنا على أنفسنا وعلى أعدائنا يا ربَّ العالمين. (أما بعد)
فيا إخواني ويا أحبابي جماعة المؤمنين: اعلموا علم اليقين أن آخر هذه الأمة لن يسعد إلا بما سعد به أولها، وأولها لم ينالوا السعادة بالعمارات الشاهقة، والأرصدة الزائدة، والمصانع الشامخة، وإنما نالوا السعادة بما في نفوسهم من حُبٍّ وشوق، وزُهْدٍ وورع، وتُقَى وغنى بالله، وعفافٍ عمَّا حرَّمه الله عزَّ وجلّ ، ولن ينصلح حال مجتمعنا إلا إذا عدنا لهذه الأخلاق النورانية، ولهذه الخصال الإلهية، التي أوصانا بها الله عزَّ وجلّ في كتابه، وبيَّنها لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هديه وفي سنته صلى الله عليه وسلم. فإن المجتمع الذي أسسوه أُسس على هذه الأخلاق، فكان الرجل منهم لو عرضت عليه كنوز الدنيا لا تلفته عن خُلُقٍ تَخَلَّقَ به لله، وهداه إلى التمسك به سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
انظروا إلى هؤلاء القوم وقد خرجوا من المدينة حفاة عراة، لا يملكون قليلاً ولا كثيراً، وفتح الله لهم كنوز كسرى وكنوز قيصر، وكانت شيئاً يدهش العيون، لم تفكر فيه عقولهم، ولم يرواد خيالهم مما فيه من مجوهرات، ومما فيه من ذهب وفضة، وما فيه من عسجد واستبرق، وما فيه من أصناف المباهج والرياش التي لم تخطر ببال واحد منهم قط في حياته كلها!! ولكنهم عندما فُتِحَتْ لهم الكنوز لم تشغل بالهم، وما سلبت عقولهم، ولم تغيِّر طباعهم وأخلاقهم، وهذا هو المهم - فقد قال لهم القائد: مَنْ وَجَدَ شيئاً فليؤده لنا. فكانوا يُحضرون كل شئ، حتى أن الرجل الذي وجد إبرة - وليست بذات شأن - كان يأتي ويسلمها إليه!! لا يَدُسُّ شيئاً في ثيابه، ولا يخفي شيئاً في متاعه، لأنه يراقب الله، ويحرص على هذا الخُلُقِ الكريم الذي خلَّقه به الله، والذي وصَّاه به سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الأمانة، الأمانة في كل شئ.
فحُمِّلت الكنوز على جمال، كان أولها في المدينة المنورة وآخرها في بلاد فارس - كما يقول الرواة فى الأثر - وعندما وُضِعَتْ أمام عمر بن الخطاب لم تطرف عينه، ولم تشغل باله، ولم يجد صراعاً لاكتسابها أو للحصول عليها!! وإنما جلسوا متعجبين، ولسان حالهم يقول ، كما قال القائد عندما رآها: } كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ {           (25: 28-الدخان).
علموا أن هؤلاء ضاعت منهم النعم لأنهم لم يشكروا واهب النعم عزَّ وجلّ، فرجعوا إلى الله شاكرين حتى لا يشغلهم بالنعم عنه، لأنهم يريدون أن يكونوا مع المنعم عزَّ وجلّ في جميع أحوالهم، وفي جميع أوقاتهم. فقال عمر بن الخطاب - عندما رأى هذه الكنوز الفارهة: (إن قوماً أدوا هذا لأمناء!! فقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه: (عففت فعفت رعيتك يا أمير المؤمنين).
هذا الذي نحتاجه، نحتاج إلى بناء الأمانة في أولادنا وفي أنفسنا وفي أزواجنا. نحتاج إلى بناء الإخلاص في قلوبنا وفي قلوب عمالنا، ليكون خالصاً لله عزَّ وجلّ، لأنهم لا يرجون سواه ولا يراقبون إلا إياه. نحتاج لبناء الصدق في قلوب أهل مجتمعنا حتى نطمئن في بيعنا وفي شرائنا، لأننا صرنا لا نثق في بعضنا، حتى ضاعت الثقة في الأمين، لأن الثقة أصبحت مفقودة بانتشار الكذب بين جماعة المسلمين.
حتى أنه لو جاء رجل منهم - وقد قرأ عن دين الله - ويريد أن يرى العباد الذين يتبعون هذا الدين، فيرى أحوال المسلمين، هل يعتقد أن هؤلاء اتباع سيد الأولين والآخرين؟!! هل يعرفهم بأوصافهم؟!!
إنه ينظر إلى وصفهم في القرآن أنهم لا يكذبون، ويرى أمام عينيه كل تعاملاتهم مبنية على الكذب!! يقرأ أنهم لا يخونون، ويرى أن كل همِّهم الخيانة وليست للأمانة عندهم صيانة!! يقرأ عن أمانتهم، ويقرأ عن شهامتهم، ويقرأ عن كرم ضيافتهم، وينظر إلى الموجودين، فيرى مسلمين بغير إسلام!! يرى مسلمين بالاسم وبشهادة الميلاد وبالبطاقات !! لكن أخلاقهم أخلاق الكافرين أو أخلاقهم أخلاق المنافقين أو أخلاقهم أخلاق غير المسلمين!!
فأخوك فى الدين هو كما قال سيد الأولين والاخرين: { من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته }[9]، وكما ورد فى الأثر المشهور: }الدين المعاملة، الدين المعاملة، الدين المعاملة{.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يبدَّل حالنا إلى أحسن حال.
اللهم ارزقنا فقهاً في ديننا، وفقهاً في كتابك، وألهمنا متابعة خير أحبابك، يا رب العالمين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل زاهقاً وهالكاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم وفقنا إلى ما تحبه وترضاه، وارزقنا الخشية في كل أحوالنا يا الله.
اللهم اجعلنا نخشاك في السرِّ والعلن، واجعل أفئدتنا لينة في طاعتك، وجوارحنا مسارعة إلى أوامر حضرتك، يا رب العالمين.
الله خذ بناصية أولادنا وبناتنا وزوجاتنا إلى الحقِّ وإلى الطريق المستقيم.
اللهم بدِّل حال مجتمعنا إلى أحسن حال، واجعله مجتمعاً إيمانياً طاهراً نقيًّا يارب العالمين. اللهم نجِّي أهله بالصدق والصلاح، والطهارة والإخلاص والنقاء، واحفظهم من الحظِّ والهوى، ومن الغشِّ ومن الحسد، يا أرحم الراحمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك ولتنفيذ سنة خير أحبابك، وألهمهم الرشد والصواب، وباعد بينهم وبين حاشية السوء، يا رب العالمين.
اللهم اغفر لعبادك المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، يا رب العالمين.
عباد الله: اتقوا الله، } إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { (90-النحل).
*************
[1] كانت هذه الخطبة بمسجد الإيمان بمدينة كفر الشيخ يوم الجمعة الموافق 18/6/1993م الموافق 28 من ذي الحجة 1413هـ.
[2] رواه ألإمام مالك في الموطأ عن أنس، ورواه الترمذي والطبراني في الفتح الكبير عن زيد بن أرقم.
[3] رواه الطبراني والبزار عن أنس بن مالك.
[4] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان وأبو يعلى في مسنده وأحمد في مسنده والدارمي في سننه عن أنس.
[5] : غذاء الألباب شرح منظومة الأداب لمحمد بن أحمد السفارينى
[6] الزهد الكبير للبيهقي رواية عن ذى النون t.
[7] رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عمر.
[8] رواه ابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم عن فضالة ابن عبيد رضي الله عنه.
[9] مسند الشهاب ، عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

- الهجرة واصلاح المجتمع

سر إصلاح أي مجتمع له أسس ثلاثة ، ذكرها الله في قرآنه وجعلها دستوراً إلى أن ينتهي الزمان وأن ينتهي المكان ويرث الله الأرض ومن عليها دستور الإصلاح لأي مجتمع على البسيطة ، ما هو يا رب؟ {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر9

هذه القيم وهذه المبادئ وتحتها آلاف المبادئ الإيمانية وآلاف القيم الإسلامية ، لكن هذه هي مجمل الآداب الإيمانية والإسلامية التي عليها صلاح الحال وصلاح الأفراد وصلاح العباد وصلاح البلاد وصلاح كل واد وناد ، فإن صلاح الكل بنشر المحبة وديننا أيها الأحبة هو دين المحبة
فليس للبغضاء طريق في الإسلام وليست للكراهية طريق بين المؤمنين وإنما أسس هذا الدين على الحب لله والحب لرسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم والحب لكل من آمن بالله وحتى لو كان هذا الذي آمن بالله أخطأ في حق نفسه أو أساء في حق ربه أو ارتكب محرماً ، فإني لا أكرهه في ذاته لأن هذا ينافي دين الله ولكني أكره هذا الخلق الذي اتصف به، وهذا العمل الذي قام به ، فإذا تركه فهو أخي وحبيبي في الله ورسوله
وقد قيل لأبي الدرداء رضي الله عنه إن أخاك فلان وقع في إثم عظيم فهل تبغضه؟ قال: لا، وإنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي ، ثم قال لهم ناصحاً: أرأيتم لو أن أخاً لكم وقع في بئر، ماذا كنتم فاعلين؟ قالوا: نأخذ بيده. قال: كذلك أخاكم إذا وقع في ذنب تأخذوا بيديه لتنقذوه من إبليس وجنوده إلى حزب الله وإلى دين الله وإلى أنصار الله
وقد قال في ذلك رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم: أوثق عرى الإيمان لم يقل الصلاة ولم يقل الزكاة ولا الصيام ولا الحج مع أهميتهم البالغة عند الله ، ولكنه قال: {أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ في الله}{1}
إن الحب لله وفي الله أيها المسلمون هو المرهم الذي يداوي العاصي من المؤمنين وهو الشفاء الذي يشفي به الله صدور الموحدين وهو الترياق الذي به يدخل كل مؤمن إلى رضوان رب العالمين
من الذين يدخلون جنتك يا رب؟ ومن الذين ينالون رضوانك يوم القيامة يا رب؟ استمع إليه وهو يحدد صفاتهم ويبين سماتهم فيقول {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر47
الذي انتزع الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهية من قلوبهم لعباد الله المؤمنين هو يكره اليهود ويبغض الجاحدين ، ويحقد على الكافرين لكن لا يجب على مؤمن أن يتصف بهذه الصفات بالنسبة للمؤمنين وإلا كان عمله كله - حتى لو ملأ البر والبحر عبادة - حابطاً هالكاً يوم لقاء رب العالمين فالإسلام هو الحب لأن الله عندما مدح الأنصار لم يمدحهم بالصلاة ولا بالزكاة ولا حتى بالشجاعة في ميدان القتال في سبيل الله وإنما أول صفة مدحهم بها وعليها الله {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الحشر9
الحب، ولذا أكد عليها النبي الكريم فقال: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرا أَوْ لِيَسْكُتْ}{2}
تلك آداب الإسلام وتلك تعاليم نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام
فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما بيَّن الله فضله وبيَّن النبي منزلته ومكانته عند الله ، أخذ يتحدث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم عن سرِّ حصوله على هذه المنزلة وسرِّ علوه إلى هذه المكانة
فبعضهم قال لقيامه الليل وبعضهم قال لإكثاره من صيام النهار وبعضهم قال لإكثاره من تلاوة القرآن وبعضهم قال لتبتله بين يدي الواحد القهار ، فخرج عليهم النبي المختار وهم على ذلك فقال: {ما فضلكم أبا بكر بكثير الصلاة ولا بكثير الصيام ولكن بشئ وقر في صدره}{3}
وما هو؟ هو الحب لله والحب لرسول الله والحب لعباد الله المؤمنين حتى أنه عند انتقال رسول الله إلى الرفيق الأعلى وقد اختاره لإمامة الصلاة ، وقال لامرأة جاءت إليه في قضية ثم رجعت وقالت: إذا رجعت ولم أجدك فإلى من اتجه؟ قال: إلى أبي بكر ، وأشار إليه إشارات صريحة
لكنه لشدة الحب في قلبه كان يتدافع الإمامة ، ويقدم عمر ، ويقول عمر أولى مني ، ثم يقدم أبا عبيدة ويقول أبا عبيدة أحق بهذا الأمر مني ويريد أن يعطيها لإخوانه حتى يظلوا أحباء فيما بينهم أوفياء لبعضهم لا تنفك المحبة عن صدورهم
لأنه يعلم أن المحبة هي أساس الصفاء في مجتمع المؤمنين وهي أساس النقاء في علاقات المؤمنين وهي أساس قبول الأعمال عند رب العالمين ، قال صلى الله عليه وسلم: {ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ، مَنْ كَانَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لله وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُود فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ}{4}


 
{1} رواه أحمد والبيهقي عن البراء بن عامر والطيالسي، الطبراني في الكبير عن ابن عباس {2} رواه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه عن أبي هريرة {3} أخرجه البخاري في كتاب الإيمان أبو يعلى في مسنده ، أحمد في مسنده والداري في سننه عن أنس {4} رواه البخارى ومسلم عن أنس

منقول من كتاب {الخطب الإلهامية_ج1_الهجرة ويوم عاشوراء}
لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

- ما سر الهجرة من مكة الى المدينة

سؤال دائماً يراودنا ، لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؟ ولماذا أمر أصحابه من قبل بالهجرة مرتين إلى بلاد الحبشة؟

إن الإجابة التي نحفظها جميعاً فراراً من أذى الكفار ومن شدة بطش الكافرين والجاحدين فراراً بدين الله وبنور الله وبالإيمان بالله ، قد يكون هذا ينطبق على الهجرة الأولى إلى بلاد الحبشة لكن الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة كان لها غاية أخرى وحكمة ثانية كبرى ومن أجلها تدبَّر وتروَّى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يختار الله له هذا المكان ، لماذا هاجر إلى المدينة؟
إنه كان يبحث عن مكان يقيم بين أهله وذويه مدينة فاضلة على العقيدة الحقة والأخلاق الصادقة والمعاملات الحسنة والعبادات الخالصة لله ويريد أن تكون هذه المدينة نموذجاً تحتذيه كل المدن والقرى الأرضية إذا أرادوا إصلاح أحوالهم وإذا أرادوا انتعاش تجارتهم وأموالهم وإذا أرادوا صلاح أخلاقهم وتهذيب نفوسهم وإذا أرادوا في الآخرة السعادة عند ربهم
ولذا نقول لإخواننا أنه لا سعادة لمجتمعنا أو لأي قرية أو مدينة في بلادنا أو غير بلادنا إلا إذا طبقت من جديد الأسس والسجايا والقيم والأخلاق التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار هجرته صلى الله عليه وسلم
وقد عبر عن هذا الحال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عندما طلبه النجاشي ملك الحبشة استجابة للشكوى التي تقدم بها عمرو بن العاص بالنيابة عن قريش ، لقد أرسلوه بالهداية إلى النجاشي وطلبوا منه أن يكلمه ليقبض عليهم ويردهم إلى السجون والتعذيب في مكة كما كانوا من قبل ولكن النجاشي كما وصفه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم {لا يظلم عنده أحدٌ ، وأرضه أرض صدق} فلم يرضَ بالحجة بدون الأخرى
فإن الدين القويم يحتم على كل مؤمن ألا يحكم على قضية من أول وهلة ، ومن أول شاكي بل لابد أن يسمع إلى المشكو لأنه ربما يكون مظلوماً ومعه الحق ، وقد قيل لسليمان عليه السلام عندما جاءته امرأة باكية وتدعي لها حقاً على ضرتها فقال من حوله: إنا نرى الحق لهذه ، قال: ولم؟ قالوا: لأنها تبكي ، قال: ومن أدراكم بالثانية ربما تكون قد فقأت لها عيناً أو كسرت لها عضواً منعها من سرعة المجيئ
فلا يجب على مسلم في قضية كبيرة أو صغيرة أن يحكم إلا بعد أن يستمع إلى الإثنين ، الشاكي والمشكو حتى يتبين له وجه الحق ، وإذا كانوا يكذبون على سيد الخلق حتى قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ} يستطيع أن ينمق الكلام ويزخرف الكلام حتى يروق في عين السامعين ،
ثم قال محذراً {فَأَقْضِي لَهُ عَلَىٰ نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ} .{1}
فطلب النجاشي جعفر ومن معه وقال لهم: اختاروا رجلاً يتحدث عنكم فأشاروا إلى جعفر ، فقال: ما شأنكم؟ فقال رضي الله عنه: {كنا قوماً في جاهلية نعبد الأوثان ونقطع الأرحام ونشرب الخمر ونفعل الفحشاء ونكذب في الحديث حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ونعرف صدقه دعانا إلى الإيمان بالله وإلى صدق الحديث وإلى صلة الأرحام وإلى حسن الجوار وإلى الوفاء بالعهد} ، وأخذ يعدد له فضائل الإسلام التي جاء من أجلها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم
ما أردت أن أذكره في هذا الصدد: أن نبيكم الكريم جاء بهذه الأخلاق الكريمة والقيم العظيمة فوجد العرب في مكة لا يريدون أن يغيروا طباعهم ولا أن يهذبوا أخلاقهم ولا أن يعدلوا أحوالهم فيصرون على شرب الخمور ويصرون على الزنا والفجور ويصرون على قطع الأرحام ويصرون على إيذاء الأيتام ويصرون على الجفاء بين الأنام ويصرون على هذه الخبائث ، وهو يريد أن يصنع مجتمعاً للأنام فيه القيم الفاضلة والأخلاق الكريمة فكان ذلك سر هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

 
هاجر إلى المدينة عندما وجد في أهلها شوقاً إلى هذه الخصال ورغبة في هذه الأخلاق وحمية في نصرة هذه الشمائل والصفات فهاجر إليهم فنشرها فيما بينهم فأصلح هذا المجتمع ، وهذا سر إصلاح أي مجتمع

{1} رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما والإمام مالك في الموطأ

منقول من كتاب {الخطب الإلهامية_ج1_الهجرة ويوم عاشوراء}
اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً

- ماهى اسرار التقويم الهجرى

نحن ندعو كل المسلمين إلى الإحتفاء بأول العام الهجرى لأن العام الهجرى أو العام القمرى - أيهما شئت - هو العام الذى اختاره رب العالمين وربط به شرعه فى كل وقت وحين كما قال تعالى فى محكم التنزيل {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} التوبة36

هذا الكلام فى العام الهجرى فكل توقيتاتك وكل حساباتك فى تشريعاتك مرتبطة بهذا العام ، الصيام مرتبط بشهر من أشهر التقويم الهجرى وهو شهر رمضان: {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ}{1}
والزكاة إذا كانت زكاة الأموال أو الذهب أو زكاة عروض التجارة التى تجب مرة كل عام هجرى فيجب حسابها عليه لا على العام الميلادى لأنى لو حسبتها على العام الميلادى سأنكسر عند الله وأُصبح مديوناً لأن العام الهجرى ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً والعام الميلادى ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع
فإذا حسبت زكاتى على العام الميلادى فكل عدة سنين سينكسر علىَّ زكاة سنة لله لم أؤدها ، ومن حرص الله على العام الهجرى انظروا معى: أهل الكهف كانوا من أتباع سيدنا عيسى - أى التقويم الميلادى - تَحَدَّث الله عنهم فماذا قال؟ {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ} الكهف25
ثم ذكر الهجرى: {وَازْدَادُوا تِسْعاً} الكهف25
حتى نعتز بتقويمنا الهجرى ، نحن نذكر الميلادى فقط لابد من الإثنين معاً ، وبالحسابات الدقيقة فإن ثلاثمائة سنة شمسية هى ثلاثمائة وتسعة هجرية، وهذا إعجاز لرب البرية فى الآيات القرآنية ، عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة هجرية أى حوالى ستون سنة ميلادية
فكل الحسابات فى شرعنا بالتقويم الهجرى لأنه التقويم الإلهى الذى ارتبطت به كل الكائنات ، فالكائنات غير مرتبطة بالشمس بل بالقمر، والحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} البقرة197


وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة ويوم عرفة يوم التاسع من ذى الحجة ولا يجوز أن يتغيرلأن هذا تقويم الله
جعل الله كل هذه التوقيتات بالهجرى حتى يمر علينا رمضان كل ثلاث وثلاثون سنة فى كل الأزمان فى الحر والبرد والخريف ، والحج يأتى فى كل الأزمان لأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان فيكون الجو المناسب لأهل أى زمان ومكان يذهبون فيه لحج بيت الله الحرام
لكن لو كان فى الأيام الميلادية فإنه سيكون ميعاد ثابت جامد ، سيكون رحيماً بقوم وقاسى على آخرين لكن شرع الله رحمة تامة للخلق أجمعين
جعل الله حتى تشريعات النساء بالتقويم الهجرى فدورة النساء تمشى مع دورة القمر إما ثمانى وعشرون يوماً أو تسع وعشرون أو ثلاثون ولا تزيد على ذلك
ولذلك من ضمن الأسرار التى نذكرها لمن يريدون الإنجاب أو تأخر عنهم الإنجاب ، فنقول لهم: احسب أول يوم تجئ فيه الدورة للسيدات ثم احسب حتى ليلة أربع عشرة حيث تكون البويضة فى أكمل حالاتها وأتم هالتها كالقمر وتكون جاهزة للتلقيح ، وللإحتياط يتم الحساب ليالى الثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر حيث تكون البويضة جاهزة للتخصيب فى هذه الأيام ، حتى من يريد ألا يستخدم وسائل لمنع للحمل نقول له تجنب هذه الأيام فلا يحدث حمل ، أسرار ربانية فى التشريعات الإلهية
ثم يأتى بعد ذلك عدة النساء وحمل النساء وولادة النساء كله على التقويم الهجرى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} الأحقاف15
الحمل تسعة أشهر هجرية: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} البقرة233
بالتقويم الهجرى
وعدة النساء إذا كانت عدة طلاق: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} البقرة228
قروء وليست أشهر ، بعض الأئمة أخذوها على أنها ثلاث حيضات وبعض الأئمة أخذوها على أنها ثلاثة طُهر المهم أن تأتيها الدورة ثلاث مرات
وإذا كانت عدة وفاة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} البقرة234
بالهجرى وليس بالميلادى
فكل حسابات الله حسابات قمرية لأن فيه أسرار إلهية لا يستطيع البشر اكتشافها إلا ما أباح المولى عز وجل لهم بشأنها

{1} الصحيحين البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنهم

منقول من كتاب {ثانى اثنين}
لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد
اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً

- كتاب ثانى اثنين

نحن ندعو كل المسلمين إلى الإحتفاء بأول العام الهجرى لأن العام الهجرى أو العام القمرى - أيهما شئت - هو العام الذى اختاره رب العالمين وربط به شرعه فى كل وقت وحين كما قال تعالى فى محكم التنزيل {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} التوبة36

هذا الكلام فى العام الهجرى فكل توقيتاتك وكل حساباتك فى تشريعاتك مرتبطة بهذا العام ، الصيام مرتبط بشهر من أشهر التقويم الهجرى وهو شهر رمضان: {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ}{1}
والزكاة إذا كانت زكاة الأموال أو الذهب أو زكاة عروض التجارة التى تجب مرة كل عام هجرى فيجب حسابها عليه لا على العام الميلادى لأنى لو حسبتها على العام الميلادى سأنكسر عند الله وأُصبح مديوناً لأن العام الهجرى ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً والعام الميلادى ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع
فإذا حسبت زكاتى على العام الميلادى فكل عدة سنين سينكسر علىَّ زكاة سنة لله لم أؤدها ، ومن حرص الله على العام الهجرى انظروا معى: أهل الكهف كانوا من أتباع سيدنا عيسى - أى التقويم الميلادى - تَحَدَّث الله عنهم فماذا قال؟ {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ} الكهف25
ثم ذكر الهجرى: {وَازْدَادُوا تِسْعاً} الكهف25
حتى نعتز بتقويمنا الهجرى ، نحن نذكر الميلادى فقط لابد من الإثنين معاً ، وبالحسابات الدقيقة فإن ثلاثمائة سنة شمسية هى ثلاثمائة وتسعة هجرية، وهذا إعجاز لرب البرية فى الآيات القرآنية ، عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة هجرية أى حوالى ستون سنة ميلادية
فكل الحسابات فى شرعنا بالتقويم الهجرى لأنه التقويم الإلهى الذى ارتبطت به كل الكائنات ، فالكائنات غير مرتبطة بالشمس بل بالقمر، والحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} البقرة197

 
وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة ويوم عرفة يوم التاسع من ذى الحجة ولا يجوز أن يتغيرلأن هذا تقويم الله
جعل الله كل هذه التوقيتات بالهجرى حتى يمر علينا رمضان كل ثلاث وثلاثون سنة فى كل الأزمان فى الحر والبرد والخريف ، والحج يأتى فى كل الأزمان لأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان فيكون الجو المناسب لأهل أى زمان ومكان يذهبون فيه لحج بيت الله الحرام
لكن لو كان فى الأيام الميلادية فإنه سيكون ميعاد ثابت جامد ، سيكون رحيماً بقوم وقاسى على آخرين لكن شرع الله رحمة تامة للخلق أجمعين
جعل الله حتى تشريعات النساء بالتقويم الهجرى فدورة النساء تمشى مع دورة القمر إما ثمانى وعشرون يوماً أو تسع وعشرون أو ثلاثون ولا تزيد على ذلك
ولذلك من ضمن الأسرار التى نذكرها لمن يريدون الإنجاب أو تأخر عنهم الإنجاب ، فنقول لهم: احسب أول يوم تجئ فيه الدورة للسيدات ثم احسب حتى ليلة أربع عشرة حيث تكون البويضة فى أكمل حالاتها وأتم هالتها كالقمر وتكون جاهزة للتلقيح ، وللإحتياط يتم الحساب ليالى الثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر حيث تكون البويضة جاهزة للتخصيب فى هذه الأيام ، حتى من يريد ألا يستخدم وسائل لمنع للحمل نقول له تجنب هذه الأيام فلا يحدث حمل ، أسرار ربانية فى التشريعات الإلهية
ثم يأتى بعد ذلك عدة النساء وحمل النساء وولادة النساء كله على التقويم الهجرى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} الأحقاف15
الحمل تسعة أشهر هجرية: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} البقرة233
بالتقويم الهجرى
وعدة النساء إذا كانت عدة طلاق: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} البقرة228
قروء وليست أشهر ، بعض الأئمة أخذوها على أنها ثلاث حيضات وبعض الأئمة أخذوها على أنها ثلاثة طُهر المهم أن تأتيها الدورة ثلاث مرات
وإذا كانت عدة وفاة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} البقرة234
بالهجرى وليس بالميلادى
فكل حسابات الله حسابات قمرية لأن فيه أسرار إلهية لا يستطيع البشر اكتشافها إلا ما أباح المولى عز وجل لهم بشأنها

{1} الصحيحين البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنهم

منقول من كتاب {ثانى اثنين}
لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد
اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً

- تفسيرإِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ

نصر الله لحبيبه ومصطفاه
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا}
التوبة40
ما الجنود الذين أيَّد الله بهم حُبيبه ومُصطفاه؟
أيَّده الله بجنود فى الهجرة وقبل الهجرة وبعد الهجرة وفى كل وقت وحين ، وأبقى الله تأييدهم للعدول من أُمته والقائمين بنشر شريعته إلى يوم الدين ، جنود لا يستطيع أحد عدَّهم: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} المدثر31
والمباح لنا منهم والذى نستطيع أن نشير إليه: جنود كونية وجنود ملكوتية وجنود قلبية وجنود إلهية ذاتية
الجنود الكونية:
أما الجنود الكونية فقد جعل الله كل عوالم الأكوان عوناً ومدداً وجنداً وعتاداً وسلاحاً وقوة لسيد الأكوان صلى الله عليه وسلم ، وأصدر الله أمراً لهم فى صريح القرآن ولا يستطيعون جميعاً أن يتخلفوا عن طاعة الله طرفة عين ولا أقل ، فقال لهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} النساء64
لابد أن تكون كل الأكوان طوع أمره ، الأرض طوع أمره والشمس طوع أمره والقمر طوع أمره والبحار طوع أمره وكل من عليها وما تحتها وما فوقها طوع أمره وكل الحيوانات طوع أمره وكل طيور الأرض طوع أمره وكل حشرات الأرض طوع أمره
وكل مخلوقات الأرض عدا الكافرين والمشركين والمُبعدين كانوا جميعاً طوع أمر سيد الأولين الآخرين صلى الله عليه وسلم لا يستطيعون أن يتخلفوا عن حضرته طرفة عين ، فقد أيَّده الله بالهواء وأيَّده الله بالضياء:
فالهواء أخذ صوته صلى الله عليه وسلم ولم يوصله إلى أسماع المحيطين ببيته عندما كانوا يتحدثون مع بعضهم ويقولون: إن محمداً يزعم أن من آمن به يكون له جنان كجنان العراق وبلاد الشام ، فخرج عليهم وقال لهم: نعم أنا أقول ذلك ولكن الهواء لم يُسمعهم هذا الصوت حتى لا يتبينوه ولا يعرفوه
والضياء أخفى صورة حضرته فلم يروه ولم يتبينوه مع أنه مرَّ عليهم أجمعين ووضع على رأس كل رجل منهم حفنة من التراب لكنهم لم يروه ولم يسمعوه لأن الله أيَّده بهذه الجنود الكونية التى فى عالم الأكوان
وأيَّده الله بذلك ليس حول بيته فقط ، فإن أهل مكة عندما جمعوا جموعهم ووضعوا خططهم ، حصروا الطرق التى توصل إلى مكة ويخرج الخارج منها فوجدوها اثنى عشر طريقاً فأوقفوا على كل طريق منها جماعة من الجند الأشداء ، أربعون حول المنزل ثم كتيبة على كل طريق من الطرق التى توصل إلى مكة لمن يريد أن يدخلها ويمشى فيها ومن يريد أن يخرج منها
ومرَّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يروه ولم يعرفوه ولم يسمعوه واخترق كل هذه الحواجز لأنه يمشى بالله ومن يمشى بالله فإن الله يجعله معززاً ومؤيداً فى كل خطواته بأمر مولاه جل فى علاه
وعند الجبل صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل كما ذكرت إحدى الروايات فى الأثر وذهب لغار حراء فقال له: يا رسول الله لا أريد أن يصيبك مكروه على ظهرى فنزل وذهب إلى غار ثور، فسمع الجبل وهو يقول: إلىَّ يا رسول الله ، إلىَّ يا رسول الله ، دعاه الجبل إليه وتولى حمايته بأمر من يقول للشئ كن فيكون
وقيَّد الله له على ما تقول الروايات المذكورة فى السِيَّر جنداً من عالم الأرض ، حمامتين وعنكبوتاً ونباتاً أو كما يذكر بعض العارفين أن الذى تمثَّل فى ذلك كله كان الملائكة المقربون وقد تمثلوا بهذه الصور الظاهرة ليوهموا الكافرين ، ولم يوجد فى الحقيقة عند الغار نبات ولا عنكبوت ولا حمام ولا يمام وإنما هى ملائكة الله والملائكة أعطاها الله قوة التشكل ، فتشكلت على هذه الهيئات لتحمى وتُخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الرواية فى السيرة الحلبية وغيرها لمن أراد المتابعة
وهيأ الله له الأرض وكانت طوع أمره فعندما أدركه سراقة ، يُصدر لها الأمر ويقول لها: خذيه ، فتنشق وتقبض على أقدام سراقة وأقدام فرسه، فيتضرع إلى حضرته ويستغيث به، فيُصدر الأمر للأرض ويقول لها: دعيه، فتُخلى عنه وتتركه ، وتكرر هذا الأمر ثلاث مرات لنعلم علم اليقين أن الأرض كانت مسيرة ومذللة بأمر سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم
منقول من كتاب ثانى اثنين
لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد
حمل الكتاب مجانا

الخميس، 29 سبتمبر 2016

- فِتنةُ منهج الغلُوِّ في تكفير المسلمين

أخى المسلم  : اصبح الامة الاسلامية فرق متطاحنة كلا يدعى انه على الحق  وانهم اصحاب الفرقة الناجية . وإذا طالعت مواقع المؤسسات الدنية على النت تقرأ والتكفير والتضليل لابناء الامة الاسلامية وهذا شيىء محزن
وإذا كان الخلاف أمراً واقعاً فما هي أبرز أسبابه
من أسباب الخلاف والافتراق تفاوت الناس في الطبائع والميول وتفاضلهم في العقول والفهوم، فسبحان من فاوت بين الناس في الحفظ وفي الاستنباط، والموفقُ من لم يُزَكِّ نفسه بل اتهمها حتى يُقلل مساحة الخلاف ويضيع الفرصة على الشيطان.
ومن أسباب الفُرقَةِ : الإعجابُ بالرأي الذي يحمل صاحبه على الغرور وتسفيه آراء الآخرين، وإيثارُ الهوى على الهدى الذي يمنع من قبول الحقِّ وإن كان واضحاً، وقد جاء النهيُ صريحاً عن العجب والهوى: ((ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوىً مُتَّبَعاً وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ)) [1].التعصب لآراء المشايخ والعلماء
ومن أسباب الفُرقَةِ : البغيُ والحسد، فقد يرى بعضُ الناس ما عنده أولى وأصوبُ من غيره، ويبلغ به الغرورُ بما عنده حدَّاً يزدري به ما عند غيرهِ، إما بنوع بغي أو حسد، ثم تقوده هذه المشاعرُ إلى احتقار الآخرين ولمزهم والتشكيك فيما عند غيره، ولو كان حقاً فات عليه التأملُ فيه بعين العدل والإنصاف، وإذا انتشر داءُ البغي والحسد ثارت رياحُ الفرقة، وسادت البغضاء، وحصل النفورُ والافتراق.
ومن أسباب الفُرقَةِ: شهوةُ الزعامة وحبُّ الصدارة بحيث يسعى صاحب هذا المرض إلى أن يكون متبوعاً لا تابعاً؛ وآمراً لا مأموراً؛ ويدعوه ذلك إلى رفض ما عند الآخرين وعدم تقبل وجهاتِ نظرهم وإن كانت صائبة، بل قد يُخيل لهذا المريض أنه وحده حامي حمى الإسلام، وإنه الأجدرُ بالقيادة والريادة دون سواه.
ومن أسباب الفُرقَةِ: سوءُ الظن بالآخرين وتغليب التشاؤم على التفاؤل فهو في الغالب يسيء الظن بالآخرين إلى حد لا يثق بأحد، ولا يُصوب عملاً، ويطغى عليه جانب التشاؤم بحيث يرى أن كلَّ عمل لم يعمله أو يشرف عليه مصيرهُ الفشل ونهايته الخسران، وهذا الداء يخفى وراءه أمراضاً وأدواء أخرى كالأثرة وحبِّ الذات، واتهام الآخرين، والرغبةِ في الوقيعة بأعراض المسلمين.
بينما عكس ذلك من حُسن الظن وحُسن الفألِ يعبر عن قلب سليم، ونفس كريمة تُحب للآخرين كما تُحب لنفسها، وتحاول تعليل الأخطاء وإيجاد المعاذير قبل إصدار الأحكام، ورحم الله عمرُ وهو القائل: ((لا تظن بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً)) [2]
ومن أسباب الفُرقَةِ: الخلط بين الثوابت والمتغيرات وبين الأصول والفروع، فهناك ثوابت لا يجوز لأحدٍ أن يتهاون فيها أو يُفرِّط في الحفاظ عليها، وهناك أمورٌ وقضايا فرعيةٌ يسع الخلافُ فيها، ولا ينبغي أن تكون أساساً للمفاصلة أو سبباً للفرقة، وحين تختلط الأمور ولا يُميز بين هذه وتلك يقع الخلافُ لأدنى سبب ويظن هذا المختلف أنه يُحكِّم الشرع ويحمي حمى العقيدة وينسى أن ما أحدثه من شرخ الفرقة والخلاف أعظمُ بل نسي أن من مقاصد الشرع الاجتماع لا الافتراق والاتفاق لا الاختلاف، وبالتالي فلا ينبغي أن نوالي أو نعادي على أمرٍ من الدين فيه متسعٌ للحوار والنقاش، وفي المقابل لا ينبغي أن نضيعُ حرمات الدين وأصوله في سبيل جمع الكلمة ونبذ الفرقة والاختلاف على حساب الأصول والثوابت.
لقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من كل شر يعترض طريقها، فحذرها -صلى الله عليه وسلم- من جميع الفتن الكبار والصغار.
وما ترك -صلى الله عليه وسلم- خبر طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لهم -صلى الله عليه وسلم- منه خبراً؛ كل ذلك شفقة على هذه الأمة من أن تضل أو تهلك وفيها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وفي ذلك الشفاء الكامل، والدواء الناجع لكل المضلات والمشكلات العارضة التي تنتاب هذه الأمة.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ناصحاً لأمته مشفقاً عليها: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضها)): أي يهون بعضها بعضاً، حيث تتابع حتى تكون الأولى أخف من الثانية.
يقول: ((وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى له))(1): أي يضع نفسه في مكان إخوانه، فلا يقدم على أمر من الأمور إلا وقد وضع نفسه مكان هذا الأخ من المؤمنين، فلا يصل إليه بشيء من السوء والمكروه الذي يكرهه لنفسه.

إن من أعظمِ الفتنِ : فِتنةُ منهج الغلُوِّ في تكفير المسلمين، دون إحكامٍ للقواعدِ الشرعيَّةِ الدقيقةِ. فتنةٌ زلَّت فيها أقدام، وضلَّت بها أفهام، قادَت إلى عواقِبَ وخيمةٍ، ومفاسِدَ جَمَّة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: 94].
وفي “صحيح البخاري”: أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «ومن رمَى مؤمنًا بكفرٍ، فهو كقتلِه».
إن مثلَ هذه المسائل المهمة الشائكةِ لا يجوزُ بأيِّ حالٍ أن يخُوضَ فيها إلا العلماءُ الراسخون، والأئمةُ المجتهدون، ووفقَ تشاوُرٍ جماعيٍّ بينهم، لا اجتهادٍ فرديٍّ، وفي مُحيط تحقيقٍ مُدَقَّقٍ، وتأصيلٍ مُتقَن، بعيدٍ عن كل هوًى وتعصُّب، وبمنأًى عن حماسةٍ مُتدفِّقةٍ، ورَدَّةِ فعلٍ بعاطفةٍ جيَّاشةٍ لا تحكُمُها أصولُ المنهجِ العلمي المُؤصَّل.
فبهذا المسلك – بإذن الله – تسلَمُ الأمةُ من منهج الإفراط والغلُوِّ والتفريط، وتسيرُ إلى ما أرادَ الله لها من وحدةٍ إسلامية، ورابطةٍ إيمانية تتحقَّقُ بها مصالحُ الدين والدنيا معًا.
يا شبابَ الإسلام:
أنتم زهرةُ الأمة اليانِعةُ، وثمرتُها الباسِقةُ، فكونوا على دِرايةٍ وكَيَاسة، وتيقَّنُوا بأنه إن عدَلتُم عن هذا المسلَك المُرتَضَى، فستبقَى الأمةُ لُقمةً سائِغةً في أيادِي الأعداء، يُحرِّكُون بينها الفتنَ، عن طريق اجتِهاداتٍ فرديةٍ خاطِئةٍ، تُحدِثُ ورَطَاتٍ عُظمى، وشُرُورٍ كبرى.
وهذا ما حذَّر منه – صلى الله عليه وسلم – في خُطبة الوداع، حين قال: «لا ترجِعُوا بعدي كفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ».
ومن زاغَ عن المحجَّةِ النبوية التي بيَّنَها – صلى الله عليه وسلم – بقولِه: «من صلَّى صلاتَنا، واستقبَلَ قِبلتَنا، وأكَلَ ذبيحَتَنا، فهو المسلمُ الذي له ذِمَّةُ الله ورسوله»؛ رواه البخاري.
من زاغَ عن ذلك جاء بأحكامٍ جائرةٍ في الأمة، تؤُولُ إلى مفاسِدَ قد لا تُستدرَكُ آثارُها، ولذا تواتَرَت نُصوصُ العُلماء المُحقِّقين قديمًا وحديثًا في التحذير من تكفير المُعيَّن إلا ببُرهانٍ شرعيٍّ أوضحَ من شَمس النهار، ووَفقَ منظومةِ توفُّرِ شروطٍ وانتِفاء موانِع، حِمايةً لسِياجِ عِرض المسلم، في دينِه ونفسهِ ومالِه، قال – صلى الله عليه وسلم -: «أيُما امرئٍ قال لأخيِه: يا كافر، فقد باءَ بها أحدُهما، إن كان كما قال، وإلا رجَعَت عليه».
يقولُ الشوكانِيُّ – بعد تحذيره من الجرأة على تكفير أهل لا إله إلا الله -: “فإن هذه جِنايةٌ لا يعدِلُها جِناية، وجَراءةٌ لا تُماثِلُها جَراءةٌ”.
احذَرُوا من كل اجتهادٍ يُفرِّقُ الأمةَ وهي في وقتٍ تدعُو الضرورةُ على الاصطِفافِ على الوحيَين، والاتِّحادِ على البرِّ والتقوَى، لمُواجَهة تحدياتٍ ضخمةٍ، إن لم نكُن حذِرِين، فستأتِي على أخضَرِها ويابِسِها.
فعلى الجميعِ سُلوكُ طريق الصحابةِ الأتقِياء، وأن يستلهِمُوا الصلاحَ والفلاحَ من وصيَّة نبيِّهِم محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – في خُطبة الوداع؛ حيث قال: «وقد ترَكتُ فيكم ما إن تمسكتُم به لن تضِلُّوا بعدَه أبدًا: كتاب الله».
والواجِبُ أن تسرِي بيننا النصيحةُ الصادقةُ المُخلِصةُ، والمُحاوَرةُ الهادِئةُ الجميلةُ، المُعطَّرةُ بالأدب الرفيعِ والخُلُق الجَميل، وَفقَ المنهج النبويِّ الذي يقومُ على معانِي الإنصاف والعدل، والرحمة والإحسان، وفي إطار الحُجَّة والبُرهان، بالأصولِ العلميةِ المُؤصَّلة، كما قال – صلى الله عليه وسلم -: «الدِّينُ النَّصيحة»، قالها ثلاثًا.

- ماهى الطريق الى السعادة

السعادة:
أتدري ماهي السعادة هي  شعور وإحساس داخلي بالغبطة والسرور غير مرتبط بمؤثرات خارجية طارئة عليه مبني على الرضي بالعمل المبني على الاعتقاد فكل إنسان لابد أن يكون له هدف يسعى لتحقيقة وبقدر ما يبذل ويسعى لتحقيق هذا الهدف بقدر ما يحس بالسعادة ويشعر بها، ويعرف علماء النفس والتربية السعادة فيقولون :هي ذلك الشعور المستمر بالغبطة والطمأنينة والأريحية والبهجة وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات والحياة والمصير.

