آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 30 أكتوبر 2017

- Greatness of Islam

Greatness of Islam:
What a great religion that asks its followers : 
-Not to perform pilgrimage unless they have extra money not needed by themselves or their families.
- Not to borrow money for performing pilgrimage.
- Not to perform pilgrimage and leave their adult sons without marriage, they should marry their grown-up sons first or find job opportunities for those who are unemployed by preparing them projects, for instance.
If you want to perform pilgrimage, you should leave your family all their needs that suffice them until you come back. But we see now some of our brothers borrow to perform Omra, if pilgrimage which is an obligatory duty mustn't be performed in debt, should I borrow to perform Omra? What's Omra? I can perform Omra and pilgrimage while I'm here, how? I can perform Omra and pilgrimage twice a day, the prophet (peace and blessings of Allah be upon him) said:
"Whoever performs dawn prayer in Jama'a (congregation) and sits remembering Allah until sunrise, then prays two prostrations, he has the reward of a pilgrimage and an Omra completed, completed." 
Whoever insists on that after this Hadeeth, it's his own desire, not for Allah's sake. Our religion asks believers to start by themselves as said by our righteous ancestors:
"Start by yourself, earn your and your family's living, then worship Allah"
This is for optional worship (Nawafel).

الأحد، 29 أكتوبر 2017

- الإنسانَ المثاليّ وقت المِحَن

أجل، حتى لو أصابت الإنسانَ المثاليّ أشدُّ المِحَن قسوة وفتكًا، وأحدقت به أكبرُ الدوامات رهبة وعتوًّا، فلسوف يرى نفسه سائرًا في ممرّ طويل من الامتحانات، ينتهي به إلى ألوان شتى من التوفيق المؤكد والفوز المبين، ولسوف يحس -في أسوء خطوبه وعند أصعب لحظاته- بنسمات من الأنس والسكينة القادمة من وراء الحُجُب تطوف في أرجاء روحه بِرقّة ونعومة، فيركع بين يدي الله تعالى خاضعًا منكسرًا وقد امتلأت نفسه بمشاعر الحمد والعرفان، وفاضت بأحاسيس الشكر والامتنان.

الإنسان المثالي، يمتلك ثقة لا حدّ لها، وطمأنينة لا غاية بعدها، لأنه يؤمن إيمانًا لا يخالجه شكّ بعناية القدرة المطلقة، ويوقن بأن الله قادر على كل شيء، وأن حكمه نافذ في كل شيء. وإنّ ذلكم الإيمان الصافي الرقراق المتجذّر في أعمق أعماق قلبه، وكذلك تصوّرُه ورؤيتُه وعقيدتُه التي أكسبت عالم روحه أبعادًا جديدة تتجاوز جميع مقاييس العقل.. كلُّ ذلك يرقى به إلى قمة تسمو على كلّ إحساس، وتتفوق على كلّ شعور. فلو تَمكّن في تلك اللحظة من أن يُنصت إلى ذاته بأذُن تعي تلك الأعماق، فلسوف يسمع همسات (أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(فصلت:30)، أو (سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النحل:32)، ولسوف يَسبح في متعة أكرِم بها من متعة، ويغوص في نشوة ما بعدها نشوة.

- أ بطال الإيثار والتضحية والفداء

هؤلاء  الأسطوريون تشبَّعوا بروح الإيثار والتضحية والفداء التي امتاز بها الصحب الكرام، يحثّون الخطى دومًا ليصلوا بالنور إلى كل ركن من أركان العالم.

إننا نؤمن يقينًا بأن وجه العالم كله سيتغير بألوانه وزخارفه يومًا بفضل الجهود التي يبذلها أولئك الأبطال الذين تشع قلوبهم محبة، والذين نذروا أنفسهم لإقامة صرح القيم الإنسانية، وتلتقط البشرية أنفاس الطمأنينة والسلام. ومن يدري، لعل الفكر الإنساني في عالم المستقبل يتوهج معهم سطوعًا وإشراقًا للمرة الأخيرة، وتجد الآمال الإنسانية طريقها إلى الواقع، وتتحقق جُلّ أحلامنا بهم رغم أنف ما رُسم في كتب اليوتوبيا من مثاليات. أجل، سيتحقق هذا يومًا لا محالة، وعندما يحلّ الموسمُ، سوف يجثو ذوو القلوب الخاوية والحظوظ النكدة على ركبهم بين يدي تلك الأرواح المشرقة، يطلبون العفو منهم والغفران، نادمين على ما أجرموا، ساكبين الدمع على ما اقترفوا.

ولكن هيهات أن يتداركوا الفرص التي أضاعوها. ليت تلك الأرواح الغليظة المتسربلة بمشاعر خسيسة وأفكار متمردة وتصرفات رعناء خشنة، رجعوا إلى أنفسهم؛ وقفوا عند الحق، وقدّروا المعروف، وتحلّوا بالإنصاف قبل أن يحلّ اليوم الذي يتقلبون فيه بعذاب الضمير دون أن يجدوا لأنفسهم مخرجًا ولا حيلة.. ليتهم أنصفوا بعض الشيء ولم يدمِّروا مستقبلهم.

هؤلاء الأبطال الأسطوريون تشبَّعوا بروح الإيثار والتضحية والفداء التي امتاز بها الصحب الكرام، يحثّون الخطى دومًا ليصلوا بالنور إلى كل ركن من أركان العالم، يكبحون جماح أنفسهم في حب الاستمتاع بملذات الحياة، ممتلئين بمشاعر البذل والعطاء لمنح الحياة للآخرين. إننا نؤمن يقينًا بأن وجه العالم كله سيتغير بألوانه وزخارفه يومًا بفضل الجهود التي يبذلها أولئك الأبطال الذين تشع قلوبهم محبة.

وإذ يفعلون ذلك لا تلمح أثرًا للفخر أو العجب في سلوكهم، بل تفيض أطوارهم تواضعًا وانمحاء؛ يضربون أمثلة في النبل والشهامة قلّ في التاريخ نظيرها، بما يُبدونه من حماس لا يخمد، وإقدام لا يعرف التراجع، وأشواق لا تخبو، واندفاع خارق في خدمة الإنسانية، رغم كل أسباب التثبيط التي تعوقهم؛ يهمسون في وجدان كل من يمرون به ألحانًا من بيان قلوبهم؛ يغرسون فسائل في كل مكان فيحولونه إلى جنات زاهرة؛ يشرحون أفكارهم ويرسمون أحلامهم ويبثّون همومهم بحيويّة عجيبة وسرعة باهرة وجهد منقطع النظير، ويهتفون بالناس أن “حيّ على الخلود”، بقلوب ملؤها إيمان وعزم وتصميم وأمل بالمستقبل عظيم.

قد يبدو الطريق الذي يسلكونه عصيًّا متمردًا، بيد أنهم يعرفون ذلك منذ البداية. أجل، يعرفون أن الطريق سيتوعر يومًا ويستعصي على السير وتنهار الجسور. يعلمون أن غيلانًا ستظهر لهم وتعترض طريقهم في بعض المنعطفات، وأعاصير من الحقد والكراهية والعداء ستثور حولهم. إن إيمانهم بصحة الطريق الذي يسلكونه راسخ لا يتزعزع، لكنهم لم ينسوا أبدًا أن عقبات لا تخطر على البال سوف تفاجئهم.

لذا نظروا إلى ما ألمّ بهم من ابتلاءات وما قد يلمّ بهم لاحقًا؛ على أنها من سنن سبيل الحق ومحنه الخاصة، فلم يفقدوا شيئًا من حماسهم، بل ظلوا يسعون في دربهم لا يلوون على شيء؛ وإذا ما اعتراهم شيء من القلق أقبلوا على الله مستسلمين، واعتصموا بحصن الإيمان الحصين، وحاولوا قراءة العصر الذي يعيشون فيه، وما يحوم حولهم من أحداث قراءة صحيحة، وتابعوا السير -وسيتابعون- نحو “أفق الرضى” واثقين بوعد الله لهم بالسداد والتوفيق.

- فرسان النبل والشهامة

إن فرسان النبل والشهامة هؤلاء قد نأوا بأنفسهم عن بريق الشهرة ووهج الجاه، وأغلقوا أبوابهم أمام كافة ألوان التفاخر والتباهي، وسموا بجناحي التواضع والانمحاء، وتزيّوا برداء الأمن والصدق والوفاء، وصمدوا أمام رغبات النفس وأهوائها صمود الأبطال، وصاروا حواريي تعريفِ العالم بقيمنا الدينية والوطنية مشحونين بوعي تاريخي ورثوه عن آبائهم، وهتفوا هتاف الأوائل قائلين “سلكنا دروب الحب، لا نبتغي شرفًا هناك ولا غرورًا” فاختاروا التعب على الراحة وسجّلوا أحد أهم إنجازات هذا القرن.

إن الورود التي بدأت تزدهر في كافة أنحاء العالم اليوم، استمدت ألوانها من ذوي الوجوه القمرية هؤلاء ومن المعاني التي يحملونها في وجدانهم؛ وبدأت الجغرافيا الاجتماعية على مستوى العالم تنتسج وفق منسوجاتهم الفكرية انتساج قماش مطرّز بديع، والبشرية كلها تترنم بألحانهم الأصيلة التي لا تَهرَم ولا تبلى. إن مشاعرهم الطاهرة وأفكارهم النقية تلك قد تبدو لدى الناظر إلى بداياتها قطرات صغيرة، ولكن من يدرك روح الموضوع ومعناه، يعلم أنها تتضمن بحارًا واسعة تموج بهِبات جميلة ومفاجآت شتى في كل حين.

إن فرسان النور هؤلاء عملوا على إضاءة ما حولهم فقط في حقبة معينة وفقًا لطبيعة الأشياء. أما الآن فقد أطلقوا قواهم الحقيقية الكامنة وطاقاتهم الروحية، وغدوا فرحة وبسمة وأملاً ومحبة، وانهمروا على كل مكان انهمار السحب المثقلة بالغيث، واندفعوا بحماس متَّقد يحوِّلون قلوبًا قاحلة ظامئة للحب والتسامح إلى جنات فردوسية.

إن الكرة الأرضية اليوم -من أولها حتى آخرها- حامل بربيع جديد، فرحة جَذْلى بولادة مباركة قريبة نتيجة البذور التي نثرها هؤلاء الأخيار في كل أطرافها. البشرية كلها مبتهجة نشوى ببشائر حملتها نسائم إرهاصات هذه الولادة المرتقبة. المعنى الذي ينبض في القلوب واحد، وإن اختلفت الأصوات والنغمات، والنسمات التي تهب في ساعات السَّحر تحمل إلى أيوب خريرًا عذبًا من نهر ماء الحياة، وإلى يعقوب رائحة إبراهيمية من ثوب يوسف.

إن هذا يعني عودتنا إلى مسرح التاريخ مرة أخرى، وإقبالَنا نحو موقعنا الحقيقي من جديد، كما يعني رسالة انبعاث بديلة للإنسانية جمعاء. علمًا بأن الأمم التي كانت -ولا زالت- تضطرب وتئن في دوامة من أزمات مختلفة، كانت تترقب هبوب نسمات كهذه تحمل بشائر الأمل إليها. طوبى لأهل السعد من الأبطال الذين يتولون الريادة في هذا البعث فيحركون تلك النسمات! طوبى لمن فتحوا قلوبهم لنفحات البعث تلك مترقبين وصولها!

الجمعة، 27 أكتوبر 2017

- لماذا يجب أن تتصوف ؟

لماذا يجب أن تتصوف ؟
ونقدم عشره أجوبه على السؤال فيما يلي :
أولا : لإحراز حقيقة الإسلام كما بينها القران العظيم في قوله تعالى (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )
فإسلام الوجه لله تعالى هو كما قال الإمام الالوسى المفسر إخلاص النفس والقصد لله تعالى بحيث لا يشرك به غيره ولم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات باعتباره اشرف الأعضاء وأما مجاز عن القصد ، لان القاصد للشئ مواجه له فلا يتم الإسلام إلا بتمام إخلاص النفس وصدق التوجه إلى الله تعالى وهو محور التصوف .ثم في التفسير الصوفي الإشارى للأيه الكريمة : يقول قدس الله سره : ( من اسلم وجهه وخلص ذاته من جميع لوازمها وعوارضها لله تعالى بالتوحيد الذاتي عند المحو الكلى وهو مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء مشاهد ربه في أعماله راجع من الشهود الذاتي إلى الإحسان الصفاتى –الذي هو المشاهدة للوجود الحقاني ( فله آجره عند ربه ).
وثانيا : لاستكمال أركان الدين بالتحقق بمقام (الإحسان). يقول العارف بالله تعالى سيدي احمد بن عجيبة الحسنى رضي الله تعالى عنه مقام التصوف هو مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فانه يراك ) وذلك لا يصح بدون ما تقع به العبودية والتعبد من عقائد الإيمان وأعمال الإسلام فهما ظاهره وهو باطنهما ، فلا قيام لهما إلا به ولاصحه له بدونهما ،فهو كالروح وهما كالجسد ومن ثم نقول أن التصوف هو روح الإسلام.
وثالثا : يجب التصوف لتحقيق القوّامية لله على النفس وذلك امتثالا لأمر الله تعالى في قوله عز وجل ( يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ).
يقول حجه الإسلام الإمام الغزالي رضي الله عنه في تعريف (الصوفي )
وقيل : الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا يزال يصفى الأوقات عن شوائب الاكدار بتصفية القلب عن شوائب النفس، ومعينه على هذه : دوام افتقاره إلى مولاه فبدوام الافتقار يفطن للكدر كلما تحركت النفس وظهرت بصفه من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفترقته وكدره فهو قائم بربه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه قال الله تعالى :( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ).
وهذه لله على النفس وهو تحقق بالتصوف.
رابعا : يجب التصوف لتحقيق كمال العبودية لله تعالى : وللتحقق الفعلي بقوله تعالى :( إياك نعبد وإياك نستعين ) فقد قال الإمام الغزالي في تعريف التصوف : ( التصوف طرح النفس في العبودية وتعلق القلب بالربو بيه) وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه ( التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبيه )
وفى معنى العبودية يقول رضوان الله عليه :( العبودية هي امتثال الأمر واجتناب النهى ورفض الشهوات أي المحرمة والمكروهة والمشيئات على الشهود والعيان )
والتصوف يسمو بالعبد في مدارج السلوك إلى الله تعالى بدءا من العبادة التي هي أقصى مراتب الخضوع والتذلل ومرورا بمرتبه العبودية التي يعبد فيها العبد ربه تشرفا بعبادته والانتساب إليه تعالى ليصل إلى قمة ( العبودية ) وهى عبادته تعالى لاستحقاقه الذاتي وهى التي تسمى عباده الأحرار !! أليس ذلك حقا لله تعالى على العبد ؟ وواجبا يجب على العبد تحقيقه ليحظى بكنه ( إياك نعبد ) ؟؟
وخامسا : يجب التصوف للتحرر من عبودية ما سوى الله تبارك وتعالى كالنفس والشيطان والدنيا والهوى فالحرية من ثمار التحقق بالعبودية لله تعالى .
قال الإمام القشيرى في الرسالة ( واعلم أن حقيقة الحرية – أي مما سوى الله تعالى – في كمال العبودية – أي لله تعالى - فإذا صدقت لله عبودية خلصت عن رقه الأغيار حريته ) ويقول في معنى الحرية ( الحرية : أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات ولا يجرى عليه سلطان المكونات.
وهنا أقول : إن كثيرا من الناس اخطأ في فهم حقيقة الحرية فاخذ أصحاب المذاهب الأرضية كالوجودية والعلمانية والليبرالية ينشدون الحرية في التخلص من الدين والمبادئ الآخلاقية فوقعوا في شرك عبودية النفس والشهوات والشيطان حيث ضلوا عن تحقيق العبودية لله تعالى ، ولم يظفر بحقيقة الحرية إلا السادة الصوفية .
سادسا : انه يجب التصوف لإصلاح القلب وتصفيته لله تعالى من الشوائب والكدورات فقد قدمنا في تعريفات التصوف : تعريف الإمام أبى يزيد البسطامى قدس الله سره له بلسان الشريعة انه ( تصفيه القلب من المدورة واستعمال الخلق مع الخليقة وإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الشريعة فالصوفية هو ساده أطباء القلوب العارفين بعللها وأمراضها ومسالك الشيطان فيها وهم أصحاب المناهج السلوكية في معالجتها ( انظر على سبيل المثال كتاب شرح عجائب القلب من موسوعة الأحياء للإمام الغزالي وهم القائمون بكشف حجب القلوب لمطالعه أنوار الغيوب ومن ثم كان وجوب التصوف لتحقيق سلامه القلب ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) فلما كانت سلامه القلب من الواجبات كانت الوسيلة إلى ذلك واجبه وجوبا عينيا.
سابعا : إنما كان التصوف فريضة شرعيه لتحقيق ( الربانية ) المنشودة التي صدر الأمر الألهى بالتحقق بها في قوله تعالى ( ولكن كونوا ربانيين ، بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) فالرباني هو المنسوب إلى الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته والمعنى كما في تفسير ( البحر المديد ): ( كونوا ربانيين : عارفين بالله ) والربانية هي المصطلح المرادف للتصوف والدال عليه كما صرح العلامة أبو الحسن الندوى في كتابه (ربانية لارهبانية ).
ثامنا : يجب أن نتصوف للوصول إلى معرفه الله وولايته ، لأن معرفة الحق تعالى لا تنال إلا بالسلوك الصوفي ومجاهده النفس كما قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ  ) ومعرفه الحق تعالى لا تتحقق إلا لأوليائه الذين جاهدوا في الله حق جهاده فقهورا نفوسهم وأهواءهم . وهذه المعرفة هي ( حياه القلب مع الله تعالى ) هي للعارف مراه إذا نظر فيها تجلى له مولاه وناهيك بعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ! والأولياء هم حزب الله المفلحون الذين اصطفاهم لمعرفته ومشاهدته وجعلهم ورثه نبيه صلى الله عليه وسلم وكتابه وحمله أسراره ومحل أنواره ولاريب أن طلب هذا الكمال الأعلى مما يجب الحرص عليه لتحقيق الخلافة عن الله في الأرض !
تاسعا : ثم انه يجب التصوف للاستغراق في معية الله تعالى وهو القائل سبحانه (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وللتحقق بكنه المحبة لله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) وذلك بسبق حبه تعالى لهم اذا اصطفاهم أولياءه ففي حديث الولاية القدسي الصحيح المُصَدّر بقول الله عز وجل :( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) بين سبحانه منهج صفوه أوليائه بقوله :(ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) الخ انه الفناء عن النفس والبقاء بالحق تعالى وتلك حقيقة الولاية والتصوف التي دعانا الحق تعالى إلى التحقق بها .
وعاشرا : يجب أن نتصوف لنتحقق بوراثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعيش في باطنه ( أي في أنواره الباطنه ) فقد روى صاحب الحلية عن سيدنا الإمام جعفر الصاق رضوان الله تعالى عليه انه قال: (من عاش في ظاهر الرسول فهو سني ومن عاش في باطن الرسول فهو صوفي) اللهم حققنا بهذا العطاء بحقه صلى الله عليه وسلم .

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

- الحكمة الموفية تمام الأربعين بعد المئة :المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثْنَى عليه بوصف لا يشهده من نفسه

الحكمة الموفية تمام الأربعين بعد المئة :
المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثْنَى عليه بوصف لا يشهده من نفسه

المراد هنا بالمؤمن، من كان إيمانه بالله هو القائد له في حياته وسلوكه، لا الذي يصدق عليه في الحكم القضائي أنه مؤمن.

فهذا المؤمن الذي يعنيه ابن عطاء الله، يرى الفضل في كل مكرمة يتصف بها أو طاعة يتقرب بها إلى الله، عائداً إلى من هو مصدر كل نعمة وإلى من بيده كل مكرمة وتوفيق، ألا وهو المنعم المتفضل جل جلاله. ولا ينسب من ذلك كله إلى نفسه إلا الشعور بثقل المنة الإلهية عليه.

فإذا تلقى المؤمن مدحاً من زيدٍ من الناس له، وعاد بهذا الذي مُدِحَ به إلى نفسه وواقع حاله، فهو إما أن يرى الوصف الذي مُدح به موجوداً لديه مطابقاً لواقع حاله، وإما أن يرى نفسه عارية عما وصفت به فقيرة إلى هذا الذي نسب إليه.

ففي الحالة الأولى لا بدّ أن يستبدّ به الخجل والحياء من الله تعالى، إذ مدحه المادحون بشيء تفضل الله به عليه دون أن يكون له في ذلك سعي ولا جهد ولا حول ولا قوة. فهو يرى نفسه أشبه ما يكون بفقير لا يملك شيئاً، أعطاه أحد الأغنياء مالاً وكلفه أن ينوب عنه فيقيم به وليمة يدعو إليها أمثاله من المحتاجين، فأثنوا عليه بذلك ومدحوه بالسخاء والكرم والبذل، جاهلين الحقيقة. والغني الذي أعطاه المال، وكلفه بهذا الذي قام به، يسمع مدحهم له وشكرهم على بذله وإكرامه. إن مما لا ريب فيه أن مشاعر الحياء تتلبس هذا الفقير المسكين من فرقه إلى قدمه. إذ يرى نفسه ممدوحاً بما ليس له أي فضل فيه ويعلم أن الذي يستحق كل ذلك الثناء والحمد إنما هو ذلك الذي أعطاه المال وكلفه بالدعوة والإطعام.

فهذا هو شأن المؤمن الصادق في إيمانه، إذ يمدحه المادحون بما يعلم أن المتفضل عليه بذلك هو الله.. هذا في الحالة الأولى.

أما في الحالة الثانية، وهي أن ينظر هذا الممدوح فيجد أن واقع حاله وخفيّ أمره على نقيض ما يظنه المادحون، فلا بدّ أن يكون حياؤه من الله أشد. إذ هو يعلم أنه مبتلىً بنقيض ما يمدحونه به، ولكن الله تفضل عليه فستر عن الناس هذا الذي ابتلي به، فغابت عنهم حقيقة أمره، وخفيت عنهم نقائصه وعيوبه، فلم يجدوا في ظاهر حاله إلا نقيض تلك النقائص والعيوب التي يعاني منها. فكيف لا يشتد حياؤه من الله تعالى إذ يمدحه الناس وقد كان الأحرى به أن يُذَمّ، وهو يعلم أن الله يراقبه ويعلم خفايا أمره وحقيقة حاله؟

إذن فالمؤمن الحق يرى في الحالتين أنه ليس أهلاً للمدح أو الثناء، إذ إن الفضائل التي يمدح لسببها إما أن تكون مفقودة في الحقيقة، وإنما ستر الله سوء حاله عن الناس فأثنوا عليه لما حسبوا أنه موجود فيه، وإما أن تكون موجودة ولكن المتفضل عليه بها إنما هو الله عز وجل، فليس في تمتعه بها جهد ولا حول ولا قوة، فهو في كلا الحالين يشعر بالخجل والحياء من الله عز وجل.

أما الذي يمدحه الناس فيزهى بمدحهم له، فهو غير مؤمن بالله حق الإيمان، إذ لو آمن به لعلم أن المتفضل عليه في كل شيء هو الله، وأن لا حول ولا قوة له إلّا به، ولعلم أن الناس إن كانوا محجوبين عن معرفة حقيقة حاله وخفايا أمره، فإن الله يرى خفاياه هذه، وصدق الله القائل: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13/67-14]، ففيم يُزهَى إذن بشيء إن وجد ليس هو مالكه، وإن فقد فهو ليس أهلاً لما مدح من أجله، غير أن غيابه عن معرفة الله ومراقبته، يغريه بتصديق ما يقال عنه، ويحمله على التشبع بما ليسي فيه، وأنى له -وهو تائه عن مراقبة الله له- أن يتوجس خيفة من أن يحيق به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المتشبع بما ليس فيه، كلابس ثوبي زور)) [الحديث متفق عليه من حديث أسماء، ومن حديث عائشة رضي الله عنهما، وفي كثير من الروايات: ((المتشبع بما لم يُعط.. ))]؟.

- الحكمة الحادية والأربعون بعد المئة :أجهل الناس من ترك يقين ما عنده ، لظنّ ما عند الناس

