آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 24 مايو 2018

.لماذا تتغير احوال المسلمين في رمضان ؟


وإذا كان في مكانٍ مبارك كالبيت الحرام، أو في روضة الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، أو في إحدي روضات الصالحين العظام، فيكون حاله أتمُّ، وهذا يكون حال أهل البداية؛ يقوى حاله مع الوقت أو مع المكان.
الصنف الثاني:
 إذا ارتقى إلى مقام الإيقان أصبح يستوي عنده
المكان والزمان، لأنه مع الله عز وجل، والله لا يحيزه زمانٌ ولا مكان، فيكون مع الله على الدوام في اليقظة وفي المنام، وفي الحلِّ وفي الترحال، وفي الليل وفي النهار، وفي مكة أم القرى وفي أى قرية من قرى الله، لأنه مع الله جلَّ في عُلاه، وليس مع زمان أو مكانٍ خلقه الله، وهذه الحالة أرقى وأتقى لمن وصل إلى هذا المقام، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا هذا المقام أجمعين

أكمل قراءة الموضوع

- .لِمَ ضاعف الله الأجور في رمضان وجعل الفرض بسبعين؟

دائماً العيد يكون فيه نفحات، وفيه هبات، وفيه عطاءات، فأكرم الله المؤمنين أجمعين في شهر القرآن بأن جعل لهذا الشهر خصوصية في الثواب الذي يتفضل به علينا حضرة الرحمن عز وجل. حتى أن الرجل منا لا يستطيع الأولون ولا الآخرون حتى ملائكة الله أن يحسِبُوا ما له من ثواب في شهر رمضان واحدٍ يصومه لله. رُوي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ:🌹أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ
: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ:مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ “، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً “، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ” وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ “، قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ🌹{1}، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم:🌹إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ🌹{2}، ولكن لأنه صام بعده شهر رمضان ارتفع فوقه هذه المنزلة العالية في الجنان، لأن شهر رمضان يجعل الله المؤمنين فيه في ضيافة الله، والأجور الإضافية الربانية هي التي تعمل في هذا الشهر، فالكل يأخذ أجراً إضافياً. وكما ذكرنا من قبل أن الصلاة في غير رمضان بعشر، والفريضة في رمضان بسبعين فريضة فيما سواه، يعني بسبعمائة، والنافلة بفريضة فيما سواه، فكلنا نأكل ولكن الله جعل الضيافة في هذا الشهر على نفقة رب العزِّة عز وجل مع أنه يُنفق علينا سبحانه على الدوام، فقد ورد في الأثر:🌹نفقة الصائم على أهله كالمجاهد في سبيل الله الدرهم بسبعمائة ألف درهم🌹، فالفطور الذي تشتريه لهم، والسحور الذي تُحضره لأولادك يحاسبك عليه الدرهم بسبعمائة ألف، بشرط أن لا يكون هناك إسرافٌ ولا مباهاة، فلو وُجد الإسراف تُمنع، ولو وجدت مباهاة ورياء فليس لك أجراً في هذا العمل، قال صلى الله عليه وسلم:🌹كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلا مَخِيلَةٍ🌹{3}، فتكون النفقة على الأولاد كالنفقة في سبيل الله الدرهم بسبعمائة ألف درهم. إذا نمت في نهار رمضان لتستعين على قيام الليل أو على السحور، فـنومك عبادة، وإذا جلستَ ولم تتحدَّث مع أحد لكن كففت لسانك عن الإساءة إلى أحد، فصمتك تسبيح،قال صلى الله عليه وسلم:🌹نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَسُكُوتُهُ تَسْبِيحٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ، وَعَمَلُهُ مُتَقَبَّلٌ🌹{4}، في كل ليلة يصطفي الله ما يشاء من خلقه، تُحرِّر بهم الملائكة كشوفٌ وتُعرض في الصحف المطهرة، وكل واحدٍ منهم قرين إسمه: عتيقٌ من النار، قال صلى الله عليه وسلم:🌹لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الإِفْطَارِ أَلْفُ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَعْتَقَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْهَا أَلْفَ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ الْعَذَابَ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْتَقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ🌹{6}، فإذا وُفِّق المرء في العشر الأواخر من رمضان، وصلَّى العشاء في جماعة، والصبح في جماعة فقد أحيا ليلة القدر، وحُرِّر له شيكاً عند الله من الأجر بأنه عَبَدَ الله عبادة خيرٌ من ألف شهر، ونال عبادة ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر. فلو داوم على ذلك مثلاً خمسين سنة ولقي الله، وذهبنا لمكتب الصحة لنُخرج له شهادة الوفاة، فيقول مكتب الصحة عنده مثلاً سبعين سنة، فيقول مكتب الصحة الإلهي: عنده أربعة آلاف وسبعين سنة، لماذا؟ لأن ليلة القدر الخير فيها خيرٌ من ألف شهر. ما لايُعد ولا يُحصى ولا يُحد من الأسرار والأنوار في رمضان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:🌹لَوْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَا رَمَضَانُ لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ السَّنَةَ كُلَّهَا🌹{7}
☀{1} سنن ابن ماجة ومسند أحمد☀
🌹{2} معجم الطبراني عن أبي مالك الأشعري🌹
🌹{3} الحاكم في المستدرك ومسند أحمد عن عبد الله بن عمرو🌹
☀{4} شعب الإيمان للبيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى☀
🌹{5} أخبار مكة للفاكهي، وفضائل الأوقات للبيهقي عن ابن عباس🌹
☀{6} معجم الطبراني والبيهقي عن نافع بن مسعود☀
☀🌹☀من كتاب صيام الأتقياء للشيخ فوزي محمد أبوزيد

حمل الكتاب مجانا

. رسالة الصيام لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

رسالة الصيام أنزلها علينا الملك العلام، وجعل فيها أحكام الصيام، وحِكَم الصيام، وأجر الصيام، وثواب الصائمين من هذه الأمة المرحومة لمن يتدبر كلام الله وخطابه. رسالة صغيرة من كلمات معدودة نسمعها في كل وقت وحين، ولكن تدبرها يحتاج إلى آلاف السنين، لأنها كلام رب العالمين سبحانه وتعالى. هذه الرسالة أنت أيها المؤمن مطالب أن تقرأها، وأن تفهمها، وأن تعرف أحكامها، وأن تعرف حدودها، وأن تعلم أوامرها ونواهيها، وأن تعلِّمها لأولادك وبناتك، وأن تعلِّمها لزوجتك، وأن تعلِّمها لإخوانك المؤمنين، ثم تعمل بعد ذلك بما فيها لتنال رضاء رب العالمين سبحانه وتعالى. وهذه الرسالة لأنها خاصة بنا جماعة المؤمنين، فإن القرآن فى حقيقته رسائل الله إلينا منه. رسائل إلى الخلق جميعاً وهي التي تبدأ بقول الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}
، أو تبدأ بقول الله: {يَا بَنِي آدَمَ}. ومنه رسائل خاصة للمؤمنين، وهي التي تبدأ بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، وقد نطق القرآن بإثنين وثمانين رسالة وجَّهها لك المرسل سبحانه وتعالى، كل رسالة منها يحتاج المؤمن إلى تدبرها وفقهها، ومعرفة ما جاء بها من أحكام، ودراسة ما فيها من علوم، والعمل بما فيها من أومر، لينال رضاء الحي القيوم سبحانه وتعالى. ورسالة الصيام يبدأها الله بالنداء على أحبابه فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183-البقرة)، ويكفينا مقدمة هذه الرسالة إذا تدبرناها في هذا الوقت القصير، واستمع معي إلى العليِّ الكبير وهو يعلمك الأدب مع رسالته فيقول فيما روي عنه عزَّ وجل: {يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق، وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفاً حرفاً حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابـي أنزلته إليك، انظر كم فصَّلتُ لك فيه مِنْ القول، وكم كرَّرت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه، ثم أنت معرض عنه، أفكنتُ أهون عليك من بعض إخوانك؟، يا عبدي: يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك، وتصغي إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كُفَّ، وها أنا ذا مقبلٌ عليك، ومحدِّثٌ لك، وأنت معرضٌ بقلبك عني، أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك؟}{2}. هل سمعتم أحنَّ وأجمل من هذا الخطاب، يا عبد الله: كن كما كان أصحاب رسول الله، فقد قال قائلهم :{إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، فأرعها سمعك، فإنه إما خيرٌ تُؤمر به، وإما شرٌّ تُنهى عنه}{3}. فاستمع بكلك، وقُلْ بلسانك: {لبيك اللهم ربَّنا وسعديك، لبيك لبيك ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم}. يعني سمعاً لك بعد سمع، وطاعة لك بعد طاعة. وأعلم أنه إذا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، إما أن يأمرك بخيرٍ فسارع إلى التنفيذ فتحصل عليه، وإما أن ينهاك عن شرٍّ فسارع إلى تجنبه لتسلم منه. ولذة ما في النداء تزيل عن المؤمن التعب والشقاء والعناء، من أنا يا أيها المؤمن، ومن أنت، حتى ينادي علينا الجليل؟ ويخاطبنا العلي الكبير؟ أيتوجه إلينا بالنداء الذي له الحكم في الأولى والآخرة وإليه المصير؟ ولكنه كرمٌ مِنْ الكريم، وإنعام من المنعم، ينادي على أحبابه فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، يعني يا عبادي يا أحبابي يا أوليائي يا مَنْ آمنتم بكتابي يا مَنْ صدَّقتم برسلي يا مَنْ أسرعتم إلى طاعتي يا مَنْ بادرتم لرضائي ماذا يا رب؟ أناديكم لأقول لكم: يا أحبابى، هذا طريق سريع للتوبة، وهذا باب سريع للمغفرة، وهذا ميدان فسيح لتكثير الأجر والثواب، وهذا مكتب تنالون منه شهادة وتدخلون الجنة مع الأحباب، وهذا باب تدخلون منه الجنة بغير سؤال ولا حساب. ما هذا الباب يا رب؟ فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، لماذا كتب علينا الصيام؟ أللتعب والعناء؟ أم للشدة والشقاء؟ لا هذا ولا ذاك، لأن الله غنيٌّ عن طاعتنا أجمعين، فهو سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضيره معصية العاصين، وإنما الأمر كما قال سبـحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (15-الجاثية).
فرض عليك الصيام ليعطيك المغفرة. وهل هناك شئ في الدنيا والآخرة أجمل من المغفرة؟ لو بحثنا يا أخي ما وجدنا في الوجود كله أجمل من مغفرة الله والحصول على رضاه، فإن الإنسان لو ملك الدنيا بأسرها، وخرج منها ولم يغفر الله له ذنوبه، ولم يستر عليه عيوبه، فهل ينفعه شئ مما ملكه في هذه الحياة؟، بل إن الإنسان لو ملأ الأرض عبادة لله، ولكن عبادته فيها علَّةٌ تمنعها من القبول فلم ينل يها مغفرة الغفار، ماذا يفعل يوم يلقى الواحد الغفار سبحانه وتعالى؟
إن الكريم تفضل علينا وفتح لنا أبواب كرمه وجوده، فجعل مَنْ يصوم هذا الشهر إيماناً لله واحتساباً، يأخذ في نهاية الشهر شهادة بأنه قد غفرت له ذنوبه. وإذا قام الشهر إيماناً واحتساباً ولو بصلاة ركعتين من سنة القيام – فقد قال الإمام مالك رضى الله عنه وأرضاه: أقلها ركعتان ولا حد لنهايتها- فإنه ينال في آخر الشهر شهادة بالمغفرة من الغفار سبحانه وتعالى. ومن فطَّر صائماً يَنَالُ شهادة بالمغفرة. هل سمعتم هذا؟، أعمال كثيرة يفتحها المولى للصائمين، كل عمل منها يستوجب المغفرة من رب العالمين سبحانه وتعالى. وكأن الله ما فرض علينا الصيام وما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سنَّة القيام إلا ليغفر لنا ذنوبنا، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: {هذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، بُعْدَاً لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، إِذَا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِيهِ فَمَتىٰ ؟}{4} . فالذي لا ينال المغفرة في رمضان متى ينالها
وهو شهر المغفرة وشهر الجود والإحسان، وشهر الكرم والامتنان، من الحنان المنان سبحانه وتعالى؟ فما بالكم والعمل فيه يتضاعف؛ فالفريضة بسبعين فريضة فيما سواه من الشهور الأخرى، والسُنَّة فيه تعادل فريضة فيما سواه من الشهور. وإذا صامه الإنسان وأحسن صيامه أخذ تذكرة إلهية لدخول الجنة من باب الريَّان الذي لا يدخل منه إلا الصائمون فإذا دخلوا أغلق ولم يدخل منه أحد. فما بالكم وفي كل ليلة من لياليه يتفضل المولى سبحانه وتعالى فيمنُّ على مائة ألف من الصائمين ويطلق القرار الإلهي بعتق رقابهم من النار، وتكريمهم بالنجاة من دار البوار، وضمان دخولهم الجنة مع الأبرار. فإذا كانت ليلة الجمعة ويومها فإن مكتب القدرة الإلهي يُخرج في كل ساعة صحفاً فيها مائة ألف أعتقهم الله من النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ليلة الجمعة أربع وعشرون ساعة، لله تعالى في كل ساعة منها ست مائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار}{5}، فإذا كانت آخر ليلة من رمضان أعتق الله فيها مثل ما يعتق في سائر الشهر ومن عمل فيه عملاً كان أجره مضاعفاً، ومن سكت فيه عن العمل كان سكوته تسبيحاً لله، وإذا جاء غروب الشمس قالت له ملائكة الله: ادعُ فإن لك دعوة مستجابة عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: {نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَصَمْتُهُ تَسْبِيحٌ، وَعَمَلُهُ مُضَاعَفٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ، وَذَنْبُهُ مَغْفُورٌ}{6}، فما بالكم وفيه ليلةٌ – وهى ليلة القدر المباركة – لو أحياها الإنسان، ولو بصلاة الفجر والعشاء في جماعة في العَشْرِ الأواخر لقول رسولكم الكريم صلى الله عليه وسلم: {مَنْ صَلَّىٰ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلِهِ، وَمَنْ صَلَّىٰ الْصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْل كُلَّهُ}{7}. وقوله صلى الله عليه وسلم: {فَالْتَمِسُوها فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ}{8}. فمن صلى العشاء في جماعة والصبح في جماعة في العشر الأواخر من رمضان كان له أجر ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر؟ يحرر له الكرام الكاتبون عملاً صالحاً، في صحف مكرمة، بأيدي سفرة، كرام بررة، بأعمال مقدارها ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر. كأنه عَبَدَ الله عبادة – قيام ليلها، صيام نهارها – لمدة ثلاثة وثمانين عاماً وزيادة أربعة أشهر
فلو حافظ المؤمن على هذا الحال على صلاة العشاء والفجر في جماعة في العشر الأواخر من رمضان، لمدة أربعين أو خمسين عاماً – مثلاً، كان كأنه عاش أربعة آلاف سنة في عبادة متصلة، ليلها قيام ونهارها صيام للملك العلام سبحانه وتعالى. أجرٌ كثير وثوابٌ كبير لخصَّه البشير النذير فقال:{وَهُوَ شَهْرٌ: أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ، خَصْلَتَينِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَينِ لاَ غِنَىً لَكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاَّ اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا الخصلتان اللَّتَانِ لاَ غِنىٰ بِكُمْ عَنْهُمَا: فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّار}{9
من اراد المزيد يمكنكم الدخول على
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد


- حكم القيام للعلماء والصالحين والوالدين:

أما حكم القيام لذوي الفضل فجائز، وهو من الآداب الإسلامية المطلوبة وقد نصت كتب الفقه في مختلف المذاهب على جوازه.

أـ نصوص السادة الشافعية:

نقل العلامة الفقيه محمد الشربيني في كتابه "المغني المحتاج" ج3/ص135: (ويُسَنُّ القيامُ لأهل الفضل من علم وصلاح أو شرف أو نحو ذلك لا رياءً وتفخيماً. قال في الروضة: وقد ثبت فيه أحاديث صحيحة) ا هـ.

وللإمام النووي رسالة خاصة سماها "رسالة الترخيص بالقيام لذوي الفضل" في جواز القيام للقادم، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة منها:

1ـ أخرج أبو داود في سننه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً يوماً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه، ثم أقبلت أمه من الرضاعة فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه).

2ـ وأخرج الإمام مالك في قصة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، لمَّا فرَّ إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى مكة مسلماً: (فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً ورمى عليه رداءه).

3ـ وقام النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم جعفر من الحبشة فقال: "ما أدري بأيِّهما أنا أُسَرُّ بقدوم جعفر أو بفتح خيبر".

4ـ وجاء بحديث عائشة رضي الله عنها: (قدم زيد بن حارثة المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه فاعتنقه وقبله).

5ـ وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا قام قمنا إليه حتى نراه قد دخل).

ب ـ نصوص السادة الحنفية:

نقل العلامة الفقيه المحقق ابن عابدين عند قول صاحب الدُّر: وفي الوهبانية يجوز ؛ بل يندب القيام تعظيماً للقادم، كما يجوز القيام ولو للقارىء بين يدي العالم: (قال في "القنية": قيام الجالس في المسجد لمن دخل عليه تعظيماً وقيام قارىء القرآن لمن يجيء تعظيماً لا يُكره إذا كان ممن يستحق التعظيم. وفي "مشكل الآثار": القيام لغيره ليس بمكروه لعينه، إنما المكروه محبة القيام لمن يُقام له، فإن قام لمن لا يقام له لا يكره. قال ابن وهبان: أقول: وفي عصرنا ينبغي أن يُستحب ذلك ـ أي القيام ـ لما يورث تركه من الحقد والبغضاء والعداوة، ولا سيما إذا كان في مكان اعتيد فيه القيام. وما ورد من التوعد عليه، في حق من يحب القيام بين يديه كما يفعله الترك والأعاجم). ا هـ. حاشية ابن عابدين ج5/ص254.

ج ـ نصوص شراح الحديث:

قال أبو سليمان الخطابي الشافعي شارحاً الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن أهل قُرَيْظَةَ لما نزلوا على حكم سعد أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء على حمار أقمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "قوموا إلى سيدكم أو إلى خيركم"، فجاء حتى قعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).

قال الخطابي: (فيه من العلم أن قول الرجل لصاحبه: يا سيدي، غير محظور، إذا كان صاحبه خيِّراً فاضلاً، وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر، وفيه أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل وللولي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غيرُ مكروه، وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف أهل هذه الصفات).

وقال الخطابي أيضاً في شرحه لحديث أبي داود الذي رواه معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب أن يُمَثَّلَ له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار": (قوله صلى الله عليه وسلم: "يمثل" معناه: يقوم وينتصب بين يديه، ووجهه هو أن يأمرهم بذلك ويلزمه إياهم على مذهب الكبر والنخوة). ا هـ. "معالم السنن" للخطابي شرح سنن أبي داود ج4/ص155 ـ 156.

وقال العلامة السفاريني: (وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" لكن يَنْصُرُ كونَ الأمر بالقيام له آخرُ الخبَرِ: وكان رجال من بني الأشهل يقولون: قمنا له على أرجلنا صفين يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. كما في "السيرة الشامية". "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" للعلامة السفاريني الحنبلي ج1/ص276.

وقد أورد هذا الخبر العلامة علي بن برهان الدين الحلبي في كتابه "السيرة الحلبية" ج2/ص339. في بحث غزوة بني قريظة.

كما ذكره أيضاً مفتي السادة الشافعية بمكة المشرفة العلامة أحمد زيني دحلان في كتابه "السيرة النبوية والآثار المحمدية" ج2/ص131].

- آداب الذكر المنفرد

ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القِبلة متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار، مطرقاً برأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، ولكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل. وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة. وينبغي أن يكون فمُه نظيفاً، وإن كان به تغيُّرٌ أزاله بالسواك.

إذا كانت هذه النظافة الحسية قد نُدبنا إليها فإن نظافة القلب الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى أولى بالاعتبار، فلا بد من تنقيته من أدرانه ؛ كالحقد والكبر، والبخل والرياء، والعلائق الدنيوية والأغيار والشواغل، حتى يتأهل لمجالسة الحق فلا يزال في الفيض الأقدس مقيماً.

والذكر محبوب في جميع الأحوال، والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يلاحظ الذاكر ذلك ويتدبر معاني ما يذكر.

فإن كان يستغفر فعليه أن يلاحظ بقلبه طلب المغفرة والعفو من الله تعالى، وإن كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يستحضر عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلبه، وإن كان يذكر بالنفي والإثبات وهو "لا إله إلا الله" فعليه أن ينفي كل شاغل يشغله عن الله تعالى. وعلى كلٌّ لا يَترك الذكر باللسان لعدم حضور القلب، بل يذكر الله بلسانه ولو كان غافلاً بقلبه ؛ لأن غفلة الإنسان عن الذكر إعراض عن الله بالكلية، وفي وجود الذكر إقبال بوجهٍ ما، وفي شغل اللسان بذكر الله تزيين له بطاعة الله، وفي فقده تعرضٌ لاشتغاله بأنواع المعاصي القولية كالغيبة والنميمة وغيرها

يقول ابن عطاء الله السكندري: (لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله تعالى فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره، أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك [الله] من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غَيْبَةٍ عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز) ["إيقاظ الهمم في شرح الحكم" لابن عجيبة ج1/ص79].

فعلى الإنسان ملازمة الذكر باللسان حتى يفتح القلب، وينتقل الذكر إليه، فيكون من أهل الحضور مع الله تعالى.




                                          آداب الذكر الجهري مع الجماعة:

الذكر الجهري له آداب ثلاثة: آداب سابقة، وآداب مقارنة، وآداب لاحقة، وكل قسم من هذه الثلاثة له ظاهر وباطن.

1ـ فظاهر الآداب السابقة:

أن يكون الذاكر طاهر الثوب، طيب الرائحة متوضئاً، نقياً من الحرام كسباً وغذاء.

وباطنها: أن يطهِّر قلبه بالتوبة الصادقة، ويتخلى عن جميع الأمراض القلبية، ويتبرأ من حوله وقوته، ويدخل الحضرة متحققاً بذله وفقره واحتياجه إلى نفحات الله وفضله.

2ـ وظاهر الآداب المقارنة:

أن يجلس حيث انتهى به المجلس إذا كان الإخوان جلوساً، وإذا كانوا وقوفاً ذكر خلفهم بذكرهم حتى ينتبه له أقربهم ويفسح له ليدخل بينهم، وينتظم في حلقتهم، فإذا أراد أن يخرج لعذر طارىء وصل بين مَنْ على جانبيه بلطف، وخرج حتى لا يقطع عليهما اشتغالهما بالذكر، وأن يكون موافقاً لهم في وضعهم ؛ فلا يشذ عنهم بمخالفة، وأن يجتهد في إخفاء صوته في أصواتهم حتى لا يكون مميَّزاً بينهم، وأن يغمض عينيه حتى لا يشغله أحد عن حضور قلبه مع الله تعالى.

وباطنها: أن يجاهد في طرد وساوس الشيطان وهواجس النفس، وأن لا يشغل قلبَه أُمورُ الدنيا، وأن يجتهد في الحضور بقلبه وهمته فيما هو فيه من الذكر وما يَرِدُ عليه من واردات وأحوال، متهيئاً لما يَمنُّ الله به عليه من تجليات إفضاله.

3ـ وظاهر الآداب اللاحقة:

أن يستمع بعد ذلك لعشر من القرآن الكريم وللمذاكرة العلمية من الشيخ ؛ فيسمع بعض النصائح والتوجيهات منه، ويصمت عن الكلام في مختلف الأمور الدنيوية وغيرها ما دام في مكان الذكر، ويمتنع عن الأعمال المنافية للآداب. وبعد الانتهاء من المذاكرة والدعاء يسلم على شيخه وإخوانه إما بالمصافحة أو بتقبيل اليد .



وباطنها: أن يصمت بقلبه عن الخواطر، ويصونه عن الالتفات، منتظراً عطاء مولاه، ثم يخرج عاقداً همته، جامعاً نيته على أن يعود إلى أول مجلس من مجالس ذكر الله تعالى يلي هذا الاجتماع.




                                                      فوائد الذكر إجمالاً

1ـ عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" [أخرجه مسلم في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعاء وقال: حسن صحيح].

2ـ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" [أخرجه الترمذي وحسنه، والدارمي والبيهقي. كما مرَّ في ص121].

3ـ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الرب يوم القيامة سيَعلَم أهلُ الجمع اليوم مَنْ أهل الكرم. فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله ؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد" [رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والبيهقي وابن حبان في صحيحه. كما مرَّ في ص120].

4ـ وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال: "ما أجلسكم ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال: أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة" [أخرجه مسلم من حديث طويل في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعاء].

5ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفوراً لكم قد بُدلت سيئاتكم حسنات" [أخرجه أحمد وغيره. ومرَّ عزوه في ص121].

6ـ وعن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال: "ما كنتم تقولون ؟ قلنا: نذكر الله. قال: إني رأيت الرحمة تنزل، فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أُمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم" [أخرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه].

قال ابن قيم الجوزية في فوائد الذكر: (وفي الذكر أكثر من مائة فائدة:

إحداها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره.

الثانية: أنه يرضي الرحمن عز وجل.

الثالثة: أنه يزيل الهم والغم عن القلب.

الرابعة: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط.

الخامسة: أنه ينور الوجه والقلب.

السادسة: أنه يقوي القلب والبدن.

السابعة: أنه يجلب الرزق.

الثامنة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنُضْرة.

التاسعة: أنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة، وقد جعل الله لكل شيء سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذكر، فمن أراد أن ينال محبة الله تعالى فليلهج بذكره، فالذكر باب المحبة، وشعارها الأعظم، وصراطها الأقوم.



العاشرة: أنه يورث المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت.

الحادية عشرة: أنه يورث الإنابة، وهي الرجوع إلى الله عز وجل، فَمَنْ أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه في كل أحواله فيبقي الله عز وجل مَفزعه وملجأه ومَلاذه ومعاذه، وقِبلة قلبه، ومَهْرَبَه عند النوازل والبلايا.

الثانية عشرة: أنه يورث القرب منه، فعلى قدر ذكره لله عز وجل يكون قربه منه، وعلى قدر غفلته يكون بُعده.

الثالثة عشرة: أنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة.

الرابعة عشرة: أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلاله، لشدة استيلائه على قلبه، وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل، فإن حجاب الهيبة رقيق في قلبه.

الخامسة عشرة: أنه يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: {فاذكُرُونِي أذكُرْكُم} [البقرة: 152]. ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً. وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى : "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" [من حديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومرَّ في ص120 و125].

السادسة عشرة: أنه يورثه حياة القلب. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟.

السابعة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صدأه، وكل شيء له صدأ ؛ وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار.

الثامنة عشرة: أنه يحط الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات.

التاسعة عشرة: أنه يزيل الوحشة بين العبد وربه تبارك وتعالى، فإن الغافل بينه وبين الله عز وجل وحشة لا تزول إلا بالذكر.

العشرون: أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء، عرفه في الشدة، وقد جاء أثرٌ معناه: إن العبد المطيع الذاكر لله تعالى، إذا أصابته شدة، أو سأل الله حاجة، قالت الملائكة: يا رب، صوتٌ معروفٌ من عبدٍ معروفٍ. والغافل المعرض عن الله تعالى إذا دعاه وسأله قالت الملائكة: يارب، صوتٌ منكَرٌ من عبدٍ منكَرٍ.

الحادية والعشرون: أنه مُنْجٍ من عذاب الله تعالى، كما قال معاذ رضي الله عنه ويروى مرفوعاً: "ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله عز وجل من ذكر الله تعالى" [رواه الترمذي في كتاب الدعاء ومرَّ في ص120].

الثانية والعشرون: أنه سبب تنزُّلِ السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم [انظر صفحة 173 الحديث الأول].

الثالثة والعشرون: أنه سبب انشغال اللسان عن الغيبة والنميمة، والكذب والفحش والباطل، فإن العبد لا بد له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذِكرِ أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى. والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك، فمن عوَّد لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو، ومن يبس لسانه عن ذكر الله ترطب بكل باطل ولغو وفحش، ولا حول ولا قوة إلا بالله.



الرابعة والعشرون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.

الخامسة والعشرون: أنه يُسعِد الذاكر بذكره، ويُسعد به جليسه وهذا هو المبارك أينما كان. والغافل واللاغي يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مُجالسه.

السادسة والعشرون: أنه يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة، فإنَّ كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه تعالى كان عليه حسرة وتِرَةً يوم القيامة [انظر صفحة 155 الحديث الأول والثاني].

السابعة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله تعالى العبد يوم الحر الأكبر في ظل عرشه [انظر صفحة 138 حديث: سبعة يظلهم الله...].



الثامنة والعشرون: أن الاشتغال به سبب لعطاء الله للذاكر أفضل ما يعطي السائلين، ففي الحديث عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال سبحانه وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" [انظر صفحة 121 الحديث العاشر].

التاسعة والعشرون: أنه أيسر العبادات، وهو من أجلِّها وأفضلها، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرك عضو من أعضاء الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة، بل لا يمكنه ذلك.

الثلاثون: أنه غِراس الجنة، فقد روى الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم الخليل عليه السلام فقال: يا محمد، أقرىء أُمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غِراسها ؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر". قال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث ابن مسعود كما في كتاب الدعوات.

الحادية والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيره من الأعمال، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه" [انظر صفحة 148 الحاشية]. ومن قال: "سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".

الثانية والثلاثون: أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها. قال تعالى: {ولا تكونوا كالذينَ نًسُوا اللهَ فأنساهُم أنفُسَهُم أولئِكَ هُمُ الفاسقونَ} [الحشر: 19].

الثالثة والثلاثون: أن الذكر يسيِّر العبد وهو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه، وفي حال نعيمه ولذته، وليس شيءٌ يعم الأوقات والأحوال مثله، حتى إنه يسيِّر العبدَ وهو نائم على فراشه، فيسبق القائمَ مع الغفلة، فيصبح هذا وقد قطع الركبَ، وهو مستلق على فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقة الركب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وحكي عن رجل من العُباد أنه نزل برجل ضيفاً، فقام العابد ليله يصلي، وذلك الرجل مستلق على فراشه، فلما أصبحا، قال له العابد: سبقك الركب. فقال: ليس الشأن فيمن بات مسافراً وأصبح مع الركب، الشأن فيمن بات على فراشه وأصبح قد قطع الركب.

وهذا ونحوه له محل صحيح ومحل فاسد، فمن حكم على أن الراقد المضطجع على فراشه يسبق القائم القانت، فهو باطل، وإنما محله أن هذا المستلقي على فراشه علق قلبه بربه عز وجل، وألصق حبة قلبه بالعرش، وبات قلبه يطوف حول العرش مع الملائكة، قد غاب عن الدنيا وما فيها، وقد عاقه عن قيام الليل عائق من وجع أو برد يمنعه عن القيام، أو خوف على نفسه من رؤية عدو يطلبه، أو غير ذلك من الأعذار، فهو مستلق على فراشه ؛ وفي قلبه ما الله تعالى به عليم. وآخر قائم يصلي ويتلو، وفي قلبه من الرياء والعجب وطلب الجاه والمحمدة عند الناس ما الله به عليم، أو قلبه في وادٍ وجسمه في واد، فلا ريب أن ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة.

الرابعة والثلاثون: أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة الصوفية ومنشور الولاية، فمن فُتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل، فليتطهر وليدخل على ربه يجدْ عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شيء، وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شيء.

الخامسة والثلاثون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، وهو أصل كل مقام وقاعدته التي يُبنى ذلك المقام عليها، كما تبنى الحائط على أسسها، وكما يقوم السقف على حائطه، وذلك أن العبد إن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير، ولا يستيقظ إلا بالذكر كما تقدم، فالغفلة نوم القلب أو موته.

السادسة والثلاثون: أن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية خاصة، غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة، والنُصرة والتوفيق، كقوله تعالى: {إنَّ اللهَ مع الذينَ اتَّقَوا والذينَ هُم مُحسِنُونَ} [النحل: 128]، {واللهُ معَ الصابرينَ} [العنكبوت: 69]، {وإنَّ اللهَ لَمَعَ المحسِنينَ} [الأنفال: 66]، {لا تحزَنْ إنَّ اللهَ معنا} [التوبة: 40]. وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي: "أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه" [رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه. كما في "فيض القدير" ج1/ص309]، وفي أثر آخر: "أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنِّطُهم من رحمتي، إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، فإني أُحب التوابين وأُحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب" [أخرجه الإمام أحمد في مسنده].

والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شيء، وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي، وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تُعلَمُ بالذوق.

السابعة والثلاثون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين مَنْ لا يزال لسانه رطباً بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه، وجعل ذكره شعاره، فالتقوى أوجبت له دخول الجنة، والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر، والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة.

الثامنة والثلاثون: أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى.

وذكر حماد بن زيد: أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي. قال: أَذِبْه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله تعالى.

التاسعة والثلاثون: أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، فالقلوب مريضة ودواؤها وشفاؤها ذكر الله تعالى، قال مكحول: (ذكر الله تعالى شفاء، وذكر الناس داء) [رواه البيهقي عن مكحول مرسلاً بلفظ: (إن ذكر الله). كما في "كشف الخفا" للعجلوني ج1/ص419]. وقيل:

إذا مرضنا تداوينا بذكركُم ونترك الذكر أحياناً فننتكسُ


الأربعون: أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها، والغفلة أصل معاداته ورأسها، فإن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه. قال الأوزاعي: قال حسان بن عطية: ما عادى عبد ربه بشيءٍ أشد عليه من أن يكره ذكره أو مَنْ يذكره. فهذه المعاداة سببها الغفلة، ولا تزال بالعبد حتى يكره ذكر الله، ويكره من يذكره، فحينئذ يتخذه الله عدواً كما اتخذ الذاكرَ وليَّاً.

الحادية والأربعون: أن مُدْمنَ الذكر يدخل الجنة وهو يضحك، لِما ذُكر عن أبي الدرداء قال: (الذين لا تزال ألسنتهم رطبة بذكر الله عز وجل، يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك).

الثانية والأربعون: أن الذكر سَدٍّ بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال، كان الذكر سداً في تلك الطريق، فإذا كان ذكراً دائماً كاملاً كان سداً محكماً لا ينفذ فيه، وإلا فبحَسَبِه.

الثالثة والأربعون: أن جميع الأعمال إنما شُرعت إقامةً لذكر الله تعالى فالمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى، قال تعالى: {وأَقِمِ الصلاةَ لِذكْرِي} [طه: 14] ["الوابل الصيب من الكلم الطيب" لابن قيم الجوزية. وما يلفت النظر أن ابن عطاء الله السكندري ذكر هذه الفوائد نفسها في كتابه "مفتاح الفلاح" ص30. فنقلها عنه ابن القيم مع شيء من التنسيق والإضافات البسيطة دون أن يعزو ذلك إلى مصدره الأصلي "مفتاح الفلاح" لابن عطاء الله، والمعلوم أن ابن عطاء الله توفي سنة 709هـ. بينما كانت وفاة ابن القيم سنة 751هـ].

ومن أراد التوسع في معرفة فوائد الذكر فعليه أن يرجع إلى الكتب المطولة في الأذكار ككتاب "الأذكار" للإمام النووي رحمه الله، و"مفتاح الفلاح" لابن عطاء الله السكندري، و"عمل اليوم والليلة" لجلال الدين السيوطي وغيرها من كتب الأذكار.

والسادة الصوفية واظبوا على ذكر الله تعالى في جميع أحوالهم، حتى لمسوا فوائده الكثيرة فتحدثوا عنه عن خبرة يقينية، ونصحوا غيرهم بالإكثار من ذكر ربهم، من باب "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان عن أنس، والنسائي في كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب صفة القيامة].

يقول الحسن البصري إمام التابعين: (أحبُّ عباد الله إلى الله أكثرهم ذِكراً وأتقاهم قلباً).

وقال ذو النون المصري: (ما طابت الدنيا إلا بذكره ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته).

يقول أبو سعيد الخراز رحمه الله: (إن الله تعالى عجل بأرواح أوليائه التلذذ بذكره والوصول إلى قربه، وعجل بأبدانهم النعمة بما نالوه من مصالحهم وأجزل نصيبهم من كل كائن، فعيش أبدانهم عيش الجنانيين [أهل الجنة]. وعيش أرواحهم عيش الربانيين) ["حلية الأولياء" لأبي نعيم ج1/ص247].

والذكر على قسمين: ذكر العامة، وذكر الخاصة.

أما ذكر العامة: فهو ذكر الأجر والثواب: وهو أن يذكر العبدُ مولاه بما شاء من ذكر، مع بقائه في صفاته المذمومة كالرياء والكبر، والعجب والغرور، وغير ذلك.

وأما ذكر الخاصة: فهو ذكر الحضور، وهو أن يذكر العبد مولاه بأذكار معلومة على صفة مخصوصة، لينال بذلك المعرفة بالله سبحانه، بطهارة نفسه من كل خُلُق ذميم، وتحليتها بكل خلق كريم، طلباً للخروج من ظلمة الحس، وطمعاً في إدراك الأسرار الروحانية. والأوْلى له اتخاذ سبحة، يحصي بها ما أراد من الأعداد ؛ فيسلم من تعب حصر مقدارها

فالذكر صقال قلوب المريدين، ومفتاح باب النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق بالأخلاق المحمدية.

- الفهم الصحيح للتصوف

كثر في هذا الوقت الحديث عن التصوف والصوفية،
وظهر في الأفق كثير من المعترضين والذين ينظرون إلى مُدَّعى التصوف - الذين انشغلوا بالظواهر والمظاهر؛ ولم ينشغلوا بنور الله الواضح والباهر- وظنوا أن هؤلاء هم الصوفيةواعترض كثيرون أيضا على الصوفية؛
 بحجة أنه لا يوجد لهم أصل في الشريعة الإسلامية والملة الحنيفية.ونريد أن نجلِّى هذا الأمر، بوضوح، وببيان من القرآن وبسنة النبي العدنان، ومن الحياة العملية التي ربَّى عليها النبي المصطفى أصحابه في مكة والمدينة
... في بدء دعوته وفى أول رسالته والصوفية يا إخواني تعنى باختصار شديد؛ العمل بما علمه الإنسان من دين الرحمن : .. أي الترجمة السلوكية والحياة العملية للآيات القرآنية، والتوجيهات النبوية.فآيات القرآن تدعو أهل القرآن إلى مقامات علية، وإلى أحوال مرضية رغّبت فيها الآيات القرآنية، والصوفية عاشوا هذه الحياة بأجسادهم، ونفوسهم، وقلوبهم، وأرواحهم؛ حتى يجدوا لذة الوصال، ويبلغوا مقامات الكمال، التي وضحها الله في قرآنه للرجال، فليست الصوفية: سفسطة، ولا فلسفة، ولا نظريات، ولا أقوال، وإنما هي: سلوك ،وأفعال، وأحوال.بعده ينظر الله إلى العبد؛ فيمنحه من عنده من معين فضله، أو من نور وصله، أو من ينابيع حكمه: ألوانا من الإتحافات الإلهية، والعطاءات الربانية؛ لا يستطيع أحد من الأولين والآخرين حصرها، وكلها من فضل الله.،قال تبارك وتعالى فى محكم الذكر (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)وأساس الصوفية هو ما فعله سيدنا رسول الله بذاته، عندما كان يخرج كل عام في شهر رمضان ليختلي بغار حراء، وتجهز له زوجته الصفية التقية النقية السيدة خديجة رضى الله عنها: زاداً يكفيه الشهر.وكان يختلي في هذا الغار مع الله، تارة يتفكر، وتارة يتدبر، وتارة يذكر الله، وتارة يتعبَّد على الملة الحنيفية - ملة إبراهيم عليه السلام -حتى قال أهل مكة في شخصه - قبل نزول الرسالة- لقد عشق محمدٌ ربه، وذلك من شدة شغله بالله ولذلك أكرمه الله بعد ذلك بالصفاء والنقاء، فقال عن هذه الفترة:أنه كانت الأحجار والأشجار والجبال تناديني باسمي وتقول يامحمد يامحمد، وورد فى ذلك الكثير من الأحاديث والروايات منها قوله :{ إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني لأعرفه الآن } وهذا كان قبل نزول الوحي. فكل من صفت روحانيته، واستنارت بشريته؛ كان ما فيه من الحقائق الراقية تخاطب وتسمع خطاب الحقائق ، قال تعالى فى [44 الإسراء]Frownوَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) فمن صفا يسمع، ويفقه هذا التسبيح، ويسمع هذا الكلام، وإن كان بغير لسان ولا صوت ولا لهاة ولا شفتين، لكن الله إذا أراد فهو فعال لما يريد وهذا هو أساس التصوف.وبعد نزول الوحي على حضرته ‘ استمر على حالته فكــان يقوم الليل حتى تتورم قدماه؛ شكرا لله على عطاياه.وكان يصوم حتى يقولوا لا يفطر، وهو صيام الوصال.وكان كما قالت السيدة عائشة رضى الله عنها: يذكر الله على كل حال حتى وصل إلى حال قال فيه :{ تنام عيني وقلبي لا ينام } فكان لا يغفل عن ذكر مولاه، حتى وهو في حالة المنام، لماذا؟ .. لأنه استلذ طاعة الله ، ولم يضيِّع نفسا في غير ذكر مولاه وكان وقته كله وحاله كله مع مولاهFrownقُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ[162 الأنعام]. فكان قوله عبادة، وفعله عبادة، وأكله عبادة، وشربه عبادة، ونومه عبادة، حتى إتيانه لشهوته كان عبادة، وكل أفعاله حتى مزاحه كان عبادة:{ إني لأمزح ولا أقول إلا حقا } .

فترجم حياته كلها إلى عبادة لله ، ولما قال الله له، قل Frownوَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام] استبق أحبابه وأصحابه في اتخاذ هذا النهج في حياتهم.فأسس النبي أول مدرسة في التصوف السلوكي والعملي في دار الأرقم بن أبى الأرقم، وكانت قريبة من الصفا الآن، وكان يجتمع فيها مع أحبابه الثلة المباركة ... وكانوا لا يتجاوزون الأربعينFrown ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ [الواقعة]وبدأ معهم في هذه المدرسة الحياة الصوفية الرفيعة .ومعنى الصوفية أي نشر الصفاء... لا نريد أن ندخل في هذا الاسم من أين جاء ؟ ولا أقوال الفلاسفة والحكماء ؟ لكن ندخل مباشرة على الصفاء: لأنه أساس الصوفية، فالصوفية كل همهم الصفاء، وبعد الصفاء يواجههم الله بخالص المنح والعطاء.
متى يصلح الإنسان للعطاء ؟
إذا وصل وأشرف بنفسه وقلبه على مقام الصفاء؛
 يأتيه الهناء من الله بالمنح والعطايا الإلهية؛
 التي لا نستطيع أن نعدها حتى عدّاً؛ لأنها من الله .
فمكث مع أصحابه في دار الأرقم بن أبى الأرقم؛
يؤهلهم لهذه المنح، ويجهزهم لهذه العطاءات؛
 لأن عطاءات الله الخاصة بعباده المؤمنين،
تهبط على القلوب، وتنزل على الأرواح....أما العطاءات والمنح والخيرات التي تتمتع بها الأجسام، والنفوس، والأشباح؛ فإن أمرها مباح للكافر والنافر،فالكل يتمتع بالخيرات الحسية، والمباهج الدنيوية، والمظاهر الظاهرة الأرضية، وربما يكون للكافر حظا أوفر من المؤمن فيها؛ لأن الله يربى عبده المؤمن، ويقول في ذلك سيد الأولين وإمام الموحدين :
{ إن الله يحمى عبده المؤمن من الدنيا كما يحمى أحدكم
 مريضه من الشراب والطعام }.فالمريض إذا كان هناك طعام أو شراب يزيد الداء عنده، فإننا جميــعا نتلطف معه حتى لا يتناوله أملا في الشفاء.والله علم بعلمه المكنون أن الدنيا هي الداء الذي يصيب النفوس، فيحجبها عن مقامات الصالحين والأولياء؛ فيحمى المؤمنين من الدنيا لأنه يريد أن يكرمهم وأن يعطيهم وأن يمنحهم

 النبي صل الله عليه وسلم أشرف بنفسه على تربية أصحابه رضوان الله عليهم وقام بعمل  دورة تجهيزية للعطاءات الإلهية، وكانت هذه الدورة تشتمل على :... تنقية النفوس ،... وطهارة القلوب. تنقية النفوس من الرذائل، والصفات التي تحرم الإنسان من الأنوار وتمنعه من فضل المنعم العزيز الغفار: كالحقد، والحسد، والبغض، والكره، والطمع، والأثرة، والأنانية، والشح، وغيرها من الصفات التي بينتها الآيات القرآنية، ووضحتها الحضرة النبوية، وركز عليها في دورته التأهيلية...خير البرية .وعنوان هذه الدورة من قوله تعالى فى [ الحجر]:

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)
 ثم بعد ذلك القسم الثاني في الدورة:
 دورة التأهيل التي قام بها البدر المشرق المنير .
تأهيل القلوب.وذلك بتنقيتها من أمراض القلوب،
 وأعظمها وأخطرها مرض الكبر!؛ لأنه يمنع الإنسان من أي فضل ينزل من حضرة الرحمن :{{ مكتوب على باب الجنة: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر }}
وغيرها من الأمراض التي أشارت إليها الآية التي وردت في شأنها : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [60 الأحزاب]
وهى الموسومة بصفات النفاق، فلا بد للإنسان أن يتطهَّر
 من أوصاف النفاق، وأحوال المنافقين؛ ليكون من عباد الله الصالحين... [التوبة].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ )
 أي لتكونوا صدِّيقين.وهذه الدورة اسمها: دورة تزكية النفوس، أي: طهرة النفوس، وتصفية القلوب. من الذي حضرها؟ :
أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب،
وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، ومصعب بن عمير، وحمزة بن عبد المطلب، وغيرهم من الوجوه النيرة، التي حملت على أكتافها لواء تبليغ دعوة الله ؛ رغبة في رضاه، لا يرجون من وراء جدهم وجهادهم مناصباً، ولا مكاسباً فانية، وإنما يرجون
 مناصباً راقية ومكاسباً باقية عند حضرة الباقي [الآية (28) سورة الكهف]:( يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) لا يريدون إلا وجه الله جلَّ في علاه، حتى أنهم وصلوا إلى درجة لم يعد لغير الله في قلوبهم نصيب ولو كانوا الآباء، والأمهات، والأخوات؛ لأنهم لا يعرفون إلا الله، ولا يحيدون عن منهج الله طرفة عين ولا أقل.انظر إلى الإمام عمر بن الخطاب بعد موقعة بدر:قال للحبيب : يا رسول الله، أعطني فلانا - قريبا له- وأعطِ أبا بكر فلانا - قريبا له-، وذكر أصحاب رسول الله من علّية المهاجرين وأقربائهم، وقال: أعطهم لنا، لنقتلهم بأيدينا، حتى يعلم الله أن قلوبنا ليس فيها هوادة لسواه. ولن تقوم قائمة يا إخواني للإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان؛ إلا إذا وُجِدَ رجالٌ من هذا الطراز؛ لا يحابى الرجل منهم أحدا - حتى ولو كان ابنه أو ابنته - لأنه يرجوا رضا الواحد الأحد. لا يجامل الناس بكلام، ولا يرائي الخلق، وإنما إذا قال فعل. هؤلاء هم الرجال الذين قيل فيهم القائل :"إن لله رجالا إذا قالوا فعلوا"وقد دربهم الحبيب على ذلك، وأهّلهم لذلك.حتى كان الرجل منهم لا ينطق بكلمة واحدة إلا إذا قدّرها، ودبّرها، ودوّرها في آفاق فكره، وعرضها على نور قلبه، ثم عرضها على شرع ربه :
فإذا وافقت كل ذلك أخرجها!، وإلا كتمها ولم يخرجها !.ومن ضمن جلسات هذا البرنامج المبارك:جلسات غريبة وعجيبة في نظر كثير منا؛ فمجالس ذكر الله، ومجالس العلم، ومجالس قراءة القرآن مجالس متعارف عليها...ولكن ما يستدعى العجب :......... مجالس الصمت ……:وهى التي قال فيها سيدنا أبو بكر رضى الله عنه وأرضاه :{ كنا نتعلم الصمت كما تتعلمون الكلام }.أي كان هناك حلقة يتعلمون فيها الصمت؛ حتى لا ينطق أحدهم إلا بما يستطيع فعله،وهذا هو حال المؤمن. فالنذر فرض ومن الذي فرضه على الإنسان ؟ الإنسان نفسه..وإذا نذر، ولم يفِ :.حاسبه على ذلك الله،...لماذا ؟ ليتعود على أنه إذا قال فعل، وإذا وعد فلا بد أن يفِ، هل هناك أحد يرغم الإنسان على النذر؟ كلا !..لكن عندما ينذر لا بد أن يفِ بنذره.وكذلك الزواج كلمة!، والطلاق كلمة!.فالكلمة لها وزنها عند رجال الله،
 ودرّبهم على ذلك سيدنا رسول الله ، ولذلك كانت شهادة التخرج التى حصلوا عليها :{ علماء حكماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء } من الذي أعطاهم هذه الشهادة؟ صاحب الحسنى والزيادة ، قال تعالى فى الآية 24 سورة الحج :وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) وتفصيل ذكر أحوال هؤلاء الرجال يطول بنا لكن حسبنا أن نبين أن أول مدرسة في الصفاء والنقاء والتصوف كانت دار الأرقم بن أبى الأرقم في مكة المكرمة وكان عنوانها:( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) [الأعلى] لقد وصلوا إلى حالة من المعرفة. حتى أن الرجل منهم ، وعلى سبيل المثال: سيدنا أبو بكر الصديق اتخذ له حجرة في بيته يقرأ فيها القرآن، فكان العبيد والنساء والصبيان والرجال يحيطون بمنزله ليستمعون إلى تلاوته للقرآن، ولا يستطيع أحد من ذويهم أن يأخذهم بالقوة، لأنهم مأخوذون بتلاوة أبى بكر في القرآن....حتى حدثت ثورة في مكة !!، وذهب أكابرها إليه يطالبونه بالخروج منها!، أو يقرأ القرآن سرا، ولا يرفع به صوته وكذلك مصعب بن عمير :عندما دخل المدينة! بم فتح قلوب أهلها؟ بتلاوة القرآن.....لقد كان عندما يقرأ القرآن يعتصر قلبه؛ فيشد النفوس، ويجذب القلوب إلى هذا الكلام....حتى كان يُسَمَّى في المدينة: المقرئ، لأنه يقرأ القرآن .. وأى قراءة..!!.فكانت وسيلة دعوته هو وإخوانه هي قراءة القرآن، لكنها من قلوب انفعلت بالقرآن !، وعظّمت القرآن !، فأثرت فيمن يستمع إلى تلاوتها، لأنهم تربوا على هدى النبي العدنان 

جامعة الصفّة
بعد انتقال النبي إلى المدينة المنورة، زاد هذا الخير.فبعد مدرسة دار الأرقم تأسست جامعة الصفة: وكان مسجد حضرة النبي، ليس به سقف، بل كان جدار يحيط به من الخارج، وكانوا يصلون على الأرض..لأنه لم يكن به فرش، وأجسادهم معرضة للسماء، والأسقف عارية، فهم الذين وظفهم الله في اقتباس الهدى من حبيبه ومصطفاه ، ليقوموا بعد ذلك بنشره في ربوع الأرض بين عباد الله.جعلهم الله تتفرغ قلوبهم من الدنيا، والشواغل الكونية، وذهبوا إلى الحبيب لا همَّ لهم إلا الإقبال على حضرته.
لم يكن لأغلبهم زوجات، ولا أولاد، ولا مساكن في هذا الوقت، فكانوا يجالسونه آناء الليل !وأطراف النهار! ...فإذا أرادوا أن يناموا أمرهم الحبيب أن يناموا في المسجد: فصنع لهم الأنصار " صفة " يعنى عريشا، على جزء من المسجد ينامون تحته، ليقيهم هذا العريش من حرارة الشمس في الصيف، ومن المطر الخفيف في الشتاء، أما المطر الغزير فكان لا يقيهم منه بل كان ينزل عليهم. هؤلاء القوم كان منهم بلال بن رباح، وسلمان الفارسى، وأبوهريرة، وصهيب الرومى، وأنس بن مالك، وغيرهم كثيرون، فكانوا حوالى تسعين رجلا، تفرغوا تفرغا كاملا لله ورسوله. وإياك أن تظن أنهم تفرغوا لقلة الشيء، أو الفقر !!! ولكنها إرادة الله: فقد فرَّغهم الله، وكأنه أخذهم في بعثة رسمية إلهية - بإقامة كاملة - لنقل علوم خير البرية، وهى الموجودة الآن في أنحاء العالم كله ... والرسول حضهم على ذلك، وحثهم على ذلك، وقال لهم في ذلك..فيما روى عن ابن عباس قال: { وقف رسول الله على أصحاب الصُفة فرأى فقرهم وجهدهم، وطيب قلوبهم، فقال: ابشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقى من أمتي على النعت الذي أنتم عليه، راضيا بما فيه فإنه من رفاقي في الجنة } وهذا الذي جعل التابعين، وتابعى التابعين والصالحين، يتأسون بأعمال هؤلاء القوم !!..لأنهم يريدون مرافقة سيدنا رسول الله .
الزهــــد وكان أول ما بدأت به الجامعة المحمدية:الزهد في المتع،والشهوات، والحظوظ، والملذات، والأموال، والدنيا، رغبة في رضاء الله جلّ في علاه، فالذي وضع المنهج؛ عميد الجامعة ، فقد ورد أن رسول الله جاء إلى أهل الصفة فقال :
{ كيف أصبحتم؟...، قالوا : بخير ، فقال رسول الله: أنتم اليوم بخير أم يوم يغدى على أحدكم بجفنة ويراح بأخرى ويغدو في حلة ويروح في أخرى وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة..!!، فقالوا يا رسول الله..نصيب ذلك ونحن على ديننا؟ قال : نعم.. قالوا: فنحن يومئذ خيرٌ، نتصدق ونعتق، فقال رسول الله : لا، بل أنتم اليوم خيرٌ } وفى رواية أخرى: { إنكم إذا أصبتموها؛ تحاسدتم، وتقاطعتم، وتباغضتم } فقد صدق ، لأن البغضاء والحسد، سببه الشهوات، والحظوظ، والدنيا الدنيَّة التي شغل بها الناس بالكلية. فبدءوا حياتهم الإيمانية؛ وكان أساس اجتماعهم ودخولهم إلى هذه الجامعة النبوية: الزهد، والزهد ليس معناه ألا يكون في يد الإنسان شئٌ، لكن حقيقة الزهد ألا يسكن قلبُ الإنسان لشيء.
فقد يكون الإنسان ليس في يده شئٌ من الدنيا، لكن قلبه يتطلع إليها ! ،وهذا ليس بزاهد !.لأنها لو وجدت له لتغير حالُه.لكن الزاهد الحقيقي؛ هو الذي أعطاه الله الدنيا في يده، ولم يجعل لها تأثيرا على قلبه، فيصرفها في مرضاة ربه .كما وجدنا من أصحاب رسول الله :{ ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ .. فقال: أبقيت لهم الله ورسوله } فلم ينكر عليه، ولم يعترض عليه، ولكن أقرَّه على ذلك.لأن حاله يستوجب ذلك، لكن غيره قال: { أنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة، أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: بالشطر؟ فقال: لا . ثم قال: الثلث والثلث كبير، أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس } ويتبين لنا من ذلك تفاوت القدرات، واختلاف الوجهات، وتباين المقامات والدرجات......وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [سورة الصافات]. ماذا كان جدول أهل الصفة ؟ كان حلقات لتلاوة القرآن الكريم. وحلقات لذكر الله ،. وحلقات لمدارسة العلم والفقه. وتدريبات على أعمال الجهاد. وكان من أجل أعمالهم التفرغ لمتابعة رسول الله وتلقى العلوم عنه، وتبادلها معا وتوصيلها لباقى المسلمين كما سيأتى التفصيل لاحقا، وكانت هذه المهمة أحد أعظم أعمالهم تأثيرا فى المجتمع. لأنهم كانوا على الحقيقة جنوداً لله جلَّ وعلا وخَدَمَةً لحضرة النبي ، وضيوفه الكرام. فهذه أبرز أعمالهم، وكان النبي يتفقدهم، فقد ورد عن أبى سعيد الخدرى فى الحديث :{ كنت في عصابة ( جماعة ) فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع كتاب الله، فجاء النبي حتى قام علينا فلما رآه القارئ سكت، قال فسلم ثم قال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا وكنا نستمع إلى قراءته فقال النبي الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا، ثم قال بيده هكذا فحلق القوم ( صنعوا حلقة) وبرزت وجوههم، قال فما رأيت رسول الله عرف منهم أحدا غيري } {أن أصبر نفسى معهم}، يشير إلى قوله فى سورة الكـهف:وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (( ثم قال: { أبشروا يا معشر صعاليك (فقراء) المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذاك خمسمائة سنة } ومرة أخرى يحكى ثابت البنانى عن سلمان الفارسى ، فيقول:{ كان سلمان في عصابة (جماعة) يذكرون الله ، فمر النبي فكفُّوا، فقال: ماكنتم تقولون؟ قلنا نذكر الله يا رسول الله، قال قولوا، فإنى رأيت الرحمة تنزل عليكم، فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرْتُ أن أصبَر معهم }
وأحيانا كانوا ينقسمون إلى طائفتين؛ إحداهما تذكر الله تعالى، والثانية تُعَلِّمُ وتتعَلَّم، وعلماؤهم منهم؛ فإن سيدنا رسول الله جهز منهم علماء يعلمونهم: فكان سيدنا عبد الله بن رواحة يقول لهم: تعالوا بنا نؤمن بالله ساعة، ويعطيهم دروساً في الإيمان، ومرَّ رسول الله ذات مرة بسيدنا عبدالله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال لهم :{ أما إنكم الملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معكم، ثم تلا الآية } وعيّن حضرة النبي أساتذة لهذه المدرسة في كافة التخصصات؛ فقال: {أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأشدهم حياءاً عثمان، وأفتاهم علىّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبى ذر، وأقرأهم أبي بن كعب، وأفرضهم - أي أعلمهم بأحكام الميراث- زيد بن ثابت} فعين لكل مادة أستاذا، وصدر قرار التعيين من سيد الأولين والآخرين ليقوموا بالتدريس بجامعة المصطفى ، وكل رجل منهم كان يلتف حوله طلابه ... وكان يتفقَّد الجامعة .. فخرج ذات مرة إليهم : { فرأى مجلسين أحدهما يدعون الله ويرغبون إليه, والثاني يعلمون الناس, فقال: أما هؤلاء فيسألون الله تعالى فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس، وإنما بعثت معلما ثم عدل إليهم, وجلس معهم }

أصول التصوف

بعد أن أسس  النبى صل الله عليه وسلم أول مدرسة للتصوف السلوكى العملى فى مكة فى دار الأرقم بن أبى الأرقم وأسس فى المدينة المنورة جامعة أهل الصفّة  قام صل الله عليه وسلم بوضع   هذه الأسس.ومن هنا امتد هذا النسق، وهذا النهج، إلى يومنا هذا...على يد العلماء العاملين، والحكماء الربانيين في كل وقت وحين. ولذلك كان بداية التصوف: أن الرجل الصالح كان يبنى زاوية. ومن ثم يجمع فيها خلاصة أصحابه. ويصنع معهم ما كان الحبيب يصنع مع أهل الصفة. ويتكرر نفس المشهد، فمنهم من يذكر الله، ومنهم من يتفكر، ومنهم من يقرأ القرآن، ومنهم من يعلّم، ومنهم من يتعلم، ومنهم من يصوم النهار، ومنهم من يقوم الليل.
ويتعهد الرجل الصالح هذا أبنائه وأتباعه فيعطى لكل رجل منهم ما يلائم قواه، وما تميل إليه نفسه من العمل الصالح الذي يقرِّبه إلى الله، وذلك لأن النفوس مختلفات، وكل نفس تميل إلى عمل يقربها إلى الله، فيعطيه لكل منهم ما تميل إليه نفسه وما يصلح به حاله ليتقرب به إلى ربه؛فيفيض الله عليهم المنح والعطاءات التي أفاضها من قبل على أحباب الحبيب المصطفى من أهل الصُفَّة رضوان الله عليهم أجمعين. وهذا هو الأساس الذي سار عليه الصوفية الصادقون، والأولياء، والمتقون، والحكماء الربانيون، متَّبعين أحوال أهل الصُفَّة في أحبابهم وفى مريديهم ولذلك كما قلنا وبينا تجد لديهم حلقات الذكر، وحلقات العلم، وحلقات الفكر، وحلقات قراءة القرآن. وكذلك تجد بينهم: التحابب، والتوادد، والتآلف لأنهم يشترطون فيمن يدخل بينهم، ويشاركهم أمرهم، ألاّ يكون في قلبه: ضغينة أو حقد أو حسد، وألاّ يكون في نفسه أدنى ميل إلى الدنيا؛ لأنهم يجتمعون على الله، ويريدون وجه الله جلَّ في علاه.ومن أجل ذلك يكرمهم الله بالمنح والعطاءات الإلهية المذكورة في قول الله [32 فاطر]:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) وهل التصوف هذا، يحتاجه الإنسان في هذا العصر ؟ نعم !يحتاجه الإنسان في هذا العصر، وفى كل عصر: لسلامة قلبه، ولصحة بدنه، ولصفاء وقته، ذهب أحد المريدين إلى الشيخ أبو السعود، وقال له: أريد أن أتتلمذ على يديك، فقال له: شيخك الشيخ عثمان المغربي، وهو في بلاد المغرب، ولما يأت بعد.فامكث هنا معنا إلى أن يأتي شيخك !، أي اجلس مستمعا فقط، لأنهم اخوة.:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )[10الحجرات] وبعد خمسة عشر عاما، وذات يوم، سأل الشيخ عن هذا المريد، وقال له: شيخك سيصل عصر اليوم إلى منيل الروضة قادما من بلاد المغرب عن طريق الإسكندرية، فاذهب للقائه، فتوجه المريد إلى الميناء بالمنيل، فوجد السفينة الآتية من الإسكندرية قد وصلت.فانتظر حتى نزل الركاب، فتعرف على شيخه، وذهب ليسلم عليه، ففوجئ به يقول له: جزى الله آخي أبو السعود عنى خيرا، إذ حفظك لي طوال تلك المدة. هؤلاء هم الأبطال حقا !! أمَّا ما يحدث من بعض المعاصرين عندما يتركه أحد المريدين، فتجده يقول لمن حوله: سيحدث له كذا من السوء، وسيصاب بكذا وكذا، فهذا ليس من دين الله في شئ.فليس بشيخ من يحنق على مريد إذا تحول عنه إلى غيره من الأشياخ، أو ترك مجلسه وذهب إلى مجلس غيره من الصالحين، لأن صاحب قدم الصدق من الرجال يعلم علم اليقين أن الإخوان الصادقين رزق من الله يسوقه إليه: "وما كان لك فسوف يأتيك"، وما ليس لك فلن تستطيع جلبه حتى لو أنفقت كل ما تملك:( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ )[63 الأنفال] فالذات العلية هي التي تتولى ربط قلوب المريدين بقلوب المشايخ والعارفين، وأي تبديل أو تغيير لا يتم ولا يكون إلا بإرادة العلي القدير، وسجلات المريدين ومن ينتمون إليهم من الأساتذة، والعارفين ثابتة من قبل القبل، ولذلك فإن سيدنا سهل التسترى كان يقول: إني لأعلم أولادي وأربيهم وهم في أصلاب آباءهم منذ يوم ألست بربكم. أي أن الكشف المسجل فيه أحبابه، أخذه من هناك..! فالذي لم يكتب بالكشف يترك المكان، ولو جلس مرة لأنه ضيف وقتي والصالحون يعلمون ذلك ويعلّمونه لله ؛ وليس هناك مشكلة في ذلك. وهذه أحوال الصالحين في كل زمان ومكان، لأن بينهم نقاء وصفاء ووفاء، فكلهم أساتذة في الجامعة المحمدية، ولازم كل ليلة يجتمع أعضاء هيئة التدريس: وأين هذا الاجتماع؟ كما أشار سيدي إبراهيم الدسوقى في قوله:على الدرة البيضاء كان اجتماعنا ...
 وفى قاب قوسين اجتماع الأحبة

فالذي يشهد اجتماع قاب قوسين هل يبقى عنده بقية من الدنيا الدنية؟ كلا، وهكذا كل من وصلوا إلى هذا المقام العالي، ليس هناك شئ يحاك في صدورهم نحو إخوانهم؛ لأن كل من حاك شئ في صدره بسوء نحو إخوانه، لا يؤذن له بالإشراف على هذه المعية، أو الحضور بقلبه في هاتيك المقامات السنيةوهؤلاء بسر استنارة بصائرهم يعرفون مريدهم، بل آونة يطلعهم الله على المريدين، ومن ينتسبون إليهم من أشياخهم.ومثل هؤلاء لا يجدون غضاضة في قلوبهم، إذا تحول أي مريد من مجالسهم إلى غيرهم.وهذا هو التصوف السليم، والمنهج المستقيم الذي جاء به السلف الصالح من الرؤوف الرحيم ، وأي شئ غير ذلك قد يكون فيه شهوة نفس أو حظ أو مآرب دنيوية أو هوى.ومن عنده هوى !.فليس له دواء.
من كتاب : الصوفية فى القرآن والسنة

- الحب الإلهي عند الصوفية

المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا.. ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد.. ["الإحياء" للإمام الغزالي كتاب المحبة والشوق ج13. ص2570].

والمحبة لا تُحدُّ بحد أوضح منها، والتعاريف والحدود لا تزيدها إِلا خفاءً، فتعريفها وُجودها ؛ إِذ التعاريف للعلوم. أما المحبة فهي حالة ذوقية تفيض على قلوب المحبين، ما لها سوى الذوق إِفشاء. وكل ما قيل في المحبة ما هو إِلا بيان لآثارها، وتعبير عن ثمارها، وتوضيح لأسبابها.

قال الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي رحمه الله تعالى: (واختلف الناس في حدّها، فما رأيت أحداً حدَّها بالحد الذاتي، بل لا يتصور ذلك، فما حدَّها مَنْ حدّها إِلا بنتائجها وآثارها ولوازمها، ولاسيما وقد اتصف بها الجناب الإِلهي العزيز وهو الله. وأحسن ما سمعت فيها ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس الصنهاجي، قالوا: سمعناه وقد سئل عن المحبة، فقال: الغيرة من صفات المحبة، والغيرة تأبى إِلا الستر، فلا تُحد) ["الفتوحات المكية" لابن عربي الحاتمي الطائي. الباب الثامن والسبعون بعد المئة في معرفة مقام المحبة].

وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (فإن المحبة لا يعبِّر عنها حقيقة إلا مَنْ ذاقها، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة، كمثل من هو طافح سكراً، إِذا سئل عن حقيقة السكر الذي هو فيه، لم يمكنه العبارة في تلك الحال؛ لاستيلائه على عقله. والفرق بين السكرين: أن سكر الخمر عرضي، يمكن زواله، ويعبر عنه في حين الصحو، وسكر المحبة ذاتي ملازم، لا يمكن من وصل إِليه أن يصحو عنه، حتى يخبر فيه عن حقيقته، كما قيل:

يصحو من الخمر شاربوها والعشق سكر على الدوام ["مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب" لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري المعروف بابن الدباغ ص21]. لذلك لما سئل الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة، كان جوابَه فيضانُ الدموع من عينيه، وخفقان القلب بالهيام والشوق، ثم عبر عما يجده من آثار المحبة.

قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: (جرتْ مسألةٌ في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هيبته، وصفاء شربه من كأس وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله، وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين) ["مدارج السالكين" ج3. ص11].

دليلها وفضلها:

الأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه كثيرة. قال الله تعالى: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. وقال تعالى: {والذين آمنوا أشَدُّ حُبّاً للهِ} [البقرة: 165]. وقال تعالى: {قل إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفِرْ لكُمْ ذنوبَكُم} [آل عمران: 31]. ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها.

وفي السنة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعُه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد"[أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب]:

والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: {واللهُ يُحِبُّ الصابرينَ} [آل عمران: 146]. {واللهُ يُحِبُّ المحسنينَ} [المائدة: 93]. {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ} [البقرة: 222]. وقوله في ضد ذلك: {واللهُ لا يُحِبُّ الفسادَ} [البقرة: 205]. { واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مختالٍ فخورٍ } [الحديد: 23]. {واللهُ لا يُحِبُّ الظالمينَ} [آل عمران: 57].

وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الله ورسوله من شرائط الإِيمان في أحاديث كثيرة فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من أهله وماله والناس أجمعين" [رواه البخاري ومسلم في صحيحهما في كتاب الإيمان عن أنس رضي الله عنه].

وقد وجه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أصحابه للمحبة، لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع، ولَفَتَ أنظارهم إِلى نعمه تعالى وبالغ إِفضاله، ثم بيَّن لهم أنَّ حبهم لله يقتضي حبهم لحبيبه الأعظم عليه الصلاة والسلام، كما أنَّ حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوصلهم إِلى حب الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: "أَحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأَحِبّوني بحب الله" [رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب].

وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم المحبين بالمعية مع محبوبهم، فقد روى أنس رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله ؟ قال: "ما أعددتَ لها ؟" قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع مَنْ أحببتَ". قال أنس: فقلنا ونحن كذلك ؟ قال: "نعم". ففرحنا بها فرحاً شديداً [رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم في صحيحه في كتاب البر عن أنس رضي الله عنه].

والأحاديث في المحبة كثيرة، وكلها تشير إِلى عظيم فضلها، وبالغ أثرها، وحين تحقق الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بمحبة الله ورسوله بلغوا أوج الكمال في الإيمان والأخلاق والتضحية، وأنستهم حلاوة المحبة مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه.

والحقيقة أن الإِسلام أعمال وتكاليف وأحكام، وروحه المحبة، والأعمال بلا محبة أشباح لا حياة فيها.

الأسباب المورثة للمحبة:

ذكر العلماء من الأسباب المورثة للمحبة أموراً كثيرة، وأهمها عشرة:

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

الثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإِنها توصل إِلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر.

الرابع: إِيثار محابِّه على محابِّك عند غلبة الهوى، والتسنُّمُ إِلى محابِّه وإِنْ صعب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة.

السادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته.

السابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً.

الثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة.



التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. ومن الأدب في مجالستهم ألاَّ تتكلم في حضرتهم إِلا إِذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل [انظر كتاب "مدارج السالكين" ص11ـ12].

فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة.

علامات المحبة:

كثير من الناس من يدَّعي محبة الله ورسوله، وما أسهل دعوى اللسان. فلا ينبغي للإِنسان أن يغتَرَّ بخداع النفس، بل عليه أن يعلم أن للحب علامات تدل عليه، وثماراً تظهر في القلب واللسان والجوارح، فإِذا أراد ألاَّ يغش نفسه فلْيضعْها في موازين الحب، ولْيمتحْنها بعلاماته، وهي كثيرة، منها:

1ـ حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام، فلا يُتصور أن يحب القلب محبوباً إِلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وإِذا علم أنه لا وصول إِلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت، فعليه أن يكون محباً للموت غير فارٌّ منه، لأن الموت مفتاح اللقاء. قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في صحيحه في كتاب الذكر، باب من أحب لقاء الله]. ولهذا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، يحبون الشهادة في سبيل الله، ويقولون حين يُدَعْون للمعركة: مرحباً بلقاء الله.

2ـ أن يكون مؤثِراً ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم الطاعة، ويجتنب الكسل واتباع الهوى، ومَنْ أحبَّ الله لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:

تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه هذا لَعمري في القياس بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ

وفي هذا المعنى قيل أيضاً:

وأَتركُ ما أهوى لما قد هويتَه فأرضى بما ترضى وإِن سخطتْ نفسي

فطاعة الله تعالى ومحبته تستلزم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأخلاق، قال تعالى: {قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون الله فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ ويغْفِرْ لكم ذنوبَكُمْ} [آل عمران: 31].

3ـ أن يكون مكثراً لذكر الله تعالى، لا يفتُرُ عنه لسانه، ولا يخلو عنه جنانه، فمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره.

خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فمي ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ

4ـ أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاتهِ لله تعالى وتلاوةِ كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت، فأقل درجات المحبة التلذذُ بالخلوة بالحبيب، والتنعمُ بمناجاته.

5ـ أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل، ويُعظمَ تَأسفَه على فوت كل ساعة خلتْ عن ذكر الله وطاعته، فيكثر رجوعه عند الغفلات، بالاستعطاف والتوبة.

6ـ أن يتنعم، ويتلذذ بالطاعة، ولا يستثقلها، ويسقطَ عنه تعبها.

7ـ أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً بهم، شديداً على جميع أعداء الله، كما قال تعالى: {أشدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَماءُ بينَهُم}

[الفتح: 29].

8ـ أن يكون في حبه خائفاً متفائلاً تحت الهيبة والتعظيم، وقد يُظن أن الخوف ينافي الحب، وليس كذلك، بل إِدراك العظمة يوجب الهيبة كما أن إِدراك الجمال يوجب الحب، وللمحبين مخاوف على حسب مراتبهم، كخوف الإِعراض وخوف الحجاب وخوف الإِبعاد. ولذا قال بعض المحبين:

الحبيب عرفته وأنا منه خائف لا يحبك إِلا من هو بك عارف

9ـ كتمان الحب، واجتناب الدعوى، والتوقي من إِظهار الوجد والمحبة تعظيماً للمحبوب وإِجلالاً له، وهيبة منه، وغَيْرة على سره، وبعض المحبين عجز عن الكتمان فقال:

يخفي فيبدي الدمعُ أسرارَه ويُظهر الوجد عليه النَّفَسُ

وبعضهم قال:

ومَنْ قلبه مع غيره كيف حاله ؟ ومَنْ سره في جفنه كيف يكتم ؟

10ـ الأنس بالله والرضا به. وعلامة الأنس بالله عدمُ الاستئناس بالخلق والتلذذُ بذكر الله، فإِن خالطهم فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة. قال علي كرم الله وجهه في وصف المحبين المستأنسين بالله: هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعر المُتْرفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إِلى دينه [نظر كتاب المحبة والشوق من "إِحياء علوم الدين" للغزالي، و"الفتوحات المكية" لابن عربي].


مراتب المحبة:

ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً:

أولها العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب.

الثانية الإِرادة: وهي ميل القلب إِلى محبوبه وطلبهُ له.

الثالثة الصبابة: وهي انصباب القلب إِلى المحبوب بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماءِ في المنحدر.

الرابعة الغرام: وهو الحب اللازم للقلب لا يفارقه، بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه.

الخامسة الوداد: وهو صَفوُ المحبة، وخالصها، ولبها.

السادسة الشغف: وهو وصول الحب إِلى شغاف القلب. قال الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: الشغف أن لا يرى المحب جفاءً، بل يراه عدلاً منه ووفاءً.

وتعذيبُكم عذبٌ لديَّ وجَوْرُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكمُ عدلُ



السابعة العشق: وهو الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه.

الثامنة التتيُّم: وهو التعبد والتذلل، يقال: تيَّمه الحب أي ذَلَّلَهُ وعبَّده.

التاسعة التعبد: وهو فرق التتيم، فإِن العبد لم يبق له شيء من نفسه.

العاشرة الخلة: انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب [انظر كتاب "مدارج السالكين" ص18].

وقد رأى الصوفية أن سر هذه الحياة يقوم على حرفين اثنين: الحاء والباء:

وأحسنُ حالة الإِنسان صدقٌ وأكملُ وصفِه حاءٌ وباءُ

فالتكاليف تَسْهلُ وتَلَذُّ إِذا ما وُجِدَ الحب:

لولاك يا سِرَّ الوجود ما طاب عيشي ولا وجودي

ولا ترَنَّمْتُ في صلاتي ولا ركوعي ولا سجودي



وإِذا تمكن الحب من القلب أخرج هذه الدنيا الفانية من سويدائه، وعاش صاحبه حياة طيبة منعمة، لا يعرف الهمُّ سبيلَه إِليه.

مر بعض الصوفية على رجل يبكي على قبر، فسأله عن سبب بكائه فقال: إِنّ لي حبيباً قد مات. فقال: لقد ظلمتَ نفسك بحبك لحبيب يموت، فلو أحببتَ حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه.

وفي واقعنا أمثلة كثيرة عمن يسترخص موته عند يأسه من لقاء من يحبه، أو انقطاع أمله مما تعلق قلبه به من متاع زائل. فالانتحار، وحرق النفس والترامي على صخرة الموت.. أمور كلنا نسمعها عن محبين بائسين خاسرين، وقد قيل:

فإِن شئتَ أن تحيا حياةً هنيئةً فلا تتخذْ شيئاً تخافُ له فَقْدا

فأين هؤلاء من أحباب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين أحبوا الله، ورضوا به رباً، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالإِسلام ديناً!

فمنهم مَنْ أحب الموت، ورحب به ليلقى مِن ورائه أحبابَه.. (غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه) [قال ذلك بلال رضي الله عنه عند احتضاره. ومرَّ عزوه في صفحة 293].

ومنهم مَنْ ضحى بنفسه ودمه في ساحات الجهاد، لينال رضوان الله ويحظى بلقائه، ومنهم ومنهم.. وفرق كبير بين من يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى، وبين من يضحي بنفسه لفقد شيء خسيس تافه:

أنت القتيلُ بأيِّ مَنْ أحببتَه فاخترْ لنفسك في الهوى مَنْ تصطفي

وأعلى وأغلى الثمرات التي يقطفها المحب، هو الحب المتبادل: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. والرضى المتبادل: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]. والذكر المتبادل: {فاذكروني أذكُرْكُم} [البقرة: 152].

مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبَّاد، قد وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة ؛ فقال لهم: من أنتم ؟ فقالوا: نحن عباد الله تعالى. فقال: ولأي شيء تعبدتم ؟ قالوا: خَوَّفَنا الله من ناره، فخفنا منها. فقال: إِن الله تعالى قد أَمَّنكم مما خفتم منه. ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة، فقال: لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا: شَوَّقنا الله جنتَه وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجوها بعبادتنا. فقال: إِن الله أعطاكم ما رجوتم. ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون فقال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المحِبون لله عز وجل، لم نعبده خوفاً من ناره، ولا شوقاً إِلى جنته، ولكن حباً له وتعظيماً لجلاله ؛ فقال أنتم أولياء الله حقاً، وقد أُمِرْتُ أن أُقيم معكم، وأقام بين أظهرهم ["نور التحقيق" ص84].

يشير هذا الشاهد إِلى أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم ؛ فمنهم من يريد الدنيا ؛ ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يريد الله تعالى.

سمع بعض الصوفية قارئاً يقرأ: {مِنْكُم مَنْ يريدُ الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يريدُ الآخرة} [آل عمران: 152]. فقال: وأين من يريد الله ؟!..

ولهذا قال الإِمام علي رضي الله عنه: (إِن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإِن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإِن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار).

وقيل في وصف الذين أرادوا الله، وأحبوه دون غيره:

فما مقصودُهم جناتُ عدنٍ ولا الحور الحسانُ ولا الخيامُ

سوى نظرِ الجليلِ وذا مناهم وهذا مقصدُ القومِ الكرامُ

(لله در أقوام إِذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين الخائف.. وإِذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان..

إِذا ما الليل أقبل كابدوهُ ويسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ

أطارَ الشوقُ نومَهمُ فقاموا وأهلُ الأمنِ في الدنيا خشوعُ

أجسادهم تصبر على التعبد، وأقدامهم ليلَها مقيمة على التهجد، لا يُرَدُّ لهم صوت ولا دعاء، تراهم في ليلهم سجداً ركعاً، وقد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي:

يا رجالَ الليل جِدّوا رُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ

لا يقوم الليلَ إِلا مَنْ له حَزم وجِدُّ

لو أرادوا في ليلتهم ساعة أن يناموا أقلقهم الشوق إِليه فقاموا، وجذبهم الوجد والغرام فهاموا، وأنشدهم مريدُ الحضرة عن لسان الحضرة وبثَّهم، وحملهم على المناجاة وحثَّهم:

حُثُّوا مطاياكم وجِدُّوا إِن كان لي في القلوب وَجْدُ

قد آن أن تظهرَ الخبايا وتُنشَر الصحف فاستعدُّوا

الفرش مشتاقة إِليهم، والوسائد متأسفة عليهم، النوم قرَّم إِلى عيونهم [قال في "القاموس". القرَم محركة: شدة شهوة اللحم، وكثر حتى قيل في الشوق إِلى الحبيب. ج4. ص163. وكأنه يقول: النوم مشتهى إِلى عيونهم، إِلا أن الشوق إِلى الله تعالى أبعد النوم عن عيونهم]، والراحة مرتاحة إِلى جنوبهم. الليل عندهم أجلُّ الأوقات في المراتب، ومُسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب. هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجَوْا ربهم بأطيب كلام، وأنِسوا بقرب الملك العلاَّم، لو احتجب عنهم في ليلهم لذابوا، ولو تغيَّب عنهم لحظة لما طابوا.. يديمون التهجد إِلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر..

بلغنا أن الله تبارك وتعالى يتجلى للمحبين، فيقول لهم: مَنْ أنا ؟ فيقولون: أنت مالك رقابنا، فيقول: أنتم أحبتي، أنتم أهل ولايتي وعنايتي هاوجهي فشاهدوه، ها كلامي فاسمعوه، ها كأسي فاشربوه: {وسَقاهُمْ ربُّهم شراباً طَهوراً} [الدهر: 21].. إِذا شربوا طابوا، وإِذا طابوا طربوا، وإِذا طربوا قاموا، وإِذا قاموا هاموا.

لمّا حملتْ ريح الصبا قميصَ يوسف، لم يفضض ختامَه إِلا يعقوبُ.. ما عرفه أهل كنعان ومِنْ عندهم خرجَ، ولا يهوذا وهو الحامل [كتاب "نهر الذهب في أخبار من ذهب" للشيخ كامل بن حسين الحلبي الشهير بالغزي ج2. ص191 و192].

والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إِلى تفهم حقيقتها والشوق إِلى التعرف على خالقها. ويزداد الحب كلما ازداد الإِيمان، وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون النعيم. وحب الله تعالى يسمو بالذوق الإِنساني ؛ إِذ يحوّل صاحبه إِلى لطيفة راضية مطمئنة.

ولقد جرّد الصوفية الحب عن المطامع والشهوات، وأخلصوا الحب لله تعالى، فليس في حبهم علة، ولا لعشقهم دواء إِلا رضى مولاهم، تقول رابعة العدوية رحمها الله تعالى:

كلُّهم يعبدون من خوفِ نارٍ ويرون النجاةَ حظاً جزيلا

أوْ لكي يسكنوا الجِنانَ فيحظَوا بكؤوسٍ ويشربوا السلبيلا

أو يقيموا بين القصورِ جميعاً أنا لا أبتغي بحِبِّي بديلا

ومعنى ذلك أنها لا ترى الحياة إِلا حباً في الله، ووقوفاً عند أوامره ونواهيه، لأن المحب لمن يحب مطيع. ولبعض المحبين:

فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنامُ غضابُ

وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ

إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ


ولقد عرف الصوفية طريق الحب فساروا فيه..

قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وهو أصل السلوك إِلى الله تعالى، والوصول إِلى معرفته.

سئل ذو النون المصري رحمه الله تعالى عن المحبة فقال: (أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومةَ لائم، مع العطف على المؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتِّباعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص18].

وقال أيضاً: (من علامات المحب لله، متابعةُ حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص18].

وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (من أحب الله علَّم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره، ولم يترك لنفسه رغبة فيما سوى الله تعالى، وقام بعبادته..) ["البرهان الؤيد" للسيد أحمج الرفاعي ص59].

وقال محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: (حقيقة محبته دوام الأنس بذكره)["طبقات الصوفية" ص219].

وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (ولما كان مطلبَ ذوي العقول الكاملة والنفوس الفاضلة نَيْلُ السعادة القصوى التي معناها الحياة الدائمة في الملأ الأعلى، ومشاهدةُ أنوار حضرة قدس المولى، والتلذذُ بمطالعة الجمال الإِلهي الأسنى، ومعاينة مطالع النور القدس الأبهى. وهذه السعادة لا تحصل إِلا لنفس زكية، قد سبقتْ لها في الأزل العنايةُ الربانية، بتيسيرها لسلوك الطرق العلمية والعملية المفضيات بها إِلى المحبة الحقيقية، والشوق إِلى الأنوار الإِلهية ؛ وبحصول هذه السعادة يحصل للنفوس العارفة من اللذة والابتهاج ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيجب على كل ذي لب المبادرةُ إِلى تحصيل هذا الأمر الجليل، وورود هذا المورد السلسبيل الذي لم يصل إِليه من الناس إِلا القليلُ. فالعاشق يحنُّ إِلى هذا الموطن الجليل، وينجذب جملة إِلى ظله الظليل ونسيمه العليل، وورودِ منهله العذب، فلا يشيم البرقَ إِلا لأنه يأتي من ذلك الجناب الرفيع، ويخبر عن سر جماله البديع ؛ فلهذا كان لَمعانُ البُروق يقطع بالشوق أفلاذ كبد المشوق) ["مشارق أنوار القلوب" لابن الدباغ المتوفى سنة 696هـ. ص36].

بمثل هذا الذوق وصل الصوفية إِلى الاطمئنان والرضا في ظلال الحب الإِلهي، ورأوا متعاً روحية دونها متع الحياة وشهواتها. وحسبهم أنهم يُسَرّون مع الله، وينعمون بقربه، ويشعرون بفضله وجوده {رَضِيَ اللهُ عنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]. {يُُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. فاختارهم بعد ما أحبّهم ورضي عنهم، أولئك خلاصة خلقه، وخواص أحبابه، فقيل فيهم:


قومٌ أَخلصوا في حُبِّه فاختارهم ورضي بهم خُدَّاما

قومٌ إِذا جَنَّ الظلامُ عليهمُ أبصرْتَ قوماً سجداً وقياما

يتلذذون بذكره في ليلهم ويكابدون به النهارَ صياما

فسيغنمون عرائساً بعرائسٍ ويُبَوَّؤن من الجِنان خياما

وتَقَرُّ أعينُهم بما أُخفِي لهم وسيسمعون من الجليل سلاما

الأحد، 13 مايو 2018

- الرقى الايمانى

 - الرقى الايمانى

اصلاح الجوارح بثلاثة أمور بالتوبة والتقوى والاستقامة، واصلاح القلوب بثلاثة أمور بالاخلاص والصدق والطمأنينة، واصلاح السرائر بثلاثة أمور بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة
أو تقول أصلاح الظواهر باجتناب النواهي وامتثال الأوامر، واصلاح الضمائر بالتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل، واصلاح السرائر وهي هنا الأرواح بذلها وانكسارها حتى تتهذب وترتاض الأدب والتواضع وحسن الخلق،
 وأعلم أن الكلام هنا إنما هو في الأعمال التي توجب تصفية الجوارح أو القلوب أو الأرواح وهي ما تقدم تعيينها لكل قسم وأما العلوم والمعارف فأنما هي ثمرات التصفية والتطهير فإذا تطهرت الأسرار ملئت بالعلوم والمعارف والأنوار ولا يصح الانتقال إلى مقام حتي يحقق ما قبله فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته فلا ينتقل إلى عمل الطريقة حتى يحقق عمل الشريعة وترتاض جوارحه معها بأن يحقق التوبة بشروطها ويحقق التقوي بأركانها ويحقق الاستقامة بأقسامها وهي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله فإذا تزكي الظاهر وتنور بالشريعة انتقل من عمل الشريعة الظاهرة إلى عمل الطريقة الباطنة وهي التصفية من أوصاف البشرية على ما يأتي فإذا تطهر من أوصاف البشرية تحلى بأوصاف الروحانية وهي الأدب مع الله في تجلياته التي هي مظاهره فحينئذ ترتاح الجوارح من التعب وما بقي ألا حسن الأدب قال بعض المحققين من بلغ إلى حقيقة الاسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل ومن بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل بسوى الله ومن بلغ إلى الحقيقة الاحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى الله ولا يعتمد المريد في سلوك هذه المقامات على نفسه ولا على عمله ولا على حوله وقوته وإنما يعتمد على فضل ربه وتوفيقه وهدايته وتسديده قال تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وقال تعالى ولو شاء ربك ما فعلوه ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك وقال صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته .

- حقيقة التربية الروحية


التربية الروحية وحقيقة الذكر
ان الحياة البشرية لا تستقيم ولا ترقى، ولا يحدث لها التوازن المنشود، الذي يسعد الإنسان كفرد وكجماعة، في الدنيا ويفوز في الآخرة، إلا إذا ظللتها الحياة الروحية التي تقوم على صفاء الروح وطهارة النفس، كثمرة من ثمرات التربية الروحية، التي أمر بها الإسلام، والتزمها الربانيون على مر العهود، كفهم صحيح لما يدعو إليه الإسلام، من كتاب وسنة، ومن ثم سنحاول وفي هذه العجالة التي يسمح بها الوقت، ومن خلال عنوان المحاضرة أن نجيب على السؤالين التاليين :
الأول : ما هي حقيقة التربية الروحية ؟ وكيف جسدها العلامة الثعالبي من خلال كتابيه المذكورين آنفا.
الثاني : حقيقة واثر الذكر في استمرار التوهج الروحي والطهارة النفسية والسمو الخلقي لدى الفرد والمجتمع ؟ مستعينين بنماذج أوردها العلامة عبد الرحمن الثعالبي في كتابيه المذكورين.
مع الإشارة إلى بعض النقاط التي ترتبط بالموضوع حسب ما تقتضيه منهجية البناء والتسلسل في المحاضرة.
أولا : مفهوم التربية الروحية في الإسلام ومظاهرها والسند الشرعي لها .
1 ـ المفهـــوم : إن المقصود بالتربية الروحية في الإسلام أو تزكية النفس أو السير إلى الله سبحانه وتعالى، أو غير ذلك من المصطلحات التي نجدها عند الصوفية وفي كتب التربية الروحية عموما، تصب كلها في وعاء واحد وهدف واحد هو الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي ومن قلب قاس مريض إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية، إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسم غير منضبط بضوابط الشرع إلى جسم منضبط بشريعة الله عز وجل، وبالجملة من ذات أقل كمالا إلى ذات أكثر كمالا في صلاحها وفي إقتدائها برسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم قولا وفعلا وحالا(1).
2 ـ من مظاهر التربية الروحية : ومن مظاهر هذه التربية أن يتحكم الإنسان في نفسه، فلا يجده الله حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، ولا يظهر منه ما يغضب الله عز وجل، فهو كالغيث أينما وقع نفع، صالح في نفسه مصلح لغيره، مفيد لمجتمعه وأمته، وعلى العموم هو باقة من الفضائل والمثل الرفيعة والقيم الصالحة، القائمة على العلم والمحاسبة والمراقبة والمجاهدة الذاتية والإيثار والتضحية، وحب الآخرين، فهو كله خير ولا يعرف الشر إليه سبيلا.
والتربية الروحية بهذا المفهوم، وبهذه المظاهر لا تعني الانسلاخ من المجتمع والهروب من دنيا الناس فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولأن الإسلام لا يضحي بمصالح العباد في الدنيا من أجل الفوز بالآخرة، ولا يعرف الخصام بين المعاش والمعاد، ولا خصاما بين الروح والجسد. بل  هذا  الخصام  مفتعل ، وضعه القاصرون في فهم الدين ، والإسلام  منه بريء(2).
إن الحياة الصحيحة للإنسان في هذه الدنيا هي اساس تكريمه وخلوده في الآخرة ، وإذا انهارت دنياه بسبب انحرافه انهارت آخرته ، قال تعالى :  ومن كان في هذه الدنيا أعمي فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا .(3)
وجسد الإنسان هو وسيلة في بلوغ غاياته ،  فإذا وهن الجسد واعتل ،  قصرالمرء في تحقيق ما يريد ، فما استطاع  تعلما ولا جهادا ولا سعيا  لنفع  نفسه أو نفع  أمته(4)
03 ـ السند الشرعي  للتربية الروحية في الإسلام: عندما  نقرأ القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة نجد حديثا وذكرا والإيمان، وأمراض القلوب، ودواء هذه الأمراض، ونجد كذلك ذكرلصمم القلب وعماه ، عن  سلامته  وسقمه ، وعن  تقواه  وفسوقه ، وعن  النفس  البشرية ، عن  زكاتها  وعن  فجورها ،  وأمثال  هذه  المعاني  (5).
ومن ثم كانت ضرورة التربية الروحية والسير الى الله ، والبعد عن الغفلة والشرود، الى اليقظة والالتزام، ومن مرض النفس والقلب الى صحتهما، وهو علم عملي قائم بذاته يحتاجه كل مسلم ، وهناك فرق كبير بين الإيمان العقلي النظري ، وبين الإيمان الشعوري الذوقي.
ـ ومن بين النصوص الشرعية الكثيرة التي تستند اليها التربية الروحية ما يلي :
قال تعالى :ونفس  وما  سواها  ،  فألهمها  فجورها  وتقواها  ،  قد  افلح  من  زكاها وقد  خاب  من دساها(6)
فبعد القسم و المقسم به بين الله للنفوس ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر، من خير أو شر، من طاعة أو معصية، وبمقتضى ذلك التبيين والتمييز، فلقد فاز بالمطلوب، ونجا من المكروه من أنمى نفسه وأعلاها بتطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال، وقد خاب وخسر من دساها، أي من نقصها وأخفاها بالفجور جهلا وفسوقا(7).
قال تعالى : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى(8)
أي : أن من خاف قيامه بين يدي ربه عز وجل للحساب يوم الطامة الكبرى، وزجر نفسه وكفها عن  الميل  الى  الشهوات  ولم يغتر  بالدنيا  وزينتها ،  فإنه  فائز لا محالة ، وأن  الجنة  هي  مقامه  الذي  سيرجع  إليه(9).
ـ وأن  هذه  النفس  في  حاجة  الى  تربية  ومجاهدة،  قال تعالى  : والذين  جاهدوا فينا  لنهدينهم  سبلنا(10)
أي من بذل جهدا خالصا لوجه الله، سيوفقه الله الى السبيل الموصل لمرضاة الله(11).
قال تعالى :  كما  أرسلنا  فيكم  رسولا  منكم  يتلو عليكم  آياتنا  ويزكيكم  ويعلمكم الكتاب  والحكمة(12).
وهو من باب الامتنان على أمة الإسلام من خلال وظيفة الرسول فيهم وهو يتلو عليهم آيات الله ليطهرهم من الشرك والذنوب ورذائل الأخلاق وأعمال الجاهلية، ويعلمهم القرآن  والسنن  والفقه  في  الدين(13).
والآيات في موضوع التزكية كثيرة إما تصريحا أو إشارة وتلميحا وهي تتحدث عن التحذير من قسوة القلوب، وما ينتج عن ذلك، وتحث على ما يجب أن تكون عليه الطهارة والطمأنينة، وكذلك عن علم الله بما في النفوس والتحذير من الظلم لها بالمعاصي، حتى يأخذ المسلمون منها الزاد، والجانب العملي في التربية الروحية وأخلاق الباطن لتنبع منها أخلاق الظاهر.
وكذلك أحاديث المصطفى صلى الله تعالى عليه و سلم في الموضوع ولعل في مقدمتها حديث الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك(14).
والمحسن هو من أخذ من كل شيء أحسنه، وبقي في دائرة الحسن، لا يتجاوزها إلى القبح، ولا يحصل للمسلم ذلك إلا بمجاهدة النفس وإقبال على الله بالذكروالطاعة(15).
ثانيا : الأصول التي تقوم عليها التربية الروحية في الإسلام والجانب العملي
الناجم عنها :
إن لكل شيء أصل ينتج عنه كعلاقة الأصل بالفرع والشجرة بالثمرة والسبب بالنتيجة، والتربية الروحية لا يمكن أن تتحقق في الميدان وعمليا، إذا لم تقم على مفاهيم شرعية، صحيحة واضحة الدلالة، يقينية الثبوت، تثمر سلوكات عملية وثيقة الصلة بتلك المفاهيم.

المفاهيم في هذا المجال هي :
1 ـ حقيقة الدنيا والآخرة : فقد بين القرآن الكريم في مواضيع كثيرة أن الدنيا متاع قد يغتر بها الكثير، ويلهو ويلعب ويتفاخر بها من لا يعرف قصر عمره في هذه الدنيا، وحقيقة الدنيا من الآخرة، وعندما يستيقظ، وقد أدركته ساعة الرحيل، يتألم ويندم، ولكن لن ينفعه الندم.
قال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرا ، ثم يكون حطاما .  وفي الآخرة عذاب شديد ، ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور(16).
والآية صريحة وواضحة، وهي منهج للحياة لمن تدبرها، وقد بينت ما يقع من الناس في هذه الدنيا من اللهو والتفاخر المذموم، وبينت كذلك ومن خلال مثال الغيث المنبت للعشب، القصير العمر، فكذلك الدنيا في قصر أجلها، وجزاء الناس بعد ذلك في الآخرة، عذاب شديد للتائهين في هذه الدنيا، المغترين بها، الخارجين عن الحدود التي رسمها الله، ومغفرة ورضوان من الله لمن عرف حقيقة الدنيا ولم تفتنه عن الآخرة. وأكدت الآية مرة أخرى عن حقيقة الحياة الدنيا إن هي إلا متاع الغرور.
وحذر القرآن الكريم من إيثار الحياة الدنيا عن الباقية قال تعالى : فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى (17)، أي من أخطأ في التقدير وفضل الحياة الدنيا عن الآخرة واستسلم لشهواته، وظلم فيها، فإنه خاسر في الآخرة، وهذه الأدلة على سبيل المثال، لا الحصر، تجنبا للإطالة.
وأما أحاديث المصطفى صلى الله تعالى عليه و سلم، فنأخذ منها : ما مَثَلُ الدنيا في الآخرة إلا ِمِثْلُ ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظرْ بما يرجع(18)، فهو حديث بالغ في التصوير والتمثيل حتى يعي الإنسان حقيقة أمر الدنيا بالنسبة للآخرة.
وقال صلى الله تعالى عليه و سلمأيضا في إظهار قصر عمر الإنسان بالنسبة لهذه الدنيا القصيرة إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها(19)
2 ـ تأثير الموت في حياة الإنسان : لم يتحدث القرآن الكريم عن شيء حديثه عن الموت واليوم الآخر والجزاء الذي ينتظره الإنسان إذ أن أكثر من ثلث القرآن الكريم هذا هو موضوعه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على القيمة العقدية والسلوكية والوجدانية للموت والحياة البرزخية واليوم الآخر في حياة المسلم، وتبدأ تلك المرحلة من الحياة في عقيدة المسلم بانقطاعه عن هذه الحياة الدنيا وانقطاع عمله ودخوله إلى الحياة البرزخية.
وما يتبع ذلك من جزاء في القبور إلى البعث إلى الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى، إلى الميزان والصراط، والجزاء، فإما فوز أبدا، وإما عذاب مهين.
وعلى سبيل المثال لا الحصر يقول تعالى كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور(20) وفي الآية تذكير بحتمية الموت للجميع وجزاء الجميع يوم القيامة وعن نوع الجزاء والتحذير ثانية من الاغترار بالدنيا.
3 ـ أداء الفرائض و التزود بالنوافل : و متى تم فهم الأصلين السابقين فهما صحيحا، وهما المعرفة الصحيحة بقيمة الحياة الدنيا من الآخرة ،و كذلك ما يترصد الإنسان في أي لحظة من هادم اللذات، و مفرق الجماعات،سينتقل الإنسان حتما الى الجانب العملي المأمور به،الا و هو الإلتزام الكامل بما شرعه الله أداءا واجتنابا بأداء الفرائض والتزود بالنوافل، والمسارعة الى الخيرات بروح يقظة حذرة، خوفا من التفريط، والحذر من مكائد الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، وقد بين الرسولصلى الله تعالى عليه و سلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه،في مدارج السالكين من خلال أداء الفرائض و التزود بالنوافل : ما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به  و بصره الذي يبصر به ويده الذي يبطش ورجله الذي يمشي بها ، وان  سألني لأعطينه، ولأن إستعاذني لأعيذنه(21).
و هكذا اتضح أن الوصول الى درجة الربانيين الذين لو اقسموا على الله لا برهم، يعتمد أساسا على أداء الفرائض و التزود بالنوافل.
4-تلاوة القران الكريم : قال تعالى:إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وفي الحديث الشريف:لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأطراف النهار، ورجل أتاه الله المال فهو ينفق منه أناء الليل وأناء النهار(23)، والحسد هنا بمعنى الغبطة أي لا غبطة إلا في هذين، أحدهما تلاوة القرآن، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن : ألف حرف ولام حرف وميم حرف(24).
وتلاوة القرآن بتدبر هي مفتاح كل شيء، هي مفتاح العلم، وهي الذكر، وهي الأجر، وهي الصلة القوية بالله تعالى، وهي الحصن الحصين، وهي تزكية النفس، وهي طهارة الروح، وهي كل شيء، ألم يصل السلف الصالح إلى مدارج العلوم والرفعة بغير القرآن الكريم تلاوة وفهما وعملا ؟ بلى.
وللقرآن فضل عظيم في تطهير النفس والوجدان فهو أس التربية الروحية والمجاهدة وتزكية النفس إذ أن قراءته وتفهم معانيه تخشع له النفس وتسمو فيه الروح وتنكسر في العاطفة فتقشعر الأبدان من قراءته ، وتبكي الأعين دمعا رقراقا من فرط وجدانها، كما أنه جامع لكل الأذكار والدعوات، فهو الذي عبقت منه رائحة الجنة بأسماء الله الحسنى التي يذكر بها الذاكرون وبه تفتتح الدعوات وفيه فصلت سبل الخيرات وهو الشفيع يوم القيامة لقول النبي صلى الله تعالى عليه و سلم :أنا الشفيع المشفع لا أحد يشفع قبلي إلا القرآن، فيقول أي ربي إن كل عامل قد وفيته أجر عمله، فيقال له : أبسط يمينك فتملى من رضوان الله تعالى، ثم يكسى كسوة الكرامة، فإن كان ممن يقرأه نظرا، أعطي أجر العابدين لأن النظر في المصحف عبادة ، ويضيف الثعالبي قول الشعبي " إذا قرأت القرآن فاقرأه قراءة تسمع أذنيك ، ويفقه قلبك ، فإن الأذن عدل بين اللسان والقلب " .
أما فيما يخص آياته وصوره الشهيرة ففصل عبد الرحمن الثعالبي فضائلها ومزاياها وأسرارها ولآلئها ومواقيتها وهي موصولة بالذكر بل هي تفضله لأنها منزلة من الحكيم القدير، فعن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم قال : من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال(25)، وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : ألم تر آيات أنزلت لم ير مثلهن قط ، قل أعوذ برب الفلق ، قل أعوذ برب الناس(26) .
وقد ميزت سورة البقرة على أن الشيطان يفر من الدار التي تقرأ فيها، وفيها سيدة آي القرآن وهي آية الكرسي .
وقد سميت الفاتحة بأم الكتاب وسميت بالمثاني، لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل لأنها
استثنيت لهذه الأمة، أما سورة الزلزلة فهي سورة جامعة، أما سورة الملك فهي مانعة من عذاب القبر، أما طه والطواسين والحواميم فهي من ألواح موسى.
5 ـ الذكر بين العقل والقلب : سئل مرة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عالم سوريا الكبير أمد الله في عمره ونفع به، عن السر الذي جعل الصحابة رضي الله عنهم في أعلى درجات السمو والتطهر والرفعة الروحية، في حين أن ذلك لم يتكرر وبنفس العمق والاتساع لدى المسلمين في العصور الخوالف ؟ فكان جوابه في مقدمة كتيب صغير سماه حزب الإمام النووي هو عبارة عن أذكار كان يؤديها الإمام النووي كورد يومي، ان الفرق بين السلف في عصر الصحابة والخلف فيما بعد ذلك، أن السلف وكما وصفهم ربهم كانوا  يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض   وفي آيات الله وفي كل الحالات، وأن العقل عندهم كان مربوطا بالقلب بشريان من الذكر يؤديه اللسان عن فهم وتدبر، أما نحن فقد لا نذكر الله، وإن ذكرناه فهو ذكر لاه باللسان .
مع العلم أن الدكتور البوطي من المداومين على ورده في الذكر على الطريقة الصوفية النقشبندية المعروفة في سوريا.
6 ـ دور السلوك الروحي : تتوقف التربية الروحية على السلوك في التكامل الإنساني، فالإنسان العادي يسير بعيدا عن المحور، يحوم حول حمى المحيط، ممزقا بين حاجاته اليومية الدنيوية، والميل للسير نحو الخارج، لذلك ينبغي أن تعكس وجهته للداخل نحو المحور، فالسالك الصوفي يتميز بالحضور الإلهي في أفعاله وبالبركة الربانية في مصيره ، فالإنسان بين العالم المرئي المحسوس والعالم الغيبي اللامحسوس " يختار بين خداع الحواس والمظاهر، والحقيقة التي يتذوقها أهل المعارف فقط، فإذا أنكر علماء الظاهر، مسالك التصوف فلاشك أن هؤلاء يتلقون الحجة من الواقع الماثل أمامهم، في أن البركة الإلهية تحفظ أولئك وتجعلهم يسلكون طريق التوفيق بالتأييد الرباني .
في "المثنوي " لجلال الدين الرومي نجد أن المريد ينبغي أن يواصل الذكر في الخلوة حتى تأخذ أصابع رجليه في التسبيح لله، المقصود هو التكامل بين الروح والجسد، فهذا الإنسان يشفى من جميع أمراض النفس و حاجاتها التي تسبب لها التوتر، عن طريق التطهير الروحي الذي يحقق كفايتها، فهو يشفي من داء النفاق الذي يصيب البشر، فإذا أخذت الحجب في الانكشاف فإنه يصبح كالشمس نورها يحل في كل مكان يحل فيه، والتفكير مقترن لديه بالفعل في وحدة تامة، يبعث حوله الجمال والشذى الروحي أينما حل في كل فعل وقول وهذا له صلة بالبركة الإلهية التي تجري مع تسابيـح الكون، فبلوغ كامل الإيمان هو لباب الإسلام وأساسـه الراسخ "(27).
وفي شعر رقيق للأبي عبيدة الخواص :
سبحان من لو سجدنا بالعيون له        على شباك الشوك والمحمي من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته         ولو العشير ولاعشرا مـن العشــر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركـه            سبحانه من ملـك نافــذ القــدر
سبحان من هو أنسي إن خلوت به        في جوف ليل وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي          من لي سواك ومن أرجـــوه ياذخري
ثم أنشأ يقول :
كم قد زللت فلم أذكرك في زلل           وأنت ياسيدي في الغيب تذكرني
لأبكين بدمع العين من أسـف            لأبكين  بكاء الآســـف الحزن
7 ـ التصوف مدرسة التربية الروحية : التصوف له أسلوب مستوفى في شفاء أمراض النفس ، وقد كتب السلمي في ذلك ، ونجح حيث فشلت أساليب حديثة في المعالجة النفسية والتحليل النفسي، فلا "فرويد" أو "آدلر" أو "لاكون" أو غيرهم ممن قرأنا كتبهم استوفوا بادعائهم معرفة أغوار الروح البشرية .
فالإنسان الذي حظيت نفسه بالتكامل والاستنارة يستطيع أن يحدد وسائل الشفاء بالنسبة لنفوس الآخرين ، وفي علم نفس التصوف ، فإن فهم الإنسان لأبعاد وجود الكون تكون ذات طبيعة نوعية ورمزية ، فسالك الطريق يعرف أن الهبوط من الأعلى إلى الأسفل مهلك، لذا ينبغي أن ترتقي النفس إلى العالم العلوي ، والغيبيات تقتضي من المريد أن يعرف بأن الموت هي مرحلة من السفر نحو صعيد آخر من الوجود وذلك تيمنا بوصية الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم موتوا قبل أن تموتوا  فالنفس أمارة بالسوء ، أما أهل الأحرف والأشكال فلا يدركون أن مسالك التصوف تطبيق لأحكام الشريعة وإلا تحول إلى زندقة ، فهو ممارسة لأحكام الشريعة، وتذوق يتم عن طريق التحقق الروحي ، فالصلاة اليومية هي أهم الوسائل في تكامل عناصر الإنسان النفسية، مع وجوده الجسدي، لذلك لابد من تزكية النفس البشرية .
يقول أبو القاسم اللجائي" هم الواقعون تحت تأثير الاستدراج، أي أنه يأخذهم قليلا قليلا وهم لا يشعرون، فمن حسن إسلام المرء ألا يعتقد أن في الناس أشر منه وإن كان عاصيا، وأنت مطيع، فإن الأمر يحدث بعد الأمر، سر الله في خلقه غامض والشقاوة السعادة خافيتان، ومقام الله على قلب الإنسان بين أصبعيه يغيره كيفما شاء، فإن كان مقام الله عز وجل أهم إليك فذلك هو المطلوب والمرغوب، وإن كان الأمر الذي عرض لك أهم إليك فهو العمى والبعد عن الله عز وجل، وإليه الإشارة في قوله عز وجل، فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى .
ويورد أبو القاسم حديث النبي صلى الله تعالى عليه و سلم يخرج من آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحكام، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من خير قول البرية "يصرفون من الدين كما يصرف السهم من الرمية  يضيف : إياك أن يكون القلب خاليا من عظمة المولى عز وجل، لأن نور المعرفة يجرف حب الدنيا من القلوب ، وعظمة الله إذا دخلت في قلب أورثته الحياء والهيبة ، ومن لم يعرف مولاه ، عظمت دنياه في قلبه).
ثالثا : كيف جسد العلامة الثعالبي ذلك في كتابيه المذكورين ؟
1 ـ إن الدارس لآثار الثعالبي يجد أنها ذات صبغة روحية تربوية حتى وهو يعالج أمور الشريعة، ولا يخرج عن النصوص الشرعية من الأصلين، لاسيما الحديث النبوي الشريف، إذ في مخطوطه : الأنوار المضيئة، يورد أحاديث المصطفى صلى الله تعالى عليه و سلم في كامل أعمال المسلم على مدار اليوم من الاستيقاظ من النوم حتى عودته ثانية إلى فراشه .
2 ـ يمزج الثعالبي بين التربية الروحية كتطهير للباطن، والسلوك العملي الناجم عنها كعمل للجوارح، لاسيما في المجال الاجتماعي، إذ الأربعون حديثا التي أوردها في كتابه الأنوار المضيئة كلها ذات طابع اجتماعي في اصطناع المعروف إلى المسلمين، وقضاء حوائج المهمومين منهم والمكروبين ورفع الظلم عن المظلومين.
وعلى سبيل المثال لا الحصر هذا الحديث الشريف الذي أورده الثعالبي قال :  قيل يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال : أنفع الناس للناس، قال فأي العمل أفضل ؟ قال : إدخالك السرور على المؤمن، قيل وما سرور المؤمن ؟ قال : إشباع جوعته، وتفريج كربته، وقضاء دينه ومن مشى مع أخيه في حاجة قضاها أو لم يقضيها، كان كصيام شهر أو اعتكافه، ومن مشى مع مظلوم ليعينه ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام ، ومن كف غضبه ستر الله عورته، وإن الخلق السيء يعسر العمل كما يعسر الخل العسل "(29).
3 ـ الإشارة إلى بعض محتويات مخطوط الأنوار المضيئة والتي لها صلة بعنوان المحاضرة .
أ ـ باب في فضل العلم : وهو يوافق ما أسميناه في محاضرتنا حقيقة الدنيا من الآخرة .
ب ـ باب ما جاء في ذكر الموت وما بعده من الأبواب التي تتعرض لكل الحالات : من الحشر، وطول يوم القيامة والشفاعة، والحساب، والعرض، وتطاير الصحف، والميزان والصراط وصفة جهنم ـ أعاذنا الله منها ـ وصفة الجنة ونعيم أهلها ، حيث ربع الكتاب المخطوط تقريبا حول هذا المحور، أي ثلاث وتسعون صفحة من مخطوط الأنوار المضيئة الذي يتكون أصلا من أربع مئة وخمس وثلاثين صفحة ، وهذا يوافق الأصل الثاني في محاضرتنا الذي أسميناه " أثر الموت في حياة الإنسان ".
ج ـ أداء الفرائض والتزود بالنوافل والمسارعة إلى الخيرات ، ويتمثل في الأبواب التالية :
الخشوع في الصلاة وغيرها ، وذكر الأحوال الخاشعة ، ما جاء في فضل التنفل، الحرص على الطاعات والمسارعة إلى الخيرات قبل الممات، وهذا يوافق العنصر الثالث من الأصول التي تقوم عليها التربية الروحية في محاضرتنا .
د ـ تلاوة القرآن الكريم كما جاء في باب فضل القرآن .
هـ ـ الذكر بين العقل والقلب ، ويتمثل في الأبواب التالية : في فضل الذكر ، فضل الدعاء، باب جامع الدعوات وجملة من الأذكار ونماذج من الأدعية، وما جاء من التكبير .
أما من الدر الفائق فنأخذ ما جسده الثعالبي خاصة في الذكر والدعاء وقد ركز على الدعاء لأنه مخ العبادة .
1 ـ فـضـل الدعــاء : إذ يفتتح مختصره بقوله تعالى  وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان (30).
وفي الحديث القدسي  أنا عند ظن عبدي ، وأنا معه إذا دعاني  ، فبالدعاء يستطيع المسلم أن يربي نفسه على الوصل والاتصال بالله عز وجل ، هو دليل المحبة عند أهل التصوف.
فهذه الثقة المطلقة التي تجعل المسلم يستغني عن طلب الإعانة من البشر، ويتوجه إلى السميع المجيب بقلب صاف وروح نقية ، " فإدراك معرفة الله ليست بسمع ولا بصر ولا تقليد"(31) . ويضيف الثعالبي بالاستناد إلى حديث قدسي آخر  يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته عليكم محرما ، فلا تظالموا … (32) ، فهنا ترتبط قواعد السلوك بالقدوة، فالإقتداء بالله عز وجل والسمو في حد ذاته نحو تهذيب النفس البشرية من الغلو والجور، وكان أبو ادريس يجثو على ركبتيه تعظيما لمعانيه ، وتأثرا بإشاراته.
ومن أبواب الاستجابة التي يطرقها المؤمن  فتفتح  له هو الدعاء في وقت الرخاء ، حيث أن الله لا يحب من ينساه وقت النعمة ويتضرع إليه وقت النقمة ، وذلك  من  قول النبيصلى الله تعالى عليه و سلم :  من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاءأو كما قال عليه الصلاة والسلام .
ما يرغب فيه المسلم بعد الدعاء هو الاستجابة من الله عز وجل، في وقت الانتظار لا ينبغي أن يخامره ريب أو شك، لأنه في الأصل امتحان الله لعبده، إذا كان مخلصا في دعائه، فهو متيقن من الاستجابة العاجلة أو المؤجلة .
إن مكانة الدعاء عند الله عظيمة وقد مجدها النبي صلى الله تعالى عليه و سلملدرجة أنها تلتقي مع القدر، أي ما كتب في اللوح المحفوظ، فيتعالجان إلى يوم القيامة ، لذلك يتوجب على المسلم أن يرتقي إلى هذا المقام ، فهو صعب في إدراكه لأن مكانته القلب قبل اللسان ، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه و سلمقال لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل وإن البلاء ليتنزل فيتلقاه الدعاء ، فيتعالجان إلى يوم القيامة " وفي رواية أخرى يعتلجان بمعنى يتصارعان … فمن ذا الذي يتعالج قدره مع دعائه ؟ لاشك أنه من أصحاب الحظوظ ذوي القلوب السليمة، تتجلى لهم لوائح وإشارات ربانية، فهم يتمتعون بمعرفة ذوقية، بعد المعرفة السمعية، فيقتدي بالعارفين الموفقين في حضرة القدس العلي، أما من يصعب عليه ذلك فهو من يريد الترقي من أسفل إلى أعلى بغير توفيق، ويجد في المعرفة الذوقية عسرا وصعوبة، فهذا الأمر هو إحساس باطني، بمن حبب إليه الارتقاء بتوفيق ومنة منه، إنه على كل شيء قدير .
أما الاستجابة فهي نوعان : إجابة عاجلة وإجابة مؤجلة ، فالإنسان خلق من عجل، لذلك يربينا الله على الاستكانة، والرجاء في ادخارها إلى يوم الدين، وهو أدرى بنفوسنا وإنه يعجل لنا الاستجابة، في حين يفضل عباده الشاكرون مقام الصبر على الوعد في حديث الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجَّل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخرها له في الآخرة، قال فيقول المؤمن في ذلك المقام ياليته لم يكن عجل له شيئا من دعائه.
والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله تعالى عليه و سلمالتي أوردها الثعالبي تبين أن تخصيص الله سبحانه وتعالى ببعض صفاته تحبب إليه عباده، وهذه من أسرار أسماء الله الحسنى عند العارفين، ومن حديث النبي صلى الله تعالى عليه و سلم قال :  أن الله جعل ملكا موكلا بمن يقول يا أرحم الراحمين، فقال الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم :  سل فقد نظر الله إليك، وقال معاذ بن جبل أن الرسول صلى الله تعالى عليه و سلمرجلا يقول : يا ذا الجلال والإكرام " قال " قد استجيب لك"، وقد ذكر محي الدين بن عربي أسرار الحروف وأسرار أسماء الله الحسنى والبركات النورانية التي تكتنف من يدعو بها.
وهذا ما يدحض الآراء القائلة بأن علماء الحقيقة يخالفون الشريعة والسنة المطهرة وقد ذكر اللجائي في القطب الثاني من الثلاثة، والذي اعتمد عليه الثعالبي في مصادره بأن غاية المعرفة في التهذيب والرياضة، فمن عرف تنزيه مولاه، ولم ينزه نفسه عن معاصي الله تعالى، ولم يؤثر الآخرة على الدنيا، نسبته إلى العارفين باطلة، فالعارف هو من عرف مولاه، ونزهه عما لا يليق، وانكسر قلبه بالهيبة والتعظيم والاجلال واستحيا من الله عز وجل، فلا يراه حيث نهاه، وهذا طرف من صفات العارفين، ومن ثم فكما يقول عليه السلام : الهوى حجاب العقول(33) وإذا حجبت العقول فلا سبيل إلى المعرفة، لأن المعرفة نتيجة من نتائج العقل والبصيرة نتيجة من نتائج المعرفة ومنبع العلم من العقل، فإن نسبة العلم من العقل كنسبة نور الشمس إلى الشمس، ومستقر العقل في الرأس وأعني بالرأس القلب وهو قول أبي جعفر رحمه الله تعالى لأن القلب رأس الجوارح وأميرها ( انتهى قول اللجائي).
وقد قال النووي بأن العلماء قد أجمعوا على استحباب الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه سبحانه ثم الصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ـ قال وكذلك يختم الدعاء، قال الخطابي :"وإن من الأدب أن يكون اليدان في حال رفعهما في الدعاء مكشوفتين" .
2 ـ الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تذكرنا بفضائل النبي صلى الله تعالى عليه و سلم ومحامده التي ينكرها أصحاب العقول المغلقة والقلوب الغلف، وقد قال الله عز وجل في هذا الباب : إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما(34).
فقد صلى عليه بنفسه أولا وأمر ملائكته بالصلاة عليه، ثم أمر المؤمنين بأن يصلوا عليه، والصلاة عليه تشّفع نبيهم فيهم كما جاء في الأثر عن سفيان الثوري رضي الله عنه وأرضاه.
إن الله عز وجل، قد هذب طريقتنا بالصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم  وذلك لإعلاء مقامه بيننا، والاحتفاء به متى وجدنا إلى ذلك سبيلا، أليس ذلك ذكر وتذكر للنبي صلى الله تعالى عليه و سلم  وكيف لنا أن ننسى خصاله وفضائله، وفضل الثناء عليه بما هو أهل له إذا تمثلنا قصيدة البردة للبصيري ـ رحمه الله ـ التي ترقُّ معها الأحاسيس، وتوصلنا إلى مقام المحبة، فلا محبة لله دون محبة رسوله الكريم، وكذلك ما لم يصل على آله فلا صلاة له، فقد قال رسول الله  صلى الله تعالى عليه و سلم من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشرة، ثم قال :ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وترة هي النقص وقيل التبعة.
إن النفس البشرية من طبعها البخل والعجب أوالتكبروهي صفات ذميمة يذكرها السلمي في أمراض النفوس، وهي نفسها أمراض القلب، فما يزكيها إلا الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فقد قال الرسولصلى الله تعالى عليه و سلم: ما من رجل يصلي علي مائة مرة إلا غفر له  ، وقال صلى الله تعالى عليه و سلم:البخيل الذي إذا ذكرت عنده فلم يصل علي وقال صلى الله تعالى عليه و سلم :أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة.
كذلك أدبنا الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم فيما أدبه به ربه، لأن طبع النفس البشرية الاستهتار والغفلة، والسلوك هو حسن الأدب وقرينه، فنحن في هذا العالم المادي قد أصابتنا الآفات بغبرها، ونزلت بنا الملمات وابتعدنا عن الحقائق من خلال إعراضنا عن الدقائق، وقد ذكرنا الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم بقوله : رغم أنف إمرئ ذكرت عنده فلم يصل علي.
إن شخصية النبي صلى الله تعالى عليه و سلم تتميز عن البشر لكونها منزهة باكتمال، عارفة بأسرار النفس البشرية، وحاجاتها المتعددة، المادية والدنيوية والروحية الآخروية، لذلك فلم يحرم من تشفع، وصلى عليه، من خير الدنيا والآخرة،وهذه ميزة تجمعه مع الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومن ثم قولهصلى الله تعالى عليه و سلم :من صلى علي في اليوم مائة مرة ، قضى  الله  له  مائة  حاجة  سبعين  منها  في  الآخرة  وثلاثين  في  الدنيا.
وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه و سلم : إن الله خلق الخلق وأفاض عليه من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضل وغوى، ففي سر هذا الحديث أعطى الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم جوامع الكلم، وتشتق من كل كلمة من كلامه، معاني وفوائد فهو لا ينطق عن الهوى، علمه شديد القوى، وهذه الأنوار الربانية تدرك في الحياة، وفي الدار الباقية، فعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال : من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة ومعه نور لو قسم ذلك النور بين الخلق كله لوسعهم.
كثيرا ما نردد الدعاء "اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وأقمه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد"، وما ندري ما الوسيلة ؟ فقد روي عنه صلى الله تعالى عليه و سلم أنه قال للصحابة : صلوا علي فإن ذلك زكاة لكم، واسألوا لي الوسيلة، فقالوا ما الوسيلة يا رسول الله ؟ قال : أعلى درجة في الجنة لا يدخلها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو الرجل صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم تسليما يليق بمقامه.
3 ـ فـي مجـال الذكــر : يبتدئ العلامة عبد الرحمن الثعالبي الباب الذي يسميه في: فضل الذكر والأمر به قوله سبحانه وتعالى : فاذكروني أذكركم والإمام القشيري يبدؤها بقوله عز وجل : يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا والذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، وهو العمدة في هذه الطريق ، وهو المكتمل سلوكا، ويقول ذكر الله بالقلب سيف المريدين به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تقصدهم.
أفضل ذكر أيضا في شعيرة من أعظم الشعائر وهي حج بيت الله الحرام وفي ركن من أركانه، وهو الوقوف بعرفة، فنجد في كتاب الله العزيز : فإذا أفضيتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم أباءكم أو أشد ذكرا(35)، وفي هذا يقول ذو النوى المصري "من ذكر الله ذكرا على الحقيقة نسى في جنب ذكره كل شيء وحفظ الله تعالى عليه كل شيء، وكان له عوضا عن كل شيء".
وفي الآية الكريمة من قوله تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا على جنوبهم(36)، فمن خصائص الذكر كما يقول صاحب الرسالة القشيرية إنه غير مؤقت، بل ما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بأن يذكر الله تعالى، إما فرضا وإما ندبا، والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فقد لا يجوز في بعض الأوقات والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات قال القشيري في محاورة بين العارفين الشهيرين أبي عبد الرحمن السلمي وابن علي الدقاق، هل الذكر أتم أم الفكر؟ فقال أبو عبد الرحمن عندي الذكر أتم من الفكر لأن الحق سبحانه وتعالى يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق فاستحسنه ابو علي الدقاق(37)، قال سبحانه وتعالى : والذاكرين الله والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما(38).
فضــل الذكـــر : أورد الثعالبي، حديثا للنبي صلى الله تعالى عليه و سلم : ليردن يوم القيامة ناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبط الأنبياء مقعدهم يوم القيامة، وجوههم أضوأ من القمر ليلة البدر، على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين يخاف الناس ولا يخافون ويفزع الناس ولا يفزعون، قيل ومن هم يا رسول الله ؟ قال : أهل مجلس الذكر ثم تلا : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
سئل أبو عثمان عن طائفة من الناس فقيل له : "نحن نذكر الله تعالى ولا نجد في قلوبنا حلاوة، فقال أحمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته، وفي الخبر المشهور عن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم  وقد أورده الثعالبي أيضا عن جابر : "خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فقال : يا أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة قلنا يا رسول الله ما رياض الجنة ؟ قال : "مجالس الذكر" قال : اغدوا وروحوا واذكروا من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله تعالى عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه.
وفي آبيات رقيقة للشبلي حول فضائل الذكر :
ذكرتك لا أني نسيتك لمــحة        وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وكنت بلا وجد أموت من الهوى      وهام علي القلب بالخفقــان
فلما أراني الوجد أنك حاضــر      شهدتك موجودا بكل مكـــان
فخاطبت موجودا بغير تكلــم        ولاحظت معلوما بغير عيـــان
فالذكر على نوعين ذكر اللسان، وذكر القلب، ذكر اللسان مداومته يساعد على ذكر القلب فإذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل في حاله وسلوكه، سؤل الواسطي عن الذكر فقال : "الخروج من ميدان الغفلة إلى فضائل المشاهدة على غلبة الخوف وشدة الحب، وهو سلاح المريد كما قلنا سابقا، عقوبة العارف بالله هي انقطاعه عن الذكر، كما أن الأنس بالذكر لا يمكن تذوقه إلا من وحشة الغفلة، وهذا ما يراه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ذكر الله عند أمره ونهيه خير من ذكره باللسان، والغفلة سببها النسيان، كما حرم من حرم إلا من الغفلة ولا يسعد من يسعد إلا بالذكر والحضور : فكل الحركات والسكنات مقرونة بذكر الله وذكر اسمائه ، ومزاولة الذكر عند أهل التصوف ، هو ما يجعلهم يتميزون عن غيرهم ، ولذلك قيل:
إن كنت صادقا في محبتنا فالمحب بذكر حبيبه يذوب
وكذا ذكر الله بالفعل ، الامتثال للأوامر ، واجتناب النواهي، فاذا كان الذكر لا يقع منه باللسان فالفعل يجزيه ، مثل الطهارة الكبرى التي تندرج فيها الطهارة الصغرى.
مكانـــة الذكـــر :للذكر مكانة كبيرة ومرموقة وهو أشرف العبادات ، وقد بيناه بالدليل من الكتاب والسنة، وقد بين ذلك أبو الحسن المالقي في كتابه : " المصباح لأرباب الفلاح "بأن له اصل وفروع وشرط وبساط وخاصية ، فأصله الصفاء، وفروعه الوفاء وشرطه الحضور وبساطه العمل الصالح وخاصيته وثمرته فتح من الله المجيد ومكاشفات أسرار التوحيد.
فوائــد الذكـــر : يذكر الشيخ أبو عبد الله البلالي إن الصحبة تربية، والخلوة ترقية، والعزلة تحلية، فالعزلة عزل نفسه وما تدعو إليه والخلوة مراقبة قلبه، وما يرد عليه وانسه بدوام ذكر يثمر حب الله تعالى وهو الغاية، ومن لم يأنس بربه تعالى في خلوة موحشة أوحشه الله بوحدة قبره وقال سليمان الداراني إن في الجنة قيعانا فإذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس الأشجار فيها فربما يقف بعض الملائكة فيقال له لما وقفت ؟ فيقول : فتر صاحبي وقال الحسن تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة والذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق، وقيل الذكر الخفي لا يرفعه الملك لأنه لا اطلاع له عليه فهو سر بين العبد وبين الله عز وجل.
إن من فوائد الذكر هو الاستغراق في العبادة، وحتى ترتيب الأوراد لا يكون مستعصيا على السالك والمريد، بل يصبح ورده واحدا وهو ملازمة الذكر ومداومته وهو أحسن الأمور وقد عدد الغزالي أيضا هذه المنافع ومنها الحيوية والنشاط بإتيان الأوراد، حيث يكون المسلم في كل وقت متعبدا، والاشتغال في النهار أفضل من العبادات البدنية .
أوقــات الدعــاء : لحكمة يعلمها الله عز وجل ، فقد أقر جل وعلا أوقاتا يستحب فيها الدعاء ، وقد أورد بعضها الشيخ عبد الرحمن الثعالبي ، وهي يوم عرفة يقول النبي صلى الله تعالى عليه و سلم خير الدعاء يوم عرفة ، الترمذي ، وليلة القدر، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه و سلمقال لها قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني، ويوم الجمعة وليلتها من قوله صلى الله تعالى عليه و سلم : فيها  ساعة  لا  يوافقها عبد  مسلم  وهو  قائم  يصلي  يسأل  الله شيئا  إلا  أعطاه  إياه  وأشار  بيده  يقللها، وعن طريق جابر "يوم الجمعة اثنى عشر ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أتاه الله إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر" وعن جوف الليل الآخر ووقت السحر، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم  قال : ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فاستجب له ومن يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له وزاد النسائي وابن ماجة حتى يطلع الفجر وهناك أوقات أخرى لا مجال لحصرها، يستجاب فيها الدعاء وهي بنفس الدرجة من حيث البركة والرحمات، فقد أورد الثعالبي أذكارا كثيرة وأدعية، ورد كثير منها في كتابه الأول الأنوار المضيئة بين الحقيقة والشريعة وهي تتعلق بدورة الحياة اليومية.
أما الدعاء الجامع والذي يستجيب الله فيه لعبده بل يجبه على كل جملة ينطق بها من الآيات الكريمات   الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ  وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ   وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ   رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ   وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ  ومن يرغب في الاستزادة فليرجع لهذا الباب .
وفي آخر كتاب الدر الفائق يتعرض العلامة عبد الرحمن الثعالبي لبعض الرقائق لأهل التصوف والعلماء العارفين مثل الغنجي وابن محمد بن عتاب وابن عبد البر وابن عطية وأبي بكر بن الخطيب وأبي عبد الله القرشي ويحي بن محمد وابن السماك وابي القاسم هبة الله وغيرهم. نرجو الله التوفيق والسداد .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الهوامـــش :
(1) تربيتنا الروحية سعيد حوى ، ص : 69 ، مطبعة رحاب الجزائر
(2) هذا ديننا : محمد الغزالي، ص : 48، دار الكتب الجزائر ، ط 1988
(3)  سورة الإسراء : آية : 72
(4) ديننا : محمد الغزالي ، ص : 48 ، دار الكتب الجزائر
(5) تربيتنا الروحية : سعيد حوى ، ص : 22 ، مطبعة رحاب الجزائر
(6)  سورة الشمس ، الآيات : من 7 إلى 10
(7)من تفسير روح المعاني : الشيخ محمد مخلوف، ط 3 سنة 1987 ـ الكويت
(8)  سورة النازعات الآيتان : 40 ـ 41
(9)  تفسير صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسين محمد مخلوف ط 3 ، 1987 الكويت
(10)ورة العنكبوت الآية : 69
(11) من تفسير صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسين محمد (3)  مخلوف ط 3، 1987 الكويت
(12) سورة البقرة الآية : 151
(13)  صفوة البيان لمعاني القرآن
(14)واه مسلم عن عمر بن الخطاب
(15) جند الله ثقافة وأخلاقا : السعيد حوى ، ص : 209 طبعة دار الطباعة الحديثة 1977
(16) سورة الحديد الآية 20
(17) سورة النازعات ، الآيات : 37 إلى 39
(18) الحديث رواه مسلم وابن ماجة
(19) الحديث رواه ابن ماجة
(20)   سورة آل عمران الآية : 185
(21)   رواه البخاري عن أبي هريرة
(22)   سورة الإسراء
(23)   رواه البخاري
(24)   رواه الترمذي
(25)   رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم
(26)   رواه مسلم والترمذي
(27)   الدكتور حسين نصر/ الصوفية بين الأمس واليوم
(28)   سورة النازعات الآيات : من 37 إلى 39
(29)   رواه الطبراني و العسقلاني عن ابن عمر
(30)   سورة البقرة الآية : 186
(31)   القول نسبه الثعالبي في كتابه الدر الفائق إلى أبي القاسم اللجائي
(32)  رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري
(33)  سورة الأحزاب الآية 56
(34)  الرسالة القشيرية في علم التصوف دار الكتاب العربي بيروت ط : 1957، ص : 101
(35)  سورة البقرة الآيتان : 198 ـ 199
(36)  سورة آل عمران الآيتان : 190 ـ 191
(37)  من الرسالة القشيرية، ص : 101
(38)  سورة الأحزاب الآية : 35
وضع البرنامج
من اقتراح مدير التوجيه الديني والتعليم القرآني
اولا : التفسير :
 رمضان يخلف : الثعالبي ومنهجه في التفسر.
ـ د/ عمالار طالبي : تفسير الثعالبي وابن عطية
ثانيا : الحديث والسيرة النبوية :
ـ د/ محمد الشريف قاهر : الثعالب والسيرة النبوية
 ـ حسن موهوب : عناية العلامة عبد الرحمن الثعالبي ومنهجه في التعامل معها.
ثالثا : العقيدة والسلوك :
 ـ أ/ دحمون : الثعالبي ومنهجه في عرض مسائل العقيــــدة من خلال تفسير
" جواهر الحسان "
 ـ د/ عبد العزيز راس مال : التربية الروحية وحقيقة الذكر.
رابعا : التاريخ والسيرة الذاتية :
 ـ أ/ صادق دهاش : دراسة تاريخية مع العلامة عبد الرحمن الثعالبي في رحلته
العلمية (9هـ /15 م )
 ـ أ/ عبد الحميد بيشي : السيرة الذاتية عند عبد الرحمن الثعالبي
خامسا : الفقه والأصول :
ـ د/ محمد عيسى : التقييد على مختصر ابن الحاجب
 ـ د/كمال لدرع : الفقه والاجتهاد عند عبد الرحمن الثعالبي
سادسا :
ـ أ/ محمد مشنان : تقييد الثعالي على " جامع الأمهات في أحكام العبادات
ـ د / محمد حمداوي : الشعر عند عبد الرحمن الثعالبي

شارك فى نشر الخير