آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 15 سبتمبر 2016

- كتاب الصوفية والتصوف

عدد المشاهدات:
  الباب الأول
من هم الصوفية
معني كلمة الصوفية إن هذا اللفظ لا دليل لغويا يدل على أنه مشتق من الاستصفاء، ولا من الاصطفاء، ولا من الصف، ولا منالصُفة نسبة لأهل الصفة، ولا من الصوف، والظاهر أن مدلوله فعل ماض مبنى للمجهول خبرا عن صفاء قلب من سمى به.
أئمة الصوفية:
والصوفية إمامهم الأول بعد أمير المؤمنين على كرم الله وجهه سيدنا أبو ذر الغفاري، وسيدنا سلمان الفارسي رضى الله عنهما.
الفصل الأول
تعدد مناهج الأخلاق عند الصوفية
أولاً: الصوفي قدم دار البقاء على دار الفناء وباع ما يزول بما يدوم
معلوم أن الأشياء كلها لها ظاهر وباطن وهو لبها، فكذلك الدنيا والآخرة، وللدنيا أبناء وللآخرة أبناء، فأبناء
الدنيا شغلوا بما تقتضيه حظوظهم، وشهواتهم، وأهوائهم، وما يدعوهم إليه الحس والجسم، فرضوا بالحياة الدنيا،
واطمأنوا بها (وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاع) (الرعد:26). فاستخدموا جوهر النفس النورانى ، ونور
العقل الروحانى   لتحصيل كماليات الجسد الفاني، جهلا بالآخرة، أو تجاهلا.
والصوفي عرف قدر الدنيا بالتعليم، وتحقق زوالها بالتفكير، وأيقن أن بعدها دار هي الدار حقا، لا يسعد فيها إلا
من تخلي عن دنس الأجسام، وخبث الشياطين، ودناءة البهائم، وبلادة النباتات، وثقل الجمادات، حتى يتشبه
بعالم الملكوت الأعلى.
الصوفي علم قدر الدنيا والآخرة، فقدم ما يبقى على ما يفنى، وباع ما يزول بما يدوم.
ثانيا: الصوفي من جاهد نفسه وانسلخ من مقتضيات نقائصه
الصوفي رأي فى نفسه عوائق تعوقه عن بلوغ كماله الحقيقي، تلك العوائق راسخة فى فطرته، رايسة فى
حقيقته، جواذبها إلى الراذائل قوية، ودوافعها عن نيل الخير شديدة، ومقتضياتها التى توبق فى الدرك الأسفل من
النار ملازمة، ولكنه سطعت على جوهر نفسه أنوار تلك الكمالات من جانب الروح، وناده الحق من قبله: (إني
أنا ربك) (طه :12). خلقتك لذاتي وخلقت لك كل شيء ومنحتك الحرية والإرادة، وبينت لك الشر، وأعددت لك
النظر إلى وجهي، فى دار كرامتي، وجوار الأطهار المقربين ممن اصطفيتهم من خلقي، فسمع ولبي، وحن
واشتاق، ثم دعته فطرته الحيوانية فى دار البلية، فنظر وفكر، وتأمل وتدبر، فرأي الدنيا قد آذنته بزوالها، 
وأشهدته عملها فى أبنائها، فرآهم بين راحل إلى القبور، وبين غافل عن الآخرة مغرور، فجاهد نفسه فى الله
حتى أطاعته، وانسلخ من مقتضيات نقائصه كما ينسلخ من النهار.

ثالثا: الصوفي غريب بين أهله
الصوفي صغرت والله- الدنيا فى عينه حتى كره المقام فيها بين أهله، لولا رحمته ببني جنسه ليدعوهم إلى 
الخير، واستوحش والله- حتى من نفسه، وتمني أن يكون نفسه الثاني فى رمسه، شوقا إلى جوار حبيبه المختار،
والأنس بالصفوة الأطهار، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر، رجع بكليته إلى الماضي، مسارعا إلى ما كان عليه
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقيدة والعبادة، والحال النبوية، والأخلاق الربانية، ومعاملتهم الله
تعالى فى خلقه، ورجع إلى الماضي من السنة السمحاء، والطريقة المستقيمة، فكان غريبا بين أهله لجهلهم
بالسنة، وتساهلهم بالملة، ولو ظهر بينهم رجل من الصاحابة لأنكروا حاله، وجهلوا أعماله، ولكن الصوفي قوي
فى دين الله، ولا تأخذه لومة لائم فى الله، شهد الحق حقا فاتبعه مسارعاً، والباطل باطلا فاجتنبه فازعا.

رابعا: الصوفي اتحد بالحق مفارقا للخلق وهو فيهم
الصوفي عمل بكتاب الله مجاهدا، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهدا، فسبحت نفسه الطاهرة فى
ملكوت الله، بين صفوف ملائكة الله، فرفعه الله قدراً، لأن الصوفي مجاهد والملائكة غير مجاهدين، ينازع
بالمجاهدة فطرته، والملائكة على الخير مفطورين، قال الله تعالي(النساء 95). لم تقف همة الصوفي على
السياحة فى ملكوت الله الأعلى بل فرت إلى لوامع وميض أنوار قدس العزة والجبروت، فأشرقت عليه أنوار
مشاهد التوحيد العلية، فاتحد بالحق مفارقا للخلق، وهو فى الخلق محفوظ الظاهر والباطن، فألهمه الله تعالى نور
البيان فى فهم القرآن، ومنحه المنة بذوق السنة، فكان أمة وحده جعل الله له نورا منه سبحانه حفظه به من 
دواعي الفطر، ولوازم الطبع، ومقتضيات رتبته من مراتب الوجود، وجعله نورا لأهل عصره، يجمل بأعماله
الأشباح، وبعلومه الأرواح، ويجذب القلوب إلى علام الغيوب، ألقي الله عليه محبة منه فأحبه كل شيء، إلا
شياطين الإنس والجن، الذين جعلهم الله قطاعا لطريقه.

الفصل الثاني
مدارس الصوفية لا خلاف بينها فى كل زمان ومكان
الصوفية لا خلاف بينهم فى كل زمان ومكان، وبدايتهم تزكية النفوس ون أدرانها، وتطهير الأجسام من نجاستها
المعنوية، والاتصال بالمرشد الكامل الذي يتلقون عنه العقيدة الحقة، ويشتبهون به فى الأعمال السنية، والاخلاق
المرضية، والمعاملات المقربة إلى الله تعالى، لأن المرشد وارث رشول الله صلى الله عليه وسلم، ورشول الله
صلوات الله عليه وسلم لم يورث درهما ولا ديناراً، ولا أطيانا وعقارا، ولكنه صلى الله عليه وسلم ورث نوراً
وهدي، وحكمة وبيانا قال الله تعالى: (البقرة:151).
فهذه الخيرات هي ميراث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التى ورثها الله بفضله من شاء من عباده.

الفصل الثالث
الصوفية هم أنصار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فى كل زمان ومكان
سترهم الله عن أعين الجهلاء، وأخفاهم عن أهل الظلم والطغيان، ولكنهم هم النجدة عند الشدة، والقوة عند
الضعف، والحصون عند الخوف.
ذلوا، ولانوا، وخشعوا، واختلفوا، وتستروا، ونعم. ولكنهم إذا غضبوا لله غضب الله لهم، وإذا دعاهم الحق لبوه،
رخيصة دماؤهم عليهم حنينا إلى الموت فى سبيله، والقتل فى إعلاء كلمته، متي تحركوا لله لا يسكنوا حتى
يظهر الحق، أو يتصلوا بدار الحق، كم لهم من صولة لله بالله أزالوا بها باطلا تعسر زواله على الجيوش
الجرارة، فهم الأنوار التى تسطع فى حالك الظلمات فتمحوها، وقد أثبت التاريخ ما أظهره الله تعالى بهم، منهم
آل بدر الفقراء من الأنصار الذين خرجوا ليقابلوا تجارا من الشام فقابلوا صناديد العرب وجمراتها، فكان كل
رجل منهم كأنه جيش جرار.
غضبوا لله تعالى غضبة محت الكفر وأهله، وفي كل عصر وزمان قلم فيه أهل الطغيان ليطفئوا نور الله
بأفواههم، أشرقت أنوار الصوفية فمحت الظلمات، هم نشروا تلك الأنوار فى سائر الأقطار، بالقرآن والسنان،
شوقا إلى لقاء ربهم، وحبا فى إعلاء كلمة الحق.

الفصل الرابع

أهل الصفة هم مصدر بث الروح العالية فى كل الحوادث
أقبل جيش الروم عندما قام الصحابة لفتح القسطنطينية، وكانوا رضى الله عنهم قليلين وجيش الروم يناهز ا
لستمائة ألف مقاتل، فهجم رجال من التابعين على قلب الجيش منفردا، فناداه آخر قائلا: ارجع فإن الله يقول:
(البقرة:195)
فصاح سيدنا أبو أيوب الأنصاري- من كبار الصوفية- قائلا: ويحك، لقد نزلت فينا، وأنا أعلم سبب نزولها،
ليست التهلكة الإقدام على هذا الجيش، وإنما التهلكة الإحجام، فإن المؤمن إذا أقبل فاستشهد أحياه الله الحياة
الحقة، وإذا أحجم هلك، ثم كبر رضى الله عليه وسلم وهجم على الجيش كله منفردا، فاخترق صفوفه، وأقبل
المسلمون بعزيمة ماضية وراءه، فهزم  الله جيش الروم، وكادت تفتح القسطنطينية، لولا موت أمير المؤمنين
معاوية ورجوع أمير الجيش وقواده لهذا الحادث العظيم، فكان الصوفي فى وقت الغيرة لله، يجعل من معه
مشاهداً فردوس الله، وليس بينه وبينها إلا أن يطعن بسنان، أو يضرب بسيف، فهم رضى الله عنهم زهدوا فى
الدنيا، ورغبوا فى الآخرة، ولكنهم عند المقتضيات يقومون لله، رغبة لإعلاء كلمته سبحانه، وهم الذين إذا
أقدموا لم يحجموا، يعملون ولا يقولون، كثرت أعمالهم وقلت أقوالهم، خافوا مقام ربهم ونهوا النفس عن الهوى،
ولهم جانب مع الله تعالى إذا سألوه استجاب لهم، ولهم أعمال خالصة لذات الله تعالى إذا قاموا بها كان الله معهم
ولهم.

الفصل الخامس
الصوفية حملوا راية الإسلام إلى كل مكان بالمعرفة والسلوك
لم تقم دولة الإسلام إلا وهم مؤسسوها، ولم تقم فتنة من أعداء المسلمين إلا وهم مطفئوها. أول الخلفاء بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم إمامهم،  ودام الأمر فيهم إلى سيدنا الحسن السبط عليه الصلاة والسلام ومدتهم عمر
الخلافة، حتى انتقلت إلى الملك العضد، وهم الذين قلبوا دولة بني أمية، وأعادوا الدولة لبني هاشم، وهم الذين
أيدوا دولة آل عثمان، حتى شيدت المساجد فى بودابست، وفي بلونيا، ولم يبق إلا أن تصير أوربا إسلامية كما
كان أولا.
إلا والتفت الصوفية إلى خلوتهم وتجريدهم، عن ما رأوا أنه لا حاجة لهم لقوة سلطان المسلمين، وهم الذين ردوا
الصليبين عن الثغور الإسلامية فى زمان صلاح الدين الأيوبي، عندما غاروا لله غيرة سلبت عقول الإفرنجة،
حتى أصبح الحليم سفيها، ولا غرابة، فإن درويشا لم يبلغ خدمة المرشدين، غار لله هو ودراويش غيرة قهرت
ملك الحبشة، وجيوش الطليان، وجنود فرنسا، والجيش المصري، والإنجليزي، حتى مات منصورا ظافراً،
وجيشه على أبواب مصر، ولكن غادرت المنية، وقام بالأمر غير الدراويش، فاختلفت القلوب وتغيرت.


الفصل السادس

الصوفية أيقظوا الشرق من غفلته لكي ينال حريته
أولاً الصوفية هم القائمون بواجب الوقت.
الصوفية هم المقبلون بكليتهم على الحق، الملتفتون عن جناب الغرور والفناء إلى اليقين الحق والبقاء، وهم

الرجال الذين عرفوا قدر الدنيا والآخرة، وفروا إلى الله تعالى مع حفظ الأدب مع الله تعالى بالوقوف عند
الأسباب التى وضعها الحق مرتبطة بعضها ببعض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمة الدنيا مطية
المؤمن) ( أورده الغزالي فى الإحياء، وقال القاري قلت معناه صحيح، ورواه الديلمي فى الفردوس عن ابن
عمر مرفوعاً، وذكره الصنعناي، والعقيلي وابن لال عن طارق بن أشيم، والحاكم وصححه).
وفيها ينال الإنسان أرقي مراتب السعادة فى الآخرة، وهي مهبط وحي الله، ودار رسل الله، ومحلة العمل لله،
والمسارعة فى محابه ومراضيه سبحانه، قال تعالى: (الإسراء: 72)
علموا مقدار الدنيا، وما ينال فيها من الرضوان الأكبر، والفضل العظيم، وحسن الثناء، فبذلوا النفس والنفائس
فيما لا يحصل إلا فى الدنيا، فهم رجال العمل للخير الحقيقي، قاموا بواجب الوقت ومقتضاه تلبية لداعي الحق
شرعا وقدرا، فهم العاملون وإن ترك الناس والقائمون إذا أهمل الناس، ولكنهم حكماء حلماء، جملهم، الله تعالى
بالأناة والحلم، وحب الاستخارة والمشورة، حتى يطمئن القلب بإخلاص العمل لله، فإذا حركتهم العناية للقيام
بعمل هو خير فى الحقيقة ونفس الأمر أقبلوا بالكلية، محافظين على آداب السنة، وغيرة الله سبحانه، فلهم فى كل
شأن من شئون الدنيا نظر سديد، وبحث بعيون الفكرة والروية، حتى يستنبطوا حكم الله فى هذا الشأن، قال
تعالى: (العنكبوت: 69). وقال الله سبحانه: (البقرة:257).

ثانيا: اتحاد الآراء المختلفة والمذاهب المتباينة.
وقد آن أن يظهر سر تلك الشئون، وتلوح غيوب تلك الحوادث، قال الله تعالى: (آل عمران:26)
ومتي أراد الله شيئا هيأ أسبابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، له سبحانه وتعالى شئون يبديها ولا يبتديها، يرفع
قوما ويخفض آخرين. تنبه الشرق من غفلته، وقام من نومة جهالته بعد الثبات الطويل، فلم يبق قلب إلا وتقلب،
ولا لسان إلا ونطق، ولا جسم إلا وتحرك من غير داع يدعو، ولا آلات وأدوات تشجع، حتى اتحدت الآراء
المختلفة، والمذاهب المتباينة، على غرض واحد، ، فتري البرهمي والبنياني والمسلم  فى جنوب آسيا ينادون
بصوت واحد، طلبت لقصد واحد، والرفضي والشيعي والسني فى بلاد الفرس يسارعون إلى مطلب واحد،
والزيدي والسني فى بلاد اليمن يطلبون مطلبا واحد، والمسلم والقبطي فى مصر يتنافسون فى نيل غرض واحد،
بل سرت تلك الروح فجددت نشوة لم تكن منتظرة، وأحيت أشلاء رميمة، فلم يبق سوقة فى حقير المهنة، ولا
عالم فى رفيع الرتبة، ولا بطرك فما دونه، ولا أمير إلا والكل قد جذبتهم تلك العناية الربانية إلى اليقظة لحقوق
لم تكن تخطر على البال، ومطالب لم يتصورها الخيال.

ثالثا: واجب رجال التصوف
والصوفية مقبلون بالكلية على الحق، يرون واجبهم المقدس فى مثل تلك الحوادث الابتهال إلى الله تعالى أن
يحفظ المجتمع من الفتن المضلة، وأن يدفع عن عبيده وعباده نتائج غضبه، من الهرج والمرج، والظلم
والتظالم، حتى دعا واجب الوقت أن يكونوا عمالا لله تعالى قياما بمقتضي الوقت، والوقت يوجب علينا أن
نحرص كل الحرص على العمل لرد ضالتنا المنشودة، حتى نكون كما خلقنا الله تعالى أحراراً، متنعمين بنعمة
الدين والدنيا والآخرة، فإن مسرات النفس بنيل الشرف والمجد فوق مسرات الجسم بنيل الشهوات والملاذ،
ومسرات الروح بنيل رضوان الله الأكبر، والقيام له سبحانه وتعالى بما يحب ويرضي، فوق مسرات النفس
بالمجد والشرف، ولا سبيل إلى نيل خير الروح والنفس والجسم إلا التمتع بالحرية المطلقة، التى يكون بها
الإنسان آمنا على دينه ودنياه وحياته، وإذا عشنا فى تلك الدار الدنيا، لا حرية لنا، ولا رأي، يضيع الحق بيننا،
فلا يمكننا أن نقوم به، تلك الحياة ليست حياة إنسانية، بل هي أشبه بحياة أسفل الأنواع، فإن الله جل جلاله خلق
الإنسان حرا مريدا، وكان قادرا سبحانه أن يقهره بوضع أسباب تحيط به، فكيف يرضي الإنسان لنفسه أن
يكون آلة صماء تحت إنسان نظيره، ولابد لكل صوفي- لا أقول فى بلاد مصر بل فى أقطار الأرض – من أن
يعلن أنه لا يرضي لأي إنسان مهما كانت درجته دينا وعلما أن يري إنسانا نظيره فوقه إلا بالحق، كما يري
الأبناء آباءهم الرحماء، وكما يري التلاميذ معلميهم الأتقياء، وكما نري الأمة ولاة الأمور الأبرار الأخيار،
فيكون الحق جل جلاله هو العلي الكبير، الحكم العدل، وتكون منزلة الإنسان للإنسان بقدر قيامه للحق بالحق،
وقد آن لكل صوفي أن يعلن هذا الإعلان، رغبة فى نيل رضوان الله تعالى، وحبا فى الخير.
ولما كانت تلك المهمة وجداناً روحانيا كان القائم الداعي إليه داعيا إلى الحق، كائنا من كان، وإني أدعو رجال
الصوفية الذين هم أصدق قلوبا، وأخلص نية، وأسرع إقبالا على الحق، أن يتوجهوا إلى الله بقلوبهم، ليغيث
العباد من هذا الفساد، وأن ينبهوا العامة والخاصة إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى، ليكون الله تعالى معنا، بخفي
لطفه، وسريع إغاثته، وعجائب قدرته، فإنه قال سبحانه: (البقرة 189). وأن يرفعوا أصواتهم بعد الحلم والأناة،
والاستخارة والمشورة، حتى ينظر الله تعالى إلى عباده بعين رحمته وحنانه، ويمدهم سبحانه بعطفه وفضله،
وقوته وإحسانه، ويحسن أن يكون لكبار رجال الصوفية، ومشايخ البيوت، وحضرة شيخ المشايخ اجتماعات
يرفعون فيها الأمر إلى الله تعالى، ويكثرون تلاوة الأدعية المأثورة، وينبهون على الدراويش أن يصوموا أياما
لله، ويسهروا ليالي لله، ليتجلي الله سبحانه لعباده بما هو أهله من الكرم والإحسان، والعفو والعافية، والحفظ
والسلامة.
وإني والحمد لله قد شرح الله صدري لأن أكون أول من يدعو إلى هذا الخير، وألبي من دعاني إليه، والله أسأل
أن يجعلنا من عماله المخلصين، ومن الذين يهمهم هم إخوانهم، وخصوصا فى هذه الشؤون العظيمة، والحوادث
الهائلة، حفظنا الله وإخواننا من الفتن، والهرج والمرج، ومكن لنا فى الأرض بالحق، إنه مجيب الدعاء.

الفصل السابع
الصوفية هم رجال الرحمة والقوة
أولا: الصوفية نظروا إلى الدنيا بعين الاحتقار
والصوفية رجال نظروا إلى الدنيا بعين الاحتقار، فلم ينافسوا أهلها، ولكنهم اهتموا بتنبيههم إلى حكمة إيجادهم
فيها، وإلي الواجب عليهم ليكونوا سعداء فى الدنيا والآخرة، وأقبلوا بالكلية على تزكية نفوسهم، وتحصيل العلم
النافع الموصل إلى نيل الخير الحقيقي.
ثانيا: الصوفية أشد الناس تأثرا بالحوادث.
وهم مع استغراق أنفسهم فى نيل هذا الخير المنشود للنفوس الطاهرة أشد الناس تأثرا بالحوادث، لما جملهم الله 
له من الرحمة، فهم يعيبون على الإنسان- مهما كان دينه- إذا أخد سيفه وخرج ليلا يسلب مال غيره، وهو إنما
يؤذي فردا واحدا فكيف بهم إذا رأوا مجتمعا سلب الله الرحمة من قلوبهم، فأعدوا آلات الفناء، من مقذوفات
النيران التى تغوص فى البحار، وتطير فى الهواء، وتمر على الأرض مر السحاب لحصد نبات الله على
الأرض، ومحو النوع الإنساني الذي خلقه الله تعالى بيده، وسخر له كل شيء، وإذا رأي الصوفي هذا العمل، 
وهو الذي يفر من العمران إلى القفار، خوفا من رؤية ظلمة الفرد للفرد، كيف يكون حاله إذا رأي مجتمعا انفلتت
حقائقه الإنسانية إلى الحقائق الوحشية الشيطانية، والوحوش يأكل اللحم فيأكل الإنسان ليتغذي به، وهذا المجتمع
يمزق أجسام المجتمعات بشواظ النيران، لينال شهوة بهيمية.

ثالثا: الصوفية رجال الرحمة.
الصوفية رجال الرحمة الذين يشفقون على الشجرة أن يقطعوا غصنا منها وهي لا تحس، فإذا رأوا السباع
الكاسرة، والوحوش النافرة عدت على الأطفال والرجال العزل، فأصلتهم نار حامية، ماذا يكون حالهم؟ أيهملون
فى واجبهم حتى يعم غضب الله البر والبحر؟ أم يرون النيران تحصد فى إخوانهم ولا يشعرون بآلامها
فيتعرضوا لغضب الله تعالي؟، لا ولكنهم يقومون لله ورسوله، رحمة بالمظلومين، وبغضا للظالمين، ومسارعة
إلى نيل رضوان رب العالمين، فإذا تحركت تلك القلوب كان معها علام الغيوب.
أي قلب يعلم ظلم الإنجليز للمسلمين فى فلسطين ومساعدهم لليهود، وظلم الإنجليز للهند ومصر وسودانها،
وغيرها من البلاد الإسلامية، وظلم فرنسا لتونس والجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية، وظلم إيطاليا
لطرابلس الغرب وإرتريا والحبشة وغيرها من البلاد الإسلامية، وانتشار ظلم دول أوربا على الشرق وأهله،
أي حيوان حي يدرك تلك الفظائع ولا يرق قلبه؟ ولد الشرق رجالا أيقظتهم الشدائد.

رابعا: واجب الصوفية.
تنبيه اهل الظلم بعاقبة الأمر، وموعظة من أعانهم من المسلمين.

الفصل الثامن

الصوفية هم صفوة الله الذين اجتابهم من الأزل
علمت مبدأ الصوفية وقصودهم، وتحقق أيها الأخ- أمدني الله وإياك بروح منه- أن الصوفية رضى الله عنهم
جعل الله لهم نورا، استبان لهم به حقيقة الدنيا والآخرة، وحقيقة أنفسهم، وحكمة إيجاد الإنسان، وإمداده، وتسخير
الكائنات له فسارعوا إلى ما به نيل ما أعده الله للإنسان فى تلك الدار الدنيا، من بهجة بالعلم، والأنس بالشهود،
والعمل بمحابه ومراضيه سبحانه، وفي الآخرة من جوار أنبيائه الأطهار، وأوليائه الأخيار، وفي مسرات
فردوسه الأعلى، نظروا، وبعيون قلوبهم، إلى أنواع مراتب الوجود، فظهر لهم أن الإنسان وسط ما بين عالم
الملك والملكوت، فهو حيوان ملكوتي، مطالب بشكر النعمة للمنعم، مكلف أن يبحث-بما وهبه الله سبحانه من
العقل والفكر- فى نفسه، وفيما أحاط به، ليلحظ بسره أنوار الآيات فى نفسه وفي الآفاق، ليعبد الله بجسمه
وبروحه.
الصوفية هم صفوة الله تعالى، الذين أجتابهم الله من الأزل فوفقهم وأعانهم، وشرح لمحابه ومراضيه صدورهم،
لأن بدايتهم المجاهدة فى الطلب، فلو أنك ذقت حلاوة سر تلك المجاهدة علمت مقدار عناية الله بهم، لأنهم لأيشيء يجاهدون؟ ومن يجاهدون؟ وفيمن يجاهدون؟

أهل الصفا فروا من الأكوان               للمنعم الوهاب والرحمن
لله قد فروا بصدق عزيمة                  من عالم الملكوت بل وجنان
لم يلههم كون الفساد لأنهم                  قد سارعوا للروح والريحان
أنس الرجال بربهم وبحبه                  فازوا بنيل وصاله الرباني
أهل الصفا شهدوا الجميل بلا خفا         هاموا به فى حظوة الرضوان
قد لاح وجه حبيبهم لقلوبهم                 نالوا الصفا بالفضل والإحسان
أهل الصفا شهدوا الجمال عبانا            فقهوا العلوم ورتلوا قرآنا
فروا من الأكوان فى الرضا                شهدوا جمال الله لاح بيانا
أولاهمو الرحمن فقه كتابه                 أعطاهموا الإقبال والإيمانا
لم يلههم كون الفساد لأنهم                  نالوا رضاء الله منه حنانا

الباب الثاني

في علوم الصوفية وأحوالهم
الفصل الأول: تعريف علم التصوف

التصوف عطر للنفس يزكيها، وشعاع للروح يلطفها، ونفحات للحس يرهفه، وومضات للعقل يضيئه ويهديه، وهو الغذاء الروحي لكل نفس، والقبس الإلهي المضيء لكل قلب، الخصيصة الإنسانية التى استجابت لآدم وتاب من معصيته فتاب الله عليه. جاءت رسالات الله إلى الخلق بمنهاجه، وانجلت عمايات النفوس بنوره، ورسمت المثل العليا بنبضات أنفاسه، وخطوات رجاله.


والتصوف عطر النفس الزكية، وشعاع الروح العلوي.. يشرق على الحس فيزكيه. وعلي العقل فيضيئه، وإلي الشهوة فيهدئها.. وهو الروح للنفس، والقبس الإلهي للقلب، والخصيصة التى يمتاز بها الإنسان عن بقية العوالم، وما أسعد الإنسانية إذا أشرقت الأرض بنور ربها، وتنسمت النفس عبير طيب التصوف العبق، وشربت من راح المعرفة الإلهية الطهور.

والتصوف علم إذا سلكت طريقه أماتك الحق عنك، وأحياك به، وهو ذكر من اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع. والصوفي دائم التصفية، يصفي الأوقات من شوب الأكدار، بتصفية القلب من شوب النفس، والصوفي مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس، قال تعالى: (المائدة:8). وهذه القوامة لله على النفس هي التحقق بالتعرف.

هو العلم يزكي غراميا                      ويجلي لروحي الوجه أماميا
هو العلم قصد وهو ثم وسيلتي             لنيل الرضا حتى أنال مراميا
ولم أتعلم كي أنال وجاهة                             تزول وتبقي عارها وعذابيا
هو العلم يجذبني إلى الله خالقي            هو العلم للحق اليقين دعانيا
به رفعتي أرقي عن العلم حاضرا                   فناء عن الأغيار نلت المراضيا
أشاهد معلومي بعملي عاملا               به فانيا عني شهدت المعانيا
فلم يحجبني العلم عن سر طلبتي           لأن جمال الحق قد صار باديا
هو العلم قربني لربي خشية                فصرت به بالله لله داعيا
لروحي معلومي تراءي فصح لي                   فنائي عني صار لي العلم هاديا
هو العلم يجلي لي معانى قدسه             بغير مساس النار أسقي مداميا
يعلمني الرحمن معني كلامه               فأفقهه لقد منحت الأياديا
هو العلم جذاب القلوب إلى الهدي                   عليك به تعطي الرضا والمعاليا
ففي كل ذرات الوجود عوارف            تدل على الغيب الذي كان خافيا
تسبح ذرات الوجود بحمده                  وبالعلم تسمعها إذا كنت تاليا
هو العلم حصن الأمن نور به الصفا      به تشهد الإحسان فضلا مواليا
هو العلم علم الله يعطيه من يشا            يحيط به من شاء يعطي الأمانيا
ولولاه لم تزل نفوس ولم تنل               رضا الله فى الآخري نري الله واليا
وليس بكسب أو عناء وإنما                تنال بفضل الله جل موافيا
هو العلم نور الله يعطي بفضله            تعرض له المني والأمانيا




الفصل الثاني: الطريقة والشريعة

سبق لي فى غير هذا الموضوع إنى  بينت مدلول ( شريعة وطريقة ومنهاج وصراط وسبيل) واحد، وكلها ألفاظ مترادفة، دالة على المسافة التى يلزم أن يتجاوزها من الدنيا إلى الآخرة، ومن الآخرة إلى المكون سبحانه وتعالى، وهى المسافة التى لا نجاة للعبد إلا بتجاوزها على الصراط المستقيم. وتلك المسافة شاسعة، طويلة الشقة، صعبة المشقة، إلا على من يسر الله لهم السلوك، وسهل عليهم مراحلها، وأنعم عليهم بالمرشد الكامل، الذي يبين لهم سبيل الله، ويوضح لهم حكم أحكام الله، ويشرح لهم خفي أيام الله، ويشهدهم فى أنفسهم وفي الآفاق آيات الله، ويعالج أمراض نفوسهم، وأسقام قلوبهم، بما أمر الله به، من قوله سبحانه: (النحل: 125). فالحكمة لآهل الاستعداد الذين سبقت لهم الحسنى، وحصلت منهم الرغبة فى الحق، والشوق إلى ما عنده سبحانه، وهي بيان أسراره، وكشف غوامض آياته، وشرح مكنون حكمه سبحانه وتعالي، والموعظة للمؤهل الذي سبقت له الحسنى، ولكنه ملتفت ببصره إلى غير من يجب أن يواجهه، والموعظة هي التنبيه إلى ما يجب على العبد، وهي الذكري، لآن من شهد شيئا، وتصوره، والتفت عنه، يذكره، ولذلك فإن الله تعالى قال: (والموعظة الحسنة) ولم يقل الحكمة الحسني، لآن الحكمة حسنة، والموعظة تذكير من شهد مشهدا وشغله غيره ليلتفت إلى مشهده الأول. وأما المجادلة: فهي لمن لم يكن فيه أهلية ولا استعداد، فتقام عليه الحجة بالتي هي أحسن، حتى لا يحصل له النفور، وأشار الله تعالى بقوله: (بالتى هي أحسن) لتكون الحجة قائمة عليه، فإن وفقه الله تعالى أقبل مطمئنا، وإن لم يقدر له توفيقه أدبر، وقد قامت عليه حجة الله تعالى قال تعالى: (الأنعام:149). فمن أسعده الله تعالى بمرشد عالم بطريق الوصول، ورزقه الله التسليم له، كان ذلك أكبر دليل على سعادته فى الدنيا والآخرة. ولما كانت تلك الألفاظ كلها مترادفة، كان قولنا شريعة وطريقة، بمعني واحد. ولكن اصطلح السلف الصالح على أن يضعوا لفظ طريقة علما على تلاميذهم، الذين تفرغوا لتلقي العلوم، وللعمل بها، وأقبلوا بكليتهم على مجاهدة أنفسهم، ليتجاوزوا تلك المسافات الشاسعة. ولما كان لابد من أخذ العهد على عباد الله لله، وقد أخذ الله العهد على رسله الكرام بواسطة ملائكته، وأخذ العهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، وأخذ الرسل العهد على أممهم لله، ولما كان سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، قام العلماء الربانيون فى كل زمان، بالنيابة عن جنابه المحمدي صلى الله عليه وسلم لآخذ العهود من أهل زمانهم لله سبحانه وتعالى مبينين لهم سبل الله، موضحين لهم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مصدقين القول فى العهد بالحال، فإن الحال يصدق المقال لذلك صار لفظة الطريق علما على طائفة مخصوصة، هم تلاميذ العلماء الربانيين، الذين يتلقون عنهم أسرارهم ويتشبهون بهم فى أقولهم، وأعمالهم، وأخلاقهم، وأحوالهم، ويسارعون فى العمل بما يعلمونه منهم ومن انتسب إلى الطريق ولم يكن مسترشدا على يد مرشد عالم رباني، عامل بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس من أهل الطريق، ولكنه مدعى.



فالطريق إذن عمل بالعزائم فى الشريعة المطهرة، لأن الشريعة تجمع الرخص والعزائم، ولفظ الطريق صار خاصا بأهل العزائم، وهذا شيء معلوم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن كثيرا من أصحابه صلى الله عليه وسلم عكفوا فى مسجده صلى الله عليه وسلم آخذين بالعزائم، متفرغين لتلقي الأسرار المحمدية، والأنوار القرآنية، وبهم-رضى الله تبارك وتعالى عنهم-اقتدي الخلف بعد السلف، فهم أئمة أهل الطريق وقادتهم. ودام الأمر على هذا حتى كان الرجل إذا رغب فيما عند الله، خرج سائحا على وجهه، يفتش عن المرشد، فلا يقر قراره إلا بعد أن يصل إليه، فإذا وصل إليه عكف عليه. ومن أحب أن يعلم سيرتهم فليقرأ تراجمهم عليهم افضل الصلاة والسلام، فانهم هجروا الأوطان، وفارقوا الأهل والأولاد، سعيا فى طلب الرجل الدال على الله، بقوله وعمله وحاله، ولا يخلو زمان من الرجال المجددين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القائمين بحجة الله. ولا خلاف بين الشريعة والطريقة، لأن أهل الطريق اهتموا بعمل القلوب، لأن أساس الخير كله عمل القلوب، ولعلك تعلم أن النفاق قد يخفى على كثير من العلماء، فقد يكون الرجل منافقا وهو يحسب نفسه من أكمل الموقنين، وذلك من عدم عنايته بعمل القلوب، واهتمامه بظاهره. وجلي أن القلب محل نظر الرب سبحانه ولذلك سارع رجال الطريق إلى صفاء قلوبهم، وتخليتها من النجاسات، لتخلص لهم الإرادة، ويكمل لهم القصد وتصح العزيمة، حتى يبلغوا درجة فقه القلب، وكم من فقيه اللسان جهول القلب، وكم من فقيه القلب جهول اللسان، وإنما هي مراقبة الله جل جلاله بالقلوب، تكسبها خشية، وخوفا ورهبة، وحبا وثقة به جل جلاله، وصبرا على مر قضائه وقدره، أو رضى عنه فى كل شئونه سبحانه.



ولعلك تسألني قائلا: إنك تقول لا خلاف بين الشريعة والطريقة. مع أنا نري الخلاف بين كثير من الناس، فتري أهل الطريق ينكرون على غيرهم، وغير أهل الطريق ينكرون على أهل الطريق إنكارا مرا، حتى يرموهم بالبدعة والضلالة، والخروج عن الشرع؟.



فأقول لك يا أخي: لا يلزم من حصول الإنكار وجود ما ينكر عليه، أو الاختلاف بين الشريعة والطريقة، ولكن ما تراه من الخلاف بين الناس فى مثل هذا، فهو للجهل بأصول الطريق ومآخذها، أما الإنكار من أهل الطريق على غيرهم، فلم يكن ذلك من علمائهم، ولكنه من بعض من يؤذيهم إنكار المنكرين، وإن كان ثم إنكار، فهو على الشخص المنسوب للطريق، الذي يخالف أحكام الشريعة، مدعيا أن ذلك من الطريق، وهو كاذب، لأن الطريق هو روح الشريعة، والأخذ بعزائمها.

وليس من أهل الطريق من خالف صريح السنة، ولجهل الناس صاروا ينكرون على الطريق إذا شهدوا رجلا من أهلها يعمل ما يخالف الشريعة، وكذلك إنكار أهل الطريق على العلماء، لأنهم رأوا من يدعي العلم يعمل بغير علمه، فالإنكار على عمل الأشخاص لا على الطريق، والطريقة منهاج المخلصين. والحقيقة أن الشريعة اسم جامع للعزائم والرخص، قال تعالى: (البقرة:194). وقال سبحانه: (الشورى:40)  فمن اعتدي على من اعتدي عليه عمل بالشريعة، ومن عفا واصلح عمل بالشريعة، ولكن من عفا وأصلح تميز عن غيره، لأخذه بالعزائم،وصلى الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.



الفصل الثالث: الشريعة والحقيقة

لا خلاف بين الشريعة والحقيقة، فإن الشريعة حقيقة، والحقيقة شريعة، فالشريعة فى الاصطلاح أمر بالقيام بواجب العبودية، والحقيقة شهود معانى الربوبية. ولا يكون المسلم مسلما كاملا إلا إذا وفقه الله، فالتزم العبودية، وتفضل الله عليه فأشهده معانى الربوبية، فشاهد فى الشريعة أسرار حكيم، وفي الحقيقة أنوار قادر، ومن أحاط بالشريعة علما، والتزم العبودية، ولم يشاهد معانى صفات الربوبية، فغير مقبول، وكل من شاهد معانى صفات الربوبية ولم يتقيد بالشريعة لم يفز بمحصول.


سبيل التحقق مسلك الأرواح                         هو الغيب محظور على الأشباح
منار معالمه خفي عن النهي                         وأسراره لم تبد بالإفصاح
نعم هي سبل الله يهدي بنوره                        أولي القرب والإخلاص سبل فلاح
ومن جاهدوا فى الله يبغون وجهه                             يناوله الوهاب صرف الراح
يريهم من الملكوت أي جماله                        وأسرار غيب بالضيا الوضاح
بها يعرف الإنسان رتبته التي                       بها يحظى بالبشرى ونيل سماح
ويعرف مولاه العلى تنزهت                         مكانته عن حيطة الأرواح
يجمل بالتحقيق بعد تمكن                                      من العلم بالأحكام والإصلاح
وتحقيقه بالعجز والعجز علمه                       وعجزي عن الإدراك كل نجاحي
وأما سبيل العلم بالحكم ظاهرا                       بكسب وتعليم فللأشباح
وشتان بينهما فهذا مدامة                                       وذاك على الإجمال كالأقداح





الفصل الرابع: السالك والسلوك


الرجل السالك حقيقة من ذاق حلاوة الإيمان، بسر أضاء بالعلم الحق، وتحقق باليقين الكامل، وظاهر فظهر بعلوم الشريعة، عاملا بما علم، حتى تكون أخلاقه كاملة، بمعني أنه يتحقق كل إنسان سواه مجمل بجمال الأخلاق، وأنه محتاج بأن يتخلق بما عليه غيره، من حسن الأخلاق، وصحيح الأعمال، وذلك لأنه لا يجالس إلا أهل الخير، ولا يعاشر إلا أهل الصلاح والعلم، لأن السالك من سلك طريق الخير، لحبهم له، وحبه لهم، وميله إلى اتباع مناهجهم، فهو لا يهوى إلا أهل التقوى، التى تزكت نفوسهم، والأبدان التى تخلت عن خبث الصفات، وقبيح الأعمال، وتحلت باتباع الشرع، والعلم بما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتباعد عن مجالس اللهو والفسوق، وأهل الغرور بالله تعالى الجاهلين المستدرجين، فهذا السالك لا يقع نظره إلا على نقي مقرب، أو زاهد عابد، أو فقير مبتلي، فيكون ساخطا على نفسه وتقصيره، شاكرا ربه على نعمه ونواله، لا يزداد فى كل نفس إلا قربا إلى الله تعالى، وشوقا إليه، وذما لنفسه، وتخلية لها، وطهارة لأخلاقة، وتجملا بكمالها، فلا يري على البسيطة أقبح عملا منه، ولا أجهل منه، ولا أحوج منه، وبذلك  يحبه الله، ويجمله بأخلاقه الربانية، ويحليه بنور عيون الشرع الشريف، فيحبه الناس أهل الخير، ويألفونه، فلا يزداد من الله إلا قربا، ومن الناس إلا حبا، يتباعد عن الدنيا فتطلبه، ويجد  فى القربات فيجعله الله متيسر الأمر، منشرح الصدر، تتولى عليه البشائر، وتوافيه الخيرات والبركات، وهو ذلك المشغول بربه، الخائف منه، الراغب فيه، فإذا أحبه الخلق، وتوالت عليه النعم، وجب عليه الفرار إلى الله من الركون إلى تلك الآثار، التى ربما شغلته، فجعلته يعرض وينأي بجانبه، وهي نقطة المحنة، ومكانة الفتنة، وقال الله تعالى: (الإسراء:83). وهذا سببه أنه لم يخرج من إنسانيته، ولم يتطهر من بشريته، و الأحرى بمن هذا شأنه، الفرار من الخلق، والتباعد عنهم، حفظا على نفسه من القطيعة، أما السالك الصادق ، فهو ذلك العبد، وإن متع بكلمة كن لا تحجبه الآلاء عن عظمة المنعم، ولا تشغله الآثار عن خوف مقام المؤثر، ولديها يرث الأحوال النبوية، ويتناول من كوثر التحقيق شرابا طهورا، يتلقى به من ربه سبحانه أسرار المعرفة، وآيات القربات، وعيون حقائق الأعمال والمعاملات، وبذلك يصلح أن يكون رجلا من أفراد الرجال، المخصوصين بخلوته وجلوته، وقد يتحقق الرجل بكل تلك المقامات بسابقية الحسني، فتفاض عليه حلل الإقبال والقبول، فضلا من الله (يونس :58) وهم أهل العناية، المطلوبون للحق بالحق، أنظر إلى الصديق الأكبر، وإلي باب  الفتوة لسان النبوة حيدرة، وإلي سلمان الفارسي، وبلال، وأمثالهم عليهم السلام كيف اختطفهم العناية ففازوا بالخصوصية المحمدية، بباعث نفساني بدون سابق جدل أو معارضة أو بحث (الجمعة: 4). وهكذا فى كل زمان، أفراد جذبتهم العناية، فكانوا نجوم الدين، وشموس السنة، وبدور الشرع، بهم ينظر الله تعالى إلى عباده، وبهم يسبغ رحمته، وبهم ينزل الغيث ويمهل الظالمين( الأنفال:23). ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى هؤلاء الأفراد حالا وقولا، وعملا بحقيقة الرسالة للوراثة المخصوصة و(وفيكم رسول الله) (الحجرات: 7). إذا تحقق عبد الذات بهذا المقام، كان فرد الحق المخصوص بأنه بأعينه، لنيابته عن السيد الأكمل صلى الله عليه وسلم.

أهل السلوك على الطراط تفردوا                    بالاتباع لهدي طه أيدوا
فروا إلى الله العلي بهمة                              منه به فى سيرهم قد سددوا
غابوا عن الكونين شوقا للقا                          وبسابق الحسنى لهم منه هدوا

الفصل الخامس: سيرة العالم الرباني

العالم عزيز على الباطل، ذليل للحق، كاظم للغيظ عمن آذاه، شديد البغض لمن عصي مولاه، يجيب السفيه بالصمت عنه، والعالم بالقبول منه، لا مداهن، ولا مشاحن، ولا طعان، ولا لعان، ولا مغتاب، ولا سفيه، ولا جاف، ولا فظ، ولا غليظ، ولا سباب، يخالط من الإخوان المعوان على طاعة الله، ومن ينهاه عما يكره مولاه، ويخالق بالجميل من لا يأمن شره إبقاء على دينه، سليم القلب للعباد من الغل والحسد، يغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين فيما أمكن فيه العذر، لا يحب زوال النعم عن أحد من العباد، يداري جهل من عامله برفق، إذا تعجب من جهل غيره ذكر أن جهله أكثر فيما بينه وبين ربه عز وجل، لا يتوقع له بائقة، ولا يخاف منه غائلة، الناس منه فى راحة، ونفسه منه فى جهد، ومن كانت هذه صفاته وأخلاقه وسيرته، جعله الله وارث علم الأولياء، وقرة عين الأتقياء، وطبيبا لقلوب أهل الحياء.

العالم من يأمن شره من خالطه، ويأمل خيره من صاحبه، لا يؤخذ بالعثرات، ولا يشع السوء من غيره، ولا يسيء الظن بمن حوله، ولا يقطع بالإشاعات والمفتريات، يعفو ويصفح عمن عاداه، فلا يفشي سره ولا ينتصر منه ولا ينتقم.

العالم من يكون لله شاكرا، وله ذاكرا.. دائم الذكر لحلاوة حب المذكور جل جلاله، منعم القلب بمناجاة الرحمن، يعد نفسه من شدة اجتهاده مخطئا مذنبا، ومع الدءوب على أحسن الأعمال مقصرا.. لجأ إلى الله فقوى ظهره، ووثق بالله فلم يخف غيره، استغني بالله عن كل شيء، وافتقر إليه سبحانه فى كل شيء.. أنسه بالله وحده، ووحشه ممن يشغله عن ربه.. إن ازداد علما خاف توكيد الحجة، وأشفق على ما مضي من صالح عمله ألا يقبل منه، همه فى تلاوة كلام الله الفهم عن مولاه، وفي سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقه لئلا يضيع ما أمر به.. متأدب بالقرآن والسنة.. لا ينافس أهل الدنيا فى عزها، ولا يجزع من ذلها.. يمشي على الأرض هونا بالسكينة والوقار، وقلبه مشتغل بالفهم والعبرة.. لا يفرغ قلبه عن ذكر الله أبدا، وإن فرغ فمصيبته عظيمة، وإن أطاع الله بغير حضور قلب فهو عنده الخسران المبين.. يذكر الله مع الذاكرين، ويعتبر بلسان الغافلين.. عالم بداء نفسه، ومتهم لها فى كل حال، اتسع فى العلوم فتراكمت عليه الفهوم، واستحيي من الحي القيوم، شغله بالله فى جميع أحواله متصل، وعن غيره منفصل.



ومن أوتي من العلم ما لا يبكيه فخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله- عز وجل – نعت العلماء، فقال تعالى: (الإسراء:107) . وهكذا وصف الله العلماء بالبكاء والخشية والطاعة والتذلل فيما بينهم وبينه.

والعالِم نجاة العالَم، فإذا نزع الله الرحمة من قلبه نزع معها النفع بالعلم، وصار العلم من النقم بعد أن كان أعظم النعم، وقد كان إبليس من كبار العلماء فأهلكه علمه، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه ليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم جهلكم" قال تعالى: (الروم:7). فمن ادعي العلم ولم يتواضع فهو عالم بعلوم إبليس، قال تعالى: (الجاثية:23). أعوذ بالله من علم هو عين الجهل، بل يكون الجهل أقرب إلى الخير منه، لأن الجاهل يسعي ليتعلم، ولكن الآخر قد ملكه الغرور، فباعد بينه وبين التواضع.



لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعطوها غير أهلها فتظلموها.

إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعرفه إلا العلماء بالله، فإذا ذكروه أنكره أهل الغرة بالله. ومن أباح لطائفة من المسلمين علما ليسوا له أهلا، فقد أخطأ آداب العلماء.



سكينة العالم دليل على تمكنه، وبرهان على الرسوخ فى العلم، بخلاف الانزعاج والرعونة وعدم التروي، فإنها جلائل على عدم البيان والتحقيق. والرحمة من أخص صفات العلماء، لأن العالم وارث سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأجمل صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما أثبتها الله تعالى له (التوبة:128).

(القلم:4).(آل عمران:159).



فإن قيل من العالم؟ هو المتصور للشيء على حقيقته.. فإن قيل: ما العلم؟ فيقال: هو صورة المعلوم فى نفس العالم.. فإن قيل: ما الحي؟ فيقال: المتحرك بذاته.. فإن قيل: من القادر؟ فيقال: هو الذي لا يتعذر عليه الفعل متي شاء.. فإن قيل: ما الفعل؟ فيقال: أثر من مؤثر فى مؤثر فيه.. فإن قيل: ما معني الباري تعالي؟ فيقال: مبدع المبدعات، ومخترع الكائنات متقنها ومتممها، ومكملها، ومبلغها إلى أقصي مدي غاياتها ومنتهى نهاياتها، بحسب ما يأتى  فى كل واحد منها.

الفصل السادس: طبيب الأرواح و علاماته

أولا: طبيب الأرواح

إن النفوس لتمرض كما تمرض الأشباح، وإن مرض النفس أنكي من مرض الأشباح، فإن الجسم إذا مرض سينتهي إلى الموت، والنفس إذا مرضت ستنتهي إلى نار جهنم، ولابد من الموت، فتجب العناية بمعالجة النفس قبل معالجة الجسم، فإن سعادة النفس بها سعادة الجسم الباقية، وسعادة الجسم لا تستلزم سعادة النفس.

طبيب الأرواح هو إنسان جمله الله تعالى بالعقيدة الحقة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والمعاملة الحسنة، ومنحه ما هو فوق ذلك من الإذن بالبيان، وعلم سيما الناس، قال سبحانه:(الأعراف:46). فأمكنه أن يبين الحقائق لكل طبقة من الناس بقدرهم، وأن يعالج أمراض النفوس بما تنجذب به لحضرة القدوس، وهو فى عصره أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم خلقا وخلقا.

ثانيا: علامات طبيب الأرواح

أكبر علاماته ما وصفه الله تعالى به فى قوله سبحانه:( المائدة:55). وفي قوله تعالى: (الحج:41). وما وصف الله به أهل معية رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آخر الفتح، ومن علاماته زهد فى الدنيا، وفقر فى غني، وذل فى عز، وخشية من الله تعالى مع كمال الإقبال عليه سبحانه، وحب فى الفقراء، ودوام مراقبة الله تعالى، وحرص على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب النصيحة لجميع الخلق، وبعد عن زيارة الأمراء والأغنياء، وتحمل لشدائد، وعفو مع المقدرة، وإيثار مع الحاجة وغيرة لله مع المسكنة، وعلم يضيء فى ظلمات الشبهات، وأهم علاماتهم أن يغضبوا لله، وأن يرضوا لله، ومن هم؟ وأين هم؟ قلوا- والله-وهم سراج الدنيا، ومصابيح الآخرة. واختفوا وهم شموس مشرقة فى ملكوت الله، واحتقرهم الناس رغبة فى الدنيا، وبهم سعادة العالم أجمع، كما قال على عليه الصلاة والسلام فى الحديث الطويل: وأين هم؟ ومن هم؟ وا شوقاه إليهم، اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة، إما ظاهرا مشهورا، وإما باطنا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته.



الفصل السابع: تنبيه للسالكين من الاقتداء بالمضلين


كثر أطباء الأشباح كثرة فاقت الحصر، وانتشر بين الناس دعاة إلى الشر، يدعون الناس إلى غضب الله، ظاهرهم ظاهر الأنبياء، وقلوبهم قلوب الشياطين، حفظ الله جماعة المسلمين من شرهم، وصدق الله العظيم فى قوله: (النساء:114) وهنا ننبه السالكين إلى هذا الأمر العظيم، لأن اقتداءهم بالمضلين موجب لغضب الله تعالى، وكيف لا والحق لا يخفي على مسلم، لأن النجاة لا تتحقق إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يقتدي مسلم بمن يخالف أحكام القرآن، وأعمال النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأصل المحبة إنما هي لله ولرسوله، قال الله تعالى: (الزخرف:67).



الفصل الثامن: معانى صحبة المرشد


السالك فى طريق الله تعالى يصحب المرشد لمعان ثلاثة: المعني الأول: تحصيل العلم النافع. المعني الثاني: تلقين فى العمل الذي  هو من صحيح السنة. المعني الثالث: تمرينه على اكتساب الأدب اللائق للوصول إلى الله تعالي. قال موسي وهو من أولي العزم للخضر وهو ولي مرشد ملتمسا معه الصحبة: (الكهف:66). فعلم الخضر من موسي أنه يريد أن يتعلم سر الإرادة، ومضنون سر القدر فقال: (الكهف: 57). كما اخبر الله تعالى: (الكهف: 68). ومع ذلك فإن السالك يلزمه أن يحصل العلم، وأن يعمل به، حتى تزكو نفسه، ويزول لبسه، وبعد ذلك يكاشف بأسرار الغيب فى الكائنات وفي نفسه، ويغيب الغيب لما يلقيه المرشد عليه، بدليل قوله تعالى: (الكهف: 68). مع إنى  تلقيت هذا العلم من عند الله فأنا أبرزه فى صورة إشارية، لم يسبق لك تحصيل العلم بأصولها، فأجابه موسي علية الصلاة والسلام: (الكهف: 69). ولما كان علم الخضر يباشر تلك الحقائق، التى يبرزها فوق علم اليقين، بل هو فى مقام عين اليقين، سلم له، معتقدا عدم صبره من دلائل العلم بأصول تلك الحقائق التسليم للمرشد فى جميع أقواله وأعماله وأحواله، تسليما خالصا من غير ريبة ولاشك، ولكن يلزم أن يكون مع الابتهال إلى الله تعالى أن يكشف غوامضها، ولكن الكليم عليه السلام لأنه من أولي العزم لا يقوي على التسليم للخضر، بل كانت تدعوه مكانته من الرسالة إلى كشف سر كل حدث يحدثه الخضر. والمرشد لا يُسأل، ولكنه يبين للسالك تلك الحقائق بحسب ما يرد عليه، فدعت الحقائق موسي أن يسأل على كل حدث، فأجابه الخضر عن الأولي الغيب، وعن الثانية بعد التنبيه، عن الثالثة وفارقه.

مرقي الوصول إلى المقام الأكمل                             حسن اقتداء بالولي الكامل
صدق الإرادة فى اتباع سبيله                        إذ كل فضل الله صدقك للولي
كن أنت هو فى قصده ومراده                       وكن الذليل له ومنزله عَلِ
أسرع إذا أيقنت أن مراده                                      في أمره وبدا لقلبك كالجلي
لا تفعلن غير المراد لو أنه                           أبدي لك الأمر الشديد بمجمل
وإذا فعلت الأمر وهو مخالف                        تب نادما منه يغير تأول
فلهم شئون لا يلوح خفيها                                      إلا لميت عن هواه بمعزل
قد يأمرون بغير ما هو قصدهم                      ومرادهم يبدو لفرد عامل
طورا تراهم والبشاشة حالهم                         ومقامهم حقا بأرهب منزل
آنا تراهم فى انقباض ظاهر                          شهودهم ينبي بسر تجمل
فاحذرههمو فى قبضهم أو بسطهم                            وكن الولي لهم بسر تنزل
وابذل لهم قبل الإشارة كل ما                        تملكه من مال وجاه واصل
ولدي الإشارة فابذل النفس التي                      تعطي بها وجه الجميل الأول
وكن المقصر دائما لو أنهم                           رفعوك أعلي رتبة أو منزل
وإذا بذلت النفس من مرضاتهم                      فتحقق التقصير كل تساهل
وبذالك تعطي الفضل والرضوان من               مولاك بالزلفي وإحسان الولي
ياذا العطايا والهبات فوفقهن                         روحي لتحظي بالجميل الأزلي
جمل حبيبي ظاهري مع باطني                     بجمال فضلك يا مجيب السائل
وعلي الحبيب المصطفي شمس الهدي             منك الصلاة مع السلام الأكمل

الفصل التاسع: أدب السالك



كل سالك يتأثر بأذنه يجب أن يفر من أهل البدع المفتونين، ومن أهل الشرور المبطلين، حتى تتلقي نفسه من عالمها الأعلى، فتكون له الحجة على من خالفه بعد اتضاح المحجة.

للسالك نشوة من خمرة المحبة تجعله فى التمكين، فى مقامات القربة، فلا يضره المخالف وإن كان ذا سلطان قاهر، ومثل هذا السالك محجوب مراد، أينما حل أفاد، وللعناية أفراد سبقت لهم الحسني، ليس بين الرجل منهم وبين الوصول إلا أن يسمع الحكمة من فرد موصول، وإن الوصول إلى الله تعالى لأهل هذه المقامات بكلمة واحدة، وبرهان ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. سمعوا كلمة التوحيد فبلغوا مقامات التحقيق. والمراد بهذا المقام العلي قد ينتفع بالحكمة ممن هو غير أهلها، فإنها تفك رمز كنوز الغيوب، وتصرف عن النفوس الشك والريب، ولعلك فقهت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب مبلغ أوعي من سامع)(رواه البخاري فى كتاب الفتن الباب 8، وكتاب العلم الباب 9، وكتاب الحج 132، والترمذي فى كتاب العلم الباب 7، والدارمي فى المقدمة الباب 24، وابن ماجة فى المقدمة الباب 18، وأحمد فى الجزء الخامس صفحة 39،45،49،72).

قال الله تعالى: (المائدة:54). ويفهم أن (سوف) هذه تفيد أن هؤلاء القوم يأتون بعد أن يرتفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وأهل هذا المقام ما فقدوا إلا الجسم المحمدي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه معهم حيث كانوا، لم يفارقوه نفسا.



الفصل العاشر: أدب السالك مع المرشد


لما كان المرشد صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للسالك، والسالك الصادق تتولي عليه الواردات التى تدعوه إلى طمأنينة القلب، ولا يطمئن القلب إلا بالبيان، كل البيان، والمرشد أعلم بقواه القابلة منه، وقد يمتحن تسليمه بعمل ما تنزعج منه العقول، أو يقول ذلك لتقوم الحجة على كمال تسليمه،(النساء:65).

والميزان الراجح فى هذا عمل موسي مع الخضر عليهما السلام، قال الله تعالى مخبرا عن موسي مع الخضر عليهما السلام: (الكهف :66-69).

انظر يا أخي إلى تلطف موسي وتواضعه، وإلي خشونة الخضر وتصريحه بما لا تقبله النفوس الكبيرة، فضلا عن نفوس الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن هذا القول امتحان منه ليعلم قوة تسليم موسي عليه السلام، وفي هذه الآية أكبر عبرة للسالك والمرشد، فإذا قال للمرشد: لم، بعد أن قامت الحجة، ووضحت المحجة، على أنه يصحب مرشدا كاملا، كان ذلك نقصا فى حسن اتباعه له. وانظر إلى فعل الخضر الذي يخالف ظاهر الشريعة، وكليم الله إمام الشريعة وأكمل الناس غيرة لها، وكيف لا؟ وقد سأل الله أن يهلك فرعون ومن معه غيرة للشريعة، ومن هذه الآية الشريفة وجب على السالك أن ينظر إلى المرشد بعين الروح، لا بعين العقل، لأن المرشد الكامل يعمل واجب الوقت، لأنه ألهمه الله تعالي.. علم ما لم يعلمه الناس، وفقهه فى الدين.. إلا أن السالك يجب أن يقف عند حد الشريعة فيما يختص بنفسه، غير منتقد ولا متأول، حتى يكشف له المرشد عن الحقائق التى يطمئن بها قلبه بعد التسليم للمرشد، فإن طمأنينة القلب فوق الإيمان قال الله تعالى لخليله عليه الصلاة والسلام: (البقرة:260). وطريقنا كله أدب، ولا أدب إلا بالمحبة، ولا محبة إلا بالعلم، ولا علم إلا بالاستقامة، ولا استقامة إلا بالإيثار. اللهم اهدنا صراطك المستقيم يا رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.

لدي مجمع البحرين فى المطلع الحد                تراءيت سر الجمع فى الوصل والورد
تذكرت موسي والفتي فى سياحة                    فرارا إلى الرحمن فى جذبة الود
إلي العبد يرجو كشف سر حقائق                    من الغيب بالتأويل فى بغية الرشد
فخرق السفينة رمز سر تواضع                     فيسلم من شر النفوس ومن ضد
وقتل غلام فيه إشارة                                  إلي قتل نفس الطبع بالعزم فى العهد
ورفع جدار فيه حفظ أمانة                           لتعطي لأهليها بصدق  بلا رد
وفي علمنا التأويل رمز إشارة                       ليفقهها أهل المقام بلا كد
علوم علت عن درك عقل وفكرة                    بها يجحد الخب اللئيم لدي العبد
وفي مجمع البحرين لاحت حقائق                            بها شاهدت روحي جمالا من المجد
من البحر ماء الملح كونت نيلنا                     رجعت إليه تبتغي بهجة العود
وقد صاغنا الرحمن صورة حسنة                             إليه يعيد العارفين كما يبدي
إليك اجذبنا واجمعنا برحمة                          فإنا شهدنا مجمع البدء فى الحد
رأيت نعم بحرين نيلا وأبيض                       لقد جمعا والأصل يجمع بالقصد
من البحر بحر الروم يانيل فادكر                             أيا أيها الإنسان سابقة الوعد
بيمناه جل الله صاغك صورة                        وأظهرك الرحمن فى الكون للرد
أعدنا إلى الرحمن فى حلة الرضا                             إلهي وأيدنا بحبك فى الورد
أمتنا على الإسلام واجعل قبورنا                    رياض جنان فى ابتهاج وفي سعد
لنا فافتحن كنز العطايا عميمة                       وهب سيدي الرضوان والفضل مستجد
وأولادنا أكرم بفضلك والرضا                       لإخواننا هب واسع الفضل بالود

الباب الثالث


من أسرار الصوفية فى العلم والإيمان
الفصل الأول: حاجة المجتمع إلى علم الآخرة وعلمائها
إن احتياج المجتمع إلى العلم والعلماء فوق احتياجه ‘إلي الخبز والهواء والماء، وليس العلم الذي هو ضروري للإنسان ما يحصله لينال به جاها فى دنياه، ومنزلة عند الوزراء والأمراء، وتيسير لكمالياته، فإن هذا لا يسمي علما، بل هو فن أو حرفة، وكل فرد من بني الإنسان ينافس فى تلك القصود فوق منافسة الأسود لاغتيال الحيوانات الداجنة، وعندي أن متقن الفن، ومحسن الحرفة خير للمجتمع حسا ومعني، ممن حصل ما يسمونه علما لجلب الدنيا، لأنه أضر على المجتمع من الوحوش الكاسرة، وكيف لا، وكل واحد منهم يتفنن فى إسقاط الآخر بكل ما يمكنه من إيقاع به، أو نشر ما يضره عنه، بأساليب الكيد والحسد، والغيبة والنميمة والكذب، ليفرح بالانتقام من نظيره، ويسره باستيلائه على ما فى يده من جاه أو منصب أو صلة بعظيم؟ فهم علماء نعم، ولكن بطرق الوصول إلى الدنيا، وحكماء نعم، ولكن بأساليب العظماء، والاستيلاء على أفكارهم، وأعني بالعلم العلم النافع، الذي به سعادة المجتمع فى الدنيا والآخرة، وهو العلم الذي يكسب الإنسان صدقا فى لهجته، والقلب إخلاصا فى نواياه، وخشوعا من هيبة المعلوم، والجسم زهدا فيما يكرهه الله، والعقل ترفعا عن أن ينخدع بالحس ومقتضياته، والنفس رهبة من الله وسكونا إليه، وهذا هو العلم الذي أثني الله على أهله، وفرض طلبه.

الفصل الثاني: علم الدنيا وعلماؤها
وإنا والحمد لله أصبحنا وقد توفرت لدينا معاهد العلوم التى تحصل فيها أدوات الدنيا وآلاتها، وتعددت تلك المعاهد حتى أصبحت لا تحصي عدا، فأصبح للطلب مدرسة، ولبيطرة مدرسة، وللتجارة أخري، وللزراعة مدرسة، ولعلوم الرياضة بأنواعها مدرسة، ولرجال الإدارة مدرسة(مدرسة البوليس)، ولرجال الجهاد مدرسة (مدرسة الحربية)، وللقائمين بالأحكام مدرسة(الحقوق والقضاء)، وللفنون الجميلة أخري، وللصناعة مدارس، وقد انتشرت دور الصناعة(الورش) مع ما للأجانب من الدارس التى يحصل فيها أبناء مصر من العلوم والعوائد والأخلاق، كل ذلك لم يكتف المولعون بالتقليد به، حتى هموا ليخفوا آثار العلم النافع، ويطفئوا أنواره الباقية فى مصدره الحقيقي، ولا ندري أشرا أرادوا أم خيرا بحسب حكمهم، وتقليد عملوا أو اجتهدوا بحسب زعمهم، فجعلوا مدارسهم لتحصيل ما ينفع تلك الدار الدنيا، وينفع عند أهلها، ويكسب الجاه والشهرة والمنافسة فى حطامها، حتى أصبح الطالب يفد عليها: وكله أمل أن يحصل كذا لينال كذا، ويكون مثل فلان، اللهم إلا من كان جوهر نفسه من أنفس الجواهر، وأنه ينفع فيما هو مؤهل له، فإنا نسأل هذا السؤال: هل ما يعلم فرض عين أو فرض كفاية؟ وهل إذا كان فرض كفاية فهل فى الأمة من قام به من خريجي غير الأزهر أم لا؟ وهل إذا قام به رجال حصلوا العلوم فى غير الأزهر فلم لا يكون الأزهر ينبوعا من ينابيع العلم النافع للمجتمع الإسلامي؟ (وأسألهم سؤلا آخر): هل من علم الآخرة علم يقين، وما فيها من النعيم المقيم والعذاب الأليم، وعلم الدنيا علم يقين، وما فيها من العناء، وما هي عليه من الزوال والفناء، وأن لكل نفس سجلا يطوي ينشر يوم القيامة، ينفق أنفاسه، أو يضيع أوقاته مفسدا، أو يسعي للشرف والبزخ والجاه، وجلب الأموال والتزلف إلى الأمراء والعظماء؟ أرجوا أن يكون الجواب سديدا.

وسؤالا ثالث: أرجو أن يبينوا لي قوله تعالى: (إنما يخشي الله من عباده العلماء)(فاطر:28). مع تعريف الخشية ومحلها، والأحوال التى تنتج عنها وهي الحجة على تصديق المدعي لها، وسأشرح بعد حقيقة العلم النافع للناس، والفرق بين علماء الدنيا والآخرة، وفوائد علماء الآخرة للمجتمع، ومضار علماء الدنيا للمجتمع، والله ولي التوفيق.



الفصل الثالث: الشيطان والإنسان

الإنسان يجهل نفسه، مع أنه هو الإنسان، ويجهل حقيقة ينسب إليها كل الشرور، معتقدا عداوتها، فلا تري إنسانا إلا وهو يلعن الشيطان، وينسب إليه ما يعمله من الشرور.
وما دام الإنسان يجهل نفسه، فهو بعيد عن الفضائل، محروم من نيل الكمالات، وما دام يجهل الشيطان فهو هاو فى مهاوي المقت والعذاب، لأنا نري كثيرا من الناس يتلذذون بالشرور، ويبتهجون بضرر الغير، مفتخرين بتلك الرذائل، فرحين بوقوعها منهم على غيرهم، فإذا قابلهم الغير بمثلها لعنوه، وقالوا: شيطان وشنعوا عليه، وذموه، واستنجدوا بالناس عليه، ليطهروا الأرض منه، فيرون أقبح القبائح من أنفسهم حسناً، ويرون الهفوة من غيرهم أقبح القبائح، كل ذلك لجهلهم بأنفسهم وبالشيطان.
تري الجاهل يذكر فضائل الغير حامدا له، شاكرا متعصبا له، غيورا عليه، ناشرا فضائله، مع أنه إنسان نظيره، يمكنه بسهولة أن يبلغ ما بلغه من الكمالات. هذا وبينما تراه يمدح فضائله يقع فى الرذائل التى هي من صفات الشيطان.

إنك تري الفسقة والفجار والظلمة يهابون الأتقياء، ويعظمونهم، ويتبركون بهم، حبا فى الفضائل، وإكراما للتقوى، ومع ذلك يصرون على الشرور والقبائح، ولو أنهم عرفوا أنفسهم، وعرفوا الشيطان، لتجملوا بتلك الفضائل بسهولة. ولصاروا أئمة هدي، يحبهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويحبهم الناس جميعا.

وهنا سألني سائل: كيف أعرف نفسي وأعرف الشيطان؟ أجيبه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) (رواه أبو المظفر بن السمعاني عن يحي بن معاذ الرازي، وقال النجم قلت وقع فى أدب الدين والدنيا للماوردي عن السيدة عائشة رضى عنها).

وقال صلى الله عليه وسلم: (أعدي عدوك نفسك التى بين جبينك) ( رواه البيهقي فى الزهد وله شاهد من حديث أنس رضى الله عنه).

وقال الله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا)(فاطر:6).

وقد وردت الآثار فى كل الكتب السماوية بعداوة الشيطان، مبينة أعماله وطرق التحفظ منه، ولكني أجيب على هذا السؤال : إنك أيها الطالب معرفة نفسك ومعرفة الشيطان طلبت مقصدا عظيما، يجب أن ينال علما وعملا، وطالب السعادة الأبدية يبذل لنيلها أنفاسه النفائس مستقلا لها، فاطلب عارفا بنفسه، عارفا بربه، تعرف الحقائق.

العلم حد وفوق العلم أنوار                            والنور غيب وفوق الغيب أسرار
والسر يجذبني لشهود حضرته                       والكشف فضل وفوق الفضل أقدار
لي حظوة فى مقام القرب غامضة                            عن كل روح بها الإحسان مدرار
من فوق ذلك غيب فى عماً                           منزه لم يري معناه أبصار
لم تدركنه عقول فى نزاهته                          لكن يراه فتي لله المختار
فيه يغيبني عني بطلعته                               وهو الولي وتواب وغفار
بعد الفناء فلا رسم يحيرني                           أخفي عن الروح والمشهود ستار
لي فوق ذلك ما لا قد أبوح به                        فوق الإشارة لا تبديه أخبار
في قهر حالي قد أفني فأظهره                        رمزا وفيه الفتي المحبوب يحتار
لي نشوة بعد رشف الراح تسكرني                 فيها الجميل تجلي وهو قهار
الحق يظهرني كورا ويسترني                       والستر فى القرب حال الصفو إظهار
ألقي على محبته ليظهر لي                          نورا به تختفي فى القرب آثار
نور اتحاد فنزه عن مشابهة                          ذق من إشارات من وصلوا ومن ساروا
سلم فنور التجلي دك من شهدوا                     بل أصعق الفرد فى التقريب إسفار
قد دك طور التجلي بل وقد صعقت                 روح الكليم وقد لاحت له النار
صارت له النار نورا والجمال إذا                             بالقرب قدسا وقد والاه جبار
نودي "أنا الله" يا موسي فكلمه                      والكل نورك والنيران أنوار
تلك العناية من أزل إلى أبد                          تولي وإحسانه بالحب مدرار



الفصل الرابع: محادثة العلم والعلماء
طالب جاهد نفسه جهادا أكبر لينال بغيته من العلم، فتحصل على ما مالت نفسه إليه، وناظر شيوخه وأساتذته، حتى ظهرت له المساواة، وكان يعتقد أن أهل العلم لهم درجة عالية بنص قوله سبحانه: (المجادلة:11).

فلم يجد لنفسه درجة فوق ما كان عليه قبل التعلم، ووجد الذي كان عليه فى دار أبيه، من الصلاة والزكاة والصيام لم يزد، وربما حصل التساهل فى تأديتها، فعجب وقال: ما الذي اكتسبته من التعلم؟ وابتهل إلى الله تعالى أن يكشف له الستار عن الحقيقة، وأن يبين له أقرب الطرق الموصلة إليه، وأصفي الموارد المقربة منه سبحانه وتعالي، وجلس متوجها إلى الله بقلبه، وفي هذا التوجه حضر قلبه. فرأي أنه فى مجتمع من أهل الصفا مع الله تعالى، وكأنهم فى مجلس علم، وكأن العلم يبين لهم حقيقته، فأصغي بأذن قلبه، متجردا من هيكله الإنساني ولوازمه، مقبلا بكليته على التلقي، فسمع العلم يقول: إنما يحتاج إلى عند غيبة الحقيقة، لأرسمها على جوهر النفس بمقدار قابلية النفوس، لا بقدر الحقيقة على ما هي عليه، فإذا صفي جوهر النفس، ورسمت عليه صورة الحقيقة، تاقت النفس إلى جلية الأمر وكليته، فارتقت من العلم إلى الذوق، ومن الذوق إلى الشهود وجدا، ومن الشهود إلى العيان وجودا، ومن تلقي العلم فظن أنه بلغ الغاية بالعلم، حرم الرعاية، وهي العمل بالعلم، فإن كمال العلم العمل به، لأن العمل به دليل على حصول علم الرعاية للعالم، ومن حرم الرعاية حرم العلم( أي: لازمه)، وأنا وإن كنت مقصدا عظيما لمن رغبوا فى السعادة إلا إنى  بعد تحصيلي أكون وسيلة لمقصد عظيم، وكل علم لم يكن معلومه الله ورسوله، فهو فى غايته تحصيل ما به حفظ الصحة وبقاء الحياة فى كون الفساد. سأله أحد أهل الصفا الجالسين قائلا: يا أخي، ولو كان علم أحكام الله تعالي؟ قال: نعم فإن من تعلم الأحكام قبل العلم بالحاكم هلك وأهلك. أنظر إلى العلماء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرهون الولاية، كسيدنا على ابن أبي طالب رضى الله عنه حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فى غزوة تبوك، ومعاذ ابن جبل حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمن، حرصا على دوام مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأبي حنيفة الذي ضرب على الولاية فأبها. وابن أبي ليلي، وابن جريج، ومالك بن أنس الذي ضرب وأوذي رضى الله عنهم أجمعين لأنهم تعلموا الإيمان، ثم تعلموا القرآن، ثم الأحكام.

وسأله آخر قائلا: يا سيدي، إن أكثر العلماء الآن يهتمون بتحصيل علم الأحكام والأخبار والأقاصيص، فقال: أما الذين يتعلمون الأخبار فهم أهل الشهرة، لأنهم يحفظون الأحاديث باختلاف الروايات، ويعلمون التجريح والتعديل، حتى يكون لهم المنزلة العليا، وأما الذين يتعلمون الأقاصيص، فهم الذين يحبون أن يكونوا شيوخا على العامة، لينالوا حظهم، أما العلم الذي هو علم يطلبه أهل الصفا والوفا من خيرة عباد الله فهو العلم بالله، والعلم بأيام الله، والعلم بآداب سلوك طريق الله تعالى، وهذا لا يقبل عليه إلا من سبقت لهم الحسنى من الله تعالى، لأنها عناية أزلية تجذب النفوس إلى ما خلقت له، قال تعالى: (الأحزاب:41،42). وقال تعالى: (البقرة: 282). وقال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)(رواه البخاري فى كتاب القدر الباب 4  وكتاب تفسير القرآن "سورة الليل"  الباب 7،5،4،3 وكتاب التوحيد الباب 54، ومسلم فى كتاب القدر الحديث 8،7،6 والترمذي فى كتاب القدر الباب 3 وتفسيره " سورة الليل"، وأحمد فى الجزء الرابع صفحة 67). وليس تحصيل الأحكام بعلم يقرب من الله تعالى، ولكنه يقرب من الملوك، ومن حصل العلم بالأحكام ولم يحصل العلم بالحاكم، كان ممن لم يجعل الله لهم نورا، ولم تحصل التفرقة بين جماعة المسلمين، وخلاف بينهم، إلا من حصلوا العلم بالأحكام، ولم يهبهم الله تعالى العلم به سبحانه وتعالي، قال تعالى: ( فاطر:28)

بأي علم؟ قال: العلماء بالله تعالى، ولكن العلماء بالأحكام لا خشية فى قلوبهم من الله تعالى، وكيف تكون فى قلوبهم الخشية؟! وهم أسرع الناس منافسة فى الوظائف، والتقرب من الملوك والأمراء، والخوف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجارة أهل الأهواء لا للمدارة ولكن للمداهنة؟ ولو أن الخشية من الله تعالى فى قلوبهم لرخصت الدنيا فى أعينهم، بل رخصت دماؤهم غيرة للحق، وإن نفسا واحد فى تحصيل العلم بالله تعالى يقوي به اليقين، قوة تبذل به الحياة العزيزة غيرة للحق كما فعل سحرة فرعون الذين قالوا له: (طه: 72). بعد أن ظهرت لهم آية من عجائب قدرة القادر سبحانه وتعالي، وهذا درس لم يتجاوز أنفاسا، كيف أنتج بذل الحياة محافظة على الأدب مع الله سبحانه وتعالي؟! وقد فعل أكثر من ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد عذب بلال، وياسر وزوجته وابنه عمار فى الله تعالى، حتى قتلت ام عمار طعنا بالحربة فى فرجها غيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمع فيه ما تكره، ومات سيدنا ياسر وهو مولي من فادح العذاب. وكان ينجيه أن يداري قريشا، وكم عذب فى الله رجال حتى فارقوا أوطانهم وأعراضهم وأموالهم، وأبت خشية الله التى فى قلوبهم أن يداروا، فإذا كان العلم بأحكام الله تعالى ينتج الخشية من الله تعالى لما رضى العلماء أن ينافسوا فى خدمة الملوك والأمراء، على ما هم عليه من البدع المضلة، والأهواء المضرة، وكيف يرضي العالم الذي يخشي الله تعالى أن يشتري بآيات الله ثمنا قليلا، ويبيع الآخرة بالدنيا، ويري معالم الله قد انتهكت، وحدود الله قد عطلت، وشعائر الله قد استهين بها، وهو متلذذ بطعام شهي، وثوب بهي، وفراش وطي، وخدم وحشم،  يداهن الأمراء ويرضيهم فى غضب الله تعالي؟ وكيف يكون عالما من يجعل العلم آلة لجمع الدنيا، أو يتعلم ليتولي رئاسة أو ولاية؟.



سأل آخر فقال: يا سيدي العلم، أليس هؤلاء علماء؟ قال: لا ليسوا علماء، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يكره، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، وإنما هذه فنون صناعية كالصناعات الأخرى، يتحصل عليها المؤمن والكافر بصفته إنسانا. أما العلم النافع فإنه فضل من الله تعالى، يهبه الله تعالى بالفضل لمن يشاء، قال تعالى: (الرحم:1-4). وإني لا أحل قلبا إلا ولزمتني الخشية، ولا ينالني إنسان إلا وسبقتني الرعاية، ولا يتحصل على طالب إلا وتكشف له الدنيا عن حقيقتها، فرغب، وتجافي بجانبه عنها، وسارع إلى مغفرة من ربه عرضها السموات والأرض. والله الموفق

صلي الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه و سلم.


هو العلم لا يجلي بغير الحقائق            وعلم بكشف فيه قرب لخالقي
وما العلم إلا ما يعلمه العلي                وآي"يعلمكم" دليل لصادق
وما العلم والأعمال من غير خشية        سوي آلة صماء سًؤلِ المنافق
وفي أول" الرحمن" نور لمهتد            بها"علم القرآن" جذب الموافق
تبرأت من حولي وقولي وقوتي            تحققت أن الله بالفضل رازقي
تبرأت من نفسي وكل جوارحي           أنبت إلى ربي بإخلاص واثق
أيا علم يا حال وكل جوارحي              ويا مال يا أولاد لستم مرافقي
أنيبوا معي أو فاتركوني فإنني             تحققت أن الكون أحلام وامق
ومرارة دنياي بل غرارة                    وضرارة والعبد فى ليل غاسق
ففروا من الدنيا إلى الله سارعوا            إلي الله من تلك الملاهي الخوارق
بنور رسول الله فاعتصموا ولا            تميلوا إلى الأهواء ميلة مارق
حنانيك يا تواب تب وفقن لما              تحب مسيئا فى ظلام الشقائق
وجمله بالأحوال حال محمد                وخلقه بالأخلاق أخلاق خالق
وطهره من غفلة من ضلالة                وأعط الإحسان خير الرقائق
وأكرمه فى الأولاد فى كل أهله            كما نال خيرا كل فرد وسابق



الفصل الخامس: الأمراء هم المفتون
أول ما يجب على المسلم طلب العلم الذي لابد منه.

فأول واجب طلب علم الإيمان، ويرغب فى تعليم أحكام الصلاة من السنة العشرة من عمره، حني إذا فرضت عليه الصلاة بالبلوغ فرضت عليه أحكام الصلاة، ويرغب فى تحصيل علم الصيام بعد العاشرة من عمره، حتى إذا بلغ فرض عليه تحصيل هذا العلم ليعمل به، ويفرض عليه تحصيل علم الحج إذا توفرت شروطه، وهكذا يتعين عليه تحصيل علم المعاشرة للزواج، ويرغب فى تعليمه قبل ذلك، فالمسلم لا يكمل إيمانه إذا جهل الضروري من الدين مما لابد لكل مسلم منه، علما وعملا، وما كان غير ضروري فمنوط به الأمير مما تدعوا إليه المعاملة وسياسة المجتمع، ودوام الصفا بين جماعة المسلمين وأهل ذمتهم، وكبح جماح النفوس عن تعدي حدود الله تعالى، ورجوعها إلى الوسط. كل ذلك يجب أن يقوم به الأمير، ويتعين على كل مسلم أن يرفعه إليه، فإن ذلك من أحكام الله وحدود شريعته، ومن تكلم فى هذا بين الناس، وأفتي فى مثل هذه الشئون ولم يكن أميرا، وعلم به الأمير آخذه، ودام الأمر على ذلك إلى زمان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه.

الفصل السادس: احتياج الأمراء إلى المفتين
ولما تساهل الأمراء فى تحصيل ما هو فريضة عليهم، اضطروا إلى أن يعينوا له مفتين، يرجعون إلى فتياهم، فكان الأمير يجلس وعلي يمينه مفت، وعلي يساره مفت، وترفع إليه المسائل، وكان من الصحابة رضى الله عنهم لا يمنعون من أفتي فى شأن من شئون الأحكام والحدود، ولكنهم يجلسون أمام العباد والعلماء بالله تعالى يسمعون منهم الحكمة والمعرفة، ويحثون نوابهم فى البلاد، وجماعة المسلمين على التقرب من أهل العبادة والزهد، حتى كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن اقتربوا من أفواه العباد والزهاد فإنه تجلي لهم حقائق صادقة.

ولما أن احتاج الأمراء إلى المفتين، طلبوا إلى العلماء، ورغبوهم، وكان العلماء رضى الله عنهم، متمسكين بالحق، نظروا إلى الدنيا بعين الإيمان والعلم، كشف لهم العلم عن مبدئها ونهايتها ففروا من الأمراء. دعا أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور أبا حنيفة وابن ليلي وأياس ابن وبيضة ليوليهم فأبي أبو حنيفة عليه، حتي أقسم أبو جعفر بالطلاق ليولينه، فلم يقبل أبو حنيفة، فضرب بالسياط مرارا، حتى كادت روحه تزهق، وبعد ذلك ولاه أبو جعفر عدادا لللبن (الطوب) فرضي أن يكون عداد طوب، ولم يرض أن يكون قاضي قضاة المسلمين فى ذلك العصر، ثم أمر ابن أبي ليلي بقبول الولاية، فأقسم بالله العظيم ثلاثا أنه لا يصلح لها، فإن كان صادقا فى يمينه يولي أمير المؤمنين من لا يصلح، وإن كان كاذبا فأمير المؤمنين يولي كاذبا، واستعفاه فقبل منه. وأمر إياس بن وبيضة بقبوله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ابن أبي ليلي تخلص من النار بيمين حنث يصوم لها ثلاثة أيام، فقال أمير المؤمنين: حيث فقهتها فأنت أولي بها منه، وولاه مكرها، ثم نافس الناس فى الدنيا، فتعلموا العلم للفتيا، فتشبهوا بالأمراء والملوك.

وإن المفتي هو أمير الأمراء، لأنه عليه أن يحكم وعليهم أن ينفذوا،  لأنه عالم بأحكام الله تعالى وحدوده، يخشي الله تعالى، ويخاف عذابه، ويرجو نعيمه أكثر من خوفه من الأمراء، فهو إنما يفتي بالحق ولو على نفسه قال الله تعالى: (النساء:135). وقال صلى الله عليه وسلم: ( قاض فى الجنة وقاضيان فى النار). وقال صلى الله عليه وسلم : ( القضاة ثلاثة. قاض قضي بالحق وهو يعلم فذاك فى الجنة، وقاض قضي بالجور وهو يعلم، أو قاضي بالجور وهو لا يعلم فهما فى النار). (رواهما الحاكم فى مستدركه وفي التاريخ عن بريدة رضى الله عنه).

الفصل السابع: المفتون والقضاة فى الصدر الأول
قام المفتون والقضاة فى الصدر الأول مع الأمراء قوامين لله بالحق، مثل الإمام أبي يوسف، والإمام يحي بن أكثم، وإياس بن وبيضة، وأهل زمانهم فى جميع الأمصار، يحكم المفتي والقاضي على الأمير فينفذ على نفسه حكمهم، طاعة لأمر الله.

رفع بعض الأعراب إلى قاضي المدينة المنورة ظلم أحد خلفاء بني العباس بأخذ جمالهم ولم يدفعوا لهم ما عاهدوهم عليه من المال، فكتب القاضي إلى الخليفة: إن سنة رسولا الله صلى الله عليه وسلم تدعوك لحق عليك، فتوجه رسول القاضي إلى الخليفة وهو واقف أما روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم وناوله الورقة، فأقسم الخليفة فى نفسه أنه إن أراد القاضي بذلك الشهرة والفخر ليقتلنه، وإن أراد بذلك المساواة والعدالة ليرفعه، فتوجه إلى القاضي، فلما وقف بين يديه، نادي خصمه، وقال: أعط لهذا حقه، فسأله أمير المؤمنين عن حقه، فاعترف به أمير المؤمنين، وطلب من القاضي أن يصبر عليه حتى يتوجه إلى داره، ويسلم خصمه حقه، فقال القاضي: لا تخرج من مجلسي هذا حتى تدفع ما عليك، وأمر  خصمه بالجلوس، وأمر الخليفة بالجلوس، فأرسل أمير المؤمنين من أحضر له المال، فلما أن سلمه للقاضي، وسلم القاضي المال للمدعي، أخرجه من المجلس، ثم قام على قدميه غاضا بصره، وقال السلام عليكم يا أمير المؤمنين، وقبل يد الخليفة، ووقف أمامه، فقال الخليفة: أكثر الله فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أمثالك.

ولما احتضر للموت الإمام أبو يوسف بكي، فقيل : ما يبكيك؟ قال: لذنب عظيم أخافه، قيل: وما هو؟ قال: وقف أمير المؤمنين هارون، وخصم له يهودي أمامي، فتمنيت بقلبي أن يكون الحق لأمير المؤمنين على اليهودي، فكان الحق لليهودي، فحكمت له به على أمير المؤمنين، فأنا أخاف من ذنبي هذا.

الفصل الثامن: المفتي فوق أمير المؤمنين

واستفتي أحد أمراء المؤمنين من آل عثمان الإمام أبا السعود مفتي دار الخلافة العظمي، فى أن يقهر الناس على الإسلام أو يقتلهم، وكانت السياسة تقتضي ذلك، حفظا لجماعة المسلمين من الفتن، فأفتي بالحكم الشرعي ناهر للخليفة ولجنده، فخضع الخليفة للمفتي طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فكان المفتي فوق أمير المؤمنين أمرا ونهيا، ذلك لأنه قام لله بالقسط ناصرا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، موقنا بقول الله تعالى: (محمد: 7)


هذه وظيفة المفتي للمجتمع الإسلامي، وإنما شرف الوظيفة بقدر شرف نفس القائم بها، وكم من مجد أضاعته قوس صغيرة، وكم من شرف أضاعته أطماع، وشتان بين نفس تعرف مقدار المجد فتبذل له ما يفني محافظة عليه، وبين نفس تجهل يوم الحساب فبم تخف نقمة الله ولا عذاب.

قال الله تعالى: (الأنعام: 116). وقال تعالى: (يونس:7) وقال تعالى: (الجاثية: 34). وإنما يتعلم العلم للعمل، لا لبذل أ و لنيل الحظوظ والأهواء، ومن ذكر الموت وما بعده فر من الرياسة والسيادة والمال، ولزم القراء، ليفوز بخير المآل.

الفصل التاسع: شتان بين مفتي الهدي ومفتي الردي

المفتي إما يكون نورا ينفع الله به أهل عصره، بما يستبين به من الحق، وهو الذي يري الحق فوق الخلق، فلا يخاف أميرا فى الله تعالى، ولا يخاف مجتما فى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأمة إن اجتمعت عليه لا يخافه، والأمراء وإن كرهوه لا يبالي بهم، ما دام مع الحق، وللحق.

وإما أن يكون ظلمة يخفي معالم الحق، فيرضي الخلق ويغضب الحق، وهذا ضل وأضل، وهلك وأهلك، والأولي أن مثل هذا ينصحه العقلاء من الأمة، سترا لحاله، خشية من أن التشنيع عليه يدعو إلى غضبه، والغضب يخرجه عن الاعتدال، وإنا جميعا نحب الخير لكل مسلم، ولا عصمة إلا بالله، أي مسلم يرضي بمال يفني، وجاه يزول، وسيادة تنمحي، ويذكره أخوه المسلم بعذاب الله، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، والفضيحة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي اله بقلب سليم ولم يقبل؟ (لا أحد).

إن الإنسان بين طاعة ومعصية، كما بين صحة ومرض، وفقر وغني، وعز وذل، ولعل المذنب اليوم يتوب إذا، والله غفور رحيم، والذكري تنفع المؤمنين، والله تعالى يرشدنا لخير الخيرين، ويدفع عنا الشر والضير.
الباب الرابع

طريق الصوفية فى المعرفة

الفصل الأول: معرفة الله تعالي

مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس، كما قال تعالى: (فصلت:53). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)(رواه أبو المظفر بن السمعاني عن يحيي بن معاذ الرازي، وقال النجم قلت وقع في: أدب الدين والدنيا للماوردي عن السيدة عائشة رضى الله عنها).

وروي عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أين الله؟ فى الأرض أو فى السماء؟ قال: (في قلوب عباده المؤمنين)(رواه الطبراني عن أبي عنبة الخولاني رضى الله عنه).

فخاصية الإنسان العلم والحكمة، وهو أشرف الأنواع، وفيه كمال سعادته، وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال، فالبدن مركب للنفس، والنفس محل للعلم، والعلم هو مقصود الإنسان، وحاجته التى لأجلها خلق، فخاصية الإنسان العلم بالله وصفاته وأفعاله، فكمال الإنسان، معرفة حقائق الأشياء، وجملة عالم الملكوت والملك، إذا أخذت دفعة واحدة، تسمي حضرة الربوبية، لأنها محيطة بكل الموجودات، إذ ليس فى الوجود شيء سوي الله تعالى، وأفعاله، ومملكته وعبيده من أفعاله، فما يتجلي من ذلك للقلب فهي الجنة، حسب سعة معرفته، وبمقدار ما تجلي له من الله وصفاته وأفعاله. أما طرق المعرفة، فهي علوم تحصيل فى القلب فى بعض الأحوال، وهي تارة تهجم على القلب، أي تكون بطريق الإلهام، وتارة تأتي عن طريق الاستدلال، والقياس، والشهود، وغيرها من طرق العلم فتكون مكتسبة، والقلب مستعد لأن تنجلي  فيه حقيقة الحق فى الأشياء كلها، لولا الحجب التى تحجب عنه هذه الحقائق، وقد تهب ريح الألطاف، وتنكشف الحجب عن أعين القلوب، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور فى اللوح المحفوظ، ويكون ذلك تارة فى المنام، فيعلم به ما يكون فى المستقبل، ولكن ارتفاع الحجاب لا يتم إلا بالموت، كما يتجلي من قول على بن أبي طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه: " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".

وهذه الحجب قد ترتفع أيضا فى اليقظة، بلطف خفي من الله تعالى، فيلمع فى القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم، تارة كالبرق الخاطف، وأخري على التوالي إلى حد ما، ودوام هذه الحال فى غاية الندور.



من ذلك تري أن الصوفية لم يحرصوا على دراسة العلوم وتحصيلها طلبا للحقيقة، وإنما أخذوا أنفسهم بالرياضة الروحية، والإقبال على الله، اعتقادا منهم بأن ذلك هو طريق المعرفة.

والاجتماع عندهم على أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل  عندهم فى حاجة إلى الدليل، لأنه محدث، والمحدث لا يدل إلا على مثله، وإذا سألتهم: ما الدليل على الله؟ قالوا: الله. فإن قلت: فما العقل؟ قالوا: عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله.( العقل آله للعبودية لا للإشراف على الربوبية) فالعقل يجول حول الكون، فإذا نظر إلى المكون ذاب. ومن لحقته العقول فهو مقهور إلا من جهة الإثبات، ولولا أنه تعرف إليها بالألطاف لما أدركته من جهة الإثبات.

من رامه بالعقل مسترشدا                            طرحه فى حيرة يلهو
وشاب بالتلبيس أسراره                     يقول من حيرته هل هو

ولا يعرفه إلا من تعرف إليه، ولا يوحده إلا من توحد له، ولا يؤمن به إلا من لطف له، ولا يصفه إلا من تجلي لسره، ولا يخلص إلا من جذبه إليهن ولا يصلح له إلا من اصطنعه لنفسه، ومن تعرف إليه بمعني من تعرف الله إليه، ومعني من توحد له، أي أراه أنه واحد. وتدل الآيات كلها أن الله تعالى عرفنا نفسه بنفسه، فقام "شاهد المعرف من المعرفة بالمعرفة بعد تعريف المعرف بها".

ومعرفة الله تعالى و طاعته واجبة، بإيجاب الله تعالى وشرعه لا بالعقل، خلافا لقول المعتزلة، فإن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو: إما أن يوجبها لغير فائدة، وهو محال، فإن العقل لا يوجب العبث، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض، وذلك لا يخلو: إما أن يرجع إلى المعبود، وذلك محال فى حقه تعالى،  وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد، وهو أيضا محال، لأنه لا غرض له فى الحال، بل يتعب به، وينصرف عن الشهوات بسببه، وليس فى المآل إلا الثواب والعقاب.

إن السبيل الموصلة لمعرفة الله، هي معرفة صفاته وأفعاله، وإن معرفة الله الحقة، مؤدية إلى أن تعرف أن (الله أكبر)، وهذه المعرفة تصل بك إلى أن يكون رجاؤك فى الله وحده، وخوفك منه وحده، وعملك له وحده، وهذا يصل بك إلى أعظم مرتبة من مراتب التوحيد، وتصل بك إلى هذه المرتبة العظيمة، إلى ما هو أعظم منها، بأن ينكشف لك لا فاعل إلا الله تعالى، وأن كل شيء فى الوجود من الله، وبالله، ولله.

الفصل الثاني: العارف

الصوفية لا يطلقون (العارف) إلا على من توالي عليه العلم بالله وصفاته، والنظر إلى مصنوعاته، وغلب عليه ذلك، بحيث صار حالا له، حتى من عرف الله كل لسانه، أي شغلته معرفته به عن ذكر غيره، لأن من عرف الله لا يستغني عن النظر فى عبادته، لوقوعها بحسب ما طلب، وهذا حق، ولابد من دخوله قلبه، والشيطان عدو له، لا يسكت عنه، وذلك باطل، ولابد أن يدركه بقلبه، ثم يتقيه. فقد حكي الله تعالى عن كعب بن مالك وأصحابه، لما تخلفوا عن غزوة تبوك، وهجروا، إلى أن نزل فيهم قرآن، أنهم  ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وذلك لمعرفتهم بالله، وعظمة رسوله، وتخلفهم عن الجهاد مع رسوله، فكل من عرف الجليل لا يحتمل قلبه الاشتغال بغيره، ولا البعد عنه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.

الفصل الثالث: وسائل المعرفة
اختلف العلماء فى طريقة المعرفة، فمنهم من قال: إن معرفة تعالى بدليل العقل، ومن لا عقل له لا يعرف الله، وأنا أجاريهم فى قولهم قولهم، وأسألهم: ما هو العقل عندكم؟ هل هو القوة التى بها تدبير المنزل ومجتمعه، وبه اختراع المصنوعات، والغلبة بالسياسات، وتحصيل الفنون؟ فإن قالوا: هو، أنكرت عليهم بالبرهان  الناصع، لأن أكثر العقلاء من هذا النوع كفار بالله تعالي. وإن قالوا: المراد بالعقل، العقل الذي يعقل عن الله تعالى، المعبر عنه فى القرآن الشريف بالنور، فى قوله تعالى: (النور:40). هذا العقل لا يحتاج فى معرفة الله إلى بحث ودليل، ولكنه يحتاج إلى مذكر له بالله تعالى وبأحكامه سبحانه وبأيامه جل جلاله، قال تعالى: (الذاريات:55). وإنا لنري أكثر العارفين بالله من الذين لا يهتمون بما يهتم به العقلاء من الزخارف، وعلي هذا، فمعرفة الله تعالى فضل من الله تعالى، يتفضل به سبحانه على من يشاء من خلقه، وإن أكثر العارفين بالله تعالى هم من أهل التسليم، لا من أهل البحث والجدل، ولعل مولعا بهذا الموضوع يظن إنى  لا أحب طلب المعرفة، فأقول له : إن طلب المعرفة فريضة، قال صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)(رواه ابن ماجة فى مقدمة الباب 17، والمنذري).

وقال صلى الله عليه وسلم: (اطلب العلم ولو بالصين)(رواه ابن عدي والبيهقي من حديث أنس، وكذلك ابن عبد البر والديلمي والخطيب وغيرهم).

فالطلب شيء، والبحث عن دليل شيء آخر، أنما يبحث عن الدليل الجاحد، وإنما يطلب المزيد الواجد، وإن حضرة الإلهية لم ينكرها لله تعالى مجوسي ولا صابئي، ولا من أدني منهم، لأن الإنسان حيوان ديني بالفطرة، وإنما المجهول طريق الوصول إليه، وحقيقة الأدب له، وعلم ما يحبه من العبد من عقيدة وعبادة وقصود وإخلاص وصدق ونية، ولا سبيل إلى العلم بتلك الحقائق إلا بالله تعالى، وقد بعث الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

الفصل الرابع: مراتب المعرفة
العرفان من تفريق، ونقص، وترك، ممعن فى جمع صفات الحق للذات المريدة بالصدق منه إلى الواحد، ثم وقوف.. ومن آثر العرفان للعرفان فقد قال" بالثاني"، ومن وجد العرفان كأنه لا يجده، بل يجد المعروف به فقد خاض لجة الوصول، وهناك درجات ليست أقل مما ذكرنا، تجدها مفصلة فى كتاب (مقامات الصوفية)، على أننا هنا نؤثر الاختصار، فإن العبارة لا تشرحها، والكلام لا يوضحها، ولا يجعلها مفهومة، اللهم إلا من شرب من العين، وسبقت له الحسني، وبصره اليوم حديد، والحق أن الخيال مع خطورته، قد يكشف المقصود لمن صحبوا العارفين، ومن أحب أن يعرفها، فليتدرج فى هذه المنازل، إلى أن يصير من أهل المشاهدة بعين المشافهة، ومن الواصلين إلى العين دون الساعين للأثر، فإنهم ولا شك. فقد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد واجد، مصطلم مؤهل للوراثة، وهكذا دواليك، واحد بعد واحد، فلذلك كان ما يشتمل عليه هذا العلم، ضحكة للمغفل، عبرة للمحصل، ومن سمعه فاشمأز منه، فليتهم نفسه، أو عقله، لعلهما لا يتناسب معهما، وكل ميسر لما خلق له.
الفصل الخامس:

مجاهدة العارفين
قد يمسك العارف عن الغذاء مدة طويلة، ويدل عليه وجهان إجماليان ووجه تفصيلي. الأول: أن البدن قد يبقي وقت المرض أياما طويلة بدون غذاء.
الثاني : أن شغول القلب بهم شديد، أو خوف عظيم قد تمر به الأيام، ولا يتذكر الغذاء.

وأما التفصيلي: وهو أن النفس إذا اشتد انجذابها إلى العالم العقلي صار ذلك عائقا لها عن تدبير البدن، فوقفت الأفعال الطبيعية المنسوبة إلى النفس النباتية، وكان الواقع من التحلل ههنا دون الواقع فى المرض، وكيف لا، والمرض الحار مسقط للقوة، وتحلل بحرارته أجزاء المادة، وكثرة حركاته مضعفة للقوة، محللة للمادة؟ أما ههنا مقوية للقوة، وغير محللة للحرارة، وسكونه البدني يقوي القوة، ولا يحلل المادة.

فالعارف أولي بعدم الحاجة للغذاء، وإن تناوله فهو ليقوي سفين الروح وهم الجسد، على أمواج الروح وشعشعان المواجهة اللامع، من إشعاعات القدس فى محيطه الكوني، تجليا بالأسماء، فكيف إذا كان من الذات؟.

وقد يطيق العارف فعلا، أو تحريكا، يخرج عن وسع مثله، والسبب فيه أن الإنسان يكون له حال اعتداله قدر من القوة، ثم يعرض لنفسه خوف أو حزن فيعجز عنه، وقد يعرض له هيئة مقوية، فيقدر على أضعاف ما كان قادراً عليه حالة اعتداله، لما يعرض له فى الغضب، أو المنافسة، أو الفرح، أو الطرب. فلا عجب لو عنت للعارف هزة كما يعرض عند الفرح، أو غشيته عزة كما يغشي عند المنافسة، فازدادت قوته، بل هذا يكون أعظم مما يكون عند الطرب والغضب، وكيف لا، وذلك بصريح الحق، ومبدأ القوي، وأصل الرحمة؟.


العارف قد يخبر عن الغيب، ويدل على إمكانه وجوه إجمالية. أحدهما: لما رأينا الإنسان قد يعرف الغيب حال المنام، لم يبعد أن يقع مثله فى اليقظة، كما هو مدون فى سير الأولياء الصاحين. وثانيهما: حصول ذلك لكثير بيننا فى اليقظة، وحادثة عمر(يا سارية الجبل) وغيرها. وثالثها: أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الحركات السماوية المستندة إلى النفس، التى هي عالمة بالكليات والجزئيات، فتلك النفس هي السبب لهذه الحوادث الأرضية، فليلزم من علمها بذاتها علمها بجميع هذه الحوادث، لما ثبت أن العلم بالسبب، ثم دلنا على أن النفس الناطقة جوهر مجرد، لها أن تنتقش بما فى العالم النفساني من النفس، بحسب الاستعداد، وزوال الحائل، فلا يبعد أن يكون بعض الغيب ينتقش فيه من ذلك العالم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم


الفصل السادس: الزاهد والعابد والعارف
المعرض عن متاع الدنيا هو الزاهد، والمواظب على العبادات هو العابد، والمنصرف بفكره إلى قدس الجبروت مستديماً شروق نور الحق فى سره هو العارف.


وقد يتركب بعض هذا من بعض .. الزهد عند غير العارف معاملة، كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة، وعند العارف تنزة عما يشغل سره عن الحق، والعبادة عند غير العارف معاملة، كأنه يعمل فى الدنيا لأجرة يأخذها فى الآخرة، وعند العارف تنزه عما يشغل سره عن الحق، والعبادة عند العارف معاملة، كأنه يعمل فى الدنيا لأجرة يأخذها فى الآخرة، وعند العارف رياضة لهممه وقوي نفسه المتوهمة والمتخيلة ليحررها بالتعويد عن جانب الغرور إلى جناب الحق، فتصير مسالمة للسر الباطن حينما يتجلي له الحق، لا ينازعه، فيخلص السر إلى الشروق الساطع، ويصير ذلك ملكة مستقرة، كلما شاء السر اطلع على نور الحق، غير مزاحم من الهمم، بل تتفجر له العيون، فينهل ويكون بكليته منخرطاً  فى سلك القدس، بعد التجريد والفناء والمحو والإثبات والتنزيه.


العارف يريد الحق سبحانه لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه، ويعبده له سبحانه فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة الشريف إليه، لا لرغبة أو رهبة، وإن كانتا، فيكون المرهب منه، والمرغوب فيه هو المطلوب، وعند ذلك يكون الحق ليس الغاية، بل الواسطة، وهو دون مراتب العارفين، وعلي كل، فالمستحل وسط الحق معذور من وجه، فإنه لم يطعم لذة البهجة الإلهية فيستطعما، إنما معارفة مع اللذات "المخدجة" (الناقصة)، وقد جن إليها وهو غافل عما وراءها، وما مثله بالقياس إلى العارفين، إلا مثل الصبيان بالقياس إلى المحنكين، فإنهم كما غفلوا عن طيبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب، وصاروا يتعجبون من أهل الجد ازوراراً عنها، عائقين لها، عاكفين على غيرها، كذلك من غض بصره عن مطالعته بهجة الحق، أغلق كفيه بما يليه من الذات، فتركها فى دنياه عن كره، وما تركها إلا وهو يستأجل أضعافها، والمستبصر بهداية القدس فى شجون الإيثار، قد عرف اللذة الحقة، وولي وجهه سمتها، مترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده، وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولاً له بحسب وعده.



الفصل السابع: درجات حركات همم العارفين

أول درجات حركات العارفين الإرادة، وهي الرغبة فى اعتلاق العروة الوثقي، فيتحرك سره إلى القدس، لينال من روح الاتصال، ثم إنه يحتاج إلى الرياضة، والرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض:

أولاً: تنحية ما دون الحق عن الإيثار، ويعين عليه الزهد الحقيقي.

ثانياً: تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، لتنجذب قوي التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، فتصرفه عن التوهمات للواقع السفلي، ويعين عليه أشياء: العبارة المشفوعة بالفكرة، ثم ألحان الحكمة المستخدمة لقوي النفس، الموقعة لما يمر بها من الإلهام موقع القول من الأوهام، ثم نفثات الوعظ من العارف الذكي، بعبارة بليغة، ونغمة رخيمة، وسمت رشيد

ثالثاً: تلطيف السر للتنبيه، ويعين عليه الفكر اللطيف، والعشق العفيف، الذي تأمر فيه شمائل المعشوق، لا سلطان الشهوة.

فإذا بلغت الرياضة حداً ما، عنت له خلسات من إطلاع نور الحق عليه، يلتذ بها، كأنها بروق من لوامع الحق تومض، ثم تخفي رحمة به، وهي المسماة أوقاتاً، وكل وقت يكتنفه وجدان، وجد إليه، ووجد عليه، ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن فى الارتياض، فكلما لمح شيئاً عاج منه إلى جناب القدس، فيكاد يري الحق فى كل شيء، ولعله إلى هذا الحق تستعلي عليه غواشيه، ويزول هو عن سكينته، وينتبه جليسه لاستيفازه عن قراره، فإذا طالت الرياضة لم تستفزه غاشية، وهدي للتلبيس فيه، ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغاً ينقلب له وقته سكينة، فيصير المخطوف مألوفاً، والوميض شهاباً بيناً، ويحصل له مفارقة مستقرة، كأنها صحبة مستمرة، ويستمع فيها ببهجته، فإذا انقلب عنها انقلب حيران أسفاً، ولعله إلى هذا الحد يظهر عليه ما به، فإذا تغلغل فى هذه المفارقة قل ظهوره، فكان وهو غائب حاضراً، وهو ظاغن مقيماً، ولعله إلى هذا الحد تتسني له المفارقة أحياناً، ثم يتدرج إلى أن تكون له متي شاء، ثم إنه ليتقدم هذه الرتبة فلا يتوقف أمره على مشيئته، بل كلما لاحظ شيئاً عبره، وإن لم تكن ملاحظته للاعتبار فيسنح له تصريح من عالم الخلق إلى عالم الحق، مستقر ويتحف حوله الغافلون، ثم إذا وصل إلى المقصود صار سره مرآة مجلوة، فحازي بها شطر الحق، فكان له نظر إلى الحق، ونظر إلى نفسه، وكان بعد متردداً، ثم إنه ليغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة، وهناك يحق الوصول، وعندها الالتفات إلى ما تنزه عنه شغل، والاعتداد بما طوع النفس عجز، والتبجح بزينة اللذات من حيث هي لذات وإن كان بالحق تيه، والإقبال بالكلية على الحق خلاص.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.



الفصل الثامن: ذكر العارفين


العرف من كان قلبه للسانه، والذاكر من استشعر حياء العبودية وهيبة الربوبية عند ذكره

إذا علمت أن الله تعالى يعلم سر قلبك، ويري ظاهر فعلك، ويسمع نجوي خواطرك، فاجتهد أن تغسل قلبك بالأحزان، وتوقد فيه نار الخوف منه، حتى يزول حجاب الغفلة عن قلبك، وعندها يكون ذكرك به مع ذكره لك. قال تعالى: (البقرة: 152). ثم اعمل أن ذكر الله أكبر قال تعالى: (ولذكر الله أكبر) (العنكبوت:45).



ذلك لأن ذكره لك وهو غنى عنك، وذكرك له وأنت مفتقر إليه، عند ذلك يحصل الاطمئنان، قال تعالى: (الرعد: 28). فتحصل على مزيتين فى الذكر: اطمئنان القلب فى ذكر الله، ووجلك منه سبحانه فى حال الذكر، وقال تعالى: (الأنفال:2).

والذكر هنا .. إما ذاكر ذكراً خالصاً بموافقة اللسان للقلب، حتى لا تقع العين على غير الله، وإما ذكر أوصاف لفناء الهمة عن الذكر، قال صلى الله عليه وسلم: (سبحانك لا  أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ( رواه مسلم فى كتاب الصلاة الحديث 222، وأبو داود فى كتاب الصلاة الباب 148، وكتاب الوتر الباب 5، والترمذي فى كتاب الدعوات الباب 75، 112، والنسائي فى كتاب الطهارة الباب 119، وكتاب التطبيق الباب 47، 71، وكتاب السهو الباب 89، وكتاب قيام الليل الباب 51، وابن ماجه فى كتاب الإقامة الباب 117، وكتاب الدعاء الباب 3، وأحمد فى الجزء الأول صفحة 96،118،150 والجزء السادس صفحة 58،1،20).


العارفون لهم مقام راقِ                      لم يدركن بالعقل والأحداقِ
شهدوا جمال الله بالعين التي               وهبت لهم من منعم خلاقِ
أهل الشهود همو الهداة                     قد جملوا بالحب والأخلاقِ
أسرارهم وهبت لهم من ربهم              والمصطفي الهادي لروي ساقِ
أهل العزائم أنجم  قد أشرقت               بالعلم والأحوال فى الآفاقِ
الشرع مشربهم ووجه حبيبهم              في "حيثما" كالشمس فى الإشراقِ
أهل العزائم نورهم من ربهم               فازوا بحب الله والأشواقِ
أحوالهم فوق العقول لأنهم                  شربوا الطهور بمنعم رزاقِ
من لحظة يرقي المريد مشاهداً             أنوار خير الرسل بالإشفاقِ
خصوا بحب المصطفي وبقربه            بشري لهم بمعية الخلاق
كم من مريد شاهد الوجه العلي            بالروح صرفاً فى مقام راقِِ
بالمصطفي نلنا الصفا بشري لنا           قد لاح للأرواح فى الآفا

الباب الخامس
في الذكر وأنواعه وروابطه
الفصل الأول : أنواع الذكر

ولما أن تفضل علينا سبحانه بهذا الفضل العظيم، فجعلنا من أمة من فضله على جميع الرسل، وأزال عنا الحرج والضيق، وتفضل سبحانه فنادانا نداء القريب بقوله سبحانه: (الأحزاب: 41-44).

الذكر إما بالقلب، وهو الذكري، وإما باللسان وهو الذكر بكسر الذال، أو يضمها، فالذكر بالقلب أوله تذكر آلاء الله تعالى، ومشاهدة نعمة، ثم رعاية أحكامه شرعاً وقدراً، ثم مراقبة جلاله وعزته وعظمته، ثم مشاهدة أنوار صفاته، ثم الأدب بكمال الاتحاد برسول الله صلى الله عليه وسلم تشبهاً به على قدر الاستطاعة، تحصيلاً للعلم بالله من الراسخين فيه، ومجاهدة للنفس، ثم الفناء عن الذكر بالمذكور سبحانه وتعالى وذكره للعبد، وبعد هذا المقام مقامات، جلت عن أن تكشفها العبارة، أو تلوح إليها الإشارة، من الإشراف على قدس العزة والجبروت، ومن مواجهة العلي، ومن الاصطلام بعد الفناء عن المقام والذكر بالسان.


والاسم منه ذكر، بكسر الذال أو بضمها، إما ترجمة عن القلب شهوداً،  وهو مواجيد القلوب التى تترجمها الألسنة، بياناً لآيات الجمال والجلال، والبهاء والضياء والنور الرباني، والاسم منه ذكري أو تكرير جملة تامة كقول"لا إله إلا الله" مع رعاية المعني، وهو ذكر أهل الرعاية أو تكريرها من غير فهم، وهو ذكر المبتدئين، وهو لحفظ الوقت من الغفلة، وخير الذكر قراءة القرآن فى الصلاة، ثم تلاوته فى غيرها مع التدبر.



أما تكرير اسم من أسماء الله تعالى، فإن كان الذاكر يلاحظ تمام الجملة بقلبه، بأن يقول (الله) ويلاحظ أحد أو صمد، أو معط أو وهاب أو تواب، فهو ذكر بحسب الرعاية، وإن ذكر الاسم من غير رعاية، فهو ذكر للتواجد، فقد يحصل له الوجد، وقد لا يحصل، وقد يكون التواجد بحسب المقدم من الإخوان، وقد استحسن سماع الحكمة بالصوت الحسن، فقد يحصل الوجد بعد التواجد فينتقل الذاكر من غفلة إلى حضور، وينتقل من تواجد إلى وجد، وقد يرفعه الله تعالى من الوجد إلى الوجود.


الفصل الثاني: تحديد مقدار وميقات الأحكام الشرعية إلا الذكر

إن الله سبحانه ما أمر بعمل من الخير إلا عده وحده، فأمر بالصلاة معدودة ومحدودة، وأمر بصيام شهر، وأمر بالحج عند الاستطاعة مرة فى العمر، وأمر بزكاة المال فى كل سنة مرة، وقدر ذلك، وأمر بالجهاد بشروط مخصوصة، ثم بين الذكر، فأمرنا به مطلقا فى كل أحوالنا وشؤوننا، قال سبحانه: (الأحزاب:41). فنحن مطالبون بالذكر بعدد الأنفاس واللحظات، وقد شنع الله تعالى على أهل الغفلة والنسيان، وعلي الصامتين من غير تدبر ولا اعتبار.



الفصل الثالث: الذكر الكثير



معلوم أن الجوارح المجترحة ثمان معلومات، فمن ذكر باللسان وترك الذكر بغيره قصر، فالذكر الكثير ذكر جميع الجوارح، وذكر اللسان الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وتلاوة القرآن، والنصيحة، والإصلاح وتذكير الخلق أيام الله تعالى، وقد بينت هذا الموضوع مستوفي فيما سبق من الكتب.



ولما أن أمرنا سبحانه بالذكر الكثير، خص نوعا من أنواع الذكر، ليبين لنا سبحانه وتعالى خصوصيته، فقال سبحانه: (الأحزاب: 42). والتسبيح بكرة صلاة الصبح، وأصيلاً صلاة العصر، وهما الفرضان الثقيلان على أهل الغفلة، وجائز أن يكون المعني إذا ذكرت القلوب بالذكري، فأشرق القلب بنور الحضور مع المذكور سبحانه فسبحوا الله، وعلواً  له سبحانه، وثناء عليه، لأنه سبحانه تفضل على العبد بالحضور، وأكرمه بالشهود، وقول: (بكرة وأصيلاً) لا يمنع عمارة جميع الأوقات بالتسبيح، لأن ذكر الطرفين بعين الوسط.



الفصل الرابع: الجواذب إلى الذكر



يجذب إلى الذكر الحب، وليس أحد أولي من الحب إلا الله تعالى، ولا أحق بأن يذكر إلا هو سبحانه، لأنه سبحانه هو الذي تفضل علينا بالإيجاد والإمداد، فكل ما لابد لنا منه مما به قوام حياتنا، وحفظ عافيتنا، منه سبحانه فضلاً، ولو أننا نظرنا بالفكرة فى أنفسنا، وفي الآفاق لتحققنا أن صرف جميع أنفاسنا فى ذكره قليل، فى جناب نفس تنفسه، فكيف إذا ساحت أنفسنا فى فسيح ملكوته، فتحققنا أنه سبحانه هو الذي خلقنا من العدم فى أحسن تقويم، وسخر لنا ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه، ومنحنا الإيمان به، ووفقنا لما يحبه ويرضاه، ولديها نري طاعتنا نعمة، يجب علينا به الشكر له سبحانه، فلا يسعنا إلا العجز عن حقوق شكره وذكره.



الفصل الخامس: آداب الذكر



الذاكر جليس الله تعالى، قال الله تعالى: (أنا جليس الذاكرين)(رواه الديلمي عن عائشة رضى الله عنها مرفوعاًَ، والبيهقي فى الشعب عن أبي بن كعب، ورواه الحاكم وصححه). والمسلم لا يجهل الأدب اللازم لكل جليس، فمن أنواع الذكر ما تجب فيه الطهارة الجسمانية، كالصلاة، وقراءة القرآن، والطواف بالكعبة، ومنه ما يستحب فيه الطهارة، كالتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، ومنه ما لا تجب فيه الطهارة، فإن الله طالبنا بالذكر فى كل أوقاتنا وأحوالنا، كذكره سبحانه وتعالى عند مقتضيات الشئون، فمن الذاكرين من لا يغفل نفسا، فيكون بين ذاكر بقلبه ولسانه وجوارحه، أو ذاكر بقلبه فقط، فيستغرق أنفاسه بين سياحة ملكوتية، أو أشراف على قدس رب البرية، أو تذكر آيات الله فى نفسه وفي الآفاق، أو شهود جماله فى مظاهره الجلية.



الفصل السادس: روابط الذكر



الذاكر إما آنس بالمذكور سبحانه على بساط المؤانسة، أو حاضر القلب معه سبحانه بالذكري، أو غائب عن الخلق فراراً إلى الحق، أو مبتهج بالفكرة فى جماله العلي، أو مرتل لكلامه سبحانه بالحضور، مع المخاطبة والتدبر فى خلوته، أو مكرر أسمه العلي بلسانه ترجمة عن قلبه. وهذه الأنواع من الذكر لابد لها من رابطة قلبية، تربط الذاكر بالمرشد الكامل، الذي هو صورة رسول الله فى كل زمان، وتلك الرابطة هي سر الوصول إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومتي حرم القلب معني من تلك المعاني، فالواجب على المسلم أن يسارع إلى طبيب القلوب، العلام الرباني، ليعالجه حتى تعود صحته الروحانى  ة، فإن فقد الطبيب وجب عليه مجاهدة نفسه، بالمحافظة على آداب الشريعة التى لا تخفي على مسلم، ولا يرتبط إلا بمن كان مستقيما. قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا أئمتكم فإنهم رسلكم فيما بينكم وبين ربكم).



وقد انتشر الأدعياء فى هذا الزمن، فتري المدعي يجهل نفسه، ويطيع حسه، ولا يعلم الضروري من الدين، ويتقن ما به يخدع المسلمين، وهو وسيلة الشيطان، فعلي السالك أن يطلب العلم ولو بالصين، فإن أطباء القلوب قليلون، وإن تساهل المسلم فى كل شيء فلا يتساهل فى نجاة نفسه بالبحث عن المرشد الكامل.



قوله تعالى: ( الأحزاب:44). وقوله تعالى: (يصلي) بلفظ الفعل المضارع بشري لنا جماعة المسلمين أن صلاته سبحانه دائمة مستمرة فى كل زمان، مهما تعاقبت الدهور، وتوالت العصور، فأهل الإيمان بالله، الذاكرون الله كثيرا فى معية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدء الرسالة إلى يوم القيامة، لم يغب عنهم صلى الله عليه وسلم نفسا، ولو غابوا عنه لاحترقوا، وهم نور الله ورحمته لجماعة المسلمين، فى كل زمان ومكان، والصورة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل عصر وأوان. والصلاة من الله تعالى تنزله جلا جلاله بالتوب، والعفو، والغفور، والقريب، والمجيب، والولي، والمنعم، والمتفضل، وغيرها من أسماء الجمال والحفظ والسلامة، وصلاة الملائكة استغفارهم لنا ودعاؤهم لنا بالخير والمغفرة، كما ورد فى قوله تعالى: (غافر:7). وتنزلهم بالإلهام والبشائر لنا.

وقوله سبحانه وتعالي: ( ليخرجكم من الظلمات إلى النور) فيه من البشائر ما فى (يصلي عليكم) والإخراج أنواع: يخرج سبحانه من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ومن المعاصي إلى الطاعات، ومن الجهل إلى العلم، ومن العلم إلى الذوق، ومن الذوق إلى الشهود، ومن الشهود بعين اليقين إلى حق اليقين، ومنه إلى المقامات التى لا يشار إليها إلى حيث الفرار مما سوي الله، ومن سواه إلى الله تعالي.

وقوله تعالى: (وكان بالمؤمنين رحيما) أي: ثبتت رحمته من البدء بالمؤمنين، ودامت لهم إلى أبد الآبدين، والمؤمنين هم الذين سبقت لهم الحسنى من الله تعالى بتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم.


قوله تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) والتحية من الحياة، أي أحياهم بتحيته سبحانه إيهام منه لهم فى سلام حياة الأنس به فى المواجهة، على بساط المنادمة، وهم المقربون. أو تحيتهم من الملائكة عند الله تعالى، بشري بسلامتهم حتى من العتاب بالفوز بالحياة الدائمة، فى بساتين الفردوس والمسرات الباقية، وهم الأبرار أهل اليمين.

وقوله تعالى: (الأحزاب:44). فقوله (أعد) أي: أن هذا الأجر موجود الآن، فثبت وجود الجنة بهذه الآية، والأجر الكريم هو الجلوس على منابر من نور، أمام وجه الله تعالى للمقربين، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر، أو التصريف المطلق فى جنة الفردوس، بحجة قوله تعالى: (لهم ما يشاءون) (ق: 35). للأبرار. والأجر الكريم هو الخير العظيم، الذي يكرم من ناله أعظم الإكرام.

إذا ذكرنا به لاح الضيا العالي                       والذكر يجذبنا منا إلى الوالي
الذكر راح طهور فيه يذكرنا                         رب قريب مجيب حال إيصال
مولاي تذكرنا فى الذكر تشهدنا                      وجها جميلا يرينا غيب إجمال
يا ذكر أشهدتنا الغيب المصون أري                روض الجمال بحلي أو بترحالي
الوجه واجهني فى الذكر غيبني                     عن رتبتي أولا من طين صلصال
يا ذكر أنت مدام الروح بهجتها                      جملتني بالمعاني نلت آمالي
قد كنت فى غفلة أيقظتني                                      حتى شهدت جمال المنعم العالي
ترجمت عن غامض الأسرار أظهرها              للعاملين وللجهال أمثالي
خل الملام فإن الله مقتدر                             يعطي الولاية للساري وللتالي
قد أكرم الله أهل العجز علمهم                       أسرار توحيده بالحال والقال
الذكر نور من المذكور يمنحه                       أهل المحبة من فازوا بإقبال
الذكر يا إخوتي من سابق الحسني                            إن تذكروا الله يذكركم مع الآل
الذكر ما الذكر جذاب لحضرة من                            لنا تجلي بحان الذكر فى الحال
إنا ذكرناك فاذكرنا وأشهدنا                          جمال وجهك بالإحسان يا وال

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير