آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 15 سبتمبر 2016

- ماهى أصول الفضائل

عدد المشاهدات:
أصول الفضائل
وهي العقيدة الحقة، التى ينتج عنها كل خير فى الدنيا والآخرة، ومأخذها القرآن والسنة, والعبادة بإخلاص لله تعالى، التى ينال بها الإنسان السعادة فى الدنيا والآخرة، ومأخذها عمل رسول الله، والأئمة الهداة بعده. والأخلاق الجميلة، بحسب ما تقتضيه الشريعة المطهرة، وفضائل الأخلاق: العفة والشجاعة والعدل والكرم. والمعاملة الحسنة التى يراقب فيها العامل عند معاملته وجه الله تعالى، والمسارعة إلى نيل رضوانه الأكبر، وهي التى تنتج للإنسان فراغ قلبه من العناء وراحة بدنه من التعب، ونيل النعيم المقيم يوم القيامة.
الخلق والتخلق
من نظر إلى الإنسان بعين البصيرة، ونظر إلى الكون بعين الفكرة، تحقق أن الكون من أعلي إلى أدني كالإنسان، لأن العالم جميعه من العرش إلى الفرش يمثل إنسانا واحدا، فالعرش مثال القلب المحيط بالإنسان، حيطة علم وتأثير، والكرسي كالدماغ، لأن الدماغ محل انبعاث الإرادات، والسموات كالرأس، والنبات كشعر الإنسان، والبحار والأنهار كدم الإنسان، والأشجار كعروقه، والحيوانات كلحمه، والملائكة كنفسه الناطقة، والكواكب الثابته كجوارحه الثابته، والكواكب السيارة كجوارحه المتحركة، والحياة كيقظته، والموت كنومه، والصيف كغضبه، والربيع كصفائه، والشتاء كجبنه، والخريف كاعتداله، وفيه سر مصون فوق الكون، أشار إليه بقوله تعالى: (ص:72). فهو فى أسفل سافلين إن أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وفي أعلي عليين إن زكت نفسه وفر إلى الله، فقد يبلغ الإنسان فى رقيه منزلة يفوق الملائكة، وقد ينحط فى هوة إلى حضيض الأرذلين، وأسفل سافلين فى الدرك الأسفل من النار، وبين هاتين المنزلتين مقامات ومنازل، وأطوار ومراحل..
ولما كانت هذه حقيقة الإنسان، والإنسان مركب من الأخلاط الأربعة: النار، والهواء، والماء، والتراب، التى تشير إلى العناصر الأربع: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فهو مقهور لكل ما غلب عليه، لذلك وجب عليه أن يحصل ما به كمال أخلاقه، حتي يكون وسطا بين العالم، جامعا للكمالات كلها، ولا سبيل إلى نيل هذا المجد العظيم إلا بمجاهدة النفس، وقهر الحقائق التى تميل به إلى الدرك الأسفل من النار، لتنقاد إلى الحقائق العلوية، التى تسارع به إلى رضوان الله الأكبر ووسيلة ذلك التخلق بأن يتكلف عمل الفضائل، مهما نازعته الحقائق السفلية، فيعفو عند ثوران الشهوة، ويعدل عند ثورة الغضب، ويجود عند الاحتياج، وينفع عند الضرورة، حتي يحصل له ملكة الفطرة، وجمال الخلق، ومن لم يتواجد لا يجد، ومن وجد استراح من التواجد، ومن أنكر تلك الحقائق جهل حكمة بعثة الرسل، لأن الإنسان مكون من العناصر كما قدمناه، فليس مفطوراً على الخير، ولا على الشر، بل هو قابل لكل حقيقة منهما، والمفطور فى الحقيقة هو الملك أو الشيطان، لأن الملك من عنصر نوراني، والشيطان من عنصر ناري، فالملك مفطور على الخير والطاعة، والشيطان مفطور على الشر والمخالفة، والإنسان قابل لهما، لذلك بعث الله الرسل، وأقام ورثتهم مقامهم، والإنسان مسكين ينجذب بكليته إلى ما يقتضيه زمانه ومكانه، فإذا وجد بين الوحوش كان وحشا كاسرا نفورا عنيدا، إذا وجد بين أهل الصفا كان أشبه بالملائكة، فإذا فارقهم نزعت نفسه على ما يقتضيه وقته، لذلك تري الإنسان إذا صحب أهل التقوى صار تقيا، وإذا فارقهم إلى أهل الفساد كان منهم أو معهم، و من رغب فى نيل الخير جاهد نفسه، وقهرها على ملازمة أهل التقوى، حتي يبلغ درجة الكمال الإنساني الذي يكون فيه كالمعدن النفيس، الحافظ لرتبته فلا يتغير، ولو ألقي فى السبخ، أو كالمسك الذي يطيب كل مكان يوضع فيه، ومع بلوغ الإنسان درجة الكمال، يجب أن يتمثل بأكمل منه، فيتشبه به إن كان بعيدا عنه بموت، أو غربة، أو يجتهد أن يديم صحبته حتي يبلغ كمال المراقبة والرعاية، وهو الوارث لرسول الله، الممد بروح الإلهام. وخير وسيلة للأخلاق، أن ينظر إلى الفضائل المحبوبة فى غيره، فليلزم بها نفسه، وإلي القبائح المذمومة فى غيره، فيكرها من نفسه كما كرها من غيره.