وأنت من خلال هذا التعريف ستتعرف على نفسك ومدى انطباق هذا التعريف عليك، والسعادة على ثلاثة أقسام :_
السعادة الأولى : السعادة الوهمية الزائفة الوقتية وهي الشعور بالسعادة نتيجة مؤثرات خارجية فكثـير من الناس يتوهم أن السعادة تكون بتعاطي المخدرات والمسكرات، وهذه الفئة من الناس تقبل على المخدرات والمسكرات للهروب من هموم الدنيا ومشاكلها باحثين عن السعادة لاعتقادهم أن السعادة في نسيان واقعهم المرير ولكنهم في النهاية يجدون أنفسهم كالمستجير من الرمضاء بالنار فلا يتحصلون من ورائها إلا الشقاء والدمار، وذلك لكون المخدرات والمسكرات والمهدئات تجلب سعادة مصطنعة متكلفة تنتهي وتزول بانتهاء المؤثر بل قد يتفاقم الأمر ويعظم الشعور بعدم السعادة بعد زوال المؤثر مما يدفعه لتعاطي أكثر لهذه المخدارت والمهدئات حتى يحصل على نشوة وسعادة أكثر كما يظن ويجد نفسه في النهاية أسير هذه المخدرات غير قادر على تركها مسببة له أمراض نفسية أعظم مما كان يتعاطاها لأجل نسيانها إضافة إلى ألأمراض الجسمية بل قد تجره إلى عالم الجريمة.
السعادة الثانية : سعادة تحقيق الأهداف وهي سعادة مرتبطة بتحقيق هدف مرغوب أو مطلوب وهذه السعادة كسابقتها من حيث زاول السعادة بعد تحقيق الهدف ولكنها أقل ضراراً لكونها لا ترتبط بمؤثرات خارجية – مخدرات مسكرات - تقود إلى أمراض نفسية أو جسمية، ثم يبدأ السؤال المحير لكثير من الناس بعد تحقيق أهدافهم  ثم ماذا ؟! والسؤال هذه هو بداية التعب النفسي !!.
السعادة الثالثة : السعادة الحقيقية وهي السعادة الدائمة والملازمة للإنسان في جميع أحواله في حال الرضا والغضب في حال الصحة والمرض في حال الغنى والفقر في حال حصول الإنسان على مطلوبة في هذه الدنيا أو فواته،  هذه هي السعادة الحقيقية الناتجة عن الرضا المطلق المبني على ثوابت إيمانية تؤدي إلى اطمئنان القلب وسكينة الروح .
  هل تريد السعادة الحقيقية ؟؟
سؤال قد يكون غريباً والجواب عنه معروف قبل النطق به نعم أبحث وأسعى لها، لكن كل له أسلوبه في تحصيل هذه السعادة والطريقة الجالبة لها فمنهم من يرى السعادة في جمع المال والثراء ومنهم من يرى السعادة في الرئاسة والمنصب ومنهم من يرى السعادة في الجاه والشهرة ومنهم من يراها في كثرة الأصدقاء والقدرة على التأثير على الغير ومنهم ومنهم ولكن لو سألت كل من تحقق له مقصوده ومطلبه من المكاسب المادية أو المعنوية هل وجدت السعادة الحقيقية لقال لا لماذا ؟ أقول لك لماذا لأن السعادة الحقيقية هي في اطمئنان النفس المستمر وراحة القلب الدائمة وهذا كله لن يتحقق ولن تستطيع الحصول عليه ولو كان لك مثل الأرض ذهباً إلا من خلال مسبباته والتي سنتكلم عنها لاحقاً، يقول المثل: تستطيع أن تشتري السرير ولكنك لاتستطيع أن تشتري النوم.
هل انتهى كل شيئ تحقق لكل فرد مناه ومبتغاه من جمع للمال وحصول على المنصب والجاه والشهرة والسلطان ثم ماذا هذا السؤال هو ما يجعل كل شخص غير متدين أو غير مقتنع بدينه الذي يعتنقه بسبب ما فيه مما يصادم العلم الصحيح وينافي الفطرة السليمة يعيش عيشة غير سعيده متوترة لأن من يعتقد أنه انتهي كل شيئ سيلجاء لجالبات السعادة الوهمية كما قلنا سابقاً كالمخدرات والمسكرات والمهدئات لنسيان الواقع وللحصول على السعادة الموهومة والسكينة المزيفة ولكن هيهات إنها سعادة وسكينة مؤقتة تنتهي بانتهاء مفعول المخدر والمسكر والمهدي مما يجعلة يجد في تعاطيه مرة أخرى لينسى واقعه فيصبح إنساناً غير منتج بل عباً على مجتمعه ونسي المسكين أن هذا الإحساس بعدم السعادة لايملئه إلا الشعور الديني المتمثل في إعتناق دين صحيح من خلاله يحقق ذاته ويحدد مسيره ويعرف من خلاله مصيره.
إن الحصول على السعادة الحقيقية ميسور على من يسره الله له ومتاح لكل إنسان بغض النظر عن جنسه أو لونه أو عرقه أتدري أين تجدها ولا تتفاجأ من الجواب وأعط نفسك فرصة للتجربة والدخول في غمارها ولكن بشرط الاقتناع بما أقدمت عليه والاعتقاد الصادق بما
آمنت به فما دام الإنسان يبحث عن السعادة الحقيقية فليضحي من أجل تحقيقها بكل شيء وليعطي نفسه فرصة التغيير لما يعتقد أنه الأفضل ولما يحقق له هدفه الذي يسعى له، إنه الدخول في الإسلام أعرف أنك تفاجئت أو ربما ضحكت وأنا لا ألومك!!! ولكن الرهان قائم بيني وبينك بشرط أن تأخذ الإسلام من منابعه الأصلية الصحيحة بتجرد من عواطفك وتعصباتك الدينية وبقناعات أنك من خلاله تريد تحقيق السعادة الحقيقية، أتدري لماذا يحقق لك الإسلام السعادة الحقيقية ؟
أقول لك لماذا يحقق لك الإسلام السعادة الحقيقة مر في تعريف علماء النفس للسعادة أنها ذلك الشعور المستمر بالغبطة والطمأنينة والأريحية والبهجة نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات والحياة والمصير.
والإسلام حقق للمسلم هذه الأمور جميعها أما خيرية الذات فقد قال الله تعالى:" إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً " الأحزاب35
وأما خيرية الحياة ، فيقول الله تعالى :"  كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ " آل عمران110
وأما خيرية المصير ، فيقول الله تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خالدين فيها لايبغون عنها حولا" الكهف107
وما دامت السعادة الحقيقية تتمثل بالرضاء الذي يقود إلى الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي نتيجة الخيريات الثالثة السابقة فلن تستطيع الحصول عليها إلا في اعتناق دين يوازن لك بين المادة والروح فلا يغلب أحدهما على الآخر.
إن جميع الأنظمة والملل والنحل التي سوق لها وأخذ بتطبيقها وجربت كرد فعل مناهض للإسلام والصد عنه منذ ظهوره أخذت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى ولعل آخرها ما حصل للإتحاد السوفييتي السابق والنظام الرأس مالي الحالي الذي يرى في نفسه المسيطر على العالم في طريقه لأن يتهاوى كما تهاوى سابقه وقد بدأت تظهر بوادر هذا التهاوي وما ذلك إلا لأن هذه الأنظمة مبنية على أسس ناقصة وأراء شخصية إنسانية قاصرة لاتتعدى نظرتها أرنبة أنفها هذا عند إحسان الظن بها، فينطبق عليهم المثل القائل : ذكرت شيئاً وغابت عنك أشياء .
 ولكن الغالب الأعم أنها وضعت لتحقيق مطامع وجني مكاسب وتفضيل جنس على جنس فهي إما إفراط في تقديس الفرد على حساب الجماعة أو إفراط في تقديس الجماعة على حساب الفرد أو إفراط في تقديم المادة على الروح أو العكس ، والإسلام وسط بين هذا كله استمع إلى هذا الكلام الجميل يقول الله تعالى :"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً "البقرة143
وأرعي سمعك لتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حيث قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنه :" يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟" قلت : بلى يا رسول الله قال:" فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا" رواه البخاري
فالروح شيء يغيب عن تفكير الماديين الذين لا يرون الحياة إلا مادة فهمهم الجسد وبناؤه واشباع غرائزه من مأكل ومشرب وملبس ومنكح ومركب والسعي لعلاجه إذا اعتل فقط، ونسيان الروح وحاجاتها فهل هذا يجلب السعادة؟  الجواب بالطبع لا لأنه لو كان يجلبها لما أنتحر كثير من الناس الذين تحصلوا على كل متاع الدنيا الزائلة من مال وجاه ومنصب وشهرة، كرستينا أوناسيس الأبنة الوحيدة للمليونير المشهور أوناسيس الذي يملك المليارات ومن خلالها يستطيع الحصول على كل متع الدنيا، سألها الصحفيون في حفل أقيم لها في فرنسا: هل أنت أغنى امرأة؟ قالت: نعم. أنا أغنى امرأة ولكني أتعس وأشقى امرأة!، اسأل نفسك لماذا تقول هذا الكلام ؟ أنا أجيب لأنها نسيت الروح واحتياجاتها فمرضت هذه الروح فأتعبتها علماً أن علاجها بسيط جداً وبدون مقابل مادي والحصول عليه مقابل تغيير معتقد أو اعتناق معتقد ولكن ليس أي معتقد بل معتقد صحيح، وأيضاً لما كثرة نسبة الانتحار في الدول المتقدمة ذات المعيشة المترفة والدخل المرتفع في أوربا وبخاصة الدول الإسكندنافية التي تعتبر أغنى الدول في العالم سواء على مستوى الدولة أو على مستوى دخل الفرد ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب الانتحار فالسويد مثلا هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار!! بينما يلاحظ أن الدول الإسلامية  مع فقر أكثرها تقل نسب الإنتحار إن لم نقل تكاد تنعدم !!!
يقول ( F. Filweas )  : هناك فراغ روحي كبير في الغرب ، لم يستطع أي مبدأ من المباديئ ولا أية عقيدة من العقائد أن تملأه وتحقق السعادة للإنسان هناك ، فرغم الثراء المادي ومايسمى بالرخاء الإقتصادي ... وتحقيق كافة الرغبات المادية للشعوب ، فإن الإنسان الغربي لايزال يحس بتفاهة حياته ويتساءل : لماذا أعيش ؟ وإلى أين أسير ؟ ولماذا ؟ ولاأحد يقدم له حتى الأن الإجابة عن هذه الأسئلة ، ومادرى المسكين أن دواءه في الدين القويم الذي لايعرف عنه إلا الشبهات ، ولكن بداية النور قد بدأت تشقشق والصبح قد بدأ يسفر ، بدخول جماعات ولو قليلة من الغربيين في الإسلام ، وبدأ الإنسان الغربي يرى بأم عينه رجالاً ونساءً يطبقون الإسلام ويعيشون به ، وفي كل يوم يدخل بعضهم في الدين الحق إنها البداية ...أهـ
 فالروح يجب إشباعها كما يشبع الجسد فإذا لم تشبع مرضت ومرضها القلق والهم وعدم الرضاء والشعور بالتعاسة وإشباعها هو زاد الإيمان بالله ووجوده والبعث وإمكانية حصوله واليوم الآخر والجزاء والحساب وتحقق وقوعه وأداء العبادات التي أمر الله بها والتخلق بالفضائل التي تسمو بالروح فهي من الغذاء الروحي المرتبط بالإيمان، وبالإيمان تسلم الروح من القلق الذي يؤثر بالمقابل على الجسد فيمرض ، قال الله تعالى :" الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
وهذا الشعور والإحساس فعلاً ما يحس به المسلمين
إن الإسلام  يحقق السعادة الروحية والإطمأنان النفسي لكل من اعتنقه وآمن صادقاً به فترى المسلم نتيجة العقيدة الإسلامية سعيد كل السعادة في جميع أحواله  في حالة الصحة أو المرض في حالة الغنى أو الفقر في حالة الأمن أو الخوف، يقول الله تعالى :" الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " البقرة 156-157
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد، إلا للمؤمن، إن أصابته سراء، شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر، فكان خيرا له " رواه مسلم
فتعاليم الإسلام وتوجيهات رضاء وصبر ينسيك همومك وينقلك من دائرة اليأس والقنوط إلى دائرة التفأل وحسن الظن ، يقول الله تعالى في الحديث القدسي :" أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ..."
وهنا نقطة ينبغي التنبيه عليها فالإسلام لايأمر أتباعه بالرهبانية والانقطاع عن الدنيا ولكنه يطوع هذه الدنيا بمافيها لتحقيق السعادة الحقيقية ، فمن كان ذا سلطان فليطوع سلطانه لله ولنشر دينه وتحقيق سعادة رعيته ، يقول صلى الله عليه وسلم :" كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته " رواه البخاري
ومن كان ذا منصب وجاه فليطوع منصبه وجاهه لله ولنشر دينه وقضاء حوائج إخوانه من المسلمين يقول الله تعالى :" مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً "النساء85

ومن كان ذا مال  فليبذله في سبيل الله ولخدمة إخوانه وقضاء حوائجهم فهذه السعادة في جمع المال الإنفاق وليس القبض ، يقول الله تعالى :" وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم "
ويقول صلى الله عليه وسلم مبينناً مصير المال :" يقول بن آدم مالي مالي قال وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت  " رواه مسلم

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة المسلمين الذي ينبغي على كل مسلم أن يجعل سيرته  منهاجاً يسير عليه في حياته يحدث عنه أبو ذر فيقول : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال:" يا أبا ذر " قلت: لبيك يا رسول الله قال:" ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا "عن يمينه وعن شماله ومن خلفه ثم مشى ثم قال:" إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا " عن يمينه وعن شماله ومن خلفه "وقليل ما هم..." رواه البخاري

إن المنهج الذي رسمه الإسلام لمن يعتنقه منهج رباني يحقق له السعادة الحقيقية على المدى القريب والبعيد وذلك من خلال توجيهاته المتمثلة في أوامره ونواهيه وهذه الأوامر والنواهي لا يقصد بها التضييق أو تقييد الحريات وإنما تحقيق السعادة له وذلك من خلال تعريفه بمكانته في هذا الكون وعلاقاته بما فيه فهذه الأوامر والنواهي منها مصالح متحققة إما حالية أو مستقبلية  ولتوضع هذه الأوامر والنواهي تحت المجهر لمن أراد التثبت وليرى بنفسه هل هي لمصلحة أم لا ؟
فالسعادة يحققها الإسلام لمعتنقيه من خلال أركان إيمانية أساسية هي :-
الركن الأول : الإيمان بالله ووحدانيته فمن آمن بالله ووحدانيته هدي إلى طريق السعادة فأطمأن قلبه وسكنت نفسه، يقول الله تعالى:" الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ "الرعد28
فإذا عرف الإنسان عظمة هذا الإله الذي له ملك كل شيء والقادر على كل شي والذي ليس كمثله شيء قرت نفسه وسكنت روحه ، يقول الله تعالى :" اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ " البقرة255
وذلك لكون الإيمان بالله ووجوده يحقق للإنسان سعادة داخلية مبعثها معرفته بوجود الركن القوي الذي ينزل إليه حاجاته ويلجأ إليه وقت الشدائد والملمات، فيكثر من دعائه، قال الله تعالى :" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " البقرة186
وإنه من الشقاء عدم الإيمان بوجود الله الخالق القادر على كل شيء، لأن من لايؤمن بوجود إلله سيعيش  ولاشك في صراع داخلي عنيف مع نفسه التي بفطرتها تؤمن بوجود الله وعقله المتنكب عن الفطرة الصحيحة، يقول الله تعالى :" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ "الطور35
علماً أن الإيمان بالله لابد أن يكون مرتبطاً بوحدانيتة وعدم الإشراك به فمن أشرك مع الله غيره لم يفده إيمانه بالله ولم ينتفع به، يقول الله تعالى :" إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً" النساء48
وذلك لكون الإشراك مع الله غيره تنقيص له والناقص لايستحق العبادة فكيف يعبد من هو في حاجة لتكميل ، يقول الله تعالى :" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ " الأنبياء22
فالله هو الغني القائم بذاته المستغني عن من سواه  والخلق كلهم فقراء محتاجون إليه، يقول الله تعالى :" مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " المؤمنون91
فمن ثمار الإيمان بالله:-
تحرير نفس المؤمن من سيطرة الغير فمتى عرف وأيقن أن الأمر كله لله وبيده وأنه ليس لبشر مهما علت منزلته أو كبر شأنه أن يمنع ما أراد الله أو يعطي ما منع تحررت نفسه من العبودية لغير الله فينطلق غير مقيد في تحقيق العبودية لله ساعياً لرضى ربه غير مكترث بما سواه، يقول الله تعالى :" {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }الرعد16
تحرير نفس المؤمن من الخوف إلا من الله وحده، فالخوف من غير الله جالب للشقاء منغص على الإنسان عيشه لأن الشيطان يبدأ بالتلاعب به ويخوفه من كل شيء فيجعله في ضيق وحرج، يقول الله تعالى:" إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" آل عمران:175.
بعث روح الشجاعة والإقدام في النفوس فمن آمن بالله وأنه المحيي المميت وأن الأمر كله له اطمأنت نفسه وسكنت وهذا ما جعل المسلمين يبذلون أرواحهم رخيصة في الجهاد أليس هذا نابع عن سعادة داخلية يحسون بها تدفعهم لبذلها في سبيل من يحبون ؟ إنها سعادة مرتبطة بالآخرة، يقول الله تعالى :" وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً " .
التوجه الدائم لله  منبع الخير ومصدره فينزل به حوائجه ويتضرع ويتذلل بين يديه ويتوكل عليه ، يقول الله تعالى:" لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ " الزمر63
أما غير المؤمن بالله فإنه يعيش في شقاء وتعاسة لأنه يتخبط في ظلام الجهل والكفر وعدم الإيمان فلا مصدر يلجأ إليه ويتوكل عليه،وصدق الله العظيم:" :" وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ "الأنعام: من الآية125
الركن الثاني : الإيمان بالملائكة وهم من عالم الغيب لايمكن معرفتهم إلا عن طريق الرسل المبلغين عن الله سبحانه وتعالى لهم أعمال كلفهم الله بها، وعن طريقهم تصل رسالة السماء الجالبة للسعادة الحقيقية للأرض عن طريق الرسل، والمكلف بمهمة تبليغ الرسالات للرسل جبريل عليه السلام والرسل بدورهم يبلغونها للبشر، يقول الله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً " النساء136  
الركن الثالث : الإيمان بالكتب التي أنزلت من الله وهي المنهاج الذي يسير عليها المؤمن في حياته ويستسقي منها زاده الروحي المتمثل في الأعمال الصالحة والعبادات سواءً الروحية أو الفعلية، فعن طريق العمل بهذه الكتب يحصل الاستقرار الاجتماعي والأمن النفسي والاقتصادي والسياسي، يقول الله تعالى:" مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " النحل من الآية 97
حياة طيبة في جميع المجالات فالأعمال الصالحة هي الزاد والغذاء الروحي الجالب للسعادة والطارد للهم والحزن يقول الله تعالى:" مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "المائدة: من الآية69
ولقد كان لتوجيهات الإسلام التي تربي المسلم على مكارم الأخلاق الأثر الكبير في جلب السعادة له وإبعاده عن المنغصات التي يعيشها اللادينيين والكثير ممن لم تقدم له ديانته الاستقرار النفسي والأمن الروحي بسبب ما فيها من اضطراب وتناقض ، فمن هذه التوجيهات التي أمر بها المسلم :-
حب الله ورسوله فإن حب الله ورسوله دافع للمسلم للبذل في سبيل هذا الحب جميع ما يملك حتى لو كانت روحه التي بين جانبيه فهو في سعادة لايضاهيها سعادة ما دام يسعى لرضى محبوبه، ففي هذه الدنيا تجد المحب يبذل كل ما في وسعه لكسب رضاء محبوبه ويجد لذة وحلاوة في تحقيق رغباته وطلباته فما بالك إذا كانت هذه المحبة لله ذو الجلال والإكرام وصفات الكمال ورسوله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق خلقاً وخُلقاً ، يقول الله سبحانه وتعالى واصفاً حب المؤمنين الحقيقي له :" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ " البقرة165
ولقد كانت هذه المحبة واقعاً فعلياً يطبقها الصحابة رضي الله عنهم، فهذا الصحابي الجـليل خبيب بن عدي - رضي الله عنـه - عنـدمـا أسره المشركون، وقبل أن يقتلوه، سألوه: هل لك حاجة قبل أن تموت؟ فطلب منهم أن يمهلوه حتى يصلي ركعتين، فأمهلوه فصلى ركعتين - وكان أول من سن الركعتين قبل القتل، وبعد الصلاة قال: والله لولا أني خشيت أن تظنوا أني جزع من القتل، لأطلت الصلاة..فلما رفعوه ليصلبوه ويقطعوه، سألوه: أتحب أن محمدا مكانك وأنك بين أهلك؟ فقال: والله إني لا أحب أن يصاب محمد بشوكة بين أهله وأنا في مكاني هذا !!
وإن الشقي من قدم هواه ورغباته على محبة الله ومرضاته ، يقول الله تعالى:" قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " التوبة24
الحب في الله ورسوله، فإن من أحب في الله ولله بذل وأعطى وضحى فأصبحت المصالح مشتركة فيما بينهم لايجمعهم مطامع دنيوية تزول هذه المحبة بزوالها بل هي محبة باقية دائمة لطلب رضى الله فيشعر المسلم بالسعادة لمعرفته أن غيره يحبه لله وليس استغلال لتحقيق مصالح دنيويه، قال الله تعالى :" وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "الحشر9
ويقول صلى الله عليه وسلم :" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لايحبه إلا لله وأن يكره أن يعود للكفر كما يكره أن يلقى في النار "
بل إن تحقيق هذه المحبة من وسائل دفع العناء والمشقة يوم الفصل بين الناس ، يقول صلى الله عليه وسلم :" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" رواه البخاري
العبودية لله فالسعادة والعزة تكمن في كون المسلم عبداً لله وليس عبداً لشهواته ورغباته فيأطر نفسه على الحق أطراً فيتبع ما أمرالله به وينتهي عما نهى الله عنه،  فبعمله هذا يحس بالسعادة الحقيقية لأنه تغلب على النفس وشهواتها والشيطان وخطراته ووسوسته، فتعاليم الإسلام تجعل وقت المسلم وماله وجهده وحياته كلها لله فليس هناط وقت لصف الوقت في تفاكير وهموم لاطائل من ورائها، يقول الله تعالى :"قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " الأنعام162
والعبودية لله ليست خاصة للبشر فقط بل للخلق جميعاً بما فيهم الأنبياء والرسل والملائكة، يقول الله تعالى :" لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً " النساء172
 بل العالم كله ينطبق عليه الخضوع والعبوديه لله مما يدلل على عظمة هذا الخالق المستحق للعبادة، يقول الله تعالى :" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً " الإسراء44
فمن أعرض عن عبادة الله وتنكر لها فلن يجد إلا الشقاء والمعيشة النكدة لأنه بلا هدف يسعى لتحقيقه ولن يشعر بالسعادة التي يحس بها من حقق العبودية لله، يقول الله تعالى :" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" طـه:124.
فمن لم يكن عبداً لله فسيكون عبداً للشيطان ، يقول الله تعالى :" وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ " الزخرف:36.
وهذا الشيطان لن يقوده إلا إلى الشقاء والتعاسة كما توعد بذلك، يقول الله تعالى :" قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عبادك منهم المخلصين" الحجر39
إن عبادة لله سعادة داخلية لا يحس بها إلا من حقق العبودية لله اسمع إلى قول أحد المسلمين الذين شعروا بهذه السعادة نتيجة تحقيق العبودية لله : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.
ترسيخ مفهوم السعادة الحقيقية الأبدية في نفس المسلم فالسعادة الحقيقية الأبدية في الآخرة وليست في الدنيا لمن وفقه الله ودخل الجنة وهذا ما يجعل تطلعات المسلم علوية وليست دونية ،قال الله تعالى:" وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" هود:108.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :" الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر " رواه مسلم
وهنا قد يرد سؤال في الذهن فيقال كيف يكون هذا ونحن نشاهد كثير من الكفار يعيشون في ضنك من العيش وكثير من المسلمين يعيشون في رغد من العيش ؟ ولعلي أذكر هنا قصة ابن حجر العسقلاني  رحمه الله رئيس القضاة في مصر  وفيها رد عجيب على هذا التساؤل، فقد خرج يوما في أبهته وزينته فمر برجل يهودي في حالة رثة تدل على الفقر والحاجة، فقال اليهودي للقاضي : قف. فوقف ابن حجر. فقال له اليهودي: كيف تفسر قول رسولكم: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر " وها أنت تراني في حالة رثة وأنا كافر، وأنت في نعيم وأبهة مع أنك مؤمن؟! فقال ابن حجر: أنت مع تعاستك وبؤسك تعد في جنة، لما ينتظرك في الآخرة من عذاب أليم - إن مت كافرا - وأنا مع هذه الأبهة - إن أدخلني الله الجنة - فهذا النعيم الدنيوي يعد سجنا بالمقارنة مع النعيم الذي ينتظرني في الجنات، فقال: أكذلك؟ قال: نعم. فكانت هذه الكلمات سبباً في دخوله للإسلام .
وليهون الإسلام على المسلم أمر هذه الدنيا ويبين حقارتها ليبعد المسلم عن كل ما يكدره من مصائبها وأكدارها، أخبر صلى الله عليه وسلم عنها بقوله في الحديث الذي رواه سهل بن سعد فقال:   كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها فقال:" أترون هذه هينة على صاحبها فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة أبدا" رواه ابن ماجة
بيان أن الرسل والأنبياء وهم صفوة الخلق وأحبهم لله لم تصف لهم الدنيا ولم تخلوا حياتهم من المنغصات والمكدرات، فمنهم من قتل ومنهم من عذب وأوذي ومنهم من أخرج من بلده ومنهم من كذب ورمي بالسحر والجنون فإذا كان ذلك فغيرهم من البشر العاديين من باب أولى، يقول الله حكاية عن نوح عليه السلام :"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ "العنكبوت14
ويقول حكاية عن إبراهيم عليه السلام :" فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " العنكبوت24
ويقول الله تعالى حكاية عن موسى ، :"وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ " غافر26
ويقول الله تعالى حكاية عن شعيب :" قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ " الأعراف88
ويقول الله تعالى حكاية عن صالح ، :"قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ " هود62
ويقول الله تعالى حكاية عن لوط:" فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " النمل56
ويقول الله تعالى حكاية عن عيسى:" وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً " النساء157
ويقول حكاية عن خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم :" قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ " الأنعام33
تحديد الهدف الأسمى في حياة المسلم، حيث جعل الإسلام هدف المسلم في هذه الدنيا الوصول لرضي الله والجنة وهذا الهدف لايمكن تحقيقة إلا بعد الموت، فتجده في سعي دائم لا يعرف الكلل ولا الملل إلى أن يموت لأنه يعرف أن هدفه سيتحقق هناك فهو في شغل عن التفكير في هذه الدنيا ومشاكلها وأكدارها غير مكترث لما يفوت تحقيقه فيها ، منشغل فيما يقربه من الله والدار الآخرة أما غير المؤمنين فهم يطمعون إلى تحقيق أهداف دنيوية ويجدون نوعاً من السعادة في السعي لتحقيقها ، ولكن سعادتهم تنتهي بتحقيق أهدافهم والحصول عليها ثم ماذا بعد تحقيق الهدف؟  فمتى حصل الإنسان على هدفه بقي عنده فراغ يوقعه في قلق نفسي وعدم استقرار روحي لمن لا إيمان له ، وهذا النوع من الناس الذين لاهدف لهم إلا تحقيق شهواتهم والحصول على ملذاتهم الدنيوية من خلال إشباع بطونهم وفروجهم ذمهم الله تارك وتعالى فقال " إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ " محمد12
 وهؤلاء وإن تحصلوا على الشهادات وتفوقوا في مجال العلوم والتقنية فإن لم يقدهم هذا إلى معرفة الله وطاعته فلا خير ولا نفع في هذا كله ، يقول الله تعالى واصفاً حالهم:" أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً "الفرقان44
فلا تنظر إلى من هلك كيف هلك ولكن أنظر إلى من نجى كيف نجى ، يقول الله تعالى:" وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ " الأعراف179
وليس معنى هذا الكلام الزهد في الدنيا وترك السعي لطلب الرزق فيها بحيث يصبح المسلم عالة على الغير، فالله سبحانه وتعالى أمر عباده بالضرب في الأرض لكسب الرزق وجعله مطلباً شرعياً، يقول الله تعالى :" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ "الملك15
بل عد الإسلام السعي لطلب الدنيا إذا كان الهدف منه كف المرء نفسه ومن يعول عن الحاجة للناس وليبذله في سبيل الخير ليرفع درجته ومنزلته عند الله من الأمور المحمودة، يقول الله تعالى :" الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "البقرة262
إن المطلوب أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك ، يقول صلى الله عليه وسلم :"  اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله " رواه البخاري
بل إن الأماني للحصول على الدنيا يؤجر عليها العبد إذا كان هدفه البذل في طرق الخير وسبله، يقول صلى الله عليه وسلم :" إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواءً " رواه الترمذي
معرفة حقيقة الدنيا، فلقد بين الإسلام للمسلم أن هذه الدنيا متاع ، يقول  الله  تعالى :" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }آل عمران14
وبين له قصرها وقصر المكث فيها، يقول الله تعالى :" اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ "الحديد20
وبين له أنها محطة من محطات الوصول للهدف النهائي وهو الآخرة، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ابن الخطاب لما دخل عليه وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا ! فقال:" مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا الا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها" رواه أحمد
وبين له أنها دار أكدار وشقاء فإن صفت يوماً كدرت أياماً وإن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً  فصفائها الدائم أمر مستحيل  بل إن كدرها وتنغيصها أكثر ، فهي دار شقاء لمن لم يعرف حقيقتها وانخدع بها وركن إليها ، يقول الله تعالى :"لقد خلقنا الإنسان في كبد " البلد 4
فلا ينبغي للعبد أن يركن إليها كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم في وصيته لإبن عمر فقال :" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رواه البخاري
الملوك والخلفاء وهم من يعتقد أنهم في نعيم وسعادة اسمع ما يقوله عبد الرحمن الناصر من خلفاء بني أمية المشهورين  حكم أكثر من خمسين سنة وستة أشهر دانت له الرقاب والبلاد، كان مشهوراً بالعمران وتشييد المباني والقصور والمعالم والآثار،  وجد مكتوب بخط يده بعد موته : أن الأيام التي صفت لهذا الخليفة من دون تكدير هي يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، فحددت فوجدت أربعة عشر يوماً، فانظر لتعلم أن كلٌ في شقاء وكل في كبد ونكد !
 ولقد وصفها أحد الشعراء مبيناً أنها لاتدوم على حال وأن طبيعتها التقلب وعدم الإستقرار:
وهذه الدنيا لاتبقي على أحد **** ولا يدوم على حال لها شأن
هي الأمور كما شاهدتها دول **** من سره زمن سائته أزمان
ويقول التهامي في رثاء إبنه الذي توفي مبيناً حقيقة الدنيا :
جبلت على كدر وأنت تريدها      صفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها      متطلب في الماء جذوة نار

