آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 9 مارس 2012

- مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً

- مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ  نَاراً
قوله تعالى :
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ  وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ).
بعد أن بين الله لنا بعض ما عليه أهل النفاق من الخديعة والسخرية والاقتدار على إخفاء الكفر    فى قلوبهم وإظهار الإيمان لتسلم أنفسهم وأموالهم ويعيشوا متمتعين بين المؤمنين بما لهم من الحقوق .  ضرب سبحانه لحالهم العجيبة مثلا ، والأمثال تكشف للعلماء الربانيين قال تعالى : )وَتِلْكَ  الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(، فغير العلماء لا يعقلون عن الله سبحانه وتعالى . مثل   حالهم العجيبة التى يحتار منها اللبيب بالنسبة لوضوح الحق لهم بما جاء به رسول الله تعالى من الآيات  الدالة على وحدانية الله تعالى وما بينه عليه الصلاة والسلام من أنواع العبادات والمعاملات والأخلاق التى  بها نيل السعادة ، وبما كانوا علية من الكفر بالله تعالى ، ومن العقوق والقطيعة وعبادة الأحجار والصور   والبهائم ومع هذا فإنهم أظهروا الإيمان وأخفوا الكفر فجمعوا بين الخبيثين : ظلمة الكفر ، وخبث النفاق . فكانوا بذلك فى الدرك الأسفل من النار لأن الكافر المجاهر بالكفر علمه المؤمنون فحصنوا  أنفسهم من كيده وسلموا الأهل النفاق وعاملوهم معاملة أنفسهم فكانوا شراً علينا من أهل الكفر بالله . ولذلك فقد ضرب الله لهم هذا المثل فشبههم فى حالهم هذه مجال رجل استوقد ناراً فأضاءت أفقه ،  واستبان بضوئها كل شىء حوله ووضحت له السبل ، ثم طفئت النار ، فعمته الظلمة وارتفع عنه كل شىء.وحذف الله من المثل جملا كثيرة تضمنها كلامه سبحانه السابق ، فكأنه يقول سبحانه مثل حال المنافقين الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم وعملوا بأبدانهم عمل المسلمين أمام المؤمنين ، فأنزلهم المؤمنون  مزلة أنفسهم فناكحوهم ووارثوهم ، وعاملوهم معاملة أخوة المؤمنين ، فسعدوا فى الدنيا بما أظهروه    من الإيمان ، فلما ماتوا وجدوا أنفسهم من أهل العذب والخزى بما أضمروه فى قلوبهم من الكفر ، فشبه   حالهم هذه بحال أوقد ناراً ، والنار التى أوقدها فى المشبه به ، هى الإقرار باللسان والعمل بالجوارح ،  وإضاءة النار التى كشفت له ما حوله ، هى حسن معاملة المؤمنين له . ولما كانت المعانى مفهومة من سياق الكلام أتى سبحانه بالآية موجزة من كمال البلاغة . فانظر إلى فخامة قوله تعالى : )ذَهَبَ اللّهُ   بِنُورِهِمْ(فأفرد المشبه به ، ثم جمع ليدل على إيجاز الكلام . وذهاب الله بنورهم إماتتهم وكانوا  يعتقدون أنهم نجوا نجاة لا عقوبه بعدها ، على ما أضمروا من الكفر ، فأخبرنا الله عنهم أنهم يوم القيامة   يعاملون الله تعالى معاملتهم للمؤمنين ، ويظنون نجاتهم بتلك المعاملة لجهلهم بالله تعالى ، قال تعالى مشنعاً عليهم : )يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُم ْوَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا  إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ(– وتركهم فى الظلمات يوم القيامة ، يعنى تركهم فى النار لا يبصرون غيرها .ومعنى المثل : أن المنافقين لما رأوا قوة المؤمنين خافوا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، فأظهروا           .
قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ.... ( 18 ) البقرة
الإيمان فحفظوا لأنفسهم كل شىء وأخفوا الكفر فى قلوبهم , وعاشوا مستضيئين بنور ما أظهروه   من الإيمان , حتى ماتوا انكشفت الحقائق , فأرادوا أن يتخلصوا من عذاب النار بما تخلصوا به من عذاب الدنيا من الأَيمان الكاذبة , فكشفت الله لهم عن الحقيقة ما فى قلوبهم , وأمر بهم إلى النار  بعد أن أقسموا له سبحانه على صدقهم فلم ينفعهم ذلك , إذا كانوا فى الدنيا منافقين . وإن تأويل بعض    المفسرين هذه الآية بأنهم كانوا مؤمنين ،ثم كفروا . وقال بعضهم كانوا مؤمنين ثم نافقوا , ولا حجة    فى الآية تقوم على ذلك , والحقيقة أنهم لم تسبق لهم إيمان أبداً . وأن تلك النار التى أضاءت ما حول      الموقد إنما هى إقرارهم باللسان الذى نفعهم الله به فى الدنيا , وإن كان الله تعالى كشف الستر عن بعضهم   فى الدنيا كعبد الله  بن أُبىّ ابن سلول وكطعمة بن أبيرق الذى ثبتت عليه السرقة وهو من كبار المنافقين فقام بعض  أقاربه يجادل عنه فنهاه الله عن ذلك بقوله :]وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ[- إلا أن المؤمنين كانوا يحبون الستر والمداراة , وهذا المثل بين حقيقة ما عليه كثير من منافقى أهل هذا الزمان , الذين يسارعون فى أعداء الله طمعاً فيما يفنى وخشية من أن تصيبهم دائرة , من عزل من وظيفة أو نفى   أو سجن . وكذلك المنافقون الذين أوقدوا نار التستر بالعلم بظاهرة الحياة الدنيا , ثم تضىء لهم تلك النار ,  فيحسبوا أنهم على خير وهم الضالون , إذا ليس العلم بظاهرة الحياة الدنيا هو العلم النافع عند الله وعند  رسوله صلى الله عليه وسلم وعند العلماء الربانيين , لأنه صنعة لراحة الأبدان لا تكتسب منه الأرواح ذرة من الخير ,   وربما كان سبباً فى الكفر أو النفاق أو الجدل أو منازعة الأحكام الشرعية أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين.          
قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ  ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَأَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ    واللّهُ مُحِيط ٌبِالْكافِرِينَp18i
     بينت لك فيما سبق تمثيل الله حالة المنافقين بحسب ما اكتسبوا فى
قوله تعالى : ]مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ  الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ  اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّيُبْصِرُونَp17i            
 وكان هذا البيان يكاد يكون إجمالياً , فاشتاقت نفوس المؤمنين إلى تفصيل هذا الإجمال بما  يشم منه رائحة التوحيد , فأشار سبحانه إلى شىء من عبيره لأهل النفوس الطاهرة بقوله : ]صُمٌّ   بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ[فليس المراد  صم الآذان , بل فقد القابل . ولا بكم الألسنة ,   بل حرمان التوفيق للنطق الصحيح بالإخلاص .  لا عمى الأعين , بل محو القوى التى تبصر آيات الله فى   مكوناته , فهم صم لا يعون الآيات الجليلة الواضحة , ولا يسمعون تسبيح الكائنات البينية , ولو بالتسليم   للقرآن . و ]بُكْمٌ[فلا ينطقون بالحقائق التى تشير إليها الآيات من إبداع السموات والأرض . و ]عُمْيٌ[.