الحكمة الحادية والأربعون بعد المئة :
أجهل الناس من ترك يقين ما عنده ، لظنّ ما عند الناس
وهذه أيضاً من ذيول الحكمة التي فصلت القول في شرحها من قبل.
وقد عالج ابن عطاء الله هذا الموضوع بسلسلة من أربع حكم متوالية رُتِّبَ اللاحقُ من كل منها على السابق منها. وذلك نظرً إلى أهمية الموضوع وعلاقته المباشرة بالتوحيد.
والشيء الذي يضيفه ابن عطاء الله هنا، يتمثل في بيان الحقيقة التالية:
ما يعلمه الإنسان من نفسه وأحوالها، يرقى إلى درجة اليقين، ولا تخضع هذه الحقيقة التي يعلمها كل منا لأي نقاش. ومن ثم فإنها لا تحتاج إلى رسم أي دليل.
أمّا ما يراه أو يفهمه من واقع الآخرين وأحوالهم، فلا يتجاوز، في أرقى درجاته، الظن. ذلك لأن معارف الإنسان عن غيره من الناس، لا تتجاوز ما قد تبصّره به عيناه، أو ما قد يتسرب إلى سمعه، وإنما يدرك كل من السمع والبصر، من شؤون الآخرين وأحوالهم، الظاهر المرئي أو المسموع فقط.
والظاهر ليس دائماً عنواناً للباطن، بل كثيراً ما يكون مخالفاً أو مناقضاً له. ومن ثم فقد كانت معارف الإنسان عما تنطوي عليه أحوال الآخرين وشؤونهم، لا تتجاوز في أرقى ما تستند إليه من الدلائل، الظن.
فإذا سمعت ثناء شخص ما عليك، فهو إنما يعتمد في ثنائه هذا على الظاهر الذي تبدّى له منك، وهو كما قلت لك لا يورث صاحبه أكثر من الظن. ولا ريب أنك عندما تعود إلى سريرتك وخبيئة نفسك، وتتبين بمعرفتك اليقينية ما يخالف الصفات التي يثني بها ذلك الشخص عليك، تدرك جهله بحالك، وانخداعه بظاهر ما تجلّى له منك، والمفروض عندئذ ألا تقيم لكلامه، أي لثنائه الذي يثني به عليك أي وزن، ولو أنك حفلت بكلامه، ووضعت حديثه عنك موضع اليقين من عقلك أو نفسك، ناسياً أو متجاهلاً نقيضه الذي تعلمه يقيناً من نفسك، فإن ذلك من الجهالة بل من السفاهة والحمق بمكان.
فإن الجاهل بالرياضيات مثلاً، لا يتحول إلى عالم بها، لمجرد وهم سرى إلى بعض من رآه فأثنى عليه بمعرفته لها وتضلعه فيها. ولو أن هذا الجاهل سمع ثناء هذا المتوهم، فصدّقه وأيقن في نفسه أنه خبير في هذا الفن، ذاهلاً عن جهالته التي يتيقنها من نفسه، فلا ريب أنه من الحمق أو السذاجة بمكان.
كذلكم الشأن فيمن يثني عليك بالصلاح والتقوى، أو الورع والزهد، أو الإخلاص لله في التوجه والسلوك، وأنت تعلم، بالرجوع إلى ما تنطوي عليه نفسك أنك مبتلى بكثير من الشوائب التي تفسد عليك هذه الصفات التي ينعتك بها الناعتون، فإن مقتضى التعامل مع العقل وميزانه، أن تشفق على جهل هؤلاء الناس بك، واغترارهم بظاهر أمرك، وأن تعود إلى نفسك بالتقريع والتأنيب للسوء الذي تنطوي عليه، والذي لو كشف الله عنه سجاف ستره لتحول مدح المادحين لك إلى ازدراء واشمئزاز.
فانظر كم هو جهول ذاك الذي يذهله المديح الباطل عن عيوبه ونقائصه فيصدق وهم الجاهلين به، وينكر علمه اليقيني بواقع حاله.
وإنه ليذكرني هذا بما رووه عن أشعب أنه أراد أن يردّ عنه جمعاً من الفضوليين والسفهاء أحدقوا به، يحاورونه ويمازحونه، فأخبرهم أن في تلك الدار التي تلوح لهم عن بُعدٍ وليمة مفتوحة، بُسط فيها ما لذّ وطاب من الطعام والحلوى، فلم يرتابوا في صدقه، واتجهوا يؤمّون الدار التي أشار لهم إليها، وما إن ابتعدوا عنه وغابوا عن بصره، حتى داخله الوهم بأن ما قد أخبرهم به حقيقة،فأسرع يشدّ نفسه لحاقاً بهم، قبل أن يتناهبوا الطعام فلا يبقى له منه شيء!..
ومهما يكن، فإن في الناس أشخاصاً تكامل نسيج شخصية كل منهم، مما قد تلقاه من ثناء الناس عليه ومدحهم له.. سمعهم يتحدثون عن غزير علمه وسعة معارفه، فلم يشك أنه كذلك، وسمعهم يعجبون بتواضعه، فوقر في نفسه أنهم لم يخطئوا الصواب، وبلغهم أنهم يثنون على صلاحه وتقواه، فعاد إلى نفسه ليكتشف فيها عن طريقهم هذه الصفة، وتناهى إليه ثناؤهم على زهده وسخائه، فتأكد لديه أنه كما يقولون!..
فكان من عاقبة ذلك أنّ من لم يعرف فيه هذه الصفات، أو ارتاب في اتصافه بها، كان مسيئاً إليه في يقينه إذ أنكر جميل مآثره، وحميد صفاته.
وهو لو حجب نفسه عن حديث الناس عنه ومدحهم له، وعاد إلى ما يعرفه من ذاته وواقع حاله، لما كوّن شخصيته من نسيج أوهامهم التي امتدحوه على أساسها.
بقي أنك قد تقول: كما أن في الناس من يخطئون في المدح والثناء، ففيهم أيضاً من يخطئ في القدح والاتهام، فلماذا أفرد ابن عطاء الله الحالة الأولى بالتنبيه والمعالجة؟
والجواب أن انتقاد الناقدين لك، أو انتقاص المنتقصين لك، ينطوي في كل الأحوال على ما هو خير لك، وإذا صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: رحم الله امرأً أهدى إلى عمر عيوبه، فإن كلاً منا أولى منه بهذا الكلام.
ومن كان على بينة من نقائصه وعيوبه والشوائب النفسية التي تهيمن عليه، لم يشك في صدق المنتقدين أو المنتقصين له، بل لعله يشكرهم على ذلك قائلاً: عرفتَ شيئاً وغابت عنك أشياء.

الحكم العطائية 42 :إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل، فأثن عليه بما هو أهله


الحكمة الثانية والأربعون بعد المئة :
إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل، فأثن عليه بما هو أهله
هذه تتمة الحكم الأربع التي يتناول من خلالها ابن عطاء الله، ثناء الناس عليك، ويبين فيها الموقف الذي ينبغي أن تقفه من ذلك، والمعنى الذي يجب أن تدركه من هذا الثناء، والسبل التي ينبغي أن تتخذها لتتقي بها مغبة ثنائهم عليك.

والمعنى الجديد الذي تضيفه هذه الحكمة إلى المعاني الثلاثة التي قبلها، هو أنك إذا رأيت أن الله قد أطلق ألسنة الناس بالثناء عليك، وأنت لست أهلاً لذلك، كما قد علمت، فما عليك إلا أن تتجه بالثناء على الله الذي هو أهل للمحامد كلها.

ذلك لأنه لم يطلق ألسنة الناس بالثناء عليك، على الرغم من أنك لست أهلاً لذلك، إلّا لأنه عز وجلّ أحب أن يستر قبائحك ويخفيها عنهم، وأن ينشر فيهم ما قد يتصورونه مزايا لك.

وهذا من مقتضى صفات لطفه وصفحه وكرمه، إذن فالفضل ليس للناس الذين خفيت عنهم قبائحك وعيوبك، فأثنوا عليك بما رأوه أو حسبوه فيك من المزايا والمكرمات، وإنما الفضل كله لمن ستر عن الناس قبائحك وعيوبك وهي كثيرة، وأبرز لهم في مكانها مزاياك، وهي، إن صدقت، قليلة..

إذن، فلتغيبك هذه الحقيقة عن الناس الذين يمدحونك ويثنون عليك، ولتشهد بدلاً عنهم مولاك الذي تفضل عليك، فأخفى عن الناس معايبك وأطلق ألسنتهم بالثناء عليك. وهذا معنى من معاني ثنائه جل جلاله عليك.

وعندئذ لا بدّ أن ينطلق لسانك بالثناء على الله بما هو أهل له، إذ ستر قبائحك ثم أثنى عليك بما لست أهلاً له.

فتأمل فرق ما بين إنسان يراقب الله تعالى ويعلم أنه المسير والمحرك والملهم، وإنسان غافل عن الله تعالى يرى الصور والمظاهر فيقف عندها ويُسجن في أقطارها.. ذاك يغيب عن نفسه وعن حديث الناس عنه وعن ثنائهم عليه، مستغرقاً في شهود الله تعالى، فينسب كل شيء إليه ويخصه هو بالشكر له والثناء عليه. وهذا يزداد بما يسمع ويرى غفلة عن الله وغياباً عنه، ويعود إلى نفسه مزهوّاً بها، ولا يساوره الشك في أنه، كما يقولون عنه، يتمتع بما يجعله أهلاً للثناء الذي يتلقاه.

ذاك يزيده الثناء عبودية لله، واعترافاً بتقصيره وعجزه وسوء حاله، ومن ثم يزيده الثناء توحيداً لله وقرباً منه. وهذا يزيده الثناء اعتداداً بنفسه وذهولاً عن قبائحه، وإعراضاً عن ربه، ومن ثم يزيده الثناء وقوعاً في براثن الشرك، وقد علمت أن الشرك أنواع كثيرة، يجمعها كلها وصف واحد، وهو أنها تحيل الإيمان بالله إلى مظاهر يتجمل بها اللسان وتزدهي بها الأعضاء، ثم لا حَظَّ للمشاعر والفؤاد منه، وصدق الله القائل: {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106/12].

_ الحكمة الثالثة والأربعون بعد المئة :الزهاد إذا مُدحوا انقبضوا،

الحكمة الثالثة والأربعون بعد المئة :
الزهاد إذا مُدحوا انقبضوا، لشهودهم الثناء من الخلق، والعارفون إذا مُدحوا انبسطوا، لشهودهم ذلك من الملك الحق

أبدأ فأذكرك بما قلته لك في تعريف ((العارف)) في شرحي للحكمة الخامسة والسبعين، قلت: ((العارف من بلغ من توحيده لله وتوكله على الله وتفويضه إلى الله، درجة تفنى فيها إرادته فيما يريده الله، وتنطوي فيها الأسباب تحت سلطان الله، وتذوب فيها المشهودات في وهج من شهود الله)).

والزاهد من عزفت نفسه عن الدنيا، كما قال ذلك عن نفسه الحارث بن مالك، في الحديث الذي مرّ بك في شرح الحكمة الثانية والخمسين.

ومن خلال النظر في هذين التعريفين تدرك أن بين الزاهد والعارف عموماً وخصوصاً مطلقاً، ذلك لأن كل عارف زاهد، ولكن ليس كل زاهد عارفاً بالضرورة، فالزاهد إذناً عام دائماً إذ هو يشمل العرف وغيره ممن تحقق فيه معنى الزهد، والعارف خاص دائماً إذ هو لا يكون إلّا زاهداً.

إذا تبين لك هذا، فاعلم أن مراد ابن عطاء الله بالزهاد هنا من لم يصلوا إلى درجة العرفان، حسب التعريف الذي ذكرته لك.

أي مراده بالزهاد هنا من عزفت نفوسهم عن الدنيا، ولكنهم لم يبلغوا تلك الدرجة التي فنيت فيها إرادتهم وطويت فيما يريده الله، وغابت عنهم الأسباب تحت سلطان المسبب الذي لم يعودوا يشهدوا سواه.

فهؤلاء الزهاد إذا مُدحوا انقبضوا، أي ضاقوا ذرعاً بمدح الناس لهم. ذلك لأن علاقتهم بعالم الأسباب قائمة ومستمرة، ومن ثم فإن إرادتهم ورغباتهم هي التي تقودهم إلى السلوك، وعزوف أنفسهم عن الدنيا لا يعني غيابهم أو انصرافهم عن التعامل معها.

ورب زاهد في الدنيا يظل يمارس تخوفه منها، ويستديم عزوفه عنها عن طريق الحذر من مغرياتها ومكائدها، والشأن فيه أن يقيم علاقاته مع الناس ويمدّ جسور التعامل والتعاون معهم، يحسب لتصرفاتهم حساباً ويقيم لأفكارهم وأحكامهم وزناً، مع الحذر منهم على نفسه والحيطة لدينه.

فإذا تلقى أحدهم من الناس ثناء عليه لما قد رأوه من حسن سيرته أو دلائل عفته وزهده، أو لغير ذلك من المزايا المحببة، غاب عن شعوره الملهِمُ الذي أوحى إلى عباده بأن يتوجهوا إليه بهذا الثناء، إذ إن شعوره لا يزال محاطاً بعالم الأسباب وصورها، فيرى أن هذا الثناء الذي يتلقاه من الناس إنما هو فتنة له، وأنهم إنما يثنون عليه لما يرون من ظاهر أمره، ويجهلونه من خفي أحواله، فينقبض لذلك ويستوحش من هذا الذي يتحدث به الناس عنه.

أما العارفون -وقد عرفت صفاتهم- فإنهم لا يتلقون ثناء الناس عليهم، على أنه صادر من رؤاهم وأفكارهم، وإنما يتلقونه ثناء آتياً إليهم من الله عز وجل. إذ إن الأسباب الكونية كلها مطوية عن شهودهم. ومن ثم فإنهم لا يشعرون بما قد يبعث في نفوسهم ضيقاً أو انزعاجاً من ذلك، كيف وهم لا يرون ذلك آتياً إلا من عند الله عز وجل؟
والسؤال الذي ينبعث من هذا الذي يقرره ابن عطاء الله، هو: أليس الرضا عن ثناء الناس ومدحهم مصدر زهو وإعجاب أو أثراً من آثارهما؟
وكيف يتفق هذا مع ما قاله من قبل: ((المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه))، ومع قوله: ((أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس)).

والجواب عن الشطر الأول من السؤال: إن الإعجاب أو الزهوّ بالثناء إنما هو شأن من غاب عن شهود الله، بملاحظة ذاته والاهتمام بنفسه وتخيّل أنها ذات فاعلية، وأن إليها الفضل فيما قد يصدر عنها من صالح الأعمال. وقد علمت أن العارف هو ذاك الذي غاب عن نفسه وفنيت إرادته فيما يريده الله عز وجل، فمن أين يتسرب إليه الإعجاب بنفسه لثناء الناس عليه، وهو ذاهل بل غافل عن نفسه بشهود الله؟
إن مصدر أنسه أو انبساطه بالثناء الذي يتلقاه، إنما هو سروره بما دل على رضا الله بقطع النظر عن نفسه أو حاله التي هو غائب عنها.

أما الجواب عن الشطرالثاني من هذا السؤال، فهو أن حياء العارف من الله تعالى أن يُثنى عليه بما لا يراه أهلاً له، لا يتنافى مع سروره بهذا الثناء، عندما يغيب شخص المثني عليه ويرى الثناء آتياً إليه من الله عز وجل.

فالسرور إنما هو لما دل على رضا الله عنه، بقطع النظر عن كونه أهلاً له أم لا، والحياء إنما هو لما يعلم من تقصيره في القيام بحقوق ربه، والعارفون أكثر الناس يقيناً بتقصيرهم في النهوض بحقوق الله عليهم.

ولقد تلقى العشرة المبشرون بالجنة، من تلك البشارة ما أبهجهم وأدخل إلى أفئدتهم السرور، ولكن ذلك لم يكن ليحجبهم عن شعورهم بعظيم تقصيرهم في القيام بحقوق الله وفي أن الله إنما تجاوز عنهم ذلك كله تفضلاً منه وإحساناً. ولا ريب أن من شأن ذلك أن يملأ أفئدتهم إلى جانب السرور بمغفرته وكرمه، بالحياء الشديد منه، بل بالخوف أيضاً من أن يصدر عنهم من السوء والتقصير ما يحيل صفح الله عنهم وعفوه إلى عقوبة ونكال.

وأما أن ((أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس)) فذلك ينطبق على الزهاد الذين يرون أن الثناء آت إليهم من الخلق لا من الخالق. فالشأن فيهم أن يعودوا إلى اليقين الذي يعرفونه من أنفسهم، وألّا يخدعوا بالظنون التي يعتمد عليها المادحون لهم.

أما أولئك الذين يرون فاعلية واحدة في الكون كله، تذوب وتنمحي فيها صور الأسباب وعلاقة ما بينها وبين المسببات، ألا وهي فاعلية الله وسلطانه، فقد علمت أنهم إذا سمعوا الثناء عليهم، لا يتلقونه من الناس، وإن بدا أنه كذلك، وإنما يتلقونه من الله إذ أنطق عباده بما ألهمهم إياه، ولا بدَّ أن يثقوا عندئذ بالثناء الذي يتلقونه أكثر من ثقتهم بما يعرفونه من أنفسهم.

ومن أوضح الأدلة على هذا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض... )) [رواه مسلم من حديث أو هريرة].

ثم إن لهذا الكلام بسطاً لا بدَّ من عرضه بالقدر الذي يزيل عنه اللبس.

إن مما لا ريب فيه أنك لا تتلقى ثناء من أحدٍ عليك، إلا بإلهام من الله له أن يثني عليك، ولو داخلتك ريبة في ذلك لما كنت متشبعاً بعقيدة التوحيد التي هي الدعامة الأولى للإيمان.

ولكن ربما كان هذا الإلهام الآتي من الله عز وجل، فتنة لك، أي منزلقاً إلى هاوية العجب والاستكبار والاعتداد بالنفس، وربما كان تحبباً إليك وثمرة حبه لك.

والمؤشر الذي يفَرِّق بين كلا هذين الاحتمالين اللذين قد تتعرض لهما، يتمثل في الرجوع إلى نفسك وحالك.

فإن كنت صاحب اعتداد بنفسك وإعجاب بشأنك، وكانت لك زلّات وانحرافات عن صراط الله وتعاليمه، فاعلم أن ما تلقيته من الثناء فتنة لك، فكن على حذر منه، وإياك أن تستسلم له فتزلّ منك القدم، وتهوي إلى وادي الضيعة والهلاك.

وإن كنت بحمد الله وتوفيقه لا ترى لنفسك حولاً ولا قوة، ولا قدرة على نفع ولا عصمة من ضعف، موقناً أنك في قبضة الله وحكمه هو المتصرف بك وهو الموفق لك. فلك أن تستبشر بالثناء الذي تتلقاه، موقناً أنه من مؤشرات حب الله لك وتحببه إليك.

ولن يكون في استبشارك هذا أي خطر عليك، لأنك موقن بأن المتفضل عليك بالثناء وأسبابه هو الله، ليس لك في شيء من ذلك أي جهد ذاتي أو فضل شخصي. هو الذي وفقك، وهو الذي أثنى عليك بما قد وفقك إليه، فلا جرم أن هذا يزيدك استغراقاً في شكره ويزيدك محواً عن نفسك.

فانظر، من أي الفريقين أنت. وعندئذ تستطيع أن تنسب نفسك إلى من سماهم ابن عطاء الله بالزهاد، أو أن تنسب نفسك إلى من سماهم العارفين، وأعيذك بالله أن تكون من أي فريق ثالث.

ولكن لا تنس أن عنوان كونك من العارفين أن تعلم أنك لا شيء، ومن ثم فأنت لا تملك شيئاً، ولا يتأتى منك شيء ولا تنسب إلى نفسك أي شيء، وبكلمة موجزة: أن تغيب عن نفسك في شهود الله عز وجل، وأن تنمحي إرادتك في سلطان حكمه وإرادته.

وعندما تكون كذلك، تكون من العارفين، دون أن تشعر أنك منهم.

_ الحكمة الرابعة والأربعون بعد المئة :متى كنت إذا أُعْطيت بسطك العطاء

الحكمة الرابعة والأربعون بعد المئة :
متى كنت إذا أُعْطيت بسطك العطاء، وإذا مُنِعْت قبضك المنع، فاستدلّ بذلك على ثبوت طفوليتك ، وعدم صدقك في عبوديتك

لعل المراد بالعطاء هنا، النعم والمنح الدنيوية على اختلافها إذ يتفضل الله بها على العبد، والمراد بالمنع حجب هذه النعم أو بعضها عنه.

إذ لو فُسّر العطاء والمنع بما يشمل المنح الأخروية والنعم الدينية، كالتوفيق لمزيد من الطاعات والقربات، لأشكل الحكم الذي رتبه على كل منهما ابن عطاء الله.

فمن رأى نفسه مؤيداً بتوفيق الله عز وجل للنهوض بالطاعات وأداء القربات على وجهها السليم وبقصد سليم، لا بدَّ أن يستبشر لذلك وأن يفرح بمصاحبة هذا التوفيق الإلهي له. وهذا هو البسط بعينه، ومن رأى نفسه مبتلى بالمحرمات والآفات، لا بدّ أن يضيق منه الصدر لذلك وأن تأخذ مخافة الله أو الحياء منه بمجامع نفسه، وهذا هو القبض بعينه، وكل من القبض والبسط هنا من مقتضيات صدق الإيمان بالله وكمال المراقبة له.

لا جرم إذن أن المراد بكل من العطاء والمنع ما يتعلق بشؤون الدنيا ونعمها وخيراتها.

فالمسلم الذي إذا رأى نعم الدنيا تتوارد عليه، استبشر وفرح وظن في نفسه أنه إذن من المقربين إلى الله، وأنه من هذه النعم أمام الدليل على رضا الله عنه، والذي إذا رأى هذه النعم تفوته وتتأبى عليه، ضاق ونال منه الكرب إما لفوات حظه الذي يطمع به من الدنيا، أو لما قد يوهمه ذلك من أنه أمام الدليل على سخط الله عليه وغياب رضاه عنه، يعاني من ضعف في تفكيره وعجز في إدراكه، فهو كالطفل إذ يكون عقله محبوساً في نظره، إن رأى بين يديه ما يبهج العين، استبشر به، ولم يأبه لما وراءه ولا للذيول المنوطة به، وإن رأى أمامه ما يكدر العين مرآه، ويفقده بهجة نفسه ورغائب أهوائه، استوحش وضاق به ذرعاً، دون أن يتنبه إلى ما قد يحمله له في طياته من آمال مسعدة.

فهذه هي خلاصة ما تعنيه هذه الحكمة.

وهي في جملتيها حصيلة آيتين في كتاب الله تعالى، أما أولاهما، فقوله عز وجل: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58/10]، وأما الثانية فقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ} [البقرة: 155/2-157].

وتلتقي هاتان الآيتان على جامع مشترك يعبر عنه قول الله عز وجل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216/2].

فالآية الأولى تقرر أن الخير لا يكمن في مال تجمعه أو بناء تشيده، أو مزارع واسعة تملكها، أو متع وأهواء تحققها، فربما تهيأ لك ذلك كله ولم يزدك إلا كرباً وآلاماً وشقاء. وإنما يكمن الخير في أن يتجلى الله عليك تجلّي لطف ورحمة، فمنه تتفجر مشاعر الخير والأنس والسعادة، حتى وإن لم يتحقق لك من كل تلك المبتغيات المادية والمالية شيء.. كم من أناس اتسعت تجاراتهم وكثرت أموالهم، وتنامت ممتلكاتهم، فتزايدت معها في نفوسهم الهموم والكروب، وتكاثرت عليهم ألوان الرزايا والمصائب، دون أن يتبينوا أي موجبات لها، ومن ثم فلم يجدوا من سبيل للتخلص منها.. ولو أنهم تدبروا كلام الله ووقفوا بالتأمل عند مواعظه، لعلموا أن القلوب هي مصدر السرور والكآبة، وأنها بين أصبعين من أصابع الله، يتجلّى عليها بألطافه ورحماته فتفيض بمشاعر السرور، وينبعث فيها إلى الوجه عوامل الضحك والحبور، أو يتجلّى عليها بمقته وجبروته فتفيض بمشاعر الكآبة والهم، وينبعث منها إلى الوجه عوامل الغبرة والكرب، فلا الفقر أو العدم يستطيع أن يدخل شائبة كدر على النفس أو الوجه في الحالة الأولى، ولا المتع أو الأموال تستطيع أن تُدخل بارقة انتعاش عليها في الحالة الثانية، وصدق الله القائل عن ذاته العلية: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43/53] أي أضحك بإدخال مشاعر السرور إلى القلب، وأبكى بإدخال مشاعر الأسى والغموم إليها.

و أما الطائفة الثانية من الآيات، فهي تقرر هذا المعنى، بل هذه الحقيقة ذاتها، ولكن بنهج معاكس للطريقة السابقة إليها.

إنها تقرر أن ما يراه الإنسان مصائب في الظاهر، من الخوف والجوع ونقص في الأنفس والأموال والثمرات، هو ليس كذلك إلا فيما تتوهمه النفس وتتخيله الأهواء التي تفرّ دائماً منها إلى نقائضها.

وإنه ليس بين الإنسان الذي يتعرض لشيء من هذه الابتلاءات، وبين أن يستقبلها وقد عادت في مشاعره منناً ومنحاً ومبعث أمن وطمأنينة ورضاً، إلا أن يتعرض للنفحات الإلهية ولتجليات الرحمة الربانية، وإذا بمعنى المصيبة قد غاض منها وبظلال الوحشة قد غاب عنها، وعندئذ يستقبلها بقلب لا محل فيه للهم أو الكرب، لأنه فياض بالرضا عن الله منتش بمشاعر الثقة بحكمة الله ورحمته.

إذن لا تبحث عن سعادتك في العوامل والأسباب المادية التي تراها عيناك، بل ابحث عنها في أسباب رضا الله عنك ورحمته بك، فإذا انهمرت عليك الدنيا لا تنتظر أن يكون نعيمك وسرورك عن طريقها وبسببها، وإذا تسربت إليك المصائب، لا تتوهم أنها ستكون السبب في شقائك وآلامك. بل اعلم أن قلبك في كل الأحوال بيد الله، يبعث فيه مشاعر السرور والحبور عندما يشاء وكيفما يشاء، ويسرّب إليه عوامل الكآبة والحزن عندما يشاء وكيفما يشاء، وليست الأسباب الظاهرة التي تراها فتخدع بها إلا جنوداً تحت سلطان الله، يسخرها لما يريد، وهذا هو الذي يجعلك تُفاجأ بالخير والسرور منبعثاً مما توهمه سبباً للكآبة والشرور، وهو الذي يجعلك تُفاجأ بالضيق والهم منبعثاً مما تتوهمه سبباً للسعادة والنعمى، وصدق الله القائل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمْونَ} [البقرة: 216/2].

هذا كله من حيث الآثار الدنيوية لمظاهر العطاء والمنع، على حدّ تعبير ابن عطاء الله رحمه الله.

أما من حيث الآثار الدينية فالأمر أخطر من ذلك.

قد تنهمر عليك الدنيا بأصنافها، فتنة واستدراجاً لك، والشأن فيها عندئذ أن توردك المهالك، وتكون الدنيا عندئذ في إقبالها إليك أشبه ما تكون بشراب يغريك بريقه، ويلذّ في فمك طعمه، حتى إذا وصل منك إلى الجوف، تخبطت منه نفسك ونالك دُوار واهتاجت في جسمك منه آلام.

وأنت لا تدري على أي الوجهين أقبلت هذه الدنيا إليك؟ أَعَلى وجه المنة والإكرام، أم على وجه الاستدراج والابتلاء؟ لا جرم إذن أن سرورك بإقبالها دون أن تتأمل وتتبين الوجه الذي أقبلت به إليك، سذاجة كالتي يعاني منها الأطفال.

وليس لك أن تزكي نفسك من الشوائب، وتطمئن إلى أنها ما أقبلت إليك إلا على وجه الإكرام بها من الله لك، فإن تبرعك لنفسك بهذه الشهادة واطمئنانك إلى أنها نعمة أسديت لك وليست فتنة امتحنت بها، من أوضح الأدلة على أنها إنما أرسلت إليك على وجه الاستدراج، وأنها ليست إلا فتنة لك.

وقد ذكرت لك في مناسبة مرت أنه لما سيقت إلى عمر بن الخطاب في خلافته غنائم الفرس على أعقاب حرب القادسية، قال: ((اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي)) ثم بكى حتى رحمه من كان عنده.

فمن ذا الذي يملك أن يزكي نفسه من الشوائب، أمام فتنة المال، بعد عمر بن الخطاب، واتهامه نفسه بهذا الذي رأيت؟
هذا من حيث العطاء وإقبال الدنيا إليك.

أما من حيث المنع وإدبار الدنيا عنك، فما أكثر ما يكون هذا المنع، على اختلاف أنواعه وأشكاله، رسول خير إليك... كأن تكون مثقلاً ببعض الأوزار والتبعات، فيبتليك الله تعالى بنقص في المال أو بمرض في الجسم أو بموجب من موجبات الهم والغم، ليجعل لك منه كفارة لأوزارك وطهوراً لتبعاتك، وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر، يوم جاءه يقول مضطرباً خائفاً بعد نزول قول الله تعالى: {لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ  وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123/4]، كيف الفلاح بعد هذه الآية، فكل سوء عملناه سنجزى به؟ فقال له رسول الله: ((يغفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟)) قال: بلى، قال: ((فذلك ما تجزون به)).

إذن فكثيراً ما تكون الصورة عطاء والمضمون منعاً وابتلاء، وكثيراً ما تكون الصورة منعاً والمضمون عطاء وتكريماً، والعاقل هو الذي لا يجعل من نفسه أسيراً للشكل تائهاً عن المضمون.

وقد ذكر ابن عطاء الله هذا المعنى أو قريباً منه، في حكمة سابقة وهي قوله: ((ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك))، فعد إن شئت إلى ما قلته في شرحها، لتستكمل ما ينبغي أن تعلمه في هذا المعنى، والله المستعان.

_ الحكمة الخامسة والأربعون بعد المئة :إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك

الحكمة الخامسة والأربعون بعد المئة :
إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك ، فقد يكون ذلك آخر ذنب قدِّر عليك

كثيراً ما يتوب العاصي إلى الله، ويعزم على الاستقامة وعلى الإقلاع عن الذنوب، فتزلّ به القدم ثانية وتتغلب عليه نفسه وغرائزه، فيقع في المعصية من حيث لا يحتسب، فيتوب إلى الله ثانية، ويؤكد عزمه على الاستقامة على الرشد، ولكنه ما يلبث أن يعود إلى المعصية ثانية، تحت وطأة مشاعره الغريزية فيعود إلى التوبة بصدق وجد ويؤكد مرة أخرى إصراره على الاستقامة وعلى الابتعاد عن مطارح العصيان. ولكن نفسه الأمارة بالسوء تعود فتتغلب عليه.. ومع هذا التكرار الذي يتم نتيجة لتغلب النفس على صاحبها، يتسرب الشيطان إلى هذا التائب ليوسوس إليه بما يلي:
ها أنت أثبتَّ أن توبتك زائفة وأن وعودك كاذبة... فكن على يأس من صلاح حالك، وعلى يقين بأن توبتك هذه غير مقبولة؛ فخير لك أن تعود إلى شأنك الذي كنت عليه وأن تركن إلى حظوظك ورغائبك، كي لا تزج بنفسك في شقاءَيْ دنياك التي أنت فيها وآخرتك التي أنت مقبل عليها.

وهذه أخطر رقية يدخلها الشيطان في نفوس كثير من التائبين الذين وصفت لك حالهم.

فما العاصم من هذه الرقية الشيطانية؟
العاصم أن تعلم أن المعصية مهما تكررت، فعلاجها في كل مرة التوبة، فمهما تكررت المعصية وجاءت على أعقاب كل منها التوبة الصادقة، فإن المعصية تذوب وتنمحي في غمار عفو الله وصفحه.

ومصدر هذه الحقيقة التي ينبغي أن تعلمها آيات، وأحاديث.

أما الآيات فمن أبرزها وأوضحها دلالة على هذه الحقيقة قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135/3]، وقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ} [ق: 31/50-32] وكلمة ((أواب))صيغة مبالغة من آيب أي راجع، ولا يكون العبد كثير الرجوع إلى الله إلا إن كان كثير الشرود عنه.

وأما الأحاديث فمن أوضحها دلالة على هذه الحقيقة الحديث القدسي المتفق عليه: يقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يحكيه عن ربه: ((أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما يشاء)).

ومن أوضحها أيضاً دلالة على هذه الحقيقة ما رواه الترمذي، وحسّنه، من حديث أنس رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى، يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقُرابها مغفرة)).

فهذه النصوص من القرآن والسنة صريحة وقاطعة في الدلالة على أن العبد مهما عصى الله تعالى وتاب بعد كل معصية بصدق، وعزم على ألا يعود ثانية إلى المعصية، فإن توبته المتكررة التي تأتي على أعقاب معاصيه، تكون سبباً لعفو الله ومغفرته لها.. وإنما المهم أن تكون التوبة نصوحاً وأن يكون صادقاً فيها. أي ألّا تكون خطة يهدف صاحبها إلى جعلها غطاء أو أداة لمحو ما قد عزم عليه من المحرمات.

فاعتماداً على هذه الدلائل الثابتة والواضحة، يقول لك ابن عطاء الله: إذا وقع الذنب منك بعد توبة متكررة، فلا يبعثن ذلك الذنب في نفسك اليأس من قدرتك على الاستقامة، والإقلاع عن المعصية، مهما تكرر الذنب منك. فإنك لا تدري، لعل الذنب الذي تكرر صدوره منك يكون في علم الله آخر ذنب تتورط فيه.

وانظر إلى المعنى العميق الذي يرمي إليه ابن عطاء الله، إنه لا يبعث في نفسك الأمل القوي فقط بتوبة الله عليك ومغفرته لك مهما تكررت بل توالت منك الذنوب، بل إنه يبعث في نفسك الأمل أيضاً بأن تتحرر من الذنوب التي تعاني من الوقوع في أسرها، فإن تغلُّب النفس عليك في محاولاتك السابقة، ليس دليلاً على أنك ستظل في المستقبل أسيراً تحت سلطانها، فما أدراك -وأنت تتوب إلى الله بصدق وتسأله العون على الثبات- أنه لن يستجيب دعاءك، ولن يحررك من آفات نفسك؟ إن قياسك الغائب الذي هو المستقبل، على الشاهد الذي هو الحاضر والماضي، استدلال غير صحيح، فأنت لا تدري ما الذي سيأتي به الغد، وما الذي قدّره الله لك في المستقبل.

وكم في التائبين من صارعنهم نفوسهم فتغلبت عليهم دهراً من الزمن، ثم إن الله تداركهم بلطفه وتوفيقه فاستقاموا على سنن الرشد، وانجابت عنهم غوائل نفوسهم وتفتح الطريق أمامهم معبّداً إلى الله.

والمعنى التربوي الذي ينطوي عليه هذا الكلام، هو أنك إن وثقت بأن هذا الذنب الذي وقع منك هو آخر ذنب قدّر عليك، وأقبلت إلى الله مستبشراً بهذه الثقة، ثم اهتاجت بك النفس ودفعتك إلى العصيان ثانية، فما عليك إلا أن تتعامل مع هذه الثقة ثانية، فتستيقن أن هذه المعصية الثانية ربما كانت هي، لا التي قبلها، هي آخر المعاصي التي قدرت عليك.. فإن جذبت النفس الأمارة مرة أخرى إلى المعصية واستجبت لحكمها، فاستحضر هذه الثقة بالله مجدداً وأقبل إلى الله موقناً أن هذه هي المعصية الأخيرة في سلسلة المعاصي المقدرة عليك.

والعم أن ثمرة هذه الثقة المتجددة التي ينبّهنا ويدعونا إليها ابن عطاء الله تتمثل فيما يلي:
أولاً: ممارسة ما هو مطلوب من حسن الظن بالله، في كل الأحوال.

ثانياً: إبعاد ما ذكرته لك من وسوسة الشيطان إلى العاصي الذي يتكرر منه كل من التوبة والمعصية. فإن الأمل بتوفيق الله له إذا شعّ في جنبات نفسه، تنشّط لمجاهدتها، وتهيأ لمقاومة أهوائها.

ثالثاً: لن ينبعث اليأس في نفسه تحت وطأة معاصيه المتكررة، إذ قد أصبح له من الأمل في أن المعصية التي تورط فيها قد تكون آخر معصية قدرت عليه، ما يغالب باعث اليأس في نفسه فيغلبه.

بقي أن أذكرك بما سبق أن أوضحته لك من معنى القدر في مصطلح العقيدة الإسلامية، وأن أحذرك من الوهم الذي يسري اليوم إلى أذهان كثير من الناس، إذ يتوهمون أن القدر هو إجبار الله العبد على أمر ما من الطاعات أو المباحات أو المحرمات.

أذكرك بأن المراد بكلمة ((القدر)) في مصطلح العقيدة الإسلامية، علم الله بما سيصدر من العبد باختيار منه في الأمور الاختيارية، ودون اختيار منه في الأمور القسرية.

وربما تواردت كلمتا ((القضاء)) و ((القدر)) في التعبير عن هذا المعنى، فربما قالوا هذا أمر قضاه الله، وربما قالوا: هذا أمر قدّره الله، والمعنى المراد في الحالين أنه أمر سجله الله في مكنون علمه، فهو مما تعلق به علمه تعالى في الأزل. والعلم صفة كاشفة وليس صفة مؤثرة.

وإذا أردت الوقوف على تفصيل في هذا البحث، فارجع إلى ما كتبته عن ذلك في كتابي (كبرى اليقينيات الكونية) أو كتابي (الإنسان مسيّر أم مخير).

والمهم أن تعلم أن قول ابن عطاء الله في آخر هذه الحكمة ((.. قُدِّرَ عليك)) ليس معناه: حُكِمَ به عليك، فإن الله لا يحكم بالذنب على العبد، ولكن معناه: ثبت في علمه الأزليّ عنك.

_ الحكمة السادسة والأربعون بعد المئة : إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك،

الحكمة السادسة والأربعون بعد المئة :
إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك، وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه

إذا توجهت لتشهد ما يفد من الله إليك، رأيت نفسك في خضم بحر مائج لا شطآن ولا قرار له من نعم الله ومنحه.. من ذلك ما يفد إليك من العالم العلوي، كواكبه وأفلاكه ونظام سيره وخدماته النوعية العجيبة لك، ومن ذلك ما يفد إليك من الأرض التي تحتضنك وتعيش فوقها، من الناباتات والأقوات والأطعمة الكثيرة المتنوعة التي تنمو على وجهها، والذخر المتكاثر في داخلها، ونظامها الذي يجعلك تستقر فوقها والمياه المتفجرة في جنباتها.. ومن ذلك ما يقبل إليك من الجوّ الذي يعلوك ويحيط بك متمثلاً في الغلاف الجوي الخاضع لشروط استمرارية حياتك، والرياح الهابة من حولك والماضية مع السحب في أداء خدماتها الكثيرة المتنوعة لتحقيق المزيد من أسباب رغد عيشك. ومن ذلك النظام الدقيق والعجيب الساري في كل جزء، بل جزيئة في كيانك من فرقك إلى قدمك، محققاً لك شروط الحياة الآمنة، واقياً لها من سائر المخاوف والأخطار.

تلك عناوين مجملة لمصادر الرحمة الإلهية الوافدة منه إليك.

ولو أنك تجاوزت العناوين إلى التفاصيل الزاخرة تحتها، لاستغرق الحديث عن كل مصدر منها العمر كله.

تأمل فيما ينطوي عليه علم الفلك من الآلاء والنعم التي أكرم الله بها الإنسان ليجد أمنه وطمأنينته في الأرض وليتعامل مع الزمن على نحو يسعفه في إقامة معايشه، تجد نفسك أمام دنيا من النعم لا حد لها، داخل دنياك التي تتقلب فيها.

وتأمل فيما تنطوي عليه الأرض من عوامل استقرارها، والأسباب التي جعلت منها مهاداً، وأنواع الذخر الذي أُودِعَ لك في باطنها، ومظاهر الخير الذي تفجر لك في ظاهرها، وملايين الأنواع من النباتات المخضرة على وجهها، من كل ما هو قوت وألوان شتى من الأطعمة والفاكهة للأناسي. وما هو دواء وعلاج لكل ما قد يبتلى به الإنسان من الأمراض، وما هو غذاء صالح للأنعام، ثم تأمل في انحناءاتها الممتدة بحيث لا تواجهك منها أي حافة في أي من الجهات، وفي نوعي دورانها الدائبين حول ذاتها وحول الشمس، ثم عد فعدّد ما يمكن أن تحصيه من ذلك كله، من النعم العجيبة التي تدور على محور الخدمة الدائبة للإنسان، تجد نفسك أمام دنيا أخرى من النعم لا حدّ لها، تجوب داخل دنياك التي أقامك الله فيها.

ثم تأمل في جو السماء المحيط بك والذي يعلوك صاعداً، بدءاً من الغلاف الجوي وما فيه من مظاهر وأنواع الحماية لك، ووصولاً إلى ما وراء ذلك من الشهب والنيازك والقطع النارية الملتهبة، التي أقامك الله منها في وقاية تامة وحرز حصين، بأسباب ووسائل اسمها ((العلم)) ومسماها ((اللطف الإلهي بالعباد)). ثم حاول أن تحصي ما قد تراه في ذلك من مظاهر اللطف الإلهي والنعم الربانية التي تطوف هي الأخرى دائبة على خدمة الإنسان، تجد نفسك في مخاضة كبرى لا قعر لها ولا شطآن.

ثم عد إلى نفسك، وقم بسياحة علمية داخل ذاتك، بدءاً من مفرق رأسك، ومروراً بما دونه إلى أخمص قدمك، تجد نفسك أمام جرم صغير انطوى فيه العالم كله.. عالم من الخدمات التي لا يمكن أن تخضع لأي حساب أو حصر، كله ساهر على رعايتك مسؤول عن حمايتك، مكلف بتحقيق رغد عيشك.

وحصيلة القول: إذن أن الله تعالى أقام ملكوته الذي تراه من فوقك ومن تحتك ومن حولك خادماً لك أيها الإنسان، ومن ثم فهو أبلغ مظهر لرحمة الله بك وبالغ تكريمه لك، وحسبك بياناً لهذه الحقيقة هاتان الآيتان من كتاب الله عز وجل:
أولاهما قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} [إبراهيم: 34/14].

والأخرى قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي االْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70/17].

ولقد رأيت كلاماً عجيباً لحجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، يلفت فيه نظر القارئ إلى عينة صغيرة جداً من بحر النعم الإلهية، وفصّل القول في هذه العيّنة وإذ هي وحدها عالم من النعم لا يكاد يحيط الإنسان منه بحدّ، فكيف بك لو تجاوزت هذه العيّنة إلى عالم لا حدّ له، اسمه عالم النعم التي يجوب في أنحائها المترامية الإنسان دون شعور منه ولا إدراك.

ولقد وددت أن أنقل لك كلام الإمام الغزالي عن هذه ((العينة))، على طوله، ولكن رأيت أن من الأولى، لأكثر من سبب، أن أحيلك إلى كلامه هذا، في كتابه الإحياء، اقرأ، بأناة وصبر، ما كتبه في الجزء الرابع تحت عنوان: ((الطرف الثاني من أصناف النعم في خلق الإرادات)) ثم: ((الطرف الثالث في نعم الله تعالى في خلق القدرة وآلات الحركة)).

فما الذي ينتابك عندما تتأمل في كل هذه النعم والرحمات التي تفد إليك من الله عز وجل هابطة إليك من علياء سمائه أو صاعدة إليك من طوايا أرضه، أو مغروسة داخل كيانك؟
إن الذي ينتابك عندئذ، هو شعور غامر بأن الإنسان لن يفاجئه من الله إذا رحل إليه ووقف بين يديه يوم القيامة إلا الإكرام الوفير والإحسان الجزيل، إذ تلك هي سيرته في عباده وهذا هو نموذج شأنه معهم اليوم في دار الدنيا، ولا ريب أنه سيكون أكثر رحمة بهم وأكثر تفضلاً عليهم، في الحياة الآخرة.

وهذا هو معنى قول ابن عطاء الله في الشطر الأول من هذه الحكمة: ((إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك)).

هذا الذي قاله سليم ودقيق، فإن الذي يتأمل في مظاهر رعاية الله وحمايته له، من خلال الأجهزة المعقدة الكثيرة التي تعمل عملها الذي أقامها الله عليه داخل جسمه، يعلم أن الله أرأف بعبده هذا من رأفة الأم بوليدها، ومن ثم لا بدَّ أن يزدهر الرجاء بصفح الله وعفوه عن عباده الذين هذا هو شأنه اليوم في رعايته لهم وكلاءته إياهم. فكيف إذا تأمل في المظاهر والأنظمة الكونية الأخرى التي تطوف كلها حوله بالخدمة والعناية، بأمر من الله عز وجل لها بذلك؟

فأما إن توجهت لتشهد ما يفد منك إلى الله عز وجل، وتأملت ملياً في ذلك، فلسوف تجد ما يخجل.

لسوف تجد أن الله أخبرك بتكريمه لك عندما أسجد الملائكة لك في شخص أبيك آدم، وعندما طرد إبليس في سبيلك من جنته ورحمته، إذ استكبر عليك وأبى أن يسجد لك، ثم حذرك من أن تعصيه فيما قد ينصحك ويوصيك به، مؤثراً طاعة عدوّك هذا. ولكنك أعرضت عن نصائحه ووصاياه وعن مقتضيات تكريمه لك، واتخذت من إبليس الذي طرده الله من رحمته في سبيلك، وليّاً لك من دونه، يوسوس بخداعه إليك فتنقاد إليه ويأمرك بما يرديك فتستجيب له!..

وتقرأ أو تسمع بين الحين والآخر هذا العتاب الرقيق من الله لك على ذلك، إذ يقول: {وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50/18]... فتمضي مستمراً في انقيادك لأوامر عدوك هذا، وفي الإعراض عن وصايا إلهك الذي خلقك وكرّمك.

وتعود إلى النعم التي أسداها الله إليك، وإلى واجب شكرك له، في مثل قوله: {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152/2] تجد أنك قد انشغلت بالتمتع بنعمه عن التوجه إلى شكره!..

وتتأمل في حديثه لك عن الدنيا، وتحذيره لك من الاغترار بها والركون إليها، وفي تأكيداته لك بأنها في الحقيقة مجرد ظل زائل وبرق خلّب، وألق لا دوام له، وفي أمره لك باتخاذها بُلْغَةً توصلك إلى مرضاة الله ومطية توصلك إلى جنانه، لتعود إلى نفسك فترى كيف افتُتِنْتَ بها وركنْتَ إليها وألقيت عصا التسيار فيها شأن من يجزم بأنه مخلّد فيها لا حِوَل له عنها، ونسيت في غمار اهتمامك بها وسكونك إليها الوصايا التي أمرك الله بها والنهاية التي أنت آيل إليها.. وهكذا، عمرت دنياك التي حذرك الله من الاغترار بها بقصور الشهوات والأهواء، وخربت آخرتك التي حذرك الله من إهمالها بالركون إلى المعاصي والموبقات.

ألم يقل لك: {وَما هَذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64/29].

ألم يقل لك مؤكداً: {يا أَيُّها النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5/35].

ألم يقل لك محذراً: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً} [الإسراء: 18/17].

لعلك تقول: أما أنا فلقد عدت إلى العتاب الرباني الرقيق لمن يتخذون الشيطان ولياً لهم من دون الله تعالى، وعدت إلى الآيات التي يحذر الله فيها الناس من الركون إلى الدنيا ومن الاغترار بها، والتي يحذرهم فيها من إهمال وصاياه والإعراض عن أوامره وشرائعه. فوجدتُني متحرراً من ولاية الشيطان واتباعه، متسامياً عن الاغترار بالدنيا، مستجيباً لأوامر الله وشرائعه، شاكراً لعطاياه وأنعمه.

فاعلم أنك إن قلت هذا وكنت جاداً فيما تقول، فأنت إذن في مقدمة من نسوا أو تناسوا حقوق الله، وأوغلوا في اللحاق وراء شهواتهم وأهوائهم وركنوا إلى العاجل من دنياهم.. ليس في الناس كلهم نبي ولا رسول يزعم أنه قد أدى حقوق الله كاملة، وأنجز كل ما عليه من واجبات وتبعات، فضلاً عن الأولياء والصالحين، فضلاً عن أمثالنا من عامة الناس.. وإنما يزعم هذا من جهل أو تجاهل النعم التي طوق الله بها عنقه وغمر بها حياته، ومن ثم راح يدعي أنه قد أنجز سائر حقوق الله عليه، وهذه بحدّ ذاتها كبيرة من أشنع الكبائر، وقد مرّ بك بيان الدليل على ذلك.

أين أنت إذن من قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ دابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً} [فاطر: 45/35].

وقد حدثتك من قبل، في مناسبة مرت، عن الكرب الذي حاق بأصحاب رسول الله -وهم النخبة المتميزة من عباد الله الصالحين- عندما نزل قول الله تعالى:{لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123/4] وقول أبي بكر لرسول الله وقد جاءه مثقلاً بالهم: ما الخلاص بعد اليوم؟.

أفتكون أنت اليوم أصلح حالاً مع الله منهم؟
إن النعم التي أغدقها الله عليك أجلّ  وأكثر من أن تؤدي حق واحدة منها، وإن عشت تعبد الله العمر كله. كيف وإن عبادتك التي تنهض بها واحدة من نعم الله عليك!.. فكيف تمتنّ بما تفضل الله به عليك، على ذاته العلية، وتجعل من تفضله عليك أداء لسابغ حقه عليك؟..

عد إلى ذاتك وتأمل في عظيم فضل الله عليك، ثم انظر إلى تقصيرك في جنب الله وإهمالك لكثير من حقوقه عليك ومن الواجبات التي أنهضك إليها والآثام التي تورطت فيها، تجد أن ما يفد إلى الله منك مبعث للخوف من عقابه والحذر من حسابه.. أياً كنت ومهما أوهمتك نفسك أنك من الصالحين والمقربين.

ولكن، فما الموقف الذي يجب علينا اتخاذه؟ أن ننظر إلى ما يفد إلينا من الله، فنكون مع الرجاء والأمل بكرم الله وصفحه دائماً، أم ننظر إلى ما يفد إلى الله منا فنكون مع الخوف والحذر من عقاب الله دائماً؟
إن النهج التربوي الذي يأخذنا القرآن به، أن نخضع أنفسنا ومشاعرنا لمزيج من النظرتين دائماً، فنعيش عندئذ بين جاذبين متكافئين من الأمل بصفح الله وعفوه والخوف من عقاب الله وسطوته.

ألا ترى كيف يذكرك القرآن دائماً من مولاك جل جلاله بهاتين الصفتين؟ ألا ترى أنه لا يحدثك عما أعدّه للصالحين من عباده من مظاهر الصفح والتكريم إلا ويحدثك من قبل أو من بعد عما أعدّ للتائهين والضالين من النكال والعقاب.

ألا ترى كيف يصف االله الصالحين من عباده بأعلى صفات الاستقامة والالتزام بسائر الأوامر والآداب، فإذا تأملت فيها قلت متحسراً أين عملي من أعمالهم؟ وكيف يصف الآخرين بأسوأ أعمالهم المنكرة والقبيحة، فإذا تأملت فيها قلت متفائلاً: إنني لأرجو ألّا أكون منهم، ثم تعود لتتبين موقعك ومصيرك من الفريقين، فلا تجد نفسك إلا بين جاذبي الأمل برحمته والخوف من عقابه، وتلك هي التربية المثلى التي يأخذ الله بها عباده في قرآنه العظيم وكلامه القديم.

_ الحكمة السابعة والأربعون بعد المئة :ربّما أفادك في ليل القبض، ما لم تستفده في إشراق نهار البسط

الحكمة السابعة والأربعون بعد المئة :
ربّما أفادك في ليل القبض، ما لم تستفده في إشراق نهار البسط ، {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفَعاً}

يقول الإمام القشيري في رسالته، في تعريفه لكل من القبض والبسط: ((هما حالتان تعرضان بعد ترقي العبد عن حالتي الخوف والرجاء))
ثم ذكر الفرق بين كل من القبض والخوف والبسط والرجاء، فقال: ((إن الخوف إنما يكون من شيء في المستقبل، وكذلك الرجاء إنما يكون بتأمّل بمحبوب في المستقبل، وأما القبض فإنما يكون لمعنى حاصل في الوقت وكذلك البسط، فصاحب القبض والبسط أخيذ وقته، بواردٍ غلب عليه في عاجله)).

أقول: وإن المسلم أياً كانت درجته في سلّم الالتزام، معرّض لكل من هاتين الحالتين اللتين اصطلح القوم بتسميتهما: القبض والبسط، حسب هذا التعريف الذي ذكره الإمام القشيري.

فقد تعتريك على غير توقع حالة من الضيق والانكماش، تغيب فيها مشاعر الأنس من نفسك، وتنتشر في مكانها مشاعر الوحشة من كل ما قد يحيط بك، دون أن يكون الدافع إلى ذلك خوفاً من مآل أو توقعاً لعقاب، وربما أثر ذلك على ما قد تتمتع به في العادة، من لذة الحضور في الصلاة ومجالس الذكر ونحوها.

وقد تعتريك على غير توقع أيضاً حالة من السرور والانشراح يستخفك فيها الأنس، فلا ترى في كل ما يحيط بك إلا ما يبعث في نفسك الرضا والابتهاج أياً كانت حقيقته ومظهره. دون أن يكون الباعث إلى ذلك بشرى تلقيتها في آية مثلاً من كتاب الله، أو في حديث مفرح من كلام رسول الله.

ولا نجد تحليلاً لهاتين الحالتين وسبباً لتعرض الإنسان لكل منهما، إلا ما يقوله أكثر علماء هذا الشأن، من أنه لا يعدو أن يكون أثراً لتجلّي الله على فؤاد العبد، قد يتجلى عليه تجلّي لطف وجمال، فيستخفه الطرب وتسري في دخائله النشوة، فلا يبصر بعينيه إلا ما يبعث في نفسه مزيداً من البهجة والحبور، ولا يسمع بأذنيه من كل ما يطرق سمعه إلا أناشيد الحب وأنغام الصفاء.. وقد يتجلى الله عليه تجلّي سطوة وجلال، فيستوحش من الدنيا بكل ما فيها، ولا يبصر في كل ما حوله منها إلا ما هو مبعث هم وغم، ومهما تألقت أمامه المبهجات والمفرحات على اختلافها، فإنها لا تخفف شيئاً من الوحشة التي تطوف بنفسه.

وأنت تعلم أن الحديث هنا خاص بالمسلم، بل بالمسلم الملتزم الذي سلك طريق الوصول إلى الله، فلا جرم أنا لسنا معنيين هنا بما قد يعرض للتائهين والضالين من الناس أيضاً، من حالات السرور والكرب. إنها حالات خاصة أخرى لها أسبابها الدنيوية التي تناسب أحوالهم وتقلباتهم.

الآن، وقد عرفنا خلاصة لمعنى هاتين الحالتين اللتين تسميان القبض والبسط في مصطلح علماء السلوك، ينبغي أن نتلمس إجابة صحيحة عن السؤال التالي:
ما الحكمة في أن يتعرض السالك لهاتين الحالتين، الواحدة بعد الأخرى وأيهما خير له؟ وإذا كانت إحداهما خيراً له من الثانية، فلماذا لا تكون هذه الحالة المفضلة هي الملازمة له دائماً؟
والجواب أن أياً من هاتين الحالتين لا يصح أن توصف بأنها هي الخير للسالك دائماً، كما لا يصح أن توصف الأخرى بأنها شرٌّ له دائماً.

فالبسط إذا سيطر على نفس السالك، ولازمه دائماً، فإنه يوشك أن يخرجه من ضوابط الأدب مع الشرع، وأن ينسيه حقائق عبوديته لله، فيقع في ألوان من الشطط والشطح.

والقبض إذا احتل جوانب النفس، وغدا هو الملازم للسالك، ناله من ذلك هم قد يتحول بسبب الاستمرار إلى كرب فقنوط ويأس..

ولكن كلاً من الحالتين يعدّ علاجاً إذا وافق وقت الحاجة إليه، وإذا تأملت، تبينت حكمة الله تعالى في تعرض السالك للقبض في حالات، وللبسط في حالات أخرى.

ولما كانت حالة البسط، هي الأكثر انسجاماً مع الرغبة، وهي الأكثر دلالة -في الظاهر- على رضا الله عن العبد، إذ تكون في الغالب هي مبعث الحضور والخشوع والتجليات، في العبادات والأذكار، وهي العامل على الأنس بها والتلذذ بأدائها، ركز ابن عطاء الله على حالة القبض، ونبه إلى ما لا يتوقعه السالك من الفوائد التربوية التي فيها. فقال: ((ربما أفادك في ليل القبض، ما لم تستفده في إشراق نهار البسط)).

فما هي الفوائد التي يمكن أن ينالها السالك من حالات القبض إذ تهيمن عليه وتأخذ بمجامع نفسه؟
هي فوائد متنوعة، أشير إلى أهمها:
منها أن من شأن السالك إذ تهيمن عليه هذه الحالة، أن يعود إلى نفسه فيتهمها بما قد سبب له هذا القبض، من معصية، بل معاص، اجترحها، أو من غفلات عن الله استسلم لها، أو من شهوات عنّت له، فلاحقت فكره وراح يحدث نفسه بها. ولا ريب أن أياً من هذه العوارض، من شأنه إذا ران على النفس أن يبعث فيها بعض الضيق والكرب، وأن يحرمه إلى حين من صفاء المراقبة ولذة العبادة والإقبال على الله.

غير أن السالك قد يتعرض لهذه العوارض دون أن يتنبه إليها، أو دون أن يتنبه إلى أثرها في نفسه، فلا يوقظه إليها إلا هذا القبض إذ يعتريه، ويتلبث لديه إلى حين، وعندئذ، وتحت تأثير هذه الحالة التي يضيق بها، يضطر إلى أن يعود إلى نفسه فيتفحص شأنه ويتأمل فيما قد بدر منه، بل فيما قد حدثته به نفسه أيضاً، فإن عثر على شيء كان قد تورط فيه مما قد ضربت أمثلة به، استغفر الله وتاب وأكثر من الدعاء والالتجاء إليه أن يصفح عنه ويتجاوز عن ذنبه وتقصيره، وإن هو لم يعثر على شيء ولم يتذكر أنه قد تورط في معصية ما، فالمفروض أن يكون في هذه الحالة أكثر ألماً وإشفاقاً على نفسه، إذ يقدّر أن القسوة القلبية التي يعاني منها قد بلغت به مبلغاً جعله لا يحسّ بوقع المعاصي التي يتورط فيها، من ثم فهو لا يشعر بأنه عصى الله في أمر أو خالفه في نهي.

وفي كلا الحالين، فإن مقتضى حالة القبض هذه، أن تقوده إلى أعتاب الله، وأن تدفعه إلى الالتجاء إليه وطلب المغفرة منه، وأن تريه ذاته ضئيلاً ذليلاً، قد تاه الناس عن سوء حاله بالستر الذي أسبغه الله عليه.. وإذا بحالة القبض هذه جاءته خير علاج لأدوائه.

ومنها أن حالة القبض كثيراً ما تكون أكثر انسجاماً مع ما ينبغي أن يتحقق به السالك من سيما العبودية لله. وأقصد بسيما العبودية هنا أن يتبرأ العبد من أوهام حوله وقوته، ويعلم مستيقناً أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً ولا يستطيع أن يحقق لها نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.. إذ لو كان بوسعه أن يحقق لنفسه شيئاً من ذلك، لخلّص نفسه من هذا القبض الذي هيمن عليه وأخذ بمجامع نفسه، وهو له كاره.

لا جرم أن استقباله لهذه الحالة من حيث لا يريدها ولا يتوقعها، ولا يتبين مصدراص لها، من أبرز مظاهر عجزه ودلائل كونه لا يملك من أمر نفسه شيئاً.. ومن أوضح الدلائل على أن ناصيته بيد الله وعلى أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، يقلبه كما يشاء، وإنما العبودية أن يستسلم العبد لهذه الحقيقة بعد أن يدركها ويتبينها ماثلة في كيانه، ثم أن يفرّ من حقيقة عجزه هذا إلى الله يدعوه، لائذاً به، مستجيراً من ضعف نفسه بقوته وسلطانه، مستجدياً رحمته به وتوفيقه له.

وإنما الذي ينبه السالك إلى هذا، ثم يقوده إلى التبتل في هذا المحراب، حالة القبض هذه، إن لم أقل: دائماً، ففي كثير من الأحيان.

في حين أن البسط عرضة لدفع صاحبه إلى الذهول عن سوء حاله وعن مظاهر تقصيره في جنب الله عز وجل، بما هو منشغل به من مشاعر النشوة والزهو بتجليات الألطاف الإلهية عليه.

ولئن كانت حالة البسط هذه، لا خوف منها، على الربانيين والعارفين من عباد الله، لذهولهم بالله عن أنفسهم وما يمكن أن تعتريها أو تطوف بها من المشاعر، فإنها مصدر خوف كبير على السالكين الذين لم تتحرر أنفسهم بعد عن الشوائب والآفات.

إذن، فلا يوحشنك ليل القبض وإن اشتد ظلامه، فكم من ظلام ليل أسدل على مبهجات وعلى أسباب أنس. من أهمها هذه المبهجات التي حدثتك عنها. ولا تفرحنك إشراقة نهار  البسط، وإن سطع أمامك ألقه، فكم من ضياء نهار جاء عنواناً على ما تتحاشاه النفس من أنواع الكرب والبلاء.

بل علق نفسك وآمالك في كل الأحوال بكرم الله وصفحه، موقناً بأنه لو أسلمك إلى نفسك لهلكت، متفائلاً بأنه لن يسلمك إليها، بل سيكلؤك في كل أحوالك وتقلباتك بعين عنايته، وسيكرمك بالتوفيق لما يحبه مما فيه خير دنياك وآخرتك.

وعندئذ، لا القبض يخيفك ولا البسط يفرحك، إذ تكون حينئذ قد سموت إلى حالة أعلى من كل منهما، ألا وهي حالة الكينونة مع الله، مع التجرد كلياً من النفس والذات، والاستسلام لحكم الله فيك وقضائه عليك، وإعلان افتقارك الكلي إليه.

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

- علم تزكية النفوس



علم تزكية النفوس عند الامام المجدد السيد محمد ماضى ابو العزائم
وهذه هي المرتبة الثانية في منهج الإمام  لعلوم الرسالة الخمسة بعد تعلم علم الآيات ثم التدريب العملي عليها، والإمام يقول: (إذا زكت النفوس أشرقت عليها شموس القدوس، وتزكية النفوس قبل تلقي الدروس). والنفس إذا تزكت زكت، وإذا زكت أفلحت، والفلاح هو الفوز بجميع المقاصد الدنيوية والأخروية، قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (الأعلى:14) وقال سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) الشمس: ٩

لقد تكلم الكثير والكثير من العلماء بالله في عصورهم عن النفس وأمراضها وطرق تزكيتها، وذلك من باب أمر رسول الله ﴿ص وآله﴾ عندما عاد من غزوة من غزواته وقال: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس). وقد سار الإمام علي نهج من قبله، ولكنه بسط الأمر علي أهل عصره واختصر لهم الطريق. وما من كتاب من كتبه إلا وتكلم فيه عن النفوس وتزكيتها، وفي كل كتاب لون مخالف لما سبقه، وأفرد لذلك المقالات العديدة التي تحث علي ذلك، ولم يترك مريد الحق بدون أن يُوجدَ له العلاجَ وفي دائرة التحصين بحصون الأمن والأمان..

ووضع مفاهيم جديده لهذا العلمَ متمثلة في كتاب: (محكمة الصلح الكبري )، تلك الجامعة الكبيرة والحديثة التي تمثل منهج الإمام التربوي في علوم النفس، وتوج هذا العمل بمناهج السير والسلوك التي بثها في مواجيده المتعددة، وهي ما تعرف بمواجيد السير والسلوك.

بسّطَ الإمام الأمر، وأراد أن يختصر الكلام الصعب، وكذلك أن يخرج من دائرة الفلسفات التي لاتغني ولا تسمن من جوع، فشرح للمريد النفس وتطورها وترديها ليكون علي بينة من الأمر.. أن الإنسان مثنوي من حيث تركيبه، فهو مكون من: جسم ظاهر بجوارح، وحقيقة باطنة وهي ماتسمي بالحقيقة الروحانية. والحقيقة الروحانية أيضًا لها ظاهر وباطن، وهي ما يطلق عليها بالنفس، إذ أن المثنوية لا تفارق الإنسان حتى ولو كان في الجنة حتى ينفرد الله بالأحدية.

والجسم وهو الظاهر، مدته محدودة في الدنيا، وعند نداء الحقيقة الروحانية للخروج من الدنيا فإنها تترك الجسم وتعود. وقد يسر الله لعباده هذا الفهم في الدنيا عن طريق الرؤيا، فعند الإستغراق في النوم يبقي الهيكل أو الجسم في مكانه وتنطلق الحقيقة وتتجول، فلا تتقيد بالجسم، بل تكون في حالة إطلاق كامل ومبهر، فقد تتواجد في أماكن مختلفة وبعيدة عن بعضها في لحظات، وقد تطير في الهواء، وقد تمشي علي الماء، وقد تلتقي بالأحياء والأموات، وقد يكون من تلتقي بهم نائمين أو أيقاظًا، فهذا كله لا يختلف، والله سبحانه يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر:42) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند نومه ويعلمنا أن ندعو بهذا الدعاء قبل النوم: (باسمك ربي وضعت جنبي "عند النوم" وبك أرفعه "عند الاستيقاظ" إن أمسكت نفسي "أي أمتها أثناء النوم" فارحمها "أي في البرزخ" وإن أرسلتها "أي أعدتها إلى هيكلها ليستيقظ فاحفظها "في الدنيا" بما تحفظ به عبادك الصالحين.

ويبين الإمام أن الحقيقة الروحانية كانت قبل خلق جسم آدم في عالم الإطلاق سابحة في الملأ الأعلى، وقد شاهدت هذه الحقيقة جمال ربها وسمعت لذيذ كلامه في يوم "ألستُ بربكم" أو "يوم الذر"..

فقد تجلى لها الحق، فشهدت وسمعت، وعوهدت ووثقت وقالت (بَلَى شَهِدْنَا ) مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ )أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣ إلى آخر الآية.

ولما أراد الله إبراز كل حقيقة بحسب ظهورها علي مسرح الحياة الدنيا لازمت كل حقيقةروحانية هيكلها في عالم الأرحام واستترت به، فأصبح الهيكل بُرقُعًا وسِتارًا لها..

وهذا اليوم هو ما يعبر عنه بيوم بطن الأم من ضمن أيام الله ) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) إبراهيم: ٥.

ويبين الإمام أن النفس ظلّت (وهي اللطيفة النورانية الربانية) في صفائها وفي طُهرها، إذ أن أصلها صفاء في صفاء وطهر في طهر، إلى أن اتصلت بالهيكل العنصري الترابي.. وبعد أن امتزجت به اختلف أمرها، فقد تهادت من عليائها ونزلت إلى أرض المادة واتصلت بهيكل مادي لتظهر على مسرح الدنيا من خلاله، وهذا الهيكل المادي ظُلماني بطبيعته ويميل إلى أسفل، فما هو من الأرض فهو أرض، فحجب الهيكل الحقيقة الروحانية بظلمته، والله سبحانه وتعالى يقول: )ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) التين: ٤ - ٦.

ويوضح الإمام أنه بطول المدة، نسيت الحقيقة الروحانية عالمها الروحاني باختلاطها بالمادة والتراب فاحتاجت لمذكِّر، وهذا هو سر إرسال الرسل وبعث الأنبياء، قال تعالى لحبيبه المصطفي ﴿ ص وآله﴾: )وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذريات:55)، وقال جل شأنه )سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) (الأعلى:10) ، وقال تعالى ) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(ابراهيم: من الآية5)
وعندما يذكُرُ المذكِّر تتذكر الحقيقة الروحانية عالمها الروحي، وتذكر يوم ألست بما فيه من عهود ومواثيق، وما فيه من جمال وجلال وكمال، وما كانت عليه الحقائق في صفاء وطهر وعفاف.

ولما كانت كل نفس بعد الحياة الدنيا ستعود إلى أصلها في يوم البرزخ وترجع إلى العالم الذي قدمت منه والذي سترجع إليه (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّه) (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)، وأول خلق في الوجود هو المصطفي ﴿ ص وآله﴾، وأول خلق في الإنسان هو حقيقته الروحانية: احتاج الإنسان للمذكر في الحياة الدنيا، واحتاجت النفس لداع يدعوها للإيمان، فهي مؤمنة أصلاً ولكنها نسيت عهدها وميثاقها بسبب مُلابَسَتِها لهذا الهيكل الطيني والذي له مستلزمات ومتطلبات تختلف بالكلية عما تحتاجه الحقيقة الروحانية، ليبين لها طريق المجاهدة حتى تصفو وتعود إلى أصل فطرتها النورانية الصفائية وهي هنا في الدنيا، بعد أن أتاها ما عكر صفوها.

والنفس واحدة وقواها كثيرة، ولكن كل صفة من صفاتها تأخذ معان كثيرة، والمطلوب أن تكون هذه القوي في دائرة الخير. وهذه الصفات غير تنوع النفوس إلى نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية. ومثال لذلك أن إنساناً دخل المدرسة الابتدائية وحصل علي شهادتها فزادت معلوماته وتغيرت الصور الداخلية فيه حسب المعلومات التي وصل إليها، وهو واحد. ثم ترقي هذا الإنسان معنويًا بحصوله علي الشهادة الإعداية، وزاد ترقيه عندما أنهي المرحلة الثانوية، وازداد ذلك بحصوله علي البكالوريوس أو الليسانس، ثم الماجستير والدكتوراه. إن الحقائق التي ترقت في هذا الإنسان داخلية وليست خارجية، وقد أصبحت هذه القيم المعنوية العليا مجالاً في ارتقاء حقيقته الباطنة. وقد تكون هذه القيم المعنوية من علوم ظاهر الحياة الدنيا التي يشترك فيها المسلم وغير المسلم، وقد تكون بالإضافة لهذه العلوم علوم أهل الله وهي علوم الكتاب والسنة، وبعض العلوم الخاصة ولكنها خاصة المخصوصين لا يكرم بها إلا الصفوة من عباد الله ولا يذوق أذواقهم فيما علموه إلا من هو منهم من أهل الإستجابة.

(1) فالنفس التي تميل إلى القهر وحب الإنتقام وحب الغلبة هي النفس السبعية.فإذا ظهرت هذه الرعونات علي النفس فتكون النفس المتصفة بالصفات السبعية هي المستولية والمستعلية علي الصفات الأخري بالرغم من وجودها.

(2) نفس تميل إلى الحرص والبخل والشح يقال: إنها نفس نباتية.

(3) إذا زادت علي ذلك تصبح نفسًا بهيمية وهي حب الشح وحب البخل والادخار المزري .

فالصفات تختلف من حال إلى حال فتكون نفسًا جمادية في وقت ما، وفي بعض الأحيان تكون نفسًا نباتية، وفي أحيان أخري بهيمية وسبعية. فإذا ما صفت هذه النفس بالتزكية تصبح نفسًا مَلَكية.

والنفس الملكية مع صفائها تعتريها الرعونات والنوازع في كثير من الأحيان إذا غلب الحال، وكان المحيطون بصاحب النفس الملكية قرناء للسوء فلا يري ولا يسمع منهم إلا الشر. وهذه الأحوال السيئة المحيطة قد تنعكس في لحظة ما بظلمتها علي صاحب النفس الملكية فتعتريها رعونة. وقد تأتي الرعونة عن طريق رد شتيمة وسباب أو الزيادة عليها، و(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، والأمثلة في هذا المجال كثيرة ولذلك فلو جالس الإنسان أهل الصدق، انعكست أنوار صدقهم علي جوهر النفس فتزداد صفاء ورقيًا وعروجًا، وهذا هو سر توجيه ربنا سبحانه لنا في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، وقوله تعالى ) فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام: ٦٨).

والنفس تميل إلى الرياسة لأنها تحس بأصلها، والإمام يبين ذلك فيقول:

والنفس داعية الرياسة فاحذرن فرعونها تنجو من الداء الدفين

والمثال هنا أن الإنسان عندما يكون أبوه أو جده من أصل عريق أو مرموق في المجتمع حتى لو لم يكن يملك شيئًا ولكنه يحس بنفسه أنه علي صورة أبيه أو صورة أجداده. ولكن الصورة التي أسجد الله لها ملائكته تحس أنها الكل في الكل، والحديث النبوي الشريف يقول: (خلق الله آدم علي صورة الرحمن) وفي حديث آخر (خلق الله آدم علي صورته) وكذلك الصور التي خرجت منها، ولكن ليس الكل قد خلق علي الصورة.. ولكن النفس التي زكت وصفت واستقامت هي التي خلقت علي الصورة، لأنها استنارت واتحدت بأصلها فوصلت واتصلت وأشرق عليها نور الأًصل فظهرت من خلالها الأنوار وسمعت منها الأسرار، وما جاز لأبينا آدم يجوز لكل نفس زكاها ربنا.

وعلي ذلك، فإن الإمام يقرر أن التزكية معناها أن يستحضر العبد العَود للبدء الذي جاء منه وهو هنا في عالم الدنيا حتى يحين موعد انتقاله إلى برزخه. فإذا عاد للبدء بالعلم النافع والإشراق والحكمة الصادقة سار في الدنيا كما سار أئمة السلف بالحق واليقين وبالإقبال والتمكين وبالقبول من حضرة رب العالمين. 

- اكره زوجى فكيف أستمر معه؟

سؤال :كيف استمر فى زواجى وقد تحول الحب بيننا إلى بغض؟ فأنا أحتاج إلى من يحبنى و ويحنو علىَّ وخاصة انه صار عندنا أولاد وأنا أتعب فى العناية بهم؟؟
الجواب : نقول و بالله التوفيق :.. فلنفرض إذا مع تطورات الحياة كما قلنا هرب الحب والمودة والرحمة من حياتنا ... فلنفترض أن الزوجة كرهت زوجها كما تقول الأخت السائلة !!، .. هل تعرف واحداً آخر للحب وتعاشر زوجها من أجل المصلحة كما يفعل الغرب الآن؟!
لا يجوز ذلك في الإسلام، فعليها..أولاً: أن تصبر على أمر الله، وفى هذا خير عظيم ليس له مثيل، وأنا أذكرها وأذكركن جميعاً بقول النبى ﷺ فى الحديث الشريف للزوج والزوجة معاٌ إذا تراكمت المشاكل بينهما ولم يرَ كل واحد إلا عيوب الآخر :
{ لا يفرك (لا يبغض) مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها غيره } (1)
وقول الله تعالى (19 : سورة النساء):
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }
والآن وقد حدثت الجفوة وحل البغض محل الحب ، كما قالت السائلة !! فلتعلم إذن أن زوجها يعانى مثلها، حتى إن لم تعتقد هى ذلك أو رأت أنه مكبر راسه !!، لا !! فى الحقيقة إن كلاً منهما محتاج إلى الآخر، وهما اليوم وبعد العشرة والأولاد أكثر حاجة لبعضهما. ولبسا أقل إحتياجا ، وعوامل النجاح موجودة بينكما، ولكن ....
فلتفهم الأخت السائلة أن الأمرفى المسؤلية سواءٌ على الطرفين، و أن الحل بيديهما معا وليس بيد أحد آخر، ولا بيد طرف واحد منهما..فلنعلم أننا لو فتشنا في أنفسنا سنجد أن سبب هذا الكره نابع من الاثنين معا!، فلو أصلحت الزوجة من نفسها وهو أيضاً أصلح من حاله سترجع العلاقة كما كانت ... لابد مننا نحن الأثنان معاً ... بيدينا معاً ..ولكن طبيعة البشر أن أحداً لا يريد أن يظهر عيبه!، فهي تريد أن تثبت أن العيب كله منه، وهو يريد أن يثبت العكس، وهو ما يؤدي إلى الخلاف.
و لكن لو جلسنا مع بعضنا واحتكمنا لكتاب الله وسنة رسوله، وعرفنا واجب أحدنا نحو الآخر وما المعاملة بيننا الواجبة بيننا... و تقبل كل منا أيضا أنه أخطأ فى حق الثانى... وقبل كل منا عذر الآخر، . ونتعاهد على حفظ هذه الحقوق ورعاية تلك الواجبات وأن يراعى كل مشاعر وأحاسيس الآخر كما يطلب لنفسه...
إذا فعلنا ذلك ستعود المياه إلى مجاريها مرة أخرى بإذن الله، ويعود طائر المودة والرحمة ليرفرف علينا ثانية ببركة كتاب الله وسنة حبيبه صلى الله عليه وسلم..
------------------------------
{1} صحيح أخرجه مسلم وأحمد عن أبي هريرة
-----------------------------------------------
منقول من كتاب ( فتاوى جامعه للنساء)لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

- نصائح لكل أب وأم عند استقبالهما لمولود جديـــــــــــــــــــــــد

نصائح لكل أب وأم عند استقبالهما لمولود جديـــــــــــــــــــــــد
----------------------------------------------------------
سؤال : أنا سأضع مولودى قريبا إن شاء الله تعالى ، فما الواجب على شرعا تجاه هذا المولود الجديد ؟ ،وبماذا تنصحنى فضيلتكــــــــــــم ؟
------------------------------------------------
الجواب : إذا سارت الحياة الزوجية فمن الطبيعى أن الله -عزّ وجلّ- يمن علينا بالذرية ، وكما طلبت منكن جميعا الإستعداد للزواج بدراسة الحقوق والواجبات، فكذلك عندما يأتى وقت الإنجاب، فعلى الزوجين أن يأتيا بكتــــــــتتـاب في آداب وحقوق الطفل في الدين.
فتتعلم الزوجة كيف تستقبل مولودها لتمشي على الحياة الإسلامية الصحيحة ويتعلم الأب كيف يربى أبنائه وينشئهم التنشئة الإسلامية، ويتعلمان معا أن القادم الجديد سيأخذ منهما الكثير من الوقت والنفقات، فسيتعدان لتلك المتطلبات والمتغيرات ...
فيتعاضدا ويتناصحا ولا يهمل أحدهما الآخر تحت وطأة مسئوليات ومطالب القادم الجديد، ويصبح الأولاد أربطة أقوى للعلاقة وأدعى لزيادة الألفة والمحبة.
ولا أنـــــــــــــــــــــــــسى أن أنبهك ياابنتى لأمر هام: الزوجة العاقلة تستوعب أن زوجها محتاجٌ لها دائماً. بل بعض الآباء تصيبهم الغيرة من كثرة عنايتك بالطفل، فلا تنسين أن هناك "طفل كبير" فى حاجة إليك!؛ فلا تهملى فى نفسك للعناية بالمولود! فتخسرين الوالد !!
وعلى الزوج العاقل أيضا ومع زيادة متطلبات الحياة ومسئولياته ألا ينشغل بالسعى على المعاش و العمل،فيغيب عن بيته ويهمل زوجته وأولاده، وينسى أن زوجته فى حاجة نفسية وعاطفية أكثرله وأن تربية وتنشئة الأبناء واجب مشترك بينهما.
----------------------------------------------------
منقول من كتاب :{ فتاوى جامعة للنساء } لفضيلة الشيخ / فوزى محمد أبو زيـــــــــــــــد

- بشرى ترك الفضول

بشرى ترك الفضول
وهنا بشرى نحب أن تشيع بين الناس! فكلُّ واحد منا يحبُّ أن يحسن إسلامه ويرقى حاله ويزيد قرباً من سيده ومولاه، فتأتى له بشرى الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم تقول له:
{ مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ }(1)
وحتى يحسن إسلام المرء فلابد للسان ألا يتحرك إلا على الهدى المستقيم، فلا يدخل فيما لا يعنيه، فصاحب فضول ليس له نصيب فى الوصول، إلا إذا اجتث من نفسه ومن قلبه كل آلات الفضول، ولا يبقى له فضول إلا فى أحوال الصالحين، وفى رؤية سيد الأولين والآخرين، وفى المعانى العلية المبثوثة فى كتاب ربِّ العالمين، لكن الفضول فيما فى أيدى الخلق، أو ما على أجساد الخلق، أو فيما يسكنه الخلق! فلا شئ ينفعك من ذلك!
خبرونى بالله عليكم!ما نفع أن تعرف ما دار بين أخيك وزوجه؟ إذا لم يطلعك هو بنفسه! أو ما قال فلان لآخر؟ سيشغل إبليس قلبك بهواك فتضل وتزل وتنشغل جوارحك الظاهرة والباطنة بأسرار لا تنفع! بل وستصبح مثل بالونة مليئة بعورات الناس وأخبارهم وتريد أن تتقيأها فى كل مكان تذهب إليه فتصير عند الناس قتاتا وممقوتاً ! ويغلق الله دونك أبواب القبول والوصول وكلُّ خيرٍ مأمول! ولا يلبث الخلق أن يغلقوا أبوابهم بوجهك! ولذلك روى سيدنا أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
{ تُوفِّيَ رَجُلٌ فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ ورَسُولُ اللَّهِ يَسْمَعُ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:أَوَ لاَ تَدْرِي؟ فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ أَوْ بَخِلَ بِمَا لاَ يَنْقُصُهُ }(2)
لأنه صلى الله عليه وسلم قد قال لهم محذراً ومنبهاً مراراً وتكراراً ..."
{ إنَّ اللّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَإضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ }(3)
ِ
أما بشرى ترك الفضول التى يفهمها العارفون والصالحون، فلا تقتصر على ما مضى ولكن اسمع للعارفين إذ دأبوا على الحثِّ على ترك الفضول والبعد عن أخلاق الفضوليين الذميمة فيقول سيدى الشيخ ابْنَ الأَعْرَابِيِّ رضى الله عنه:
{ الْمَعْرِفَةُ كُلُّهَا الاعْتِرَافُ بِالْجَهْلِ، وَالتَّصَوُّفُ كُلُّهُ تَرْكُ الْفُضُولِ }(4)
ولذلك فإن من أعلى وأجمل ما قال العارفون فى ترك الفضول، ما قاله مولانا الإمام أبو العزائم رضى الله عنه فى بيان معنى ترك الفضول عند الصالحين إذ يوضح رضى الله عنه أن كل ما لا يسوق المرء لتهذيب النفس للوصول إلى الله هو من الفضول الممقوت والذى يجب تجنبه واستمتع بمعانى كلامه الراقى رضى الله عنه إذ يقول:
هذب النفس إن رمت الوصول*****غير هذا عندنا عين الفضول
حصل العلم بعزم صادق*****لا تكن في العلم كسلانا ملول
علم النفس توحيد العلي*****من بيان الآي عن فرد قئوول
فإذا صرت من أهل تلك الأخلاق العالية والآداب الراقية تزكو نفسك .. ويصير الشغل بذكر الله هو الأحب لقلبك ... فإذا شغلت نفسك بذكر الله وحب حبيبه ومصطفاه، والرغبة فى معرفة الأخبار العلية والمحادثات العلوية بين أهل الملأ الأعلى وأسرار التنزلات الرحمانية فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية! فإن هذا بالطبع لن يستقيم لك إلا بدوام يقظة القلب و الإصرار على ترك الإشتغال بالخلق!
ولديها فتصير آلات استقبالك كلها موجهة للمصادر الربانية والفضائيات الإلهية السماوية وقنوات البث المحمدية العلوية! .. لا للأوساخ الدنية! والأخبار الدنيوية من القيل والقال أوكثرة السؤال عما لا يعنيك من الأحوال!.
فهؤلاء الذين أكرموا هم مقتصدون حتى فى حديثهم فى كلام الواحد المتعال أو فى حديث الحبيب الأعظم أو سيرة الآل، فكيف يستبيحون وقتهم فى الفضول أو اللهو فضلاً عن باطل أو قيل وقال بأى حال! وصلى الله على النبى المصطفى والآل.
----------------------------------------------------------------------
(1)عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، موطأ مالك ، وكثير غيره .
(2)رواه الترمذي عن أنس وقال: حديث حسن غريب، قال الحافظ: رواته ثقات، الترغيب والترهيب
(3)صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة.
(4)سير أعلام النبلاء
==========================================
منقول من كتاب بشائر الفضل الإلهى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

شارك فى نشر الخير