ويقول أحد الشعراء موضحاً أن ما تشكو أنت منه يشكو منه غيرك :
كل من تلقاه يشكو دهره ....ليت شعري هذه الدنيا لمن
فمتى عرف المسلم هذا زاده حرصاً على التزود للآخرة وعدم التعلق بالدنيا والركون لنعيمها الزائل فلا حزن على فوات شيء من ملذاتها أو جزع لحصول مصيبة من مصائبها، فكيف يأسى ويحزن  على نعيم أن لم يزل اليوم زال بالغد، يقول الله تعالى:"كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ " آل عمران 185
الأمر بمصاحبة الأخيار والبعد عن رفقاء السوء والأشرار فلا أحد ينكر ما للقرين على قرينه من الأثر وقد قيل في المثل ( الصاحب ساحب ) فصاحبك وقرينك إما أن يسحبك ويجرك للخير أو العكس يسحبك ويجرك للسعادة أو الشقاء، ولقد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح وجليس السوء بأروع مثل فقال صلى الله عليه وسلم " مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة"
فالجليس الصالح عون لك بعد الله في الوقوف معك وقت الشدائد والملمات وتسليتك عند همومك وغمومك وتفريج كربك عند حاجتك له مما يحسسك بالإطماءنان والراحة لوجود ركن تعتمد عليه لمواجهة مصاعب هذه الحياة بعد الله، بخلاف جليس السوء حيث يكون أول المتخلين عنك الخاذلين لك وقت الحاجة والملمات والشدائد مما يزيد بؤسك وتعاستك وشقاءك.
الأمر بترك المعاصي والبعد عن الآثام، فارتكاب الذنوب والآثام مما يجلب الشقاء للإنسان ويحول بينه وبين السعادة لكونه سينصرف عن عبادة الله إلى إتباع نفسه الأمارة بالسوء هواها والغالب أن النفس إن لم تردع بالحق انصرفت إلى الباطل، يقول الله تعالى :" كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ" المطففين14
ويقول صلى الله عليه وسلم:" إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه فإن زاد زادت فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه" كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " سنن ابن ماجة
وليبعد المسلم عن ارتكاب الذنوب والمعاصي بين صلى الله عليه وسلم شؤم المعصية عليه فقال:" إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا بالدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر " رواه ابن حبان
يقول سقراط: إن المجرم دائما أشقى من ضحيته، وإن من يكون مجرما ولم يعاقب على جرمه، يكون من أشقى الناس.أهـ  وذلك بإحساسه الداخلي الذي يؤنبه في جميع أوقاته بسبب ما ارتكب من جرم.
 ولقد كان هذا الإحساس متقداً في نفوس المسلمين الصادقين ، فهذا الصحابي عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار.
التفكر في من مضي من الأمم وأخذ العبرة والعظة من ذلك لمعرفة أن الدنيا مهما طالت بأهلها ومهما بلغ بأهلها التقدم والرقي والإزدهار فإن مصير ذلك إلى زوال أو دمار أو هلاك يصيبهم بسبب ذنوبهم وظلمهم فلا تحزن، قال الله تعالى :" أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ "الأنعام6
ويقول الله تعالى :" أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " الروم9
ويقول الله تعالى :" وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ "العنكبوت38
ويقول الله تعالى :" وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ " القصص58
  فإذا عرف المسلم أن كل هذه الدنيا إلى زوال رضي وسلم فأراح واستراح، يقول الله تعالى :" وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال" إبراهيم44-45
النظر لمن هو في الدون في أمور الدنيا، فإن الإنسان يعيش في نعم وخير يتقلب فيها ولا يحس بها ولكن يعرفها ويراها من فقدها، فإن كان عندك مالاً وأنت في حاجة لأكثر فهناك من لايملك وإن كنت مريضاً وتستطيع التحرك فهناك المريض الذي لايستطيع التحرك وإن كان لك ولد واحد وتريد المزيد فهناك من يتمنى أن يدفع ماله كله ويسمع كلمة (بابا)، يقول صلى الله عليه وسلم " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" متفق عليه
فإذا نظرت إلى من هو دونك في أمور الدنيا اطمأننت وعرفت فضل الله عليك وأن هناك من يتمنى ما أنت فيه، يونس ابن عبيد جاءه رجل يشكو ضيق حاله ، فقال له يونس : أيسرك ببصرك هذا مائة ألف درهم ؟ قال الرجل : لا !، قال : فبيدك مائة ألف؟، قال : لا !، قال : فبرجلك مائة ألف ؟، قال : لا !، ثم ذكر نعم الله عليه وقال : أرى عنك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة !!!.
أما في أمور الآخرة فانظر إلى من هو أعلى منك، لتدرك تقصيرك وتفريطك، وذلك لكون الجنة طبقات ودرجات فلا تقنع إلا بالفردوس الأعلى من الجنة .
القناعة وهي غنى القلب ورضاه بقضاء الله وكف نفسه عما في أيدي الناس والتسليم لإرادة الله، والتوجيهات القرآنية و النبوية لها الأثر الكبير في غرس القناعة في صدور المسلمين وما ذلك إلا ليعيشوا حياة هانئة مطمئنة مستقرة بعيدة عن الغل والحسد والتباغظ الناتج عن عدم القناعة والرضا بما قسم الله للعبد ، وهذا مشاهد فالقنوع أهنأ الناس بالاً وأطيبهم عيشاً يقول الله تعالى :" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه " طه 131
ويقول صلى الله عليه وسلم :" قد أفلح من اسلم وكان رزقه كفافاً وقنعه الله بما آتاه " رواه مسلم
ولكون حب الدنيا والتزود منها من طباع البشر كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :" لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب " صحيح البخاري
كان للتوجية النبوي أثر كبير على المسلم بالتقليل من حب الدنيا والقناعة منها باليسير  فقال صلى الله عليه وسلم:" من أصبح منكم آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " رواه الترمذي
ولو تفكر الإنسان لوجد أن هذا كل ما يحتاجة المرء في يومه أما غده فعلمه لله فأنت لاتعلم هل تعيش للغد أم لا مالك الذي في حسابك لاتدري هل يبقى للغد أم لا إحتمالات كثيرة، يقول الله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " لقمان34
التسليم لأمر لله والتوكل عليه فهو المتصرف في خلقه المعطي لمن يشاء المانع لما يشاء المعز لمن يشاء المذل لمن يشاء مقسم الأرزاق وباعثها، يقول الله تعالى:" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "آل عمران26
فإذا علم الإنسان أن الأرزاق مقدرة ومقسومة والمرء في بطن أمه كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :" إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يُرْسِل إليه الملك فينخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : رزقه، وأجله ، وعمله ، وهل هو شقيٌ أو سعيد ، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع  فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها ،  وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار  حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع  فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الحنة فيدخلها "رواه البخاري
وأن كل إنسان سيأخذ ما كتبه الله له من هذه الدنيا سواءً من الرزق أو الحياة اطمأن ورضي ، يقول صلى الله عليه وسلم :"  نفث روح القدس في روعي أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ولا يحملنكم إستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته"
الرضاء بما قسم الله وعدم التسخط حتى لوكان في أمور يعتقد أنها غير مرغوبة يقول الله تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً" النساء19
فلربما كان الخير فيما كرهت والشر فيما أحببت وأنت لاتعلم ، يقول الله تعالى :" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "البقرة216
معرفة حقيقة التفاضل والتفاوت بين البشر في جميع أمورهم ، فالتفاوت من سنن الله في هذا الكون التي ليس للإنسان القدرة على تغييرها فمتى عرف المسلم بهذا التفاوت بين الناس لحكمة يعلمها الله رضي واطمئن وخلت نفسه من الحسد والحقد على من فضل عليه، يقول الله تعالى :"وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ " النحل71
       يقول الله تعالى"انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً " الإسراء21
عدم تمني ما مع الغير والنظر لما في أيديهم إذا كان الهدف من هذا التمنى الدنيا، يقول الله تعالى :" قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" سبأ39
ولما كان التمني من معوقات القناعة جاء التوجيه للمسلمين بالكف عن تمني ما مع الغير ليعيش المسلم هانيء البال فقال الله تعالى :" وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً " النساء32
فبدل أن يكون هم المسلم التمني والنظر إلى ما مع الغير والانسياق وراء رغبات النفس جاء التوجيه للمسلم بالنظر لنفسه ومحاسبتها وترك ما سواها، يقول صلى الله عليه وسلم :" الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله " رواه الترمذي
التحذير من الحسد والغيرة والحقد والغل: وهذه أدواء خطيرة على الإنسان طاردة للسعادة جالبة للشقاوة، فمن لم يقنع بما قسم الله له امتدت عينه إلى ما أنعم الله به على غيره فجره للحسد الذي يجر للحقد والغل الدافع للانتقام  والحاسد والحاقد يهلك نفسه ويشقيها قبل محسوده، قال الله تعالى :" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً " النساء54
ولقد كان الكبر الناتج عن الحسد أول ذنب عصي الله به، يقول الله تعالى حكاية عن إبليس عندما خلق الله آدم وأمر ملائكته بالسجود له فاستكبر ابليس ورفض السجود حسداً :" قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً" الإسراء62
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم موجها أمته لإجتناب هذه الأدواء الخطيرة المانعة للسعادة :" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه  " رواه مسلم
وليعالج الإسلام هذه الأدواء الخطيرة ويروض المسلم على  حب الخير للغير جاء التوجيه القرآني الكريم للمسلم بطلب تمني الخير لأخوانه، ويقول الله تعالى :" وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ "الحشر10
وليجعل هذا التمنى بالخير لإخوانه نابع من قلب صادق جعل للداعي نصيباً من دعائه لهم ، يقول صلى الله عليه وسلم :" من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل " رواه مسلم
ترك الكبر والتعالي على الناس، فالمتكبر غير سعيد لكون الناس يحتقرونه لما يرون منه من تغطرس وتعالي عليهم وغمط لحقوقهم فهو يكره الناس والناس يكرهونه فما ضنك بعيشة من هذه حاله، يقول الله تعالى:" الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ"غافر35
ويقول صلى الله عليه وسلم :" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " فقال رجل : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسناً ، قال :" إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس "رواه مسلم
النهي عن البخل وذمه لأنه مذهب للسعادة جالب للشقاء وذلك لكون البخيل في قلق وهم للحفاظ على ماله والخوف عليه وحرصه الزائد عليه الذي يمنعه من التمتع به وصرفه في أو جه الخير، يقول الله تعالى :"وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" آل عمران180
والبخيل في عزلة من الناس نظراً لكرههم له وعدم قبولهم لتصرفاته وكرهه للناس ايضاً لظنه أن الناس سيأخذون مالديه، يقول صلى الله عليه وسلم:"السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله عز وجل من عابد بخيل " رواه الترمذي
وليحث الإسلام المسلم على الإنفاق وعدم البخل بين أن البخل وتكديس المال وعدم إنفاقه الإنفاق المشروع مذهب للثروات ، يقول صلى الله عليه وسلم :" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطي ممسكاً تلفاً" رواه البخاري
ولقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يلحق بالمجتمع من عواقب وخيمة تجر للشقاء والبؤس عندما يستشري في أهله داء البخل والشح، فقال صلى الله عليه وسلم :" أتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح ، فإنه أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم " رواه مسلم
وليكره الإسلام هذه الصفة الذميمة في نفس المسلم جعلها من الصفات المنقصة في إيمان المتصف بها ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا"  سنن النسائي
الأمر باالصبر مع الرضا وعدم الجزع والتسخط على جميع ما يحصل للمسلم والصبر ضرورة حياتية قبل أن يكون فريضة دينية فالآمال لاتتحقق إلا بالصبر :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" آل عمران200
ولكون هذه االدنيا دار ابتلا وإمتحان كان الصبر من ضروريات هذه الحياة كما بين ذلك ربنا تبارك وتعالى بقوله :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " البقرة155
وحث مع الصبر على الغفران والعفو عمن أخطأ في حقك وأساء إليك وذلك لتصفى النفوس من الشحناء والبعضاء، يقول الله تعالى :" وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ "الشورى43
ليكون الصبر مطلباً لكل مسلم يسعى جاهداً للتحلي به أوجب الله سبحانه وتعالى محبته للصابرين، يقول الله تعالى :"وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
ووعد الله من اتصف بهذه الصفة بالثواب الكثير الغير منقطع يقول الله تعالى :" إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ "
ويقول صلى الله عليه وسلم :" وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر" رواه البخاري ومسلم
ولقد بين الإسلام أن بعد الصبر على الضيق الفرج وبعد الصبر على الحزن الفرح فدوام الحال من المحال يقول الله تعالى :" إن مع العسر يسرا "
يقول أحد الشعراء واصفاً حاله مع الشدة:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ***** فرجت وكنت أظنها لاتفرج
والصبر ثلاثة أنواع :
الأول : صبر على طاعات الله وأوامره ، يقول الله تعالى :" سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ "الرعد24
الثاني : صبر عن الشهوات والملذات المحرمة، يقول الله تعالى :" وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً " الكهف28
الثالث : صبر على أقدار الله، يقول تعالى :" مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " التغابن11
وأرشد الإسلام المسلم للصبرعلى قضاء الله وقدره بأن يقول ما بينه له رسوله صلى الله عليه وسلم ليبتعد به عن التسخط والجزع وفتح الباب أمام التحسر والندم:" ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها " رواه أحمد
ترك الغضب وعدم الانفعال، وذلك لكون الغضب قد يقود إلى نتائج لا تحمد عقباها يصبح المرء نادماً عليها  طوال حياته فتحجب عنه السعادة وتوقعه في التعاسة، يقول الله تعالى ممتدحاً من يتصف بهذه الصفة:" وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ " الشورى37 .
 فمن استطاع أن يملك غضبه فهو أقدر على تحمل مصاعب الحياة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " ليس الشديد بالصرعة إنمـا الشديد من يملك نفسه عند الغضب " متفق عليه.
فالإنسان الذي يملك نفسه ويتحكم بها يحس بسعادته لكونه حقق إنتصار على ذاته التي قد تقوده إلى عمل متهور لاتحمد عقباه.
الحث على العفو عن الإساءة وهذا العمل مما يحبب النفوس بعضها لبعض ويذهب الأحقاد والأضغان ، يقول الله تعالى :"الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "آل عمران134
بل أمر بما هو أعلى من هذا كله وهي مقابلة الإساءة بالإحسان ليحقق أعلى درجات الانتصار على النفس فتتطهر النفوس من درن البغضاء فتعم السعادة والإخاء، يقول اله تعالى :"وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " فصلت34
الأمر بالفأل وعدم التشاؤم والتطير، يقول صلى الله عليه وسلم :"لا طيرة وخيرها الفأل" قال: وما الفأل يا رسول الله؟ قال:" الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" رواه البخاري
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة المسلمين يعجبه الفأل، ويكره التشاؤم. كما روى ذلك البخاري
النهي عن سوء الظن وعن التجسس ، فإن من أساء الظن بالناس عاش في قلق وهم وعدم استقرار لخوفه وترقبه الإساءة من كل أحد، ومن تجسس عليهم أصبح مكروهاً ومنبوذاً منهم ، يقول الله سبحانه وتعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ "الحجرات 12-13.
ويقول صلى الله عليه وسلم :"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يخطبن الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ولا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بينها وخالتها ولا تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه فما تصدقت به مما يكسب عليها فإن له نصف أجرة ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ إناء صاحبتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها" رواه البيهقي
وأمر المسلم بحمل تصرفات أخيه على محمل الخير ليطهر القلوب من الضغائن، :" ....وهو يجد لها مخرجاً
النظر في الحاضر وترك التفكير في المستقبل ونسيان الماضي ، يقول الله تعالى :" أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ "الزمر58- 56
يقول أحد الأدباء القداما :ما فات مات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها.، وما ذلك إلا أن التفكير في الماضي لن يرد ما فات والتفكير المستقبل يعيقك عن العمل في الحاضر فركز على ما أنت فيه.
الحث على العطاء والبذل فإن السعادة في العطاء وليس الأخذ واسأل نفسك بعد عمل طيب تقوم به من إطعام جائع أو كسوة عاري أو تفريج كربة...ألخ من أعمال الخير  يانفس بماذا تحسين ؟، يقول الله تعالى :"وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "النور22
ولكن حذر الإسلام المسلم أن لايتبع هذا العطاء والبذل بالمن لأنه يحبط الأجر ويذهب السعادة وذلك ليكون المُعطى قرير العين ، يقول الله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ " البقرة264
فإن لم يكن لديك ماتنفق وتبذل فعليك بلين الكلام وطلاقة الوجه فهو خير من بذل ونفقة يتبعها منٌ وأذى، يقول الله تعالى :" قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ " البقرة263
        فالمسلم ينبغي أن يكون في جميع أموره معطاء بناءً على توجيهات دينه التي تأمره :-
ببذل الحب للغير الذي يدفعه لفعل كل ما يحبونه من قول أو فعل والبعد عن كل ما يؤذيهم من الأقوال والأفعال المنضبطة بضوابط الشرع، يقول الله تعالى :"وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"الحشر9
ويقول صلى الله عليه وسلم :" يا يزيد بن أسد أتحب الجنة؟" قلت: نعم قال:" فأحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك " المستدرك على الصحيحين

بذل النصيحة للناس وذلك بدلا لتهم على الخير وتحذيرهم من الشر ليعيشوا في سعادة، يقول الله تعالى:" وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " آل عمران104
ويقول صلى الله عليه وسلم :" ألا إن الدين النصيحة ألا إن الدين النصيحة ألا إن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه ابن حبان
بذل المال للمحتاجين والعطاء في أوجه الخير، يقول الله تعالى :" وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ "الرعد22
بذل الجاه بالشفاعة الحسنة للناس لقضاء حوائجهم، يقول الله تعالى :" مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً "النساء85
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال:" اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء " صحيح البخاري
بذل الإحسان والمعروف إلى الناس بشتى صوره،  يقول صلى الله عليه وسلم :" أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في المسجد شهراً ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيضاً ولوشاء أن يمضيه أمضاه ملاء الله قلبه رضاً يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته  حتى يثبتها له  أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام ، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل " رواه الطبراني وأبو الدنيا وصححه الألباني صحيح الجامع
وهو في سبيل حب الخير للغير في سعي حثيث لتبليغ رسالة الإسلام للغير ليجدوا السعادة التي يجدها ويحسوا بالراحة التي يشعر بها ولينقذهم من الكفر الذي يقودهم إلى النار ، فهذا أحد الصحابة رضي الله عنه يقول لرستم ملك الروم عندما سأله عن سبب مقدمهم إلى بلاده قال: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، يقول الله تعالى :" وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله" الأنفال 39
والعطاء ليس مقتصراً على المسلم فقط فالدنيا للمسلم وسيلة لتحقيق هدف وليست هدفاً في حد ذاتها، يقول أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه قال فأتاه رجل فسأله فأمر له بشياء كثيرة بين جبلين من شياء الصدقة قال فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة. صحيح ابن خزيمة
ويقول صلى الله عليه وسلم :" المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان"  صحيح مسلم

الركن الرابع : الإيمان برسل الله، فهم القدوة التي يحتذى بها والمثل الذي يقتدى به فلا يمكن معرفة الله والوصول للسعادة الحقيقية إلا عن طريقهم يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد الجزء 5صفحه7 : فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم ، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل وما يُظن من حصول صحة القلب بدون إتباعهم فغلط ممن يظن ذلك، وإنما ذلك حياة نفس البهيمة الشهوانية، وصحتها وقوتها ، وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل، ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات أهـ

الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر فمتى آمن الإنسان باليوم الآخر والبعث والجزاء والحساب إطمأنت نفسه وسكنت روحه ليقينه بأن ما أخذ منه في هذه الدنيا سيرد عليه في الآخرة وأن من ظلمه أوإعتدى عليه سيقتص له منه ولكن ليس بأمور مادية ولكن بالحسنات والسيئات حيث الحياة الحقيقية يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه “ أتدرون من المفلس ؟! قالوا : المفلس فينا من لادرهم له ولامتاع، فقال صلى الله عليه وسلم: " المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وزكاة، وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ماعليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار "
ولتعلم عدل الله سبحانه وتعالى فليس القضاء للبشر فقط بل على جميع المخلوقات،يقول صلى الله عليه وسلم :"لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها" رواه ابن حبان
ومتى آمن باليوم الآخر عرف أن ما فاته في هذه الدنيا من صحة أو مال وسعة رزق سيحصل على مالا يخطر على باله من النعيم إن دخل الجنة، يقول الله تعالى عن نعيمهم فيها:" فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " السجدة17
ويقول صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى:" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤوا إن شئتم " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " رواه البخاري
وليهون على المسلم مصائبه وما قد يلاقيه في هذه الدنيا من أكدار ومنغصات بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا كله سينسى بدخول الجنة ، يقول صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا بن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط" رواه مسلم
فمتى عرف المسلم هذا هانت عليه الدنيا وكان أبعد ما يكون من التعرض لغيره بالأذى أو أكل حقوقهم بل قد يترك ما اشتبه عليه مخافة الوقع في المحذور، ويكون هذا الإيمان دافعاً لأن يكون في سعي مستمر للنجاة في ذلك اليوم والحرص على عدم ظلم غيره.
الركن السادس : الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره وهو العلم أن ما أصاب لم يكن ليخطئي وما أخطأ لم يكن ليصيب، فمن آمن بالله لزمه أن يؤمن بقضائه وقدره ويرضى بما قسمه له، يقول الله تعالى :" ما أصاب من مصيبة في الأرض ولافي أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها  إن ذلك على الله يسير لكي لاتأسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم والله لايحب كل مختال فخور "  الحديد 22-23
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا واعلم أن مع الصبر النصر واعلم أن مع الكرب الفرج واعلم أن مع العسر اليسر " المستدرك على الصحيحين
فالإيمان بالقضاء والقدر يورث بعد تعاطي الأسباب الرضاء الموصل للراحة النفسية والإطمأنان القلبي الموصل إلى السرور وعدم الحزن، يقول صلى الله عليه وسلم :" المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم
 أي لا تتحسر على ما فات وانظر إلى الأمام واترك النظر للخلف  فلو تأملت كثيراً من الأمراض المنتشرة بين الناس في عصرنا الحاضر لوجدت أن الغالب منها نتيجة الهم والحزن الناتج عن فقد موجود أوعدم حصول مطلوب فبالإيمان الصادق بالقضاء والقدر تتغلب على جميع أحزانك وهمومك وغمومك بإذن الله وذلك بجعلك كما قلنا تتطلع إلى المستقبل والعمل من أجله وترك الماضي ونسيانه والتحسر عليه  .
فإذا تطلعنا إلى واقع الإنسان وجدنا أن قلقه وخوفه من أمور عالجها الإسلام فهو إما :-
1. الخوف على الرزق وهو ما يقوم عليه حياة الإنسان وبدونه يموت من المأكل أو المشرب ،يقول الله تعالى :" وفي السماء رزقكم وما توعدون "
وصدق الله العظيم ففي السماء رزق الناس وذلك بما يسقط من الأمطار التي بنزولها يعيش الناس فتنبت الزرع ويشرب الناس ، وفي السماء مايوعدون من الحياة الأبدية في جنة أو نار ، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالرزق لجميع المخلوقات بما فيها الإنسان ، يقول الله تعالى :" وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين "
ومهما يبلغ بالمخلوق الضعف فرزقه المقسوم له مساق له ويقول الله تعالى :" وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "العنكبوت60
ولكنه تكفل لمن سعى في طلبه وعمل على تحصيله يقول الله تعالى مخاطباً مريم عليها السلام وهي في أشد الحاجة وأضعف حالة وهي حالة المخاض والولادة ، :" فهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً "
فلم يبعث ربنا تبارك وتعالى لها رزقها ويطلب منها أن تأخذه بل طلب منها فعل السبب الذي يحقق لها رزقها بأن تهز النخلة التي بجانبها لتسقط عليه رطباً جنياً .
بل حتى الطيور والحيوانات العجماوات وغيرها من المخلوقات لم تمكث في أو كارها بل هيأ الله لها أسباب طلب الرزق فهي في سعي دائم للكسب والعيش ، يقول صلى الله عليه وسلم :"لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " رواه ابن ماجه
فرسول الله صلى الله عليه وسلم بين أنها تغدوا أي تذهب في طلب الرزق وهي جائعة وتروح بطاناً تعود لأوكارها وأعشاشها وقد ملئت بطونها وحصلت على رزقها .
فالقضية ليست قضية تواكل كما قد يتبادر لمن يعرف حقيقة هذا الإيمان بل سعي وطلب حثيث وعمل بالأسباب والإسلام لم يدعو للقعود عن العمل اتكالاً على الله بل طلب العمل ثم الاتكال على الله، يقول صلى الله عليه وسلم :" لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه  " رواه البخاري
 فلا بد في جميع الأمورك من عمل السبب ثم الاتكال على الله إذ لوكان الأمر توكل بغير فعل الأسباب لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله: أرسل ناقتي وأتوكل ؟. قال:" اعقلها وتوكل" صحيح ابن حبان
فأنت اسعى وأطلب وتحصل على ماقدر الله لك ومما يدلل على ذلك أن الرزق ليس بالقوة أو العلم والشطارة أنك تجد كثيراً ممن معهم الشهادات العالية والإمكانيات يعملون لدى أناس دونهم في التحصيل العلمي والمهارات .
فأرزاق المخلوقات بيد الله تعالى وليست بيد غيره فلا تخف وكن مطمأناً على رزقك ، يقول الله تعالى :"قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً "الإسراء100
2. الخوف من المكدرات كالأمراض والمصائب...ألخ  كل إنسان يخاف الأمراض ويخشى المصائب  فمهما بلغ بالإنسان الهم والحزن والأسى فلن يغير من الأمر شيئاً بل قد يزيد الأمر سواءً والمرض إستفحالاً ، يقول الله تعالى :"وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " يونس107
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" رواه مسلم
ولقد كانت توجيهاته صلى الله عليه وسلم للمسلمين على تقبل المصائب ومعالجتها واضحاً ، فيقول صلى الله عليه وسلم لابنته التي أرسلت إليه تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت فقال للرسول:" ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب " فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه فقال: له سعد ما هذا يا رسول الله قال:" هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" صحيح مسلم
والصبر مطلوب بعد تعاطي الأسباب فمن مرض فليبحث عن مصادر العلاج ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا وقد انزل له شفاء إلا السام والهرم" رواه ابن حبان
فكل داء في هذا العالم له دواء كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" إن الله لم ينزل داء إلا نزل معه دواء جهله من جهله وعلمه من علمه " رواه ابن حبان
3. الخوف من الموت، هو حقيقة وأمر واقع كما أننا متيقنون أن بعد الليل نهار وبعد النهار ليل ، يقول الله تعالى :" كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والأكرام "
فلا مهرب منه ولاملاذ لأنك تهرب منه إليه، يقول الله تعالى:" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم "
وما ينبغي عليك التفكير فيه ما بعد الموت وليس الموت نفسه لأن التفكير في ذات الموت بحث فيما لاطائل ولانتيجة مرجوة من ورائه وعائق من عوائق العمل والتحصيل وجالب للهم والغم طارد للسعادة، فهو أجل محتوم ووقت معلوم ، يقول الله تعالى :" فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولايستقدمون "
إن من يخاف من الموت ضعيف الإيمان أو معدومه بالكلية فإن من مقتضيات الإيمان بالموت لدى المسلم الإيمان بالبعث والنشور والحساب والسعادة أو الشقاء فمن آمن بهذا اطمأن واستعد بعمل الصالحات فصلح وأصلح مجتمعه وعمل الخير لنفسه ولغيره، فلم يتحسر على مافاته أو حصل له من ظلم أو هظم لحقوقه فالمصيرإلى زوال يعقبه حساب.
بعد هذا العرض لو سألتني هل أنت مقتنع بالإسلام ؟ لقلت لك بكل صراحة  ومباشره ودون تردد نعم  هل تعرف لماذا ؟ لأني أجد فيه الإجابة لجميع التساؤلات التي تخطر على بالي ولا أجد فيه ما يصادم العقل والمنطق السليم كما أجد فيه الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي المتمثل في الإيمان بالله وفعل أوامره واجتناب نواهيه ، والترابط الاجتماعي وحفظ حقوقي وحقوق غيري والدعوة لمكارم الأخلاق ومحاسنها ونبذ سيء الأخلاق وسفاسفها التي حفظها لي الإسلام فهو بهذا حفظني وحفظ غيري وهذا كله يحقق لي السعادة التي ينشدها كل إنسان في هذا العالم  ويسعى لتحصيلها ويبذل كل ما في وسعه لتحقيقها إسأل نفسك هل حقق لك معتقدك الذي تعتقده ما سبق ؟ إن لم يحقق لك كل هذا فهو معتقد باطل وإن حقق لك جزء من هذا فهو معتقد ناقص وما دام ناقص فالبحث عن البديل الكامل مطلوب فكل منا يبحث عن الأفضل.
هل تدري ماهو الدين الكامل ؟ إنه دين الإسلام وهاهو ماد ذراعيه لك يقول هلم إلي تجد جميع ما تصبوا إليه، قد تقول إنسان متعصب يدعو لدينه ومن حقك أن تقول هذا ! ولكن لو قلت لك لست أنا وحدي من يقول هذا بل قاله غيري من المفكرين المنصفين من غير المسلمين الذين ينظرون للأمور نظرة واقعية ويحكمون على الأشياء بتجرد مثل جاك . س . ريسلر ( J. S. Restler )  حيث يقول في مقدمة كتابه الحضارة العربية : ...إن اسم الإسلام يمكن أن يؤخذ على ثلاث معان مختلفة : المعنى الأول دين ، المعنى الثاني دولة ، والمعنى الثالث ثقافة ، وبالاختصار حضارة فريدة .
بل  شهد له من يناصبه العداء بأنه الدين الحق الكامل وقد قيل في المثل :والحق ما شهدت به الأعداء، يقول Margoliouth  والذي عرف بتحامله على الإسلام وعدائه له ولكن عظمة القرآن لم تمنعه من قول الحقيقة فقال :  إن مما اتفقت عليه كلمة الباحثين أن القرآن يحتل مكانة ممتازة في الصحف الدينية العظيمة ، بالرغم من أنه أحدث سناً في هذه الصحف - يعني آخرها نزولاً - التي صنعت التاريخ ، ولكنه يسبق الجميع في التأثير المثير للحيرة على الإنسان ، إنه أوجد فكراً إنسانياً جديداً ، وأرسى قواعد مدرسة أخلاقية متميزةأهـ
إذا لماذا تعاديه أو لنكن صرحاء لماذا لا تعتنقه ؟ ألانه يدعو لتوحيد الله ؟ أم لأنة يدعو لتعبيد الناس لله وليس للبشر؟ أم لأنه يدعو إلى مكارم الأخلاق ؟ أم لأنه يدعو إلى العدل ونبذ الظلم ؟  أم لأنه يضع الناس جميعاً سواسية أمام الله ؟ أم لأنه يضمن حقوق جميع البشر بغض النظر عن معتقداتهم وأجناسهم وألوانهم ...ألخ ؟
كلام قد يكون له الأثر في تحويل معتقدك فخلال ألأربعة عشر قرناً من الزمان الماضية منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا وهو في ازدياد وكل من قرأه بتمعن وبعيداً عن الأهواء الشخصية والتعصبات الدينية أقتنع به وإن لم يدخله على أقل تقدير لم يناصبه العداء مع كثرة الضغوط على أتباعه سواءً من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية – أنظر في واقعنا الآن - ومع ذلك فهم متمسكون به وبتعاليمه تريد ضرب مثل بسيط خذ على سبيل المثال الإتحاد السوفييتي السابق عمل ما عمل من الاضطهاد للمسلمين على مدار سبعين سنة دمر مساجدهم وغير أسمائهم ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية وبعد سقوطه ظهرت دول من دول الإتحاد السوفييتي مسلمة وليس أفراد مما  يدلل على أن جذوة الإسلام وإن خبت في الظاهر فإنها متقدة في الداخل ،  فماذا يدل هذا عليه؟  ألا يدل على قناعات بأنه الدين الصحيح الذي وجدوا فيه سعادتهم وتعلقت به قلوبهم .
إن الإنسان المنصف الباحث عن الحق والحقيقة عندما يقرأ عن الإسلام لن يجد في تعاليمه إلا كل ما يدعو إلى الفضيلة ومكارم الإخلاق والنهي عن ضدهما إن كثراً من غير المسلمين الذين لم يجدوا فيما يعتنقون من ديانات ما يشفي غليلهم ويجلب السعادة لهم جربوا كل شيء إلا الإسلام ولست أدري لماذا لا يجرب فلعلهم يجدوا فيه بغيتهم ومطلبهم وما يحقق لهم السعادة، وبما أن القضية مصيرية فينبغي لها اتخاذ قرار جرئ مبني على التجرد التام من جميع المؤثرات على اتخاذ القرار فالموضوع لايحتمل الخطأ فهو إما أن يقودك إلى النعيم والسعادة الأبدية أو نعوذ بالله إلى الشقاء والعذاب الأبدي ، اسأل نفسك لماذا الإسلام وحده يعادى لماذا يحارب هو بالذات عن سائر الأديان وقديماً قيل الإنسان عدو ما يجهل فلا تكن جاهلاً بل تعلم وعلم لكي لايبقى بيننا جهال ، إنها البداية طوع نفسك على قبول الحق والاستماع للطرف الآخر وليكن استماعك له لتعرف الحق ، أكثر من دعاء الله أن يهديك الطريق الصحيح الموصل للدين الحق الذي يحقق لك السعادة الحقيقية فمتى علم الله منك الصدق لمعرفة الحق فلن يخذلك لأنه القائل :" وقال ربكم ادعوني أستجب إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " غافر60
لماذا كثير من العلماء والأدباء والمفكرين الغربيين من غير المسلمين لما قرأ عن الإسلام بتجرد دخلوا الإسلام واعتنقوه؟ أقول لك لماذا لأنهم عرفوا عظمة الإسلام بعد ما درسوه بأنفسهم ولم يبنوا حكمهم عليه من خلال أحكام مسبقة قررها غيرهم، ووجدوا فيه ضالتهم وما حقق لهم السعادة الروحية أمثال : ليوبولد فايس ، إيتان دينية، اللورد هبدلي ، رينيه جينو، الدكتور جرينييه وغيرهم كثير.
 ومن هؤلاء المفكرين من قرأ عن الإسلام ولكنه بقي على دينه ولم تمنعه موضوعيته من قول الحق والإقرار بجمال الإسلام وكماله أمثال الدكتورة لورافيشيا فاغليري والدكتور زغرد هونكه والأديب جوته الألماني وتوماس كارليل وبودلي وتولوستوي ولامرتين شاعر فرنسا وبرنارد شو الذي قال : إن محمد يجب أن يدعى منقذ الإنسانية إنني أعتقد أنه لو تولى رجل مثله زعامة العالم الحديث لنجح في حل مشاكله بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة . وغيرهم كثير.
ولكنها مشيئة الله وقدرته قال الله تعالى :" إنك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء "
وليست هذه الآية عذراً لأن يقال بسبق القدر على الإنسان بل لابد أن يسعى ويعمل ، يقول على بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال:" ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة "قال: فقال رجل يا رسول الله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال:" من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال: اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ :" فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى" رواه مسلم
بل إن كثيراً من المستشرقين الذين درسوا الإٍسلام بهدف محاربته والقضاء عليه لم يتمالكوا أنفسهم أمام جماله ونقاءه وعقليته ومنطقيته وفطرته إلا أن يعتنقوه ، وتقول ديبورا بوتر ( D . Potter  )   : … الإسلام الذي هو قانون الله ، نجده واضحاً في الطبيعة من حولنا ، فبأمر الله وحده تسير الجبال والبحار والكواكب والنجوم وتهتدي في مساراتها ، فهي خاضعة لأمر الله خالقها كما تخضع الشخصيات في رواة من الروايات ولله المثل الأعلى ، فهي لاتنطق ولاتفعل إلامايقرره الكاتب ، وهكذا فكل ذرة في هذا الكون – حتى الجماد منه – هو أيضاً مسلم ، ولكن الإنسان مستثنى من هذه القاعدة فقد منحه الله حرية الاختيار فله أن يستسلم لأمر الله ، أو أن يضع قانونه لنفسه ويسير على دينه الذي يرتضيه ، وقد اختار مع الأسف الطريق الثاني في معظم الأحوال …. إن الناس في أوربا وأمريكا يقبلون على اعتناق الإسلام بأعداد كبيرة لأنهم متعطشون للراحة النفسية والإطمئنان الروحي بل إن عدداً من المستشرقين والمبشرين من النصارى الذين بدأوا حملتهم مصممين على القضاء على الإسلام وإظهار عيوبه المزعومة ، أصبحوا هم أنفسهم مسلمين ، وما ذلك إلا لأن الحق حجته دامغة لا سبيل إلى إنكارها .أهـ
فلنتفق أن جميع الأديان غير الإسلام والنصرانية قبل تحريفها واليهودية قبل تحريفها وهي الديانات السماوية الثلاثة فيها كثير مما يمجه العقل وتأباه الفطر السليمة ويرده الإنسان العادي فما بالك بالمثقف والعالم ، إن التوراة ورسولها موسى عليه السلام هي أقدم الأديان ثم جاءت بعدها النصرانية ورسولها عيسى عليه السلام فعيسى صلى الله عليه وسلم مكمل لدين موسى صلى الله عليه وسلم ومحمد صلى الله عليه وسلم مكمل لدين عيسى صلى الله عليه وسلم  وبمحمد صلى الله عليه وسلم  ختم الأنبياء والرسل عليهم صلواة الله وسلامه ، فبهذا يكون الإسلام ثمرة الأديان كلها وتمامها التي يجب على كل إنسان أن يجنيها ويأخذها.
شبهة عن الإسلام :
لاتقل لي لوكان الإسلام جيداً لتمسك به المسلمين أنفسهم قد تقول هذا الكلام نتيجة تجربة شخصيه سيئة مع إثنين أو ثلاثة أو ألف ولكن هل خضت التجربة نفسها التي أعطتك هذا الانطباع مع بقية المليار ؟ حكمت على الإسلام من خلال حكمك على فئة قليلة، الإسلام نظام وكل نظام فيه من يطبقه لمعرفته بالنتائج الحسنة له وفيه من يخالفه ولكنه سيلقى نتيجة مخالفته، أشارة المرور في المدينة مثلاً نظام وضعت لتنظيم السير والمحافظة على الأرواح فلو تجاوزها شخص أو إثنين أو ثلاثه فهل نحكم على أهل المدينة كلهم أنهم مخالفون للنظام وأن هذا النظام غير صالح ؟ كما أنه قد يسلم في المرة الأولى والثانية والثالثه ولكن سيأتي يوم يقع نتيجة مخالفتة للنظام بحصول حادث يفقد بسببه حياته أو على أقل تقدير يصاب ببعض الإصابات التي هو في غنى عنها لو إتبع النظام، فالإسلام كذلك هناك المسلم الملتزم بتعاليم الإسلام وهناك المسلم المقصر الذي إن سلم من العقاب الدنيوي لم يسلم من العقاب الأخروي ، وهذا ينطبق على كل ديانة وليس الإسلام وحده فالديانة اليهودية مثلاً هل جميع اليهود ملتزمين بتعاليم دينهم أم هناك المقصر؟ الديانة النصرانية هل جميع النصارى ملتزمين بتعاليم دينهم أم أن هناك المقصر؟ فلكل قاعدة شواذ كما قيل.
أعرف أن القرار صعب ولكنه يحتاج إلى شجاعة فاسأل الله العظيم أن يأخذ بيدك وأن يهدي قلبك وأن يدلك على طريق الحق ويفتح قلبك له مع صادق تمنياتي لك بالسعادة الحقيقية.



شارك فى نشر الخير