حسن الخلق سعادة فى الدنيا والآخرة
الأخلاق الحسنة إما فطرية، وإما تكليفية. فالفطرية منها تحصل لصفاء جوهر النفس، لأن جوهر النفس إذا كان نورانياً يقبل الخير، ويرد الشر، ويكون مجملاً بالرحمة والرأفة، والعاطفة والبر والإحسان، فينشأ الإنسان محباً للخير وأهله، ومعادياً للشر وأهله، شكوراً فى الرخاء، صبوراً فى البلاء، يعفو ويصفح، ويؤثر أخاه على نفسه، ويجازي السيئة بالحسنة، فيحبه الله والناس أجمعون، ويعيش الناس منه فى سلامة، وهو منهم فى أمان، لا حسود للنعمة، أو شيطان النزعة، وهذا المفطور على جميل الأخلاق، إن أعانه الله بمرشد كامل، ورث أحوال الأنبياء، ومنحه الله التخلق بأخلاقه العلية، وإن عاش فى مجتمع فاسد الأخلاق حفظه الله من شرورهم، وإن أفسدوا عليه حياته لمخالفتهم إياه فى المعاملة، وهذا أشبه بسراج بين العميان.
أما المتخلق فإما أن يكون تخلق خوفاً، أو طمعاً، فالذي يخاف من السوط، ويطمع فى الدنيا فهذا قد يترك دينه، خوفاً أو طمعاً، فيرتكب من الدنايا والسفاسف ما يتبرأ منه الحيوان الأعجم، فإن الحيوان لا يبالي أن يرفع صوته الدال على نوعه أمام أشرف الحيوانات، ولكن هذا المتكلف قد يترك دينه الحق إذا خاف أو طمع، وقد يرتكب أكبر المنكرات إذا أمن جناب الخلق، وقد يضر أمة بأسرها إذا نال خيراً، ولو من أعدي عدو لأمته، وهذا يراه الناس إنسانا مسلماً، وهو فى الحقيقة شيطان منافق، وعلاج هذا المرض سهل، إذا يسره الله تعالى قال سبحانه وتعالي: (آل عمران:73). وأما الذي يخاف من الله فهو من الذين آمنوا بالآخرة، فطمعوا فى الجنة، وخافوا من النار، فيسارعون إلى الطاعات للنعيم المقيم، ويتباعدون من المعاصي خوفاً من الجحيم، وقد كلف الله العلماء أن يبينوا للناس طرق الخير، وموارد السعادة، لأنه سبحانه وتعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ليحصل الطمع والخوف، وأهل النفوس الزكية يعلمون الأخلاق الحسنة لأنفسهم من الناس، فإذا أحبوا شيئاً من أعمال ومعاملات وأخلاق الناس عملوا بها، وإذا كرهوا شيئا من ذلك تركوه. والمجتمع الإنساني مدرسة الصديقين، وكل إنسان يحب الفضائل والكمال الإنساني، والعمل بها، وخير ما يتقرب به العبد خلق حسن، يعامل به غيره، وفي الحديث الشريف: (ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة قال: الثرثارون المتفيهقون الذين لا يألفون ولا يؤلفون) ( رواه البخاري فى كتاب فضائل الصحابة الباب 27 وكتاب المناقب الباب 23، والترمذي فى كتاب البر الباب 71، وأحمد فى الجزء الرابع صفحة 193،194).
والأخلاق الجميلة هي أخلاق رسول الله، وغيره هي أخلاق الشيطان. وكل مسلم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد أن يتخلق بأخلاقه ولو تكلف، ليكون من أهل معيته صلى الله عليم وسلم.

االدنيا والآخرة
كل الأنواع الحية تحب الخير، وتسارع إليه، وأكثر تلك الأنواع يعمل ليوم بعد يومه، ولا تري نوعاً يعمل ليومه الذي هو فيه إلا الحيوانات الداجنة، والحيوانات المجترة، وأكثر أنواع الحيوانات يدخر قوته، كالنمل وغيره، فكأن الأنواع الحية تعمل ليوم يعد يومها، وانفرد الإنسان بما منحه الله من العقل والنور بالإيمان بالغيب، فهو يعمل ليوم الآخر، وسطا بين عالم الملك والملكوت، فإن انحط عن رتبته بين مراتب الوجود التحق بأسفل البهائم، فعمل للدنيا، وسارع إلى نيل شهوته وحظه، وهو الذي يتمني يوم القيامة أن يكون تراباً وذلك لأن الإنسان حيوان ديني، فهو بجسمه حيوان، وربما جمله الله فيه من نور العقل والروح أشبه بالملائكة، فتراه منجذباً إلى القوة التى تكونت لها الغلبة فيه، فإذا غلبت عليه القوة البهيمية كان شراً من الشيطان، لأنه يستخدم النفس الناطقة فى نيل حظوظه، وينحط إلى أسف سافلين، كما قال الله تعالى: (التين: 4-6). ولهذا النوع من الإنسان علامات منها أن تكون الدنيا أحب إليه من الله ورسوله صلى الله عليم وسلم، وأن يكون عاجل حظه ما حياً من قلبه نور الإيمان بيوم القيامة، فلا يخاف عذاب الله، ولا يرجو نعيمه، وأن يحب لحظه، ويبغض لحظه، فيبيع دينه بدنيا غيره، ويترك طاعة الله بطاعة الحكام والأمراء، إن ذكر بيوم القيامة صمت أذناه، وإن ذكر بالدنيا سارع إليها، كما قال تعالى: (يونس: 7). وهذا النوع من الناس، إن كان على صورة الإنسان، من استقامة القامة، وعرض الأظافر، ونعومة البشرة، إلا أن حقيقته أدني من الوحوش الضارية، فهو شقي فى الدنيا لحرمانه الاستفادة بحقيقته الإنسانية، من تحصيل الكمالات، ومن الحياة الطيبة التى يكون بها نافعاً لإخوانه، مقصوداً فى الشدائد، مرجوا فى النوائب، دالاً على الخير، مبيناً لسبل الله تعالى، ويحرم يوم القيامة من النعيم فى جوار الأطهار من أولياء الله تعالى، مع ما يكون فيه من عذاب الله الأبدي، كل ذلك، لأنه اختار الدنيا على الآخرة، مع سطوع البرهان، ووضوح الدليل، إن الدنيا دار الفناء والعناء، وإنها لا لذة فيها لعاقل، وإنها دار تحصيل وتكليف ومجاهدة وتعريف، إن الدار الآخرة هي دار المسرات، والبقاء فى نعيم مقيم، ومن عميت بصيرته عن النظر فى عاقبة الدنيا ومآلها، اتخذ الدنيا إلهاً من دون الله، فعاش عمره المحدود له فيها فى خزي، وكد وبلاء، فإذا فارقها انكب على رأسه فى الحطمة، فندم ولات حين مندم.
الإنسان حيوان ديني بالفطرة، فهو على يقين من البعث بعد الموت، ومن الحساب بعد البعث،مهما كان عقله، لأن شر الكافرين ينسي الله تعالى عند الرخاء، فإذا قدر الله عليه الشدائد رجع إلى الله مقهوراً كما قال تعالى: (العنكبوت: 65). فلا يلبث بعد تداركه بألطاف الله إلا ويرجع إلى كفره وضلاله
أيها الإنسان، إنما أوجدك الله فى تلك الدار الدنيا لتعرفه بما أظهره لك فيها، مما لابد لك منه، فتعلم عجزك وضعفك، وفقرك واضطرارك، وقدرته، وحكمته، وإحسانه وشكره، فتسارع إلى شكره، وإلي العمل بمحابه ومراضيه، فإذا جعلت نعم الله وسائل لمخالفته سبحانه، وصار ما يوجب عليك الشكر يؤدي إلى الكفر، وما يوجب الذكري والفكر والحضور يؤدي البطر والزهو والنفور، فسوف يأتى  على الإنسان يم يقول فيه: يا ليتني كنت تراباً.
أيها الإنسان الدنيا دار تحصيل السعادة، والطريق الموصل إلى الله تعالى، ومهبط وحي الله، ودار أنبياء الله، ومحل مجاهدة أولياء الله، والشوق إلى الله، فاز من حفظ أنفاسه فيها، وسعد من علم الحكمة من وجوده فى هذا الكون، فسارع إلى الخير، وهذه الدنيا أيضا دار معصية الله تعالى، ومحل غضب الله تعالى، وهي دار البلاء والفتن، والكفر والبطر، هلك والله فيها أفردها بالقصد، وهي الضارة الغارة. أعاذنا الله من الفتن فيها، ووفقنا لمحابه ومراضيه.

إنا وإن كنا نعتقد أن الأمر سبق، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، على ما هو كائن إلى يوم القيامة، إلا أنا نرانا مطالبين بتحصيل الخير للنفس والجسم، وخير النفس تحصيل العلم النافع، وخير الجسم العمل بالعلم، فالواجب علينا تحصيل العلم والعمل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بصحبة العالم العامل، الذي نتلقي منه العلم  قولا والعمل فعلا، إلا أنا لو حصلنا العلم من غير العالم العامل غلب علينا حاله، فكنا كالمصباح، يضيء لغيره، ويحرق نفسه، ولما كان العالم قليل الوجود وجب علينا أن نبحث عنه بقدر الاستطاعة، ونهاجر إليه ، كما قال صلى الله عليم وسلم: (اطلبوا العلم ولو بالصين)(رواه ابن عدي والبيقهي من حديث أنس، وكذلك ابن عبد البر والديلمي والخطيب وغيرهما) فإذا ظفرنا به، وقامت الحجة أنه العالم العامل حقا، حرصنا على تحصيل العلم والعمل بصحبته، حتي نفوز بالنجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وبقدر عنايتنا بالبحث عنه، يجب أن تكون عنايتنا بالأدب معه، حتي نتحقق أننا كأطفال رضع، لا غنى لنا عنه، ونحتاط من شياطين الجن والإنس فى صحبنه، فنبذل كل ما فى وسعنا لنتفرغ لتكميل أنفسنا، غير ملتفتين إلى ما يشغل القلب والجسم.
آداب صحبة الشيخ الكامل
 يجب أن نعتقد أنه إنسان غير معصوم، وأنه من الأفراد الذين قال الله تعالى عنهم: (الأحقاف:16). فأثبت أن له سيئات، حتي يتميز عن الرسل عليهم الصلاة والسلام، فنكون بالنسبة لما يحصل منه، مما هو خلاف الأولي، كأننا موتي، لا نشعر، فلا نقلده، ولا ننكر عليه، ويجب ألا نسيء الظن به، فإن سوء الظن بالمرشد قطيعة، ولو كلفنا فوق طاقتنا، أو أظهر لنا ما يدل على بغضه، أو أهاننا فى مجتمع نحب أن نعظم فيه، أو اختبرنا فيما تنزعج منه القلوب، كالأمر بترك الأعمال الدنيوية، أو بالابتذال، أو بخدمة دنيئة، فإن المرشد يؤم السالك إلى حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحب أن يدخل على رسول الله إلا من اطمأن قلبه عليه بصحة عقيدته وخلقه، وبالقيام بالأعمال الشرعية، لأنه على بصيرة من أنه إذا أدخل ذلك على رسول الله من لا عقيدة له، أو من هو سيء الخلق، تكون عقوبة ذلك من رسول الله على المرشد، لأنه الحاجب على باب الملك، لا يدخل عليه إلا من يحبه، فيجب على السالك فى صحبته أن يستر خصوصيته، أدبا مع المرشد بأن يظهر خصوصيته لجمع الخلق على الحق، وفي هذه الحال يسمع ويطيع، محافظا على نفسه من الغرور، فإن كثيرا من السالكين يمنح لسان الحكمة، أو الهمة فى شفاء الأمراض بإذن الله، والسيطرة على الجن بإذن الله، وشفاء القلوب من أمراضها بإذن الله، فيغتر، وربما رد عن الطريق، فاستدرجه الله تعالى، فهوي فى الحضيض الأسفل، ومن لم يكن مع المرشد كالميت بين يدي المغسل، لم يظفر بطلبته.

وماذا تقول فى رجل باع دينه بدنياه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ملعون ملعون، قالوا من يا رسول الله؟ قال: من باع دينه بدنياه) أو كما قال، لكن من طلب الآخرة فيسر الله له الدنيا إكراما لدينه، فلم تغره ولم تضره، فهو من السعداء المقبولين، والهديا لم يحرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصوفي لا يسأل ولا يرد، وهو أوثق بما فى يد الله مما فى نفسه.
ومن آدابهم فى صحبنه أن يؤثر إخوانه على نفسه، فإن آداب طريق الرجال المحبة، والاستقامة، والإيثار فمن أحب نفسه أوبقها، ومن خالف هلك، ومن لم ير أمر المرشد فوق شهوده رد عن الطريق، فإن من شهد مشهدا يخالف الشريعة، أو يخالف أمر المرشد فأطاعه، أطاع شيطانه، قال الله تعالى: (النساء:65). وأشد الخطر على السالك منازعة نفسه لأمر المرشد لأن السعادة كلها متوقفة على الفوز بصحبة المرشد وطاعته.

 الدنيا مطية الآخرة
 المسلم حقا من عمل للدنيا ليستعين بها على الآخرة، لأن أصول الإسلام الخمسة لا تؤدي بمعناها الحقيقي إلا بالعمل فى الدنيا للدين، والمسلم الحقيقي هو العامل لنفسه وآله، وإخوته المؤمنين، بقدر استطاعته لأن المسلم تكبر نفسه أن تكون عالة على غيره، ولو من أب وأخ وولد، حبا فى العمل بشرائع الإسلام، ورغبة فى أن يكون مجملا، بمعني قوله تعالى: (المنافقون: 8). ولقوله صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خير من اليد السفلي)(رواه البخاري فى كتاب الوصايا الباب 9، وكتاب الرقاق الباب 11، وكتاب الزكاة الباب 18، وكتاب النفقات الباب 2، ومسلم فى كتاب الزكاة الحديث 94-97، الحديث 106)
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( علو الهمة من الإيمان) وقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها)(رواه الطبراني فى الكبير عن سيدنا الحسن رضى الله عنه، وابن عساكر عن سهل بن سعد رضى الله عنه).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (خير ما أكل المرء من كسب يده والولد من كسب أبيه)(رواه النسائي فى كتاب البيوع الباب الأول، وابن ماجة فى كتاب التجارات الباب 64، وأحمد فى الجزء الثاني صفحة 179، والجزء السادس صفحة 162، 173، 202، وأبو داود فى كتاب البيوع الباب 77، والترمذي فى  كتاب الأحكام الباب 22).
وقوله سبحانه وتعالي: (الملك: 15). وليس السعي للدنيا للمؤمن العامل بأصول دينه وفروعه هو سعي للدنيا حقيقة، لكن عمل لله تعالى، وعمل لرسوله صلى الله عليه وسلم، وعمل لجميع المسلمين، وإنما يهمل العمل للدنيا الجاهل بشعب الإيمان، لأن الإيمان بضع وسبعون شعبة، فمن عمل ببعض شعبه وترك البعض الآخر كان ناقص الإيمان، ولا يكون مؤمنا كاملا بمعناه إلا إذا عمل بكل شعب الإيمان، بقدر استطاعته، وأكثر شعب الإيمان متوقف على العمل فى الدنيا من الزكاة والحج، والبر والصلة، وإكرام الضيف، ودفع المظالم، وإقامة الحدود، وتأسيس المساجد، ومعاهد العلم، والمستشفيات، وتربية الأولاد، وحفظ الأعراض، حتي إن الصلاة المفروضة لا تؤدي بوجه أكمل إلا بالعمل للدنيا، لاحتياج المصلي إلى ستر العورة، وإلي ما يتطهر به، والمسجد الجامع الذي فيه الجمعة، فالمسلم الصانع عامل لله، والتاجر والمزارع كل واحد من هؤلاء عامل لله، والإمام فى محرابه، والعابد فى خلوته، سواء عند الله، إذا حسنت النية لوجه الله الكريم، وربما كان الحراث والصانع والتاجر أقرب إلى الله تعالى عند حسن النية والعمل لله من العابد الزاهد، لأن هؤلاء يعملون للنفع العام، وهذا يعمل لنفسه. يقول صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمريء ما نوى فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (رواه البخاري فى كتاب بدء الوحي الباب الأول، وكناب العتق الباب 7، وكتاب مناقب الأنصار الباب 45، وكتاب الطلاق الباب 11، (في الترجمة) وكتاب الإيمان الباب 23، وكتاب الإمارة الحديث 155، وأبو داود فى كتاب الطلاق الباب 11، والنسائي فى كتاب الطهارة الباب 59، وكتاب الطلاق الباب 24، وكتاب الإيمان الباب 19، وابن ماجة فى كتاب الزهد الباب 26).
فالهجرة إلى الله تعالى هي حسن النية والإخلاص لله من المرء ولو كان فى تجارته وزراعته، كما قال تعالى: (النور: 37). وكان أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين تجارا، لم تلههم التجارة والبيع عن ذكر الله لحسن النية لله، ولم تمنعهم عن الصلاة، لأنهم وهم  فى سعيهم وتجارتهم ينتظرون الصلاة بعد الصلاة، والمسلم فى الصلاة ما انتظر، ومن تظاهر بالدين ليتزوج امرأة، وليصيب دنيا، كانت هجرته إلى مقصده الذي نواه، ولم يؤخر على الوسيلة التى اتخذها لنيل مقصده، مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). وقد يري بعض من لا علم له بشعب الإيمان أن العمل للدنيا ينقص السالك فى طريق الله، ويشتغل قلبه عن التوجه إلى جناب القدس الأعلى، مع أنه صح فى الحديث الشريف  أن ( محل نظر الرب من العبد قلبه).(رواه مسلم فى كتاب البر الحديث 33، 34، وابن ماجة فى كتاب الزهد الباب 9، وأحمد فى الجزء الأول صفحة 379، والجزء الثاني صفحة 285، 539) ومن وجه قلبه إلى الله بإخلاص النية، كان مهاجرا إلى الله وإلي رسوله، ولو كان فى بيع وتجارة أو صناعة وزراعة، أو إمارة أو جهاد، أو متبتلا فى محرابه، لا فرق عند الله بعد عمارة القلوب وتجميلها بإخلاص من النية بين الزاهد المتقشف، والأمير على منصته، مادام كل واحد منهما أتي الله بقلب سليم، وحسبنا حجة على ذلك، أن الصديق الأكبر، والخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإمام الأول للمسلمين، كان يحمل الخرج على كتفه وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمشي به فى الأسواق للتجارة، ولم يكن ذلك ينقص من مقامه العلي، ولا من حاله الروحانى  ، والعالم فى الدنيا الذي يطعم الزاهد، والعابد المجردين من الدنيا أعبد منهما. قال صلى الله عليه وسلم: (الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله). ولا يتحقق النفع لوجهه الأكمل إلا بعلم تزكو به النفوس وحكمة تتجمل بها الأرواح، أو مال يستعين به الفقير، وتؤسس به بيوت الله، ومعاهد العلم والمستشفيات، وتشيد به المدارس، ويعان به الدعاة إلى الخير، وكفي بعمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخي بين المهاجرين والأنصار، فتوجه سيد من المهاجرين إلى منزل أخيه من الأنصار، فقال الأنصاري له: يا أخي إن لي زوجتين وهاهما فاختار لك زوجة منهما، ولي كذا من الخيل لك النصف ولي النصف، فقال المهاجر: بارك الله لك فى أهلك ومالك ونخلك، دلني على السوق، فدله على السوق فخرج ورجع معه دارهم اكتسبها من البيع والشراء. وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله فقال له ألك حاجة فى بيتك؟ فقال: نعم له شملة يا رسول الله، فقال: أحضرها، فأحضرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتري هذه؟ فقومت بدرهم، ثم قبلها الآخر بدرهم ونصف، ثم قبلها الآخر بدرهمين، فباعها له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطي الرجل الدرهمين، وقال: اشتر قدوما وخشبة وحبلا، فاشتري القدوم والخشبة والحبل، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخشبة وأصلح وضعها فى القدوم، وقال له: اخرج فاحتطب خير لك، فخرج واحتطب وباعها بدرهمين وصار يحتطب ويبيع حتي صار ذا مال. (رواه أبو داود فى كتاب الزكاة الباب 26، وابن ماجة فى كتاب التجارات الباب 25).