فلا يبصرون تلك الآيات إلا مادة فاعلة مختارة : قال تعالى : ]إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ  لِّلْمُؤْمِنِينَوَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَوَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِوَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِنرِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌلِّقَوْمٍ   يَعْقِلُونَ[وهذه الآية مؤخرة عن تقدم لأن موضعها ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا  رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [- ]صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ[إلى الهداية أبدا, وإن كان الكلام فى الآخرة فلا يرجعون إلى الدنيا .
ثم أتى سبحانه وتعالى بأو التفصيلية التى ليست للإباحة ولا للشك لتفيد تفصيل هذا المجمل فقال  سبحانه : ]أَوْ كَصَيِّبٍ[والصيب : هو المطر الغزير . وليس هذا بعمل كسبهم ولكنه زواجَهُ ما يقتضى  الفزع منه . والمراد بالصيب هنا الإيمان , ولكنه شبه بسحابة سوداء ذات مطر غزير فى ليلة ظلماء  مصحوبة بظلمات ورعد وبرق , والرعد والبرق التكاليف الشرعية التى كلف بها العبد رغم أنفة , من   صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد , والصواعق هى الجهاد . فكان كلما أمروا بالجهاد أو الزكاة كرهوا   سماع هذا الأمر , فجعل مثلهم فى ذلك مثل الفزع من الصواعق القتٌالة ولخوفه يضع أطراف أصابعه فى أذنيه , ومثال حالهم هذا مفصل لما انتابهم من سابقة السوءى أعاذنا الله تعالى .
ولا تعجب يا أخى فإنك ترى فى زمنك هذا أناساً تعلموا العلم الدينى , وهم فى أثناء تعليمه فى معهده         ترى نفوسهم تنزع إلى الإنكار والسخرية . وسبب ذلك سابقة القدر . قال تعالى : ]وَلَئِنْ أَتَيْتَ   الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْقِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَة بَعْضٍ[وهم هؤلاء .. لا فرق بين اليهودى والنصرانى والمسلم , وكم من يهودى لان قبلة لبعض الآيات !!    وكم من نصرانى خلع ثوب النصرانية بمجرد فهم حكمة واحدة من حكم القرآن !!
كثير من الناس يقولون فلان عالم وفلان بن فلان حصل أمثال الجبال عالماً وأنا منفرداً أقول:وإنما  هى النفوس لا الدروس . والنفس الزكية الطاهرة يكفيها قليل الحكمة , والنفس الخبيثة اللقسة كالقرحة  لا يصدر منها إلا الصديد . فاحذر أخى أن تجالس أو تجانس أصحاب النفوس التى تنكر كرامات الأولياء ,   فضلا عن إنكار القرآن وإنكار الأحكام ]واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ[.
يجب على من وفقه الله لشرف خدمة تأويل القرآن أن يكون عالماً بمراتب العبودية ومقادير   خطابها , وبساطة من عظمة الذات وكبريائها , وكمالها وجمالها , وبهائها وضيائها ونورها , لأن استغراق  .        

قوله تعالى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ... ( 20) البقرة
كل ذلك علماً مستحيل – ومن جهل نفسه فجهل ربه , وحصل أمثال الجبال من العلم الإنسانى     وكتب على القرآن أخطأ ولو حكم له ألف عالم بأنه أصاب – قال تعالى : ]الرَّحْمَنُ.عَلَّمَ الْقُرْآنَ.  خَلَقَ الْإِنسَانَ.عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [.
]واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ[بالنسبة لهذا الميزان , أى أن الله تعالى هو القهار شديد البطش الذى  إذا أخذ عبداً لم يفلته .
وليست الآية تدل على أن هناك محيطاً ظرفاً ومُحاطاً به مظروفاً , تنزه الله تعالى علواً كبيراً , ولو تتبعانا  آيات القرآن المجيد فى أمثل تلك المعانى لوجدنا اسم القهار أو المنتقم أو شديد البطش يوضع موضع  محيط . وكأن المعنى والله أعلم : والله محيط بكل وُجَهِهِم , أى آخذ عليهم كل مسالكهم فلا ملجأ ولا  منجى من الله إلا إليه . ولذلك فالعارفون بالله بعد معرفتهم لأنفسهم فقدوا فى أعينهم كل شىء إلا دالاً  على الله تعالى بما فيه من بدائع إبداع الحكمة , أو خاصية وضعها الله فى الكائنات , أو آية تغذوا أرواح   المحبوبين بما فيها من غرائب القدرة وعجائب الحكمة , أو كتاباً صامتاً وهو القرآن المجيد والسنة , أو إنساناً بلغ وراثة رسول الله eناطقاً بما آتاه الله من فضله , فهذا الذى أثبت عند العارفين وجودها    لمعانيها . وأما ما عدا ذلك من مادة يعبدها أهل الغرة بالله , أو جاه يتفانى فيه أهل الدنياٍ , أو رياسة   بها تنفيذ كلمة الظلمة أو ذخائر إذا فارق صاحبها الحياة كانت سبباً فى الحرب بين ورثته , وسبباً لِكَبّه       فى نار جهنم فلا تنفعه فى الدنيا لأنه كنزها , ولا فى الآخرة من الفقير المحتاج إليها منعها .
أما أهل المعرفة فإنهم جعلوا الدنيا المعبودة لأهلها , كما قال رسول الله تعالى: )تعس عبد الدينار  وعبد الدرهم وعبد الخميصة , إن أعطى رضى , وإن لم يعط سخط , تعس وانتكس , وإذا شيك     فلا انتقش ) فإنهم أمدنا الله بروحانيتهم عاشوا غرباء , وإن أقبلت عليهم الدنيا قدموها لتكون   لهم ذخيرة عند الله , وضعوا أموالهم وأولادهم وعقارهم فى موازينهم يوم القيامة , من غير عاطفة تفسد  عليهم حالهم , فإنهم عرفوا أن الدنيا غرارة ضرارة مرارة وهى دار الخاسرين . ومن تذكر ما حصل   لخير الرسل فيها منها بالقليل , وعمل فيها المسافر العجِل , والغريب الذى لا أهل له . وفقنا   الله لما يحبه ويرضاه . وكما أن الله محيط بقهره وانتقامه وشدة بطشه وتفريده فى إيجاد كل شىء بالكافرين    فهو كذلك محيط برحمته وحنانه , وفضله وإحسانه بالمؤمنين .
قوله تعالى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْوَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه  عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌp20i
يقرب البرق لشدة لمعانه أن يخطف أنوار عيونهم , والبرق هنا هو حجج الإسلام البينة التى
لا يقوى طالب احق على إدحاضها , ولكن صاحب الهوى وعمىّ البصيرة محكوم عليه بالقطيعة مهما   كانت حالته , وكلنا نعلم أن الله خلق  ناراً وخلق جنة , وأن أهل النار عبيد الله , وأهل الجنة أيضاً عبيد ه   كأهل النار لأن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلا, وخلق الجنة وخلق لها أهلا  ,ولم يقو أحد  على أن     يغير ما قدره الله عليه أزلا , وغاية ما فى الأمر أن الله أخفى عن العالم جميعاً سر القدر , ثم إنه سبحانه         وتعالى أمر أبا بكر بالإيمان وكتب له فى الأزل الإيمان , وأمر أبا لهب بالإيمان , وكتب له فى الأزل   الكفر والمعاداة , وكلتا الدارين من نار أو جنة يؤولان إلى مراد الله , فما فى النار مراد الله كما أن  ما فى الجنة مراده , إلا أن الله أخلص الجمال والإحسان لأهل الجنة يوم القيامة , وجعل الجلال والعذاب لأهل النار فى هذا اليوم ولا مراد لقضاء الله , ومن ظن أنه يدرك الغيب المصون بعقله المعقول فقد جهل  نفسه , وإلا فما هو الإنسان وإن علا ؟ أليس هو بولة بالها أبوه من ذكره وبالته أمه من فرجها ؟ وما مقدار رجل هو من بولتين ؟ فليتأدب لله ورسوله e, ولا يكون سبباً لنفسه فى لقاء عذاب  لا قبل له به , ولا يكون كضلاٌل أوربا المغرورين بعلومها التى تلقوها عن أساتذتهم , الذين كانوا  فى القرون الوسطى شراً من مجاهيل أفريقيا , ولولا الأندلس وسلب كتبها وترجمتها ونابليون وسرقته   كتب الأزهر ووحوش الصليبية الأولى الذين كانوا أقل ظلماً من صليبية هذا الزمانفإنهم سرقوا الكتب من كل معاهد أفريقيا والشام ثم ترجمتها لهم بعض من لا خلاق لهم من المسلمين الذين تلقوها عن أساتذتها لكانوا كالبهائم فى بلادنا , ولعلك لا تنسى أن ابن رشد الأندلسى لما فر من الأندلس إلى فرنسا   طلب منه كبارها أن يكون أستاذاً لهم , فقبل وفتح أول مدرسة فى فرنسا وترجم لها علوم المادة وعلوم   الفلك والطب والهندسة وغيرها , فرحم الله الشرق ورحم آثار رجاله السالفين , وأعاد لنا ما سلبته أيدى   الأعداء منا .
قوله تعالى : ]يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [كائن سائلا سأل – مَثّل ْ لنا حال هؤلاء القوم لنعلم    ما كان عليه حال المنافقين؟ فقال سبحانه ]كُلَّمَا أَضَاء لَهُم[نوراً إقرارهم باللسان وحضورهم الصلوات مع  الصحابة ]مَّشَوْاْ فِيهِ[, أى انتفعوا به , ]وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ [بذكر بعض السرايا التى كان يرسلها  رسول اللهeأو طلب زكاة المال المفروضة أو التقرب إلى الله بما يصلح للجهاد ] قَامُواْ [ أى احتاروا :  ولم يقمهم الله فى هذا المقام إلا ليزدادوا تعذيباً أو ليكشف عنهم ستره عندما يريد الانتقام منهم ،    فتكون فضيحتهم شنيعة .
قال تعالى : ]وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[.

من اسرار القرآن للامام محمد ماضى ابو العزائم

الثلاثاء، 6 مارس 2012

- الصحابة الكرام فضائلهم وشمائلهم


إن الله سبحانه وتعالى {يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخِيرَةُ } و قد اختار الله من خلقه محمدا صلى الله عليه وسلم وشرفه على الناس كافة وجعله أحب خلقه إليه . وجعل أمته من خير الأمم ،وجعل العصر الذي بعث فيه خير عصور الدنيا ولذلك فإن أصحابه الذين ءامنوا به و أيدوه ونصروه وجاهدوا بين يديه هم خير قرون أهل الأرض . وقدأثنى الله عليهم في كتابه ثناء عظيما ، و انزل عليهم رضوانه ،و زكَّى إيمانهم وهُداهم ،و اخبر انهم بذلوا الوسع و الجهد في نصرة الدين فقال جل من قائل :{ لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون } وقال صلى الله عليه وسلم " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..." (وقد تضمنت المحاضرة ذكر" صور من حياة الصحابة"،وجهاد السابقين الأولين وصبرهم و بلاءهم الحسنِ في الدين.. و أفاض الشيخ في الحديث عن أهل بدر، و العشرة المبشرين بالجنة ،و أهل بيعة الرضوان و الخلفاء الراشدين و أمهات المؤمنين و فضل عائشة رضي الله عنها ) . وتابع القول – حفظه الله-. فلذلك كان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حق عظيم على جميع المؤمنين أن يترضوا عليهم وأن يحبوهم وأن يوالوهم جميعا و أن يظنوا بهم أحسن الظنون وأن يلتمسوا لهم أحسن المخارج ، وأن يعلموا أن الله هو الذي اختارهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ،فقدّمهم في صدر هذه الأمة ليكون لهم ثواب كل من وراءهم ؛فكل عابد لله بعدهم بأي نوع من أنواع العبادات ذكرا أو صلاة أو علما أو جهادا ..فعمله مكتوب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم الذين جاهدوا حتى بلغوا هذا الدين مشارق الأرض ومغاربها ..وما أحسن قول غالي البصادي: *وقامت بنصر الله أنصار دينه * وبيعت من الله النفوس النفائس. ... وكل ما نالوه من الفضل والسبق والخيرية فإنما نالوه بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، والتلقي عنه والاقتداء به وتمثـُّـل هديه وسنته ودعوته ، فكل طعن فيهم إنما هو طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل بغض لهم إنما هو بغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال العلامة أحمد البدوي عليه رحمة الله: (هم صفوة الأنام من أحبهم * بحبه أحبهم وودهم * كذاك من أبغضهم ببغضه * أبغضهم تبا له من معضه ). واجبنا تجاه الصحابة رضوان الله عليهم : - التوقير والدعاء لهم وحبهم حبا شديدا بحب الله لهم وحب رسوله الكريم لهم . - أن نظن بهم أحسن الظنون وأن نلتمس لهم أحسن المخارج. - لا نعتقد العصمة في أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكننا نعلم أن سابقة الصحابة في الإسلام وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملهم لأعباء هذا الدين من مكفرات الذنوب ..فهم رضوان الله عليهم أولى الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم . - لا نعتقد في أئمة آل البيت بالعصمة كما يعتقد الروافض ، ولكننا نجلهم ونوقرهم ونرعى فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ..وكل من أراد أن يعقد نزاعا بين الصحابة وبين آل البيت فهو كاذب مفترٍ...فآل البيت من الصحابة كانوا خيار الصحابة و أهل مودتهم و توقيرهم ..وكذلك توارث السلف وأهل السنة وأعلام الأمة توقير آل البيت دون غلو ولا تنطع . - لقد نال الصحابة ميزاتٍ عظيمة استحقوا بها علينا الحب والذكر الجميل فمن ذلك: فضل الصحبة والجهاد وفضل حضور الوحي ونزول جبريل ، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم ورؤية الملائكة على هيئات مختلفة ، وفضل السبق وهو منقبة عظيمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". - أن لا نخوض فيما شجر بينهم ونعلم أنما وقع منهم كان عن اجتهادٍ ..فمنهم مصيب ومنهم مخطئ فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر في اجتهاده وليس عليه إثم في اجتهاده. - إن الحب والتوقير والمدارسة لسير الصحابة الكرام تقتضي الاقتداء بهم واتباع هديهم وما كانوا عليه، فإن الصحابة أسوة في الإيمان جميعا قولا وفعلا واعتقادا لأن الله قال { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} . - الطعن في الصحابة أو في بعضهم هو طعن في الدين ، ولا يحل السماع ممن يطعن في الصحابة ولا مناظرته ولا مجالسته وهو عرضة للردة نعوذ بالله لأن الله تعالى أخبر أنه يَغيظ الكفار بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن أغاظه الصحابة فهو للكفر أقرب منه للإيمان { ليغيظ بهم الكفار}... وبالأخص الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فمن قال فيهم بغير ذلك بأن كفرهم أو فسقهم أو شهد لهم بالنار فهو كافر لأنه مكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... ومن لم يبرئ عائشة رضي الله عنها مما برأها الله منه فهو كافر إجماعا كفرا أكبر مخرجا من الملة لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ولو تشهَّد عند الموت ولو تشهد في كل الأوقات لا ينفعه ذلك لأنه يكذب الله ورسوله . - ومن أعظم أوجه التأسي بالصحابة التأسي بهم في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانوا في ذلك بالمقام الرفيع 

- فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ

قوله تعالى: ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)i
المرض هو الآفة التى تحل بالعضو لضعفه أو لفساد مزاج من الأمزجة . والطبيب النطاسى هو من يعالج الأمزجة لا من يعالج مركز المرض . وتلك المعالجة هى ما كان عليها أطباء المسلمين .. وقد  رجع إليها الطب الحديث – وإن أطباء هذا العصر يجهلون كثيرا من وظائف الأعضاء . وما علموا  منها إلا ما دوّنه أطباء المسلمين فى كتبهم .. وأما ما كان يعلمه كبار الأطباء من المسلمين بطول التجارب         .
     وبتزكية النفس بالتقوى وبما أودعه الله فى قلوبهم من الرحمة بالخلق فذلك لا يدركه علماء عصرنا هذا   لفقدهم أسباب الوصول إليه , قال سبحانه :]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [والمرض لا يرى , ولكن تُرى أعراضه من ألم العضو وصفرة اللون وذبول الجسم أو بواسطة ( كشف الأشعة ) و وكم من مريض   لا يحس بألم ولا بذبول جسم فلا يشعر كالمرضى بالديدان فى أمعائهم أو بالحصى فى المثانة أو الكليتين  أو الزائدة المعوية ( القولنج ) بأن تلك الأمراض توجد فى الجسم زمناً طويلا من غير أن يحس بها المريض , فإذا حصل مرض آخر أهاج تلك  الأمراض كلها . وقد تقدم أن الألم يسمى مرضاً . وهؤلاء  المنافقون فى قلوبهم شك وريب جعلهم فى أشد الآلام حسداً وغيظاً . ولم يقل سبحانه وقلوبهم مريضة لأن القلوب المريضة لا يؤاخذ صاحبها كالممرورين . وكم أفسدوا قواهم العقلية بتناول المسكرات والمخدرات.  وهؤلاء يُعَجٌلُ الله لهم العذاب فى الدنيا لأنهم خالفوا الشريعة وأضروا أنفسهم فيعيشون فى الدنيا فى ذل ومهانة من الجوع والعرى والألم , لأنهم لم يرحموا أنفسهم ويعذبون يوم القيامة على ارتكابهم ما أضاعوا  به جوهرة العقل الذى يعيشون به فى هناءة وعلم وعبادة .
وفى هذه الآية إشارة لطيفة وهى أن الصحة الروحانية لا تتحقق إلا بعلم التوحيد والعمل بها أمر الله به واجتناب ما نهى عنه , وبذلك يكون كل مخالف للشريعة مريضا بما فى قلبه من الريب  والشك , أم من العقائد الباطلة والآراء المضلة والمذاهب الفاسدة , ولو أنه كان متمتعاً بالصحة الروحانية لظهرت أعراضها عليه من الاستقامة والهداية والمسارعة إلى محاب الله ومراضية سبحانه , وما ظن عقل  من يعتقد عقيدة باطلة بإنكار أخبار القرآن أو بإهانة أحكام الله تعالى إلا كذبته الحقائق . وكيف لا والنفوس خمسة أنواع : نباتية , حيوانية , وإبليسية , وملكوتية , وقدسية . فكل نفس تسلطت على الإنسان قهرته على القيام بما تقتضيه , فكم من شيطان فى صورة إنسان بل ومن سبع كاسر وثعلب  خاتل . وخنزير نجس . وثعبان لاذع فى صورة إنسان . قال تعالى : ]شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنّ[  وقال                 جل جلاله ]إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا[. وإنما تتميز تلك النفوس بآثارها فى الإنسان . قوله تعالى :]فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً[.
أى فزادهم الله بما يظهر من نصرة نبيه وتأييده ورفع شأن أصحابه . ومن التمكين فى الأرض  بإذلال أعدائنا , ]مَرَضاً[يعنى ألماً فى القلوب فانتقلوا من شك وريب إلى جحود وعناد . ولولا سيف  الإسلام المسلول على رءوسهم لكانوا شرا من الكفار المجاهرين .
من اسرار القرآن للامام محمد ماضى ابو العزائم

الخميس، 1 مارس 2012

الأمام الأعظم أبو حنيفة النعمان

الأمام الأعظم أبو حنيفة النعمان
الأمام الأعظم أبو حنيفة النعمان..  سيرة عطرة وحياة زاهدة..
هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه الكوفي. ان هذه الشخصية العراقية الاصيلة، مثل معظم الشخصيات العراقية في الفترة العباسية، قد قام المستشرقون الغربيون ومعهم للأسف جوقة من المؤرخين العراقيين والعرب، بسلخه عن هويته العراقية واحتسابه بكل بساطة على(الموالي الاعاجم)!! وقد اعتمدوا في تشويههم هذا على عبارة واحدة قيلت عنه بأن اصل جده من(كابل) أي(كابول) في افغانستان الحالية. بينما تم التغاضي تماما عن المصادر الاخرى والكثيرة التي تقول ان جده من(بابل) وليس من(كابل)، او من(الانبار) !! وفي كل الاحوال ان هذا المثقف الكبير والفقيه الاصيل، كان عراقيا كوفيا بمولده هو ومولد ابيه وامه وتربيته وثقافته، ثم انه دفن في بغداد(منطقة الاعظمية)، وحتى مذهبه(الحنفي) اطلق عليه(مذهب اهل العراق)!!
أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، أو إحدى وستين، في الكوفة.تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق(ع). لهذا فأن المذهب الحنفي يعتبر من اقرب المذاهب السنية قربا للمذهب الجعفري الشيعي. ولاستناد هذا المذهب على(الاجتهاد)، فأن العديد من رجال الصفوة الدينية يضفون على مذهبه صفة(الديمقراطية)، لقوله : ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس تكون، وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان ذلك، فهم رجال ونحن رجال. ومن ميزات هذه الامام الصالح، انه رفض تماما التواطئ مع الظلم رغم كل الاغراءات والضغوطات التي تعرض اليها، ورفض بصورة قاطعة ان يلبي طلب الخليفة(ابو جعفر المنصور) ليصبح قاضيا، حتى غضب عليه هذا الخليفة وسجنه الومات في السجن، سنة خمسين ومائة للهجرة، وقيل بل خرج ثم مات في بغداد.

الكوفة.. حيث ولد ونشأ وتثقف الامام النعمان

حياة حافلة بالزهد والتقوى
عاش النعمان بن ثابت ـ كنيته أبو حنيفة ـ في آخر عصر بني أمية وأول عصر بني العباس، وكان مبدأه في الحياة ان يكرم نفسه وعلمه، وعقد عزمه على ان يأكل من كسب يده. دعاه الخليفة المنصور ذات مرة الى زيارته، فلما كان عنده أكرمه ورحب به وقربه من مجلسه وجعل يسأله عن كثير من شئون الدين والدنيا، فلما أراد الانصراف دفع اليه بكيس من النقود فيه ثلاثون الف درهم مع ان المنصور كان يعرف عنه البخل والشح ولكن الامام ابي حنيفة النعمان رضي الله عنه قال: (( يا أمير المؤمنين اني غريب في بغداد وليس لهذا المال موضع عندي ـ واني اخاف عليه فاحفظه لي في بيت المال حتى اذا احتجته طلبته منك. فأجابه المنصور الى رغبته، ولكن أبا حنيفة توفي بعد الحادث بقليل، ووجد في بيته ودائع للناس تزيد على اضعاف هذا المبلغ.فلما سمع المنصور بذلك قال: يرحم الله ابا حنيفة فقد خدعنا وأبى ان يأخذ شيئا منا، وتلطف في ردنا )).
ولاعجب في ذلك فلقد كان مبدأ الامام ابي حنيفة " ان ما أكل امرؤ لقمة ازكى ولا أعز من لقمة يأكلها من كسب يده". ولذلك كان يخصص جزءا من وقته للتجارة، وكان يتاجر في الصفوف والحرير وكانت تجارة رابحة وكان متجره معروفا يقصده الناس فيجدون فيه الصدق في المعاملة والأمانة في الأخذ والعطاء، وكانت تجارته تدر عليه خيرا وفيرا، وتهبه من فضل الله مالا كثيرا.
وكان رحمه الله يأخذ المال من حله ويضعه في محله وكان كلما حال عليه الحول، احصى ارباحه من تجارته، واستبقى منها ما يكفيه لتجارته ثم يشتري بالباقي حوائج القراء، والمحدثين والفقهاء وطلاب العلم، وأقواتهم وكسوتهم، وكان يقول لهم "هذه أرباح بضعائكم أجراها الله لكم على يدي. والله ما أعطيتكم من مالي شيئا وإنما هو فضل الله علي فيكم".
 في يوم جاءته امرأة عجوز تطلب ثوبا من حرير، فلما أخرج لها الثوب المطلوب قالت له: اني امرأة عجوز ولا علم لي بالاثمان، فبعني الثوب بالثمن الذي اشتريته واضف اليه قليلا من الربح فاني ضعيفة فقال لها :" إني اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة ثم إني بعت احدهما برأس المال الا اربعة دراهم فخذيه بها ولا أريد منك ربحا "
ويروى أن الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، رأى أحد جلسائه وعليه ثياب رثة فلما انصرف الناس، ولم يبق في المجلس الا هو والرجل قال له :" ارفع هذا المصلى وخذ ما تحته" فرفع الرجل المصلى فاذا تحته الف درهم فقال له أبوحنيفة : "خذها وأصلح بها من شأنك"، فقال الرجل اني موسر وقد أنعم الله علي، ولا حاجة لي بها فقال له أبو حنيفة:" إذا كان قد انعم عليك فاين اثار نعمته؟ اما بلغك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(ان الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده) فينبغي عليك ان تصلح من شأنك حتى لا تحزن صديقك".
وكان من جود وكرم ابي حنيفة رحمه الله ورضي الله عنه، انه كان إذا انفق على عياله نفقة تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين.وإذا اكتسى ثوبا جديدا كسى المساكين بقدر ثمنه، وكان اذا وضع الطعام بين يديه عرف منه ضعف ما يأكله عادة ودفع به الى الفقراء.
وكان لأبي حنيفة شريك في بعض تجارته واسمه حفص بن عبدالرحمن. فكان أبو حنيفة يجهز له أمتعة الخز(الحرير) ويبعث بها معه الى بعض مدن العراق. فجهز له ذات مرة متاعا كثيرا واعلمه ان فيه ثوب فيه كذا وكذا من العيوب وقال له :" إذا هممت ببيعها فبين للمشتري ما فيها من عيب"، فباع حفص، المتاع كله، ونسي ان يعلم المشتري بما في الثوب من عيوب. فلما عرف بذلك ابو حنيفة، بحث عن الذين اخذوا هذه التجارة التي بها عيبا فلم يجدوهم، فأخرج ابو حنيفة ثمن البضاعة كلها زكاة وصدقة.
وكان من اخلاق ابي حنيفة رضي الله عنه ـ انه كان طيب المعاشرة ـ حلو المؤانسة يسعد به جليسه ولا يتعب به من غاب عنه، ولو كان عدوا له، حدث أحد اصحابه قال: سمعت عبدالله بن المبارك، يقول لسفيان الثوري يا أباعبدالله، ما أبعد ابي حنيفة عن الغيبة، فان ما سمعته يذكر عدوا له بسوء قط، فقال له سفيان: ان ابا حنيفة اعقل من ان نسلط على حسناته ما يذهب بها.
وكان الامام ابو حنيفة رضي الله عنه، مولعا باقتناص ود الناس حريصا على استدامة صداقتهم، وقد عرف عنه انه ربما مر به الرجل من الناس، فقعد في مجلسه من غير قصد ولا مجالسة فاذا قام سأل عنه فان كانت حاجة او فقر أعانه وان كان به مرض عاده، وان كانت له حاجة قضاها حتى يجره الى مواصلته جرا.
في يوم جاءته امرأة بثوب من حرير تبيعه فقال كم ثمنه ؟ قالت : مائة، قال : هو خير من ذلك بكم تقولين ؟ فزادت مائة، قال : هو خير من ذلك حتى قالت أربعمائة، قال : هو خير من ذلك، قالت : تهزأ بي ؟ قال : هاتي رجلا ً يقومه فجاءت برجل فاشتراه أبو حنيفة بخمسمائة.
عرف عن الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله تعالى بأنه كان صوام النهار وقوام الليل، صديقا للقرآن الكريم، مستغفرا في الاسحار وكان من اسباب تعمقه في العبادة انه اقبل ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون، ان هذا الرجل الذي ترونه لا ينام الليل، فلما سمعهم قال: "إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله تعالى.والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل، ولن أتوسد فراشا بعد اليوم حتى القى الله ".
 عرف عن الإمام أبي حنيفة انه صلى الفجر بوضوء العشاء نحو من اربعين سنة، ما ترك ذلك خلالها مرة واحدة وكان اذا قرأ(سورة الزلزلة) اقشعر جلده، وخاف قلبه ويقول:" يا من يجزي بمثقال ذرة خيرا فخير، ويامن يجزي بمثقال ذرة شرا شرا أجر عبدك النعمان من النار، وباعد بينه وبين ما يقربه منها".
جاء في(سير أعلام النبلاء) : عن الشافعي قال قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.
                 
مرقد الامام ابو حنيفة في بغداد

ضريح الإمام أبو حنيفة
 قبره في الاعظمية ببغداد مزار معروف. روى الخطيب في تاريخه عن علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول : اني لاتبرك بأبي حنيفة وأجي إلى قبره في كل يوم ـ يعني زائرا ـ فاذاعرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت الى قـبـره وسـالـت اللّه تـعـالـى الـحـاجة عنده فما تبعد[عني ] حتى تقضى.
وقـال ابـن الجوزي في المنتظم: في هذه الايام ـ يعني سنة(459) ـ بنى ابو سعد المستوفي الملقب شرف الملك مشهد ابي حنيفة، وعمل لقبره ملبنا، وعقد القبة وعمل المدرسة بازائه، وانزلها الفقها ورتب لهم مدرسا، فدخل ابو جعفر ابن البياضي الى الزيارة فقال ارتجالا :
         الم تر ان العلم كان مضيعا    فجمعه هذا المغيب في اللحد.
        كذلك كانت هذه الارض ميتة    فانشرها جود العميد ابي سعد.
 ثم قال ان بناء الضريح قد تم سنة ست وثلاثين واربعمائة هجرية.. .  وكان الشخص الذي انفق على البناء رجل تركي قدم الى بغداد حاجا. كذلك قام بعض امراء التركمان بالصرف على اتمام البناء. وقام (ا شرف الملك) باعادة البناء وتأسيس المشهد الحالي في القرن الخامس الهجري. ويقال انهم اضطروا لنقل بقايا الموتى الذين تم دفنهم حول الضريح، الى بقعة بعيدة. وقد تم حفر اساس القبة حتى سبعى عشر ذراعا في ستة عشر ذراعا حتى بلغوا الارض الصلبة.
وقال ابن خلكان في تاريخه : قبره مشهور يزار، بني عليه المشهدوالقبة سـنـة(459).وقـال ابـن جـبـيـر فـي رحـلـتـه(ص 180) : وبـالرصافة مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في الهواء، فيه قبر الامام ابي حنيفة(رض).
وقـال ابـن بـطـوطـة فـي رحـلته(1/142) : قبر الامام ابي حنيفة(رض) عليه قـبـة عظيمة، وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر، وليس بمدينة بغداد اليوم زاوية يطعم الـطـعـام فيها ما عدا هذه الزاوية ثم عد جملة من قبور المشايخ ببغداد فقال : واهل بغداد لـهم في كل جمعة يوم لزيارة شيخ من هؤلا المشايخ، ويوم لشيخ آخر يليه، هكذا الى آخر الاسبوع.
 وقـال ابـن حجر في الخيرات: ان الامام الشافعي ايام كان ببغداد، كان يتوسل(يطلب الشفاعة) من الامام ابـي حـنـيـفـة، ويـجـي الـى ضـريحه يزور فيسلم عليه، ثم يتوسل الى اللّه تعالى به في قضاء حاجته.

شارك فى نشر الخير