💚 مقام الشاهد 💚
➖➖➖➖➖➖➖➖
ننظر في أول وظيفة: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا }
هل يجوز أن يشهد ولم يرَ شيئاً؟ لا، وإلا سيكون شاهد زور، ولكن الشاهد لا بد أن يشاهد حقيقة ما يشهد به.
سيشهد علينا، وعلى الأنبياء والمرسلين وأُممهم، وعلى كل من جاء بعده من أُمته إلى يوم الدين .... ونحن قد خصَّنا الله بالشهادة في آية لنا:
{ لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }
( البقرة : ١٤٣ )
فنحن سنشهد على الأمُم السابقة، والذي يشهد علينا سيدنا رسول الله ﷺ وعلى أي شيء يشهد؟
{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ }
( التوبة : ١٠٥ ) وكلمة ( فسيرى ) أي في المستقبل، فهو سيرى أعمالكم كلها، ولذلك قال حبيبي وقرة عيني ﷺ
{ حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَيُحَدِّثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ } [ مسند البزّار ]
لأن الله كلَّفه، وهو لا ذنب له، لأن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن من الذي له ذنوب؟ نحن، فقال له الله:
{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } ( محمد : ١٩ )
كلنا داخلين في هذه الآية، لأننا من المؤمنين، فكلنا سيستغفر لنا رسول الله ﷺ
ولذلك علَّمنا الله الأدب مع حضرته فأخبر أن من يُخطئ ومن يُذنب ومن يُقصِّر ويريد أن يغفر له الله ذنوبه وتقصيره ويتوب عليه يذهب لحضرة النبي ليستغفر له، فينال مغفرة الله على اليقين:
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } ( النساء : ٦٤ )
☝️هل هذه للمعاصرين له فقط أم للأمة كلها؟!
لو كانت للمعاصرين في زمانه لرفعت من القرآن، لكنها إلى قيام الساعة: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } أين يذهبوا؟ { جَاءُوكَ } ماذا يفعلون؟ { فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ } وهذا يكفي، لكن لا بد من تزكية من رسول الله:
{ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا }
سيدنا رسول الله ﷺ أعلن أنه ذاهبٌ لاستئصال يهـ ود بني قُريظة في المدينة بعدما خانوا العهد، وكانوا متحالفين معه، ولكنهم وقفوا مع الكافرين والمشركين المحاربين لحضرته، فطلب اليـ هود من النبي أن يُرسل لهم رجلاً يتفاوضون معه.
فسألوهم من تريدون؟ قالوا: نريد أبو لُبابة، لأنه كان صديقهم في الجاهلية قبل الإسلام.فذهب سيدنا أبو لُبابة إليهم، وكان راكباً ركوبة، فبعض منهم تسرَّع وسأله: ما الخبر؟ ماذا سيفعل بنا النبي؟ فبدون أن يتكلم أبو لبابة أشار بأُصبعه ومر به على رقبته - يعني أشار بذبحهم - فأحس فوراً أنه خان الله ورسوله، لأن هذا سرٌّ من الأسرار النبوية ولا ينبغي أن يكشفه لغيره، ماذا يفعل؟
رجع إلى مسجد رسول الله وربط نفسه في عامود من أعمدة المسجد وقال: لن يُحلُّ هذا الرباط حتى يغفر الله لي، يعني سأظل هكذا مقيداً أستغفر الله وأستشعر الندم والخجل من حضرة الله إلى أن يغفر لي الله.
فاستبطأ حضرة النبي أبا لُبابة، لأنه كان في مهمة ولم يرجع، فسأل عنه، فقالوا له: فعل كذا، ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ قال:
{ أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، أَمَا إِذْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أَنَا بِالَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانَهُ، حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ } [ جامع البيان الطبري ]
يعني لماذا لم يأتني فأستغفر له، فيغفر الله عزَّ وجلَّ له؟!!.
والذي لا يستطيع أن يذهب إلى حضرة النبي يفعل كما فعل آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، عندما ألهمه الله بكلمات رواها عن حضرة النبي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال:
{ يَا رَبِّ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، لأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَىَ قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لأُحِبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ ادْعُنِي بِحَقِّهِ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلَوْلا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ }
[ الحاكم في المستدرك ]
وفي بعض الأثر: ( ما نظرتُ إلى شيء في الجنة إلا ووجدتُ اسمه بجوار اسمك ) كل ورقة عليها ( لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ) وكل ثمرة عليها ( لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ) وصدور الحور العين مكتوب عليها ( لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ) والقصور والأنهار والأشجار كلها عليها ( لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ).
لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن الذي لا يستطيع أن يذهب إلى رسول الله يسأل الله بحق رسول الله فيغفر الله له، ويستجيب دعاءه مولاه، ويُحقق له في الدنيا والآخرة كل مناه، لأنه لجأ إلى الله، وتوسَّل إليه بحبيبه ومصطفاه سيدنا محمد ﷺ
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
من كتاب: خصائص النبي الخاتم ﷺ