كل هذه الأدلة الجلية تؤيد أن المسلم يجب أن يكون عزيز النفس، إن استطاع ألا يري لأحد عليه نعمة سوي الله فعل، حتي لا يذل لغير الله، ولا يفتقر لغير الله، ولا يكون هذا العجز حقيقة إلا بيقين يباشر القلوب، وعلم يبين له أنه عضو عامل فى الجسد الإسلامي، وجزء متمم للكل الإسلامي، وبذلك يسارع إلى الخيرات، ويقوم مجاهدا نفسه وهواه فى ذات الله تعالى، مجملا بحلل الخلافة عند ربه، ينافس فيما يبقي، يجمع ما لابد منه من الدنيا، ويبذله فى نيل الفوز برضوان الله بعمل الخير لعباد الله، ومن نسي نصيبه من الدنيا نسي نصيبه من الآخرة من باب أولي. إذا تقرر ذلك، فالواجب على كل مسلم ما دام فى جسد يحتاج إلى طعام وشراب ولباس، وبالأولي إن كان مطالبا بحقوق عليه لوالدين وأولاد وزوجة، أن يقوم عاملا لجلب ما لابد منه، مخلصا النية فى العمل لله، ناهجا على الصراط المستقيم، مؤديا ما وجب عليه من العبادة، وما رغب فيه من أعمال البر، وبذلك يكون مسلما حقا فتكون حركاته وسكناته فى محرابه مصليا، أو فى السوق متجرا، أو فى زراعته عاملا عبادة لله تعالى، وبذلك يكون كل فرد من أفراد المسلمين كنز لجميع المسلمين، فالعمل فى الدنيا مع حسن النية  هو عمل لله تعالى، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللدار الآخرة، وهو عز فى الدنيا، وسيادة بها، وكفي المسلم شرفا أن يكون عزيزا فى الدنيا، منعما بالنعيم المقيم فى الدنيا والآخرة، والله أسأل أن يوقظ قولب أخوتي المؤمنين من رقدة الغفلة، حتي يعملوا بكل شعب الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) (رواه البخاري فى كتاب الإيمان الباب 3، ورواه مسلم فى كتاب الإيمان الحديث 57،58، وأبو داود فى كتاب السنة الباب 14، والترمذي فى كتاب الإيمان الباب 6، والنسائي فى كتاب الإيمان الباب 16، وابن ماجة فى المقدمة الباب 9، وأحمد فى الجزء الثاني صفحة 379،414،445). إنه مجيب الدعاء.

حقيقة الدنيا والآخرة
الدنيا والآخرة هما داران مختلفان اسما ومعني، احدهما كالصدف وهي الدنيا، والأخرى كالدر وهي الآخرة، ولكل منهما أهل وبنون، ولكل نوع منهما صفات وأخلاق، وسجيا، وأعمال.
 أولا: حقيقة الدنيا
 مشتقه من الدنو، وهو القرب، وحقيقتها أنها تصاريف أمور تجري على الإنسان، اقتضاها وجوده مضطرا محتاجا إلى ضروريات، وكماليات، مقهورا بما فيه من القوي، وما هو خارج عنه، من يوم أن تلده أمه إلى أن يموت، وولادة أمه هي الولادة الجسدية، بعد أن أخذ دور كماله فى الرحم، والموت هو الولادة النفسانية، بعد أن حصل كماله النفساني فى بطن أمه الدنيا، وكما أن بعض الناس يولدون على نقص، أو يكونون مشوهين بعدم كمالهم فى الرحم فكذلك الإنسان الذي يعوقه عن كماله النفساني فى الدنيا عائق، من طمع أو حرص، أو حسد، أو جهالة، يموت ناقصا، لجهله بنفسه، وبربه سبحانه وتعالي، وبذلك يستحق العذاب يوم القيامة، كما يحصل من الألم والمشقة لمن ولد ناقصا من بطن أمه.
ثانيا: حقيقة الآخرة
 هي مشتقة من التأخر، وهي تصاريف أمور تجري على الإنسان من وقت مفارقة النفس الجسد، إلى أبد الآبدين، ودهر الداهرين، فإن فارقت النفس الجسد كاملة، بما حصلته من العلوم النافعة، وما اكتسبه من العبادات والأعمال الصالحة، وما أبقته من الآثار المفيدة فازت بالنعيم المقيم فى فردوس الله الأعلى، قال تعالى: (الكهف:107).
