آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

- الحكمة الحادية والأربعون بعد المئة :أجهل الناس من ترك يقين ما عنده ، لظنّ ما عند الناس

عدد المشاهدات:
الحكمة الحادية والأربعون بعد المئة :
أجهل الناس من ترك يقين ما عنده ، لظنّ ما عند الناس
وهذه أيضاً من ذيول الحكمة التي فصلت القول في شرحها من قبل.
وقد عالج ابن عطاء الله هذا الموضوع بسلسلة من أربع حكم متوالية رُتِّبَ اللاحقُ من كل منها على السابق منها. وذلك نظرً إلى أهمية الموضوع وعلاقته المباشرة بالتوحيد.
والشيء الذي يضيفه ابن عطاء الله هنا، يتمثل في بيان الحقيقة التالية:
ما يعلمه الإنسان من نفسه وأحوالها، يرقى إلى درجة اليقين، ولا تخضع هذه الحقيقة التي يعلمها كل منا لأي نقاش. ومن ثم فإنها لا تحتاج إلى رسم أي دليل.
أمّا ما يراه أو يفهمه من واقع الآخرين وأحوالهم، فلا يتجاوز، في أرقى درجاته، الظن. ذلك لأن معارف الإنسان عن غيره من الناس، لا تتجاوز ما قد تبصّره به عيناه، أو ما قد يتسرب إلى سمعه، وإنما يدرك كل من السمع والبصر، من شؤون الآخرين وأحوالهم، الظاهر المرئي أو المسموع فقط.
والظاهر ليس دائماً عنواناً للباطن، بل كثيراً ما يكون مخالفاً أو مناقضاً له. ومن ثم فقد كانت معارف الإنسان عما تنطوي عليه أحوال الآخرين وشؤونهم، لا تتجاوز في أرقى ما تستند إليه من الدلائل، الظن.
فإذا سمعت ثناء شخص ما عليك، فهو إنما يعتمد في ثنائه هذا على الظاهر الذي تبدّى له منك، وهو كما قلت لك لا يورث صاحبه أكثر من الظن. ولا ريب أنك عندما تعود إلى سريرتك وخبيئة نفسك، وتتبين بمعرفتك اليقينية ما يخالف الصفات التي يثني بها ذلك الشخص عليك، تدرك جهله بحالك، وانخداعه بظاهر ما تجلّى له منك، والمفروض عندئذ ألا تقيم لكلامه، أي لثنائه الذي يثني به عليك أي وزن، ولو أنك حفلت بكلامه، ووضعت حديثه عنك موضع اليقين من عقلك أو نفسك، ناسياً أو متجاهلاً نقيضه الذي تعلمه يقيناً من نفسك، فإن ذلك من الجهالة بل من السفاهة والحمق بمكان.
فإن الجاهل بالرياضيات مثلاً، لا يتحول إلى عالم بها، لمجرد وهم سرى إلى بعض من رآه فأثنى عليه بمعرفته لها وتضلعه فيها. ولو أن هذا الجاهل سمع ثناء هذا المتوهم، فصدّقه وأيقن في نفسه أنه خبير في هذا الفن، ذاهلاً عن جهالته التي يتيقنها من نفسه، فلا ريب أنه من الحمق أو السذاجة بمكان.
كذلكم الشأن فيمن يثني عليك بالصلاح والتقوى، أو الورع والزهