آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 31 يناير 2018

، خطورة النفاق وعلاماته خطبة جمعة لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

، خطورة النفاق وعلاماته خطبة جمعة لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد
الخطبة رقم(١٤)

خطورة النفاق وعلاماته
خطبة جمعة لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد
*******************************************
الحمد لله رب العالمين، نحمده عزَّ وجلَّ على ما أعطانا حيث اختارنا وجعلنا من أمة الإسلام، وكتب في قلوبنا الإيمان
 والصدق والإخلاص، وجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين،

سبحانه سبحانه، قلوب العباد بيديه، يغير ولا يتغير، ويحوِّل ولا يتحوَّل، وبيد وحده تصريف القلوب والأمور.
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8آل عمران).

وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له خلق خلقاً وجعلهم أنصاراً لشريعته، وأتباعاً لخير بريته، وكتب لهم في الدنيا هدايته، وفى الآخرة سعادته
 نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أمره الله عزَّ وجلَّ بتبليغ رسالته، والدعوة إلى العمل بشريعته، وأن يجاهد الكفار ومن يعاونهم ممن حولهم من المنافقين لأنهم أضرُّ على المؤمنين من الكافرين،
 وقال له عزَّ وجلَّ في شأنهم:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73التوبة).

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي حمَّله مولاه في الدنيا لواء هدايته، وفى الآخرة لواء شفاعته، وفى الجنة لواء أهل سعادته،
صلى الله عليه وعلى آله الذين اقتدوا بهداه، وأصحابه الذين آزروه ونصروه في شرع الله، وأتباعه المباركين الذين سلكوا على هداه واجعلنا منهم أجمعين آمين يا رب العالمين.

أيها الإخوة جماعة المؤمنين:

ما ترك الله عزَّ وجلَّ شيئاً يُهم المؤمنين في دنياهم، ولا شيئاً يبلغهم رضا الله والفوز بجواره في أخراهم، إلا ووضحه لهم في كتاب الله، وبينه بأبلغ بيانٍ في كلمات الله جلَّ في عُلاه، لأن المؤمنين دائماً وأبداً يتسمون بطيبة القلب وسلامة الفؤاد، فيُخدعون بمن يخدعهم بظاهره.
كان سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، رجلاً من المؤمنين طيب القلب سليم الفؤاد، وكان يشترى العبيد، فكانوا يتظاهرون بطاعة الله والصلاة والصيام، حتى يرقَّ قلبه لهم فيعتقهم لوجه الله عزَّ وجلَّ، فيقولون له: إنهم يخدعونك، فيقول رضي الله تبارك الله تعالى عنه وعن أبيه:
[من خدعنا بالله عزَّ وجلَّ انخدعنا له].

علم الله عزَّ وجلَّ هذه الحقيقة، فنبَّه النبي وأصحاب النبي وأتباع النبي إلى يوم الدين أن العدو الأشرس في حربه للمسلمين في كل وقتٍ وحين هم طائفة يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، يظهرون المحبة ويبطنون البُغض، يظهرون المودَّة ويبطنون الحقد والحسد، ولأنهم بين المسلمين يعرفون خفاياهم ويطلعون على كل عوراتهم وكل أمورهم فيكونون أشد عليهم من الكافرين
ولذلك قال للنبي صلى الله عليه وسلم  ولمن حوله ولنا أجمعين:
هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4المنافقون).
هذه الطائفة الذين تظاهروا بالإسلام لكنهم في قلوبهم لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون برسول الله، ولا يؤمنون بكتاب الله وإنما كفارٌ وإن تظاهروا بغير ذلك لخداع المؤمنين والمؤمنات، جعلهم الله عزَّ وجلَّ في الآخرة في أسفل قاع النار، فإن الله عزَّ وجلَّ جعل الجنة درجات:
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله (163آل عمران).
والدرجات للصعود، وجعل لجهنم دركات، والدركات السلالم التي تهوى إلى أسفل، فجعل في أسفل هذه الدركات المنافقين:
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاسْفَلِ مِنَ النَّارِ (145النساء).
لأنهم خدعوا الله ورسوله، وخدعوا المؤمنين.
هؤلاء القوم حذَّر الله عزَّ وجلَّ النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه منهم، ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم يحرصون كل الحرص على أن ينزهو أنفسهم من الوقوع في هذا الجُرم العظيم وفى هذا الإثم الكبير، فكانوا يحرصون أشد الحرص حتى كان أحدهم إذا سُئل هل أنت مؤمن؟ يقول: مؤمنٌ إن شاء الله ولا يجزم لنفسه بالإيمان، لأنه يعلم أن الإيمان يلزم لكي يشهد لنفسه به أن يعلم أنه معه حتى حُسن الختام حتى يتوفاه الله مسلماً ويلحقه بالصالحين.

وقد علمهم النبي أن يسألوا الله عزَّ وجلَّ الثبات على الإيمان، لأن هذا أمرٌ متعلقٌ بحضرة الرحمن عزَّ وجلَّ، إذا كان النبي بذاته صلوات ربى وتسليماته عليه، كان يقول عقب كل صلاة:

كما ورد عن انس رضي الله عنه أنه كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ:
 (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ).(رواه الترمذي)

ووجهنا إلى أن نرددها عقب كل صلاة، لأن ثبات القلوب لا يكون إلا من حضرة الله جلَّ في عُلاه.

وأصل هؤلاء أن رجلاً من المدينة  ـ وكان اهل المدينة  قبيلتين  هم الأوس والخزرج، وكان بينهما حروبٌ مستمرة، وفى نهاية المطاف اتفقوا على أن تنتهي النزاعات والحروب فيما بينهم وأن يكون أميرهم جميعا، واختاروا واحداً من عظمائهم ليكون ملكاً عليهم، هذا صادف قبل استلامه الملك مجيء الإسلام ومجيء النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى المدينة.
فكوَّن كتيبة من المنافقين حوله يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم  ويتفننون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون المؤمنين الصادقين في أوقات الشدائد للتخلي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وينشرون الشائعات على المسلمين وعلى النبي، ليبلبلوا أفكار الناس ويُزعزعوا ما في نفوسهم من الإيمان بالواحد الأحد عزَّ وجلَّ، وكلما تحدث الرسول صلى الله عليه وسلَّم عن هذا الرجل وهو عبد الله بن أبىّ بن سلول.
قال له الصادقون من الأنصار:
يا رسول الله أعذره فإن التاج قد صُنع له وكان سيضعه على رأسه، وأنت بمجيئك إلى المدينة قد حرمته من هذا التاج، فكان يصبر عليه النبي صلى الله عليه وسلَّم، وذات مرةٍ قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أقطع عنق هذا المنافق، قال:
(لا يا عمر ماذا يتحدث الناس عنى؟ أيقولون إن محمدا يقتِّل أصحابه؟) (البخاري ).
وكان ابنه رجلٌ من الصادقين فسمع بما يتهامس به أصحاب النبي فجاء إليه وقال له: يا رسول الله لو قتل رجلٌ مؤمنٌ أبى لم ترضى نفسي أن أرى قاتل أبى يمشى أمامي فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر، يا رسول الله ائذن لي أن أقطع عنق أبى حتى لا أقتل مؤمناً بكافر، فقال صلى الله عليه وسلَّم: لا ورفض ذلك ونهى عن ذلك صلوات ربى وتسليماته عليه.

فكان أصحابه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين يحرصون على معرفة أوصاف هؤلاء المنافقين، والله عزَّ وجلَّ فيما أنزل من القرآن أنزل ثلاثين سورة في المدينة منها سبعة عشر سورة في المنافقين، حتى قال بعض العلماء:
كاد القرآن كله ينزل في المدينة في المنافقين، يعَرّف بأوصافهم حتى ينزِّه المؤمنون أنفسهم عن هذه الأوصاف، ويبتعدون عمن فيهم هذه الأوصاف وأمرهم أمراً صريحاً فقال عزَّ وجلَّ في قرآنه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119التوبة).
وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم يقسِّم الأعمال والأسرار بين أصحابه، فجعل في حضرته سكرتيراً خاصّاً أطلعه على المنافقين وألقابهم وهو وحده الذي يعرفهم، وكان اسمه حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه  إذا جيء بجنازة إلى المسجد ينظر إلى حذيفة، فإن قام حذيفة ليصلى عليها، دخل عمر فصلى عليها، وإن امتنع حذيفة عن الصلاة عليها امتنع عمر، لأن الله قال لحبيبه على هؤلاء:
وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا (84التوبة).
نهاه حتى عن الصلاة عليهم لأنهم في قلوبهم الكفر وإن كانوا يظهرون أعمال أهل الإسلام، وجاء عمر مرة ليصلى على رجلٍ منهم فناداه حذيفة:
يا أمير المؤمنين إنه منهم فلا تصل عليه، فقال له عمر: وأنا منهم؟
انظر إلى الصادقين مع الله ، وأنا منهم؟ قال: لا ولن أصرِّح بذلك لأحدٍ بعدك أبداً.

هؤلاء المنافقون يا أحبة هم الطابور الخامس الذي يرتع في هذه البلاد وبين هذه العباد، وهو الذي أشد علينا من الكافرين والمشركين لأنهم يعلمون كل شيء عن المسلمين وعن المؤمنين، وهم من يُسمَّى في عصرنا هذا بالجواسيس الذين يتجسسون على أحوال المؤمنين ويذيعونها للكافرين والمبغضين.

هذا النفاق هو النفاق الأعظم، وهو الشرك بالله عزَّ وجلَّ والتظاهر بالإسلام،

 لكن الطامة الكُبرى والتي ظهرت في عصرنا والتي نهى عنها نبينا، أنه نبَّه أن هناك نوعٌ من النفاق سُمَّى بالنفاق الأصغر، والنفاق الأصغر هو أن يكون المرء مسلماً ومؤمناً ومُصلياً وصائماً وعابداً لله، لكن فيه أوصافٌ وصف النبي أن من يتصف بها بأنه فيه صفة من صفات المنافقين،

وكل مشاكل مجتمعنا الآن فيما بيننا بسبب تمسك البعض بهذه الأوصاف التي نهى عنها نبينا الكريم صلوات ربى وتسليماته عليه.
كأن يتصف بالكذب، والنبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:
(يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ).(مسند احمد عن ابي أمامة رضي الله عنه)
ليس عند المؤمن كذباً ولا خيانة، وقيل يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً؟
قال: (قد يكون، قيل أيكون المؤمن بخيلا؟ً قال: قد يكون قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا المؤمن ليس بكذاب المؤمن ليس بكذاب المؤمن ليس بكذاب). (رواه م مالك عن صفوان بن سليم رضي الله عنه)
فالكذب من الصفات المشينة التي نزَّه الله عزَّ وجلَّ المؤمنين أجمعين عنها، لأنه سمانا جميعاً الصادقين:
اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119التوبة).

والكاذب يجعل الإنسان لنفسه مستقراً والعياذ بالله في جهنم مصيراً إن أصَّر على كذبه ، ولم يتب إلى الله من الكذب ، ويتحلى بصفة الصادقين لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
(لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابا، والكذب يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار).(رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه)
والكذاب يجعل الله عزَّ وجلَّ الملائكة الحفظة الكرام البررة الذين يتبعونه ويحيطون به ويسجلون أعماله إذا كذب يقول في ذلك حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم:
(إذا كذب العبد تبعد عنه الملائكة قدر ميل (رواه الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه) ـ وميل يعنى اثنين كيلومتراً إلا ربعاً  من شدة رائحة فمه).
يشمون لفمه رائحة كريهة لا يستطيعون شمَّها ويبتعدون عنه لأنه كذب،

والكذب أشدَّه الكذب على الله، أو الكذب على رسول الله، ثم الكذب على خلق الله عزَّ وجلَّ.
والذي يكذب على الله عزَّ وجلَّ هو الذي يخترع في شرع الله ما ليس منه ويدعى الكذب أنه من دين الله، لينال مصلحة دنيوية أو لينال مكسباً فانياً.
والذي يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هو أن يسند إليه قولاً لم يقله، أو حديثاً لم يخرج من فيه، ويزعم أن الرسول قاله، مع قوله صلى الله عليه وسلَّم:
(من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من جهنم).(البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)

بل إن الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلَّم أمر المؤمنين أن يكون أهم ما يحرصون عليه في تربية الأبناء والبنات الصدق وعدم الكذب.
عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه أنه قال: "دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم-:
( وما أردت أن تعطيه؟ ) ،قالت: أعطيه تمرا!!،
 فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
( أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليك كذبة) (رواه أبو داود)

 إذا كان مجتمع المؤمنين فيه صفة الصدق هي السائدة بين الناس، فكيف يكون حالهم؟ وكيف يكون حال مجتمعهم؟
إن حال المؤمنين في ذلك سيكون كأنهم يعيشون في جنة النعيم لأنهم سيكونون كما قال الله:
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً (11) (الغاشية).

ومن الأوصاف التي حذَّر النبي منها كذلك وجعلها علامات على النفاق هي صفة الغدر وصفة الخيانة وغيرها من الصفات التي قال في بعضها في حديثه الشريف:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي  صلى الله عليه وسلم ، قال
: "أربع من كن فيه كان منافقا ، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر ، وإذا عاهد غدر" (اخرجه البخاري ومسلم .
وفي الصحيحين أيضا  عن ابي هريرة رضي الله عنه قال
 قال صلى الله عليه وسلم :
آية المنافق ثلاث  إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان .
أو كما قال: (أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة).

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين الذي أشرق بنور إيمانه في قلوبنا وجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده صلاح الأحوال،
 اللهم أصلح أحوالنا وأحوال أولادنا وبناتنا وأحوال حُكامنا وأحوال المسلمين أجمعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُحق الحق ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الكونين وإمام الثقلين

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه ووفقنا لحُسن العمل بشرعه على الدوام يا أكرم الأكرمين.

أيها الإخوة جماعة المؤمنين:
كل مؤمنٍ منا حريص  على إيمانه بالله، وحريصٌ على تصديقه برسول الله وبكتاب الله،
 وكلنا إلى الله مسافرون وبعد بُرهة قد تكون قريباً وقد تمتد إلى حين سنكون بين يدي رب العالمين عزَّ وجلَّ ويسألنا عما فعلناه وعما قلناه في الحياة أجمعين.
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم أشد الناس حرصاً على إيمانهم، انظر إلى رجلٍ منهم كان قائداً لفريقٍ من أهل مكة في قافلة تجارية إلى بلاد الشام، وعند رجوعهم تعرَّض لهم نفرٌ من الأنصار والمهاجرين فأخذوه وأخذوا معه القافلة، وكان هذا الرجل متزوجاً قبل ذلك ببنت النبي زينب رضي الله عنها.
      وكان زوجاً بارَّاً وفياً فلما أًصَّر النبي أن أرسل إلىَّّ ابنتي فأرسلها إليه وكلَّف من يحرسها حتى وصلت إليه لأنها كانت ابنة خالته ،وعندما دخل المدينة وحدَّثه البعض عن الإسلام، شرح الله صدره ونطق بالشهادتين، وجاءه بعض صغار النفوس وقالوا له: ما دمت قد أسلمت فخذ هذا المال مال الكفار غنيمة لك ولا ترده إليهم  .
انظر ماذا قال الرجل؟ ـ قال:
بئسما نصحتني به يا أخي، أتريد أن أبدأ عهدي بالإسلام بالخيانة لا يكون ذلك أبداً  لأن الإسلام يتنافى مع الخيانة،وقد قال نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم :
(أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ).(رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه)
فنطق بالشهادتين وأسلم، ثم آلا على نفسه إلا أن يذهب بالتجارة إلى مكة، وذهب إلى أهل مكة وسلمّ كل رجلٍ منهم تجارته، وربحه الذي أربحه الله له في تجارته، ثم قال:
 يا أهل مكة هل بقى لواحدٍ منكم شيء عندي؟ قالوا: لا وجًزيت خيراً، قال: أشهدكم أنى آمنت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم نبياً ورسولا.

يحرصون على سلامة الإسلام بالسلامة من الكذب، والوقاية من الخيانة والبعد عن الغدر لأن النبي يقول:
(يُرفع لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يوم يُقال: هذه غدرة فلان بن فلان).(البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه)
ويبتعدون عن الأوصاف التي حددها النبي وبين أن صاحبها يكون فيه خصلة من خِصال النفاق، لأنهم يريدون أن يدخلوا في قول الله:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ (29الفتح).

وهل يجوز أن يكون معه خائن؟ هل يجوز معه في معيته كاذب؟ هل يجوز أن يكون في معيته غادر؟ هل يجوز أن يكون معه في معيته فاجرٌ في خصومته؟ لا يكون ذلك أبداً،
ولذلك كانوا يحرصون أشد الحرص على سلامة الإيمان من أوصاف المنافقين.
لو سلم أفراد مجتمعنا من هذه الأوصاف فكيف يكون حالنا؟
 وكيف تكون الثقة بيننا؟
وكيف يكون التعامل فيما بيننا؟
إن كان في العمل أو في البيت أو في الشارع أو في السوق؟
سنكون كما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم.
ثم الدعاء
*********************************************

للمزيد من الخطب الدخول على الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد ابوزيد

- أهل الأدب مع رسول الله. لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏.

- أهل الأدب مع رسول الله. لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏.

أهل الأدب مع رسول الله. -سورة الحجرات ١-٥ ندوة دينية بعد صلاة العشاء بالمسجد العتيق بالطومية-إسنا الأقصر

تم نشره بواسطة ‏فضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏ في 28 يناير، 2018
أهل الأدب مع رسول الله. -سورة الحجرات ١-٥ ندوة دينية بعد صلاة العشاء بالمسجد العتيق بالطومية-إسنا الأقصر

- علامات صدق الإيمان- ‏فضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏.

- علامات صدق الإيمان- ‏فضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏.

ج٢ علامات صدق الإيمان - الحجرات ١٤-١٨ ندوة دينية بعد صلاة الظهر بمسجد الشيخ حسن الدح - طفنيس الأقصر

تم نشره بواسطة ‏فضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏ في 29 يناير، 2018
ندوة دينية بعد صلاة الظهر بمسجد الشيخ حسن الدح - طفنيس الأقصر ‏فضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏.

- جزاء الخوف من الله - سورة الرحمن ٤٦-٧٨ مسجد السواكنية الغربي المساوية -اسنا - الاقصر

- جزاء الخوف من الله - سورة الرحمن ٤٦-٧٨ مسجد السواكنية الغربي المساوية -اسنا - الاقصر

جزاء الخوف من الله- الرحمن ٤٦-٧٨ مسجد السواكنية الغربي المساوية -اسنا

تم نشره بواسطة ‏فضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد‏ في 30 يناير، 2018

الثلاثاء، 23 يناير 2018

- الشهامة والمروءة والتضحية خطبة لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

الحمد لله ربِّ العالمين، أكرمنا بهذا الدين القويم .. فاختار القرآن وجعله خير كلامه، وجعل من أُنزِلَ عليه القرآن خير أنبياء الله ورسله، وجعل من أُنْزِلَ عليهم القرآن ولهم القرآن من خير أمة أخرجت للناس، وجعل القارئ والقائم بالقرآن خير رجل بين الناس: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)[1].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، أنزل لنا في قرآنه مكارم الأخلاق، ومحاسن الطباع، وجميل العادات التي إذا عملنا بها سعدنا في دنيانا، وفُزنا في أخرانا.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، أخلصه الله عزَّ وجلَّ لذاته، وجعله خير عباده المخلصين، فكان كل عمله خالصاً لمولاه، ودعا أمته أن يتوجهوا إلى الله بالأعمال الخالصة لوجه الله؛ حتى ينالوا رضاه.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك علي سيدنا محمد، الذي أمَرَهُ ربُّه في كتاب الله أن يبين لنا حقيقة المعاملة له مع مولاه، فقال جلَّ في علاه: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (162:الأنعام). صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلي آله الذين اتبعوه علي هذا المنهاج، وأصحابه الذين أعانوه وتابعوه علي هذا التشريع، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا أرحم الراحمين.
أيها الأحبة جماعة المؤمنين: إن في هذا الدِّينِ الإلهي جمالٌ لا يضاهيه جمال؛ لو مشينا عليه وتأملنا فيه لتبدَّلَتْ أحوالنا كلُّها إلي أحوالٍ طيبة فيما بيننا، فان الله عزَّ وجلَّ جعل أحبَّ الخلق إليه - ليس الذي يسعى بين يدي الله في جنح الظلام في الصلاة، ولا الذي يصوم الأيام المتتابعة رغبة في ما عند الله - وإنما عندما سُئل عن ذلك سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ سُرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبَّ إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومَنْ كَفَّ غضبه ستر الله عورته، ومَنْ كَظَمَ غيظاً - ولو شاء أنْ يمضيَهُ أمضاه - ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة، ومَنْ مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام. وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ لَيُفْسِدُ العمل، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ)[2].
هذه الأعمال التي تتعلق بالآخرين هي صاحبة المنزلة العليا عند ربِّ العالمين، إذا قَصَدَ بها فاعلُها وجْهَ الله والدار الآخرة، لا يطلب عليها أجراً مِمَّنْ فعلها له، ولا يرجو مِنْ وراءِها شهرةً ولا سمعة، ولا حتى يُحِبُّ أن يسمع كلمة ثناءٍ أو مدحٍ بسبب أداءِها، وإنما يرجو أجرها من الله عزَّ وجلَّ. وقد سار علي هذا النسق الإلهي الأنبياءُ والمرسلون أجمعون.
فهذا سيدنا موسى (كليم الله!!) عندما خرج مِنْ مصر ودخل بلاد مدين - وهي في موقع الأردن الآن - ووجد بئراً يتزاحم عليه الخَلْقُ ليسقون إبلهم وأغنامهم، ووجد فتاتين تتنحيان بعيداً عن القوم لضعفهما فلا تستطيعان المزاحمة، ذهب من نفسه إليهما، وتوجه إليهما لإغاثتهما، وسألهما لِمَ لا يسقيان أغنامهما؟!! (قالتا: حتى يصدر الرعاء)، وعندما ينتهي الأقوياء من سقي أغنامهم، قال: أليس لكم أحد من الرجال؟ قالتا: ليس لنا إلا أبٌ شيخٌ كبير؛ فوقف بجوارهما، وإذا بالقوم بعد أن انتهوا من سقي أغنامهم وإبلهم حَمَلوا حجراً كبيراً - يحمله عشرة من الرجال - ووضعوه علي فوهة البئر، حتى لا يسقي أحد بعدهم.
فذهب عليه السلام - وكان معه قوة من مولاه؛ لأنه عزم علي فعل الخير لوجه الله - فَحَمَلَ الحجر بمفرده وأبعده جانباً وسقى لهما، ثم وضع الحجر مكانه، ولم يطلب منهما قليلاً ولا كثيراً!!: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل)، ودعا الله، وكان جائعاً - ولم يطلب منهما طعاماً، وإنما طلب من صاحب الأمر - كما قال الله: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (24:القصص).
فلما قصَّتا علي أبيهما ما حدث، قال: اذهبا إليه، فذهبت إحداهما إليه وطلبت منه أن يذهب معها ليأخذ أجر سقايته، قال: (إنا من آل بيتٍ لا نأخذ أجراً على شيء عملناه لوجه الله). قالت: لابد أن تذهب معي، وذهب معها - وكان أميناً - فمشت أمامه وهبَّتْ الريحُ فكشفت ثوبها عن ساقيها، فقال: يا أمة الله، امشِي خلفي ودلُّيني على الطريق بحصاة يميناً أو شمالاً، ليذهب حيث ألقت الحصاة، حتى لا ينظر إلى محاسنها التي منعه عنها مولاه جلَّ في علاه.
فلما ذهب إلى أبيها - وقال له: نريد أن نعطيك أجر ما سَقَيْتَ لنا - قال: (إنا من بيت لا نأخذ أجراً على شيء فعلناه لله جلَّ في علاه)، فطلب منه أن يستأجره ليرعى غنمه - بعد أن عَلِمَ قصته - فأثنتْ البنتُ الفَطِنَة عليه وقالت - كما حكى القرآن: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (26:القصص). علمت قوته من حمله للحجر بمفرده - ولا يحمله إلا عشرة من الرجال، وعلمت أمانته عندما طلب منها أن تمشي خلفه حتى لا يطلع على قدميها وساقيها. علي هذا المنوال كان الأنبياء والمرسلون والصالحون من أهل دين الله عزَّ وجلَّ في كل وقت وحين.
فإن يوسف نبيَّ الله ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - لما حانت وفاته، وكان قد شرع في حفر بحر يوسف ليروي به أرض الفيوم، استغرق الحفر ألف يوم فسميت بهذا الاسم: (الفيوم)، أمرهم أن يدفنوه في قاع البحر، فدفن في قاع البحر، فأوصاهم إذا خرجوا من مصر إلي فلسطين أن يحملوه معهم ليدفن بجوار آباءِه في الخليل - إبراهيم وإسحاق ويعقوب - فلما أراد موسى ومن معه أن يخرجوا من مصر، قالوا: نريد أن ننفذ وصية يوسف، ولكن أين موضعه؟!! فلم يكن هناك إلا عجوز واحدة تعلم موضعه، فقال لها نبي الله موسى: دلِّينا على موضعه ولك ما شئت من المال، قالت: لا آخذ أجراً على شيء أفعله لله، ولكن أريد منك شيئاً واحداً، قال: ما هو؟ قالت: (أن تدعو الله عزَّ وجلَّ لي أن أكون من رفقاءِك في الجنة)؛ فدلَّتْهم على موضعه وحملوه، ورفضت الأجر الفاني الدنيوي، وطلبت الأجر الباقي عند الله جلَّ في علاه.
ولذا عندما نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأعرابي فأكرمه، فقال له: (يا أعرابي، سَلْ حاجتك) قال: يا رسول الله، ناقة برحلها, وأعنز يحلبها أهلي. قالها مرتين، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟)، وذكر القصة[3].
علمنا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن نسارع إلى هذه الأخلاق النبيلة، وأن نسارع إلى إغاثة الملهوف، وأن نسارع إلى مساعدة الضعفاء، أن نأخذ بيد ذوي العاهات حتى لا يشعرون بضعفهم فيما بيننا، ولا يشعرون بغبنهم عندما يكونون بيننا، بل يشعرون بالأخوة الإيمانية الكاملة التي جعلها بيننا بهذا الدِّين والتي قال فيها ربُّ العالمين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (10:الحجرات).
ولذلك عندما سأله أصحابه الكرام عن الجلوس على الطرقات، قال: (إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقَّه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[4].
-       فإذا وجدت ضعيفاً تُمتهن كرامته تهُبُّ لنجدته، وإذا وجدت قوياً يستغل قوته تهبُّ لرده عن المزايدة في قوته، فبذا كلَّفنا نبيُّنا وجعل هذا العمل لا يضاهيه عملٌ في أبواب النوافل والقربات.
-       فإذا وجدت رجلا ً كفَّ بصره يمشي في الطريق يتخبط فأمسكت بيده خطوات قليلة ، ما لك عند الله ؟!! قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (من قاد أعمى أربعين خطوة وجبت له الجنة)[5]. فإذا اخذت بيده حتى يعبر الطريق فقط، فقد ضمن الله عزَّ وجلَّ لك الجنة، لأنك أزلت عنه هذه الغُمَّة، وأشعرته بالإنسانية والأخوة الإيمانية.
-       من يريد أن يكون مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الجنة؟!! ويكون عمله كل يوم يكتب قائماً لليل وصائماً للنهار ومجاهداً في سبيل الله؟!!. جعل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا العمل لمن يسعى لمنفعةٍ لأرملة أو مسكين أو فقير أو يتيم!! قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)، وأحسبه قال: (وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)[6].
أو كما قال، ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي أصلح لنا أحوالنا في دنيانا إذا اتبعنا تعاليم هذا الدِّين، ووعدنا بعد ذلك بالعزَّة والنصر والتمكين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب الخير الآمر بالخير والمجازي بالكثير على الخير القليل وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، القدوة الطيبة والأسوة الحسنة لنا وللخلق أجمعين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وارزقنا هداه، وبلِّغنا رضاه، واجعلنا تحت لواء شفاعته في الآخرة أجمعين يا ألله، واحشرنا في زمرته في دار السلام ممتعين بجيرته عندك يا ملك يا علاَّم.
أيها الأحبة:
كان نبيُّكم الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم هو أسبق الناس إلى مصالح العباد، فقد رُوِي أنه كان في المدينة وسمع صوتاً مروِّعاً خارج المدينة، كأن هناك قوم أو جيش يتربص لدخولها، فسارع الناس إلى الخروج، وعندما خرجوا إذا بهم يرون حضرة النبي صلِّى الله عليه وسلَّم وكان قد سبقهم على فرس - ومن عجلته لمعرفة حقيقة الخبر ركب الفرس بدون أن يكون عليه سرج - ومعه سيفه، وإذا به يرجع إليهم ويقول: (لا عليكم لا تراعوا)[7]، فقد سبقهم إلى هذا الأمر ليعلمهم أن السابقين في هذا الدِّين الذين يسعون في مصالح جماعة المؤمنين، والذين كما قال الله عزَّ وجلَّ فيهم: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (9:الحشر).
وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يتفقد دوماً في مجتمع المدينة المنورة المساكين، والأيامى والأيتام وذوي الحاجات، والمرضى وذوي العاهات، وكان جُلُّ نظره صلَّى الله عليه وسلَّم متوجهاً إليهم ليشعرهم بحنانه وشفقته ورحمته.
وأن هذا الدين دين الجمال والكمال الذي يحمل القوي فيه الضعيف، ويحمي القوي فيه من لا طاقة له لحماية نفسه - إن كان في رزق ومال، أو كان في صحة وعافية، أو كان في جاه ومنصب - فهم جميعاً كما قال صلَّى الله عليه وسلِّم: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو، تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى)[8].
أيها الأحبة جماعة المؤمنين:
اعلموا علم اليقين أن أهل أوربا وأمريكا وغيرها - الذين نستورد منهم ما نحتاج إليه في دنيانا من أجهزة ومعدات - لا يحتاجون إلى استيراد هذه الأجهزة والمعدات من عندنا، لأننا لا نستطيع أن نجاريهم في هذا المجال، ولكنهم جميعاً في أمسِّ الحاجة إلى القيم الإسلامية، لأن حياتهم جافة لا فيها تراحم ولا صلات، ولا توادُّ ولا تزاور ولا مؤاخاة.
يحتاجون إلى القيم التي رسَّخها فينا الدِّين؛ احترام الصغير للكبير، وعطف الكبير على الصغير، وتبجيل ذوي الوقار، والاهتمام بالضعفاء، وصلة الأرحام، وبرُّ الوالدين، كل هذه القيم الإسلامية هي أساس الحياة الاجتماعية الناجحة، فلما قلَّد شبابنا أهل الغرب في تركها تفسخ المجتمع كما نرى من حولنا وظهرت بيننا الأوبئة التي لم نكن نعلم عنها شيئا في سلفنا.
فهيا بنا نرجع إلى قيم ديننا نحاول أن نحييها حتى يحيينا الله الحياة الطيبة وليعلم الجميع أن الأمر فيها كلها هو قول الله: (مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) (46:فصلت).
-       فإذا بَرّ الإنسان والديه وجّه الله أبناءه لبرِّه، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (بِرُّوا آباءكم تَبِرُّكم أبناؤكم)[9].
-       وإذا اجتهد الإنسان في توقير الذين كبروا في السن وعجزوا، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه)[10].
-       وهكذا في كل الأمور: (اعمل ما شئت فكما تدين تدان)[11].
إذا ساعدت الغير سيقيِّضُ الله لك من يساعدك في كل شدة، ومن يساعدك في كل ملمِّة، من يعمل خيراً يجز به، ومن يسع للعمل بدينه لإرضاء الله فلابد أن يقيض الله له من يساعده من غير حساب ولا ميعاد، تصديقاً لقول الله عزَّ شأنه: (‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (2،3:الطلاق).
  ........ ثم الدعاء ........
**********************************************




[1] البخاري عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
[2] الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[3] أخرجه أبو يعلي والحاكم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟!) فقال أصحابه: يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل؟ قال: إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلُّوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم : نحن نحدثك ، إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله أن لا يخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: ما ندري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل ، فبعث إليها فأتته فقال: دلوني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي ، قال : وما حكمك ؟ قالت: أكون معك في الجنة ، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: انضبوا هذا الماء فأنضبوا، قالت: احفروا واستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار).
[4] البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[5] الطبراني وابو نعيم عن ابن عمر
[6] متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[7] روى الإمام مسلم أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف وهو يقول: "لم تراعوا لم تراعوا"، قال: وجدناه بحراً أو إنه لبحر، قال: وكان فرساً يبطأ)
[8] البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
[9] الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[10] الترمذي عن انس رضي الله عنه.
[11] رواه الخطيب البغدادي.

الاثنين، 22 يناير 2018

- يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ

قوله تعالى: { يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }
 الاشارة فى الحقيقة الى تبدل ارض قلوب العارفين من صفات البشرية واوصاف النفسانية والخواطر الردية الى الروحانية المقدسة لنور شهود جمال الحق وتبدل سماوات الارواح من عجز الحدوثية وصفاتها وضعفها عن رؤية انوار العظمة صرفا كسلسبيل عنديته قال تعديته فالارواح والقلوب يخرج من ضيق القبض الى محل البسط ومن خفقان الخوف الى روح الرجاء ومن رسوم العبودية الى مشاهدة الربوبية وبروز اهل هذه القلوب والارواح من اماكن غيبه سكارى حيارى من شدة ولههم من جمال ديموميته فى ميادين وحدانيته الازلية خرجوا بنعت المبارزة والمفاخرة بولايته وقربته يا اخى لو رايتهم لرايت عليهم اطراف اردية الكبرياء متعلقون بحقوق ازار عظمة الجبار يستغيثون بنعت الوله من فراقه فى وصاله حتى لو رايتهم ما رايت عليهم رسوم البشريات بل رايت عليهم سمات الالوهيات
فما الناس بالناس الذين عهدتهم     ولا الدار بالدار التى كنت اعرف
ولو تريد ان ذلك ارض الظاهر وسماء الظاهر انها تبدل من هذه الصفات وظلمة الخليقة الى انها منورة ببروز انوار جلال الحق عليها وانها صارت مشرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته بوصف الجبارية والقهارية بقوله واشرقت الارض بنور ربها وهناك يا اخى يدخل الوجود تحت اذيال القدم من استيلاء قهر انوار القدم قال
{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
قيل فاين الاشياء اذناك قال عادت الى مصادرها وقال متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شئ لانهم اقل من الهباء فى الهواء فى جنب الحق وقال الواسطى فى هذه الاية ذاك لما يظهر من كشف حقائقه فى بنى ادم من انبيائه واوليائه لان الارض والسموات لا يثبت لما يظهر على الابدان من انوار الحق.


* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن

- إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

{ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ } * { وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } * {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ } * { وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } * { وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } * { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } * { إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }

{ يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفاً في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صُلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ } من الكفر والنفاق؛ فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أَدَّبَهُمْ ودرَّجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل.

    وقال ابنُ المسيَبِ: القلب السليم هو قلب المؤمن؛ فإن قلب الكافر والمنافق مريض؛ قال الله تعالى:
{ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ }
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدّم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { ربِّ هبْ لي حُكماً }: قال القشيري: أي: على نفسي أولاً، فإن من لا حُكْم له على نَفْسِه لا حُكْمَ له على غيره، { وألحقني بالصالحين }؛ بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. هـ.

    ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كُشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصدِّيق، هو تنزل وتواضع؛ ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: " اللهُمَّ أحينِي مِسْكيناً، وأمِتْنِي مِسْكيناً, واحْشُرني في زُمْرة المسَاكين " أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عَرَّف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظَّم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصدِّيق، عَرَّفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم.

    وقوله تعالى: { واجعل لي لسانَ صدْقٍ في الآخرين }؛ كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيمياً حنيفياً، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يُحب فلاناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جبريل، ثم  ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يُوضَع له القَبُول في الأرض " أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غَلَبَةِ البَسْط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابةُ العبد واجبةً عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كلُّ أحدٍ. هـ.
قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ }
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: (وأيُّ خِزْيٍ أعظم من كون أبي في النار...) الحديث، وكذا قوله:
{ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أُبَيّ، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
{ وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً }
[غافر: 7]. هـ.

    وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يُخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضاً، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجودُ بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليماً بينهما، أي: لا يكون ملتفتاً إلى المال، ولا يكون حريصاً على إمساكه, ولا حريصاً على إنفاقه؛ فإن الحريصَ على الإنفاق مصروفُ القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعاً. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. هـ. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. هـ. وبالله التوفيق.

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة 

- وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً.

{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } * { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

يقول الحق جل جلاله: { ولو شاء ربك لجعل الناسَ أمةً واحدة } ، متفقين على الإيمان أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف؛ ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة؛ فاسمه: الرحيم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم: أهل الإيمان. واسمه: المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الاتنقام والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي: " وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه".
قال الجنيد خلقهم للاختلاف لو خلقهم للموافقة لما رجعوا عنه الى سواه الا من رحم ربك منهم فايدهم بانوار الموافقة فلزموا الشدة ولا يلتفتوا الى الاغيار.
{ ولا يزالون مختلفين }؛ بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم؛ وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب، { إلا من رَّحِمَ ربك }؛ إلا ناساً هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاؤوا به، وهم المؤمنون.

الإشارة: الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيدَ عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلف هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهباً. ولا تجد علماً من علوم إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم: المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا ـ

 البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
English -
 Sahih International : And if your Lord had willed He could have made mankind one community; but they will not cease to differ
English - Tafheem -Maududi : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
(11:118) Had your Lord so willed, He would surely have made mankind one community. But as things stand, now they will not cease to differ among themselves and to follow erroneous ways



شارك فى نشر الخير