 ثالثا: هل كل الناس يعلمون حقيقة الآخرة؟
أكثر الناس من أهل الأديان وغيرهم يصدقون بالآخرة، ويؤمنون بها، ولا يعرفون حقيقتها، ولا مقدار ما فيها من المسرات والزينات، والجمال والكمال، وتوفيرها بحالة فوق تصور العقول، ويجهلون متي وقت الوصول إليها، وإن جميع من حصلوا العلوم العقلية، وارتضت أنفسهم بها وإن صدقوا بالآخرة التى هي مقر الأرواح، لكنهم جهلوا الجهل طريقا الموصلة إليها، وأخطئوا الوسائل المقربة إليها، ومن قرأ كتب الفلاسفة يعلم أنهم سقطوا إلى هاوية الحضيض الأسفل، قال الله تعالى: (النور: 40). وقد انسلخ الجاهل فهوي إلى أسفل السافلين، هويا سجل به على نفسه اللعنة والمقت، وهم الذين مسخهم الله قردة وخنازير، وإن كانوا على صورة الإنسان، كالماديين والدهريين، والحلوليين، ولا عجب! فإن من لم يمنحه الله العيون الإنسانية التى تشهد آيات الله فى ملكه وملكوته، كيف يشهد ما يشهده الإنسان؟ فإن حكم على نفسه أنه فى الأصل قرد أو نسناس، فهو صادق، وحقيقة أدني من ذلك قال الله تعالى: (الفرقان:44). كما يري الممرور (مسلوب العقل) نفسه أنه ملك، وهو أدني الصعاليك، أو أنه نبي أو إله، ومثل هؤلاء لا يؤمنون بالآخرة ولا يعرفونها. وسنبين بمشيئة الله تعالى فساد عقيدة هؤلاء القوم، وإن كانوا أحقر وأذل من أن يعتني بآرائهم من له مسحة عقل.

رابعا: هل الناس مؤهلون للدنيا والآخرة؟
 إن الناس كلهم أبناء للدنيا والآخرة معا، ولكن الله قدر فى أزله أن يجعلهم نوعين فى الدنيا والآخرة، سعداء وأشقياء كما قال سبحانه: (هود: 105).
خامسا: من هم أشقياء الدنيا وسعداؤها؟
كل الناس يعلمون من هو السعيد فى الدنيا ومن هو الشقي، لأنهم حصروا السعادة فى العافية، والمأكل والمشرب، والمنكح، وما يعين عليه، وجعلوا الشقاء ضد ذلك، وتلك السعادة هي سعادة البهائم الرتع، ولا نحب تفصيلها لعلم الناس بها، وتحصيلهم عليها، وتلك السعادة لا تستلزمه السعادة الباقية إلا إذا أعان الله أهلها على ما يحبه ويرضاه.
  الزهد وحقيقته
 في اللغة هو الرغبة عن شيء بإخراجه من اليد والقلب معا، أو من القلب فقط، أما معناه عند أهل الطريق فهو الفرار عما يشغل القلب من الغواشي الكونية التى تحجبه عن شهود أنوار الآخرة، بإرادة الدنيا خاصة إرادة اختيار، فينغمس بكليته انغماسا يدل على عدم تصديقه بالآخرة لأن المصدق بالآخرة لا يرضي بها بديلا، فكيف ينساها بغيرها؟ وعلوم الزهد يجب أن تتلقي من العارف الرباني الحي، العالم بمراحل الطريق، ومقادير النفوس، وأمراض القلوب، وإني أري كثيرا من الناس يحجبهم الحظ والهوى عن البحث عن المرشد الكامل، بل وتحجبهم المعصرة عن طلب العلم النافع، والمعاصرة حجاب، فيقرءون كتب السابقين فى علوم اليقين، فتقصر إفهامهم عن دركها، وعقولهم عن تلقيها، وأنفسهم عن مشاهدة أسرارها، وأبدانهم عن القيام بها، ولكنهم إذا صحبوا المرشد، ينالون بصحبته فهم تلك العلوم بقدر استعدادهم، ويتلقون منه بقدر أعرافهم.



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير