آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

- طرق لتعديل سلوك الأطفال

-  طرق لتعديل سلوك الأطفال
كلنا نحلم بأن يصبح أبناؤنا مثاليين، ونحاول تعديل سلوكهم بشكل مستمر؛ ولكن كثيرًا ما نتعجل في استخدام العقاب الفوري، وقد ننجح في ردع الطفل عن السلوك غير المقبول ولكن على المدى الطويل يؤثر ذلك بشكل سلبي جدًّا على شخصية الطفل، وننسى وجود العديد من الأدوات والأساليب السهلة لتعديل السلوك، والتي تختلف باختلاف الموقف، وقد يستغرق تطبيق بعضها وقتًا طويلاً بعض الشيء للتأثير على الطفل؛ مما يتطلب من ولي الأمر أن يتحلى بالصبر والهدوء، وقد تشعر الأم ويشعر الأب بالإحباط في بادئ الأمر؛ ولكن على المدى الطويل تكون النتيجة باهرة، وقد اخترت لكم 10 طرق فعالة في تعديل سلوك الطفل:
1 - رواية القصص للطفل حول السلوك بشكل عام، بما يناسب عمر الطفل، التي مع الوقت سوف تتراكم في اللاوعي عند الطفل، ثم يبدأ الطفل بعد فترة بتقليدها تلقائيًّا.

2 - عدم إحراج الطفل بتوبيخه أمام الآخرين.

3 - توجيه الطفل بشكل مباشر، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"[1]، ولا يمكن ممارسة هذه الطريقة إلا إذا كان الوالدان يجالسان أبناءهم باختلاف أعمارهم، ويصاحبانهم ويحاورانهم بشكل مستمر.

4 - إشباع رغبة الطفل في الحصول على الاهتمام والانتباه والحب والاحترام؛ لأن حرمان الطفل من ذلك يدفع الطفل للبحث عن الاهتمام في شكل سلوك غير مقبول.

5 - التجاهل، إن تجاهل السلوك غير المقبول لدى الطفل يؤدي إلى إخماده في فترة قصيرة، مثال ذلك: تجاهل بكاء الطفل عندما يرفض المربي تنفيذ طلب غير مناسب، وقد يرتفع بكاء الطفل وعويله وإلحاحه؛ ولكن في نهاية المطاف سوف يتوقف حتمًا.

6 - التحاور مع الطفل حول السلوك السيئ الذي قام به، والإنصات إلى وجهة نظره، فأحيانًا يذهلنا الأطفال عندما نجدهم يحللون الموقف بشكل أفضل وأبسط من أولياء الأمور، وعلى المربي التعبير عن مشاعره نحو هذا السلوك، مثل أن تقول الأم: «أنا مستاءة من فعلك كذا وكذا». ولكن هنا يجب عدم ربط السلوك بالطفل، كأن تقول الأم: «أنا مستاءة لأنك مشاغب». والأخذ بعين الاعتبار استخدام ألفاظ إيجابية وحضارية، دون اللجوء إلى الألقاب السلبية والمهينة، وهنا أحب أن أذكر أن بعض الأطفال يحب الجدال والرد بشكل غير مناسب، عندها يجب إنهاء الحوار بشكل حازم.

7 - سد الذريعة، فمثيرات السلوك السلبي لدى الطفل يجب الابتعاد عنها، مثلاً إذا كان الطفل يتشاجر مع أبناء الجيران، بكل بساطة امنعه من اللعب معهم، ليس عقابًا له، بل للتخلص من المشكلة من جذورها.

8 - تعليم الطفل سلوكًا بديلاً، وأبسط مثال على ذلك هو عندما يطلب الطفل حاجة بشكل غير مهذب، هنا دور الأم لتعلمه الأسلوب المهذب في طلب الحاجات، مثل أن يقول: «لو سمحتي، وشكرًا».

9 - لوحة النجوم أو النقاط، لتحفيز الطفل على الاستمرار في السلوك الحسن، ويجب المكافأة في نهاية الجدول، والتي ليست بالضرورة أن تكون مكافأة مادية.

10 - وضع النقاط على الحروف وإنهاء المشكلة، مثلاً عندما توبخ طفلاً على سلوك ما، ثم تنصرف، لا يعتبر ذلك حلاًّ، ويظل الطفل غارقًا في الشعور بالذنب، ومن المفترض عند نهاية كلامك أن تطلب من الطفل الاستغفار والاعتذار، ثم احضنه ليعلم أنك ما زلت تحبه رغم كل شيء.

وهنالك مئات الأفكار لتعديل السلوك، وعلى المربين التفكير خارج الصندوق كما يقال، والبحث ثم البحث عن أجمل الأساليب التربوية لمساعدة الطفل على أن يكون إنسانًا سويًّا.

الاثنين، 4 أبريل 2016

خواص وأسراروعجائب سورة الفاتحة

قال ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدى خير العباد) :
{ كل داء له دواء ، وأنا أحسنت المداواة بالفاتحة ، فوجدت لها تأثيراًً عجيباً في الشفاء ،
وذلك أني مكثت بمكة مدة يعتريني أدواء لا أجد لها طبيباً ولا مداوياً ، فقلت :
يا نفسي دعيني دعيني أعالج نفسي بالفاتحة ؛ ففعلت ؛
فرأيت لها تأثيراً عجيباً ، وكنت أصف ذلك لمن اشتكى ألماً شديداً ،
فكان كثيراً منهم يبرأون سريعاً ببركة الفاتحة.

ثم قال :وقد يتخلف الشفاء لضعف همَّة الفاعل، أو لعدم قبول المحل أن يتداوى بكتابة الفاتحة ،أو أن يتداوى بقراءة الفاتحة، فكذلك يتخلَّف الشفاء لضعف همِّة القارئ أو لتغيير القارئ في المخرج والصفات، أو لعدم قبول المحل، وإلاَّ فالآياتُ والأدعيةُ في نفسها نافعة شافية}

وهكذا ، فإن فاتحة الكتاب تبرئ الأسقام ، والآلام ، وتعجِّل العافية في حينها.
وقد ورد في ذلك عن عبد الملك بن عُمير مُرْسَـلاً فيما رواه البيهقى:
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
{فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُل دَاءٍ} قال المناوي
{أى شفاءاً من : داء الجهل ، والمعاصي ، والأمراض الظاهرة ، والباطنة ،
وأنها كذلك لمن تدبَّــر ، وتفكَّـــر ، وجــــرَّب ، وقــــوى يقينه}

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
{فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنَ السَّم} (رواه بن منصور والبيهقي )

وأخرج الخلعي عن جابر رضي الله عنه :
{فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُل شئ إلا السَّام (الموت)}
والرقية بالفاتحة ثابتة بما فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

ومنه عن أَبِي سَعِيد الخدرى رضي الله عنه قال:
{بَعَثنَا رَسُولُ الله في سَرِيَّةٍ ، فَنَزَلنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلنَاهُمْ القِرَى فلم يَقْرُونَا ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُم فَأَتَوْنَافقالُوا: هَلْ فِيكُم مَنْ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ؟ قُلْتُ : نَعَم أَنَا ، وَلَكِنْ لاَ أَرْقِيِه حتى تُعْطُونَا غَنَماً ،قالُوا: فَإِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ شَاةً ؛ فَقَبِلْنَا ، فَقَرَأْتُ عَلَيِه الْحَمْدَ لله سَبْعَ مَرَّاتٍ ،
فَبَرأَ وقَبَضْنَا الغَنَم
قَالَ: فَعَرَضَ في أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقُلْنَا لاَ تَعْجَلُوا حتى تَأْتُوا رَسُولَ الله ،
قالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَيْهِ ، ذَكَرْتُ لَهُ الذي صَنَعْتُ ، قالَ
(وَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقَيْةٌ؟ اقْبِضُوا الغَنَمَ وَاضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ)}[1]

وقد قال الشيخ البوني رحمه الله في (شمس المعارف) :
{وفقني الله وإياكم ، فإن فاتحة الكتاب لها خواصٌ عجيبة ،
ومن خواصها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيما رواه البزَّار عن أنس)
{أنَّ مَنْ قرَأها عندَ وضعِ جَنبهِ على الفِراش، وَقَرأ معها " قُلْ هو اللهُ أحدٌ" ثلاثاً والمُعَوِّذَتَين
فقد أمِنَ مِنْ كُلِّ شئ إلا المُوت}

كما أخرج الطبراني عن الســائب بن يزرد قوله
{عوَّذَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب تَفْلا}

وقد نقل صاحب ( خزينة الأسرار )
عن الشيخ محيي الدين بن العربي قدَّس اللهُ سِرَّهُ:
{من كان له حاجةٌ ؛ فليقرأ الفاتحة أربعين مرةً بعد صلاة المغرب
عند الفراغ من الفرض والسنَّة،
ولا يقوم من مكانه حتى يفرغ من قراءة الفاتحة، وبعده يسأل مراده ؛
فإن الله تعالى يقضيه لا محالة، وقد جُرِِّبَ فوجدناه نافعاً،
ثم يقرأ هذا الدعاء بعد الفراغ من قراءة الفاتحة:
إلهي علمك كاف عن السؤال، اكفني بحقِّ الفاتحة سؤالاً، وكرمُك كاف عن المقال،
أكرمني بحق الفاتحة مقالاً، وحصِّل ما في ضميري}

وقال الشيخ البوني في كتابه (شمس المعارف) :
{قال العلماء العارفون بالله تعالى:
في الفاتحة الشريفة ألف خاصية ظاهرة ، وألف خاصية باطنة ،
ومن داوم على قراءتها ليلاً ونهاراً ؛ زال عنه الكسل ، والفشل ،
وطهَّر الله تعالى باطنه، وظاهره من جميع الآفات النفسانيَّة، والإرادات الشيطانيَّة،
وألهمه الله تعالى العلم اللدنِّي ، ظاهراً ، وباطناً ، ويكون القارئ على استقامة تامة }

وقد روى صاحب تفسير " روح البيان " ،
والحنفي في ( الفتاوي الصوفية ) عن الحكيم الترمذي
{من داوم على قراءة الفاتحة مع البسملة بين سنَّة الصبح وفرضه إحدى وأربعين مرة،
لم يطلب منزلة إلا وجدها، إن كان فقيراً أغناه الله، وإن كان مديوناً قضى عنه الدين،
وإن كان مريضاً شفاه الله سريعاً، وإن كان ضعيفاً قوى،
وإن كان غريباً عزّ وشرف بين الناس، ويرزقه ولداً صالحاً لو كان عقيماً،
قال :
ومن يقرأ هذا الترتيب على وجع ومرض بنيَّة خالصة، شفاه الله تعالى.
فهي واقية لمن قرأها عن جميع الآفات والأمراض،

وقد أخرج الديلمي عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم:{فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرؤهما عبد في داره فتُصيبُه ذلك اليوم عينُ إنْسٍٍ ولا جِنٍّ}
{1}رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم
منقول من كتاب {مفاتح الفرج}
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً 

الأحد، 3 أبريل 2016

- اليوم الرابع من أيام الله: يوم البرزخ

- اليوم الرابع من أيام الله: يوم البرزخ
وهذا اليوم يبدأ بالموت، ويستمر إلى يوم البعث. والبرزخ يعني الحجاب والفاصل الذي يفصل ويحجز بين شيئين. وقد حجز يوم البرزخ بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة، وفصل بين يوم الدنيا ويوم البعث، أو أنه حجز بين الأحياء وبين الأموات فلا يكاد الأحياء يعرفون شيئا من أمر الأموات إلا ما أخبرنا الله ورسوله به عنهم.
والبرزخ هو الحجاب المعنوي الذي لا يدركه الحس، ولا يخضع للبحث والتجربة. قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، [19-20،الرحمن]. وماء البحر وماء النهر ماديان مرئيان، ولكن البرزخ الذي بينهما معنوي لم يدر حقيقته أحد. لأنه من أسرار القدرة الإلهية العجيبة، أما الحواجز المادية فلا يقال لها برزخ وإنما يقال لها فاصل، حاجز، سدَّ إلى غير ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، [99-100،المؤمنون].
وهذه الآية الشريفة بينت حال الكافر عند الموت، وأنه يطلب من الله عند الاحتضار الرجوع إلى الحياة الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا، لأنه عاين الحق اليقين الذي كذب به من قبل، ورأى عذاب البرزخ الذي ينتظره، وشاهد الأهوال المقبل عليها، متمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحاً، ولكن اجله قد انتهي، وعمره قد انقضى، ورجوعه مستحيل، لأن نظام الله في خلقه، وسنته في كونه لا تتبدل حتى لو رجع ما نفعه هذا الرجوع شيئا، لأن نفسه الشريرة لا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه من الكفر والظلم والعناد، وتلك هي فطرتها التي عاشت عليها عمرها وحياتها. قال الله تعالى وهو اعلم بهذه النفوس: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، [28،الأنعام]. في طلبهم الرجعة إلى الدنيا ليعملوا صالحا.
قال تعالى ﴿كَلَّا﴾، كلمة نفى الله بها صدق الكافر في طلبه الرجوع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا، ونفى بها أيضا رجوعه إلى الدنيا لاستحالته. ومعنى قوله تعالى:﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، أي لابد أن يقولها ندما وتحسرا مع علمه أنه لا رجعة له، لأنه لم ير أحدا قبله رجع إلى الدنيا. ولكنه لما عاين عذاب البرزخ تمنى الرجوع بهذه الكلمة. والتمني هو طلب الأمر المستحيل. قال الشاعر: إن الأماني والأحلام تضليل.
قال الله تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، يرد الله على الكافرين المنكرين لحياة البرزخ، وعلى الذين تركوا أمر الحياة البرزخية وراء ظهورهم لا يعبأون بها ولا ينظرون في أمرها، بأنها حقيقة واقعية ولاحقة بهم لا محاله وعند الموت يرونها كما رآها صاحبهم هذا الذي طلب الرجوع إلى الدنيا عند معاينتها.
والحياة البرزخية هذه بينَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:{القبر إما روضه من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار}[1]
والمؤمنون يسمعون هذه الأخبار، فيؤمنون بها، والتصديق بحقيقته. لأن بيان رسول الله للغيبيات هو حق اليقين. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، [44،النحل].
والقبر محسوس ملموس، ولكن ما يجري فيه لصاحبه لا يشهده ولا يراه إلا رسول الله الذي اخبرنا به. وقد مرَّ رسول الله على قبرين يعذب فيهما صاحباهما، فقال رسول الله {إن صاحبي هذين القبرين يعذبان، وما يعذبان في كبير ارتكباه. أما أحدهما فكان. لا يستبريء من بوله، وأما الآخر فكان يمشى بين الناس بالنميمة}[2]
وأن صاحبي القبرين معروفان لأصحاب رسول الله الذين يخبرهم، ولكنهم لو فتحوا القبرين ليروا بعين الرأس العذاب ما رأوه، لان العذاب يُوَصِّله الله لمن يستحقه بكيفية لا يعلمها إلا الله ورسوله، وقدرة الله فوق الشك والتُهَمِ، وكذلك كان رسول الله يخبر عن أصحاب النعيم في البرزخ، لأنه صلى الله عليه وسلم مبشرا ونذيرا، وشاهد على كل شيء: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، [2-3،النجم].
وأما المعذَّبون في البرزخ من عصاة المؤمنين، فإن الله سبحانه يعذبهم على قدر جناياتهم، ثم يعفو عنهم. وهناك مواسم للعفو الإلهي، يعفو الله فيه عن العصاة من المسلمين، مثل رمضان وأيام الجمعة، وأيام عرفة وعاشوراء، وأيام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها من مواسم الخير الإلهي.
هذا وإن عذاب القبر أنواع كثيرة، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، [38،المدثر]. ونعيمه كذلك درجات متفاوتة. قال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، [4،الأنفال]. فمنهم ومنهم ومنهم. أما أهل الكفر والعياذ بالله فإنهم معذبون في قبورهم حتى تقوم الساعة، جزاء وفاقا، وما ظلمهم الله شيئا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
فانظر كيف طلب الكافر الرجوع إلى الدنيا عند الموت، وانظر كيف يستبشر المؤمن بالموت ويفرح بلقاء ربه الكريم، الغفور الرحيم..! فإن الملائكة الذين يتوفون المؤمنين يقولون لهم عند الموت: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، [32،النحل]. فيهنئوهم بالتحية والسلام، وبدخول الجنة والنعيم السرمدي، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، [32،النحل].  فليس بين المؤمن وبين الجنة إلا خروج الروح، وهنالك يفرح المؤمن بلقاء الله ويستبشر ويسر سرورا عظيماً بما أكرمه الله به، ويقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، [26-27،يس].
أما الكافرون فانه ليس بينهم وبين عذاب النار إلا خروج الروح، وإن ملائكة العذاب تفزعهم وتهددهم بالإنذارات المؤلمة المحزنة، ويضربونهم ضربا شديدا وهم ينتزعون أرواحهم من أجسامهم  قال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، [27،محمد].
وبعد موتهم فورا يعذَّبون في قبورهم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، [93،الأنعام].
فقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾،  يعنى يوم الموت تجزون عذاب الذُّل والهوان والنكال الشديد. ومعنى قوله تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾، تقريع وتهديد لهم، أي مالكم استسلمتم للموت وسكراته، فاخرجوا أنفسكم مما أنتم فيه من الخطوب والمصائب إن كنتم تملكون لها شيئا، فإنكم اليوم تلقون جزاءكم على سوء صنيعكم، وليس بينكم وبين هذا الجزاء الشنيع إلا خروج الروح من أجسادكم. قال الله في شأن قوم نوح عليه السلام: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، [25،نوح]. فبمجرد إغراقهم في الطوفان دخلوا عذاب النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وان الفاء من قوله تعالى (فادخلوا) تقتضى ترتيب ما بعدها على ما قبلها ووقوعه فورا وبدون مُهْلَه، وتسمى فاء الفورية كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، [38-39،القيامة]. فإن الفاء عطفت هذه الأفعال على بعضها بدون تراخ.
ونود أن نشير إلى أن الموت الذي كتبه الله على كل حَيٍّ، إنما هو نهاية الحياة الكونية الجسمانية، التي تقوم بالغذاء والشراب والعلاج والتنفس، وإنما يكون الموت بخروج الروح من هذا الجسم، والروح سر من أسرار الله، وغيب من أمر الله، لم يدر حقيقتها أحد إلا الله، وإنما تقوم بتدبير هذا الجسم إلى الأجل الذي قدره الله للبقاء في الدنيا.
وإن الإنسان يدركه الموت أين كان وكيف كان. قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾، [78،النساء]. ومعنى بروج مشيدة يعنى قصور منيعة ومجهزة بكل أنواع المتع والزينة، وبعيدة عن أسباب الموت التي تعرفونها، فإن الموت يهجم على الإنسان بسبب وبغير سبب، لأن الأجل قدره الله بالأنفاس، فإذا انقضى آخر نفس خرَّ الإنسان ميتا ولو كان في ريعان شبابه وبكامل صحته وقوته، وبين أهله وعشيرته وخدمه وحشمه، فلن يغنى عنه كل ذلك شيئا. قال جل شأنه: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾، [61،النحل].
والساعة عند الله أسرع من لمح البصر. والمعنى إذا حضر أجل الإنسان لا يقدر أحد أن يؤخره لحظه ولا أقل ولا يقدر أحد أن يميت أنسانا قبل مجيء أجله بطرفة عين أو أقل. ذلك لأن الله نظَّم هذا الأمر وحده بمشيئته وقدرته، فلا دخل لأحد من أهل السموات والأرض فيه.
هذا وأن المقتول ميت بأجله الذي حدده الله له، وإن كان القتل سببا في موته. وأن القاتل يحاسب على مباشرته أسباب القتل، وعلى قصده ونيته.
والموت سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وأنه آية من آيات الله عزَّ وجلَّ الدالة على كمال قدرته، وسيطرته وقهره لعباده، وتصريفه في خلقه وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، [2،الملك]. فكما أن الحياة آية من آيات الله الكبرى الدالة على قدرة الله وإرادته وحكمته، فإن الموت كذلك، وقد خلق الله الموت لأنه آية الفناء والعدم لمظاهر الحياة التي خلقها الله في الأحياء.
وقد طلب بنو إسرائيل من سيدنا موسى عليه السلام أن يرفع الله عنهم الموت. وألحوا في هذا الطلب، فسأل سيدنا موسى ربه أن يرفعه عنهم خمس سنين، فاستجاب الله له، وفي خلال هذه السنين الخمس ابتلاهم الله بالأمراض الشديدة، وبالجدب وبالفقر، وموت الحيوانات والطيور، ومنع عنهم الغيث وجفَّ ماء العيون والآبار، حتى أكلوا الأخضر واليابس، والحشرات السامة والحيوانات الميتة، والكلاب والجيف، وضاقت  عليهم الأرض بما رحبت، واخذوا يتمنون الموت فلم يجدوه، وعلموا أن الموت هو رحمة من الله بخلقه، وإغاثة منه لعباده، فمرت عليهم السنوات الخمس كخمسين ألف سنة في شقاء وأمراض وجوع وويلات.
وقد يتمنى الإنسان الموت فلم يعثر عليه، وقد يكرهه الإنسان فيقع عليه رغم أنفه.
فكم من سليم مات من غير عله.. وكم من مريض عاش حينا من الدهر
ولله في خلقه حكم وشئون تخفى على أهل البصائر والقلوب وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
أما حياة البرزخ فهي تشبه إلى حد كبير حياة الرؤيا المنامية، ففيها إحساس معنوي، وإدراك روحي، بحيث يشعر الإنسان بالنعيم والسرور الذي يعيش فيه، أو بالعذاب والبؤس الذي يتقلب فيه.
وكل واحد من أهل البرزخ له حالة خاصة لا يحس بها غيره من أهل البرزخ، فقد يجمع القبر بين ضدين، وبين مؤمن وكافر، وبين صالح وطالح، بين تقي وفاجر، بين مظلوم وظالم، وكل منهم يعيش في عالمه وفي ملكوته، من روضات الجنة الهنيئة أو حفرة من حفر النار المتلهبة، ولا يحس احدهما بصاحبه وهما متلاصقان، فسبحان من خلط ماء البحر بماء النهر العذب، وجعل بينهما برزخا لا يبغيان.
فلو أن رجلين نائمان على سرير واحد، ورأي أحدهما في منامه أنه يتمتع في عيشة هنيئة، يأكل ويشرب، ويتفكر ويتلذذ بمشتهياته، بين خلانه وإخوانه، ورأي الآخر في منامه انه يمر بمحنة قاسية، وأن السباع تطارده والأفاعي تنتهشه، والنار تحرقه، وانه يستغيث ولا مغيث. فانظر كيف يعيش كل منهما في رؤياه ولا يحس أحدهما بصاحبه وهما في سرير واحد متلاصقان..!!
وحياة البرزخ كلها عجائب، ومن صفت من الأكدار سريرته، وطهرت من الأوزار علانيته، وتلقى علوم البرزخ بيقين وتسليم لله ورسوله، علمه الله ما لم يكن يعلم، وكاشفة بمعاني الأحاديث والآيات الواردة في شان الحياة البرزخية، فازداد يقينا وتسليما لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾، [282،البقرة].
هذا وان الروح بعد خروجها من الجسد، تأخذ منه صورته وطباعه، وفطره وأخلاقه، وأعماله وأحواله، وتعيش بها في البرزخ. وذلك لأن الروح اكتسبت كل ذلك من الجسم أيام إقامتها فيه، حتى يتعارف مع نظراءه وأشكاله من أهل البرزخ، كما كان التعارف في الدنيا.
أسال الله عزَّ وجلَّ  أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، وأن يرزقني وإخواني جوار سيدنا رسول الله الأعظم في الفردوس الأعلى، انه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.




[1] البيهقي في السنن عن ابن عمر.
[2] البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
منقول من كتاب أيام الله
لفضيلة الشيخ محمد على سلامه 
وكيل وزارة الاوقاف ببوسعيد

- كيف آمن الجن بالإسلام؟وهل يرتقى فى المقامات؟

- كيف آمن الجن بالإسلام؟وهل يرتقى فى المقامات؟
السؤال الخامس عشر: هل يرتقى الجن فى المقامات؟.
الجواب :
نعم إن الجن مخلوق عاقل مكلف بالعبادة، وبجميع أحكام الدين المتعلقة بفعل الخير واجتناب الشر، كالإنسان تماماً.
وأن المؤمنين من الجن يتنافسون فيما بينهم فى عمل الصالحات والقربات، ويجاهدون أنفسهم وعناصرهم وأهواءهم وحظوظهم في طاعة الله ورسوله، وكل منهم يرتقى على حسب قوة اعتقاده، وحركة جهاده ولقد كان إبليس لعنه الله من الجن المؤمن، وأخذ يرتقي في المنازل والدرجات حتى صار مع الملائكة فى الملكوت الأعلى، وتلطفت ناريته وتهذبت عناصره إلى أن كان يدعى بطاووس الملائكة.
ومعنى ذلك أنه تحلى بالحلل والرياش الفاخرة من المعانى والمباهج والآداب الراقية من العلم والمعرفة والطاعة والعبادة والذكر والفكر والشكر والتسبيح والتحمد والتقديس والتهليل والتكبير وغير ذلك من العبادات، وفي آخر لحظة غره حاله، وحكم عليه طبعه، وارتد والعياذ بالله عن الايمان وكفر بالله العظيم، وقد كان فى أرقى المقامات، وغلبت عليه شقوته، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن الشقاء بعد الهناء، انه سميع عليم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
السؤال السادس عشر : كيف آمن الجن بالإسلام؟
الجواب : إن الجن لما منعوا من استماع أخبار السماء  كما كانوا من قبل، ورجموا بالشهب أخذوا يبحثون عن علة ذلك، فعرفوا أن النبي الخاتم قد بعثه الله، فانصرفوا إليه وتوجهوا إلى رسول الله يطلبون منه أن يبلغهم ما أرسل به، وفى هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾.  [29،الأحقاف]. وكان هذا النفر من الجن هم من أكابرهم ورؤساءهم، فآمنوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به من عند الله، ثم ذهبوا بعد ذلك إلى أقوامهم، يبلغونهم دين الله الحق. وبطبيعة الحال كان من الجن من قَبِلَ الدعوة وآمن. وكان منهم من أعرض وكفر، ولما توجه رسول الله إليهم ليبلغهم رسالة الله قال لأصحابه وهو بمكة: {من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل}. فلم يذهب معه أحد غير عبد الله بن مسعود قال فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي رسول الله برجله خطاً ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر فانطلق فتبرز ، ثم أتاني فقال: {ما فعل الرهط؟} قلت هم أولئك يا رسول الله فأعطاهم عظمًا وروثًا زادًا ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم، وهذا الحديث رواه ابن جرير بسنده عن عبد الله ابن  مسعود رضي الله عنه، وإن هذا الحديث الشريف يبين كيفية دعوتهم ودخولهم في الإسلام، ويبين أيضا من هم حيث جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا لابن مسعود لا يتعداه ولو تخطاه لأذوه.
السؤال السابع عشر : هل بلغتهم جميع أحكام الإسلام وآدابه بهذه الكيفية التى مرت فى الاجابة السابقة؟
الجواب:
يجوز أن يكون الأمر كذلك، ويجوز أن يكون قد سمح لهم رسول الله بالحضور مع إخوانهم الإنس مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليتلقوا عنه القران والسنة، وجميع أحكام الإسلام وآدابه ولكن بشرط أن لا يؤذوا أحدًا من المسلمين، ولا من غيرهم فى سبيل ذلك.
وإن الذي يهمنا هو اليقين بأن الدعوة قد بلغتهم، وأن الحجة قد قامت عليهم، وأنهم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشياء كثيرة من أمور الدين المتعلقة بهم، وأن رسول الله كان يجيبهم وأنهم آمنوا وأسلموا وأخبر القران عنهم بذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. [14،الجن].
السؤال الثامن عشر: هل آمن الجن بالرسل السابقين وكان منهم يهود ونصارى ومجوس وغيرهم؟
الجواب:
نعم لأن الجن مكلف تمامًا مثل الإنس، بتوحيد الله وبطاعته وذلك مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. [56،الذاريات]. وأن ذلك مقرر فى جميع الشرائع والديانات السابقة على الاسلام ، وهذا علاوة على أن الله عزَّ وجلَّ أرسل إليهم رسلاً من جنسهم، ليبلغوا رسالات الله ويدل على ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾. [130،الأنعام]. فقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير هذه الآية الشريفة أن الله قد أرسل رسلاً كثيرين من الإنس ورسلاً قليلين من الجن. جاء ذلك فى تفسير ابن كثير ويدل على ذلك أيضا المدة الطويلة التي مضت على الجن قبل خلق الإنسان، فإن الله أمر الجن أن يؤمن به وأن يعبده بفرائض وواجبات ألزمه بها، وقد كان ذلك عن طريق الرسل الذين أرسلهم الله إلى الجن من جنسهم وأيضا يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. [4،إبراهيم]. وأن الجن قد تختلف لهجته كثيرًا عن بني الإنسان، فكان لهم رسل من جنسهم ويدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. [24،فاطر]. وأن الجن أمم كالإنس تماما، ولذلك كان لهم منذرون ومبشرون من جنسهم، حتى لا يحتجوا بأن الرسل الذين بعثهم الله إليهم لم يكونوا من جنسهم ولم يتمكنوا من الأخذ عنهم والانتفاع بهم، وهذا لا يمنع أن الله أرسل إليهم رسلاً من الإنس كما أرسل إليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن الله ختم به جميع الرسالات من الإنس والجن والملائكة، ومنحه الله خواص كل نوع من الأنواع العاقلة حتى يخاطبهم على قدرهم، وعلى حسب خصوصياتهم، ويعطي لكل منهم حقه من دين الله ورسالاته فإنه صلى الله عليه وسلم النبى الوحيد والرسول الفريد الذى جعله الله رحمة لجميع العالمين. وأن الرحمة حقيقتها هى إغاثة الكائن الحي من الشقاء والعناء والعذاب الأليم، وإدخاله في حصون الهداية والأمن والسلامة، فما أعظمها من رحمة، وما أجَلَّ سعادة العالمين بها.

شارك فى نشر الخير