آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 19 أكتوبر 2017

- الاعمال والاحوال والمقام

عدد المشاهدات:
(حُسْنُ الأَعْمالِ نَتائِجُ حُسْنِ الأَحْوالِ، وَحُسْنُ الأَحْوالِ مِنَ التَّحَقُّقِ في مَقاماتِ الإِنْزالِ).
الأعمال حركة الجسم بالمجاهدة ، والأحوال حركة القلب بالمكابدة ، والمقامات سكون القلب بالطمأنينة ، مثال ذلك مقام الزهد مثلاً فإنه يكون أولاً عمله مجاهدة بترك الدنيا وأسبابها ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالاً ، ثم يسكن القلب ويذوق حلاوته فيصير مقاماً . وكذلك التوكل يكون مجاهدة بترك الأسباب ثم يكون مكابدة بالصبر على مرارة تصرفات الأقدار ، ثم يصير حالاً ، ثم يسكن القلب فيه ويذوقه فيصير مقاماً . وكذلك المعرفة تكون مجاهدة بالعمل في الظاهر كخرق العوائد من نفسه ، ثم تكون مكابدة بالمعرفة والإقرار عند التعرفات ثم تصير حالاً ، فإذا سكنت الروح في الشهود وتمكنت صارت مقاماً ، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب . يعني أن الأحوال مواهب من الله جزاء لثواب الأعمال ، فإذا دام العمل واتصل الحال صار مقاماً . فالأحوال تتحول تذهب وتجيء ، فإذا سكن القلب في ذلك المعنى صار مقاماً . وهو مكتسب من دوام العمل .
واعلم أن المقام والحال لكل واحد علم وعمل ، فالمقام يتعلق به العلم أولاً ثم يسعي في عمله حتى يكون حالاً ، ثم يصير مقاماً ، وكذلك الحال يتعلق به العلم أولاً ، ثم العمل ثم يصير مقاماً حالاً ، والله تعالى أعلم . فعلامة التحقق بمقامات الإنزال هو حسن الحال وعلامة حسن الحال هو حسن العمل ، فإتقان الأعمال وحسنها هو ثمرة ونتيجة حسن الأحوال ، وحسن الأحوال وإتقانها هو نتيجة التحقق بمقامات الإنزال ، أي التحقق بالإنزال في المقامات . أو تقول حسن الأحوال دليل على التحقق بالمقامات التي ينزل الله عبده فيها ، وحسن الأعمال دليل على حسن الأحوال . والتحقق بالحال والسكون في المقام أمر باطني ويظهر أثره في عمل الجوارح .
وأفضل الأعمال التي يقطع بها المريد المقامات وأقربها هو ذكر الله ، ولذلك ذكره بأثره فقال :
(لا تَتْرُكِ الذِّكْرَ لِعَدَمِ حُضورِكَ مَعَ اللهِ فيهِ، لِأَنَّ غَفْلَتَكَ عَنْ وُجودِ ذِكْرهِ أَشَدُّ مِنْ غَفْلتِكَ في وُجودِ ذِكْرِهِ. فَعَسى أَنْ يَرْفَعَكَ مِنْ ذِكْرٍ مَعَ وُجودِ غَفْلةٍ إلى ذِكْرٍ مَعَ وُجودِ يَقَظَةٍ، وَمِنْ ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ يَقَظَةٍ إلى ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ حُضورٍ، وَمِنْ ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ حُضورٍ إلى ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ غَيْبَةٍ عَمّا سِوَى المَذْكورِ، {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}).
الذكر ركن قوي في طريق القوم وهو أفضل الأعمال ، قال الله تعالى :"فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ"وقال تعالى :"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا" والذكر الكثير : أن لا ينساه أبداً ، قال ابن عباس رضي الله عنهما :"كل عبادة فرضها الله تعالى جعل لها وقتاً مخصوصاً وعذر العباد في غير أوقاتها إلا الذكر لم يجعل الله له وقتاً مخصوصاً ".
فبقدر ما يفني في الإسم يفني في الذات ، وبقدر ما يتفتر في الفناء في الأسم يكون متفتراً في الفناء في الذات ، فليلتزم المريد الذكر على كل حال ولا يترك الذكر باللسان لعدم حضور قلبه فيه بل يذكره بلسانه ولو كان غافلاً بقلبه ، فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره ، لأن غفلتك عن ذكره إعراض عنه بالكلية ، وفي وجود ذكره إقبال بوجه ما ، وفي شغل اللسان بذكر الله تزيين جارحة بطاعة الله ، وفي فقده تعرض لإشتغالها بالمعصية ، فليلزم الإنسان ذكر اللسان حتى يفتح الله في ذكر الجنان فعسى أن ينقلك الحق تعالى من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة :أي انتباه لمعاني الذكر عند الإشتغال به ، ومن ذكر مع يقظة إلى ذكر مع وجود حضور المذكور ، وارتسامه في الخيال حتى يطمئن القلب بذكر الله ، ويكون حاضراً بقلبه مع دوام ذكره ، وهذا هو ذكر الخواص ، والأول ذكر العوام ، فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عما سوى المذكور لما يغمر قلبك من النور ، وربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور ، حتي يغيب عما سوى المذكور ، حتي يصير الذاكر مذكوراً ، والطالب مطلوباً ، والواصل موصولاً . وما ذلك على الله بعزيز : أي بممتنع فقد يرفع في أعلى الدرجات من كان في أسفل الدركات ، وها هنا يسكت اللسان وينتقل الذكر للجنان فيصير ذكر اللسان غفلة في حق أهل هذا المقام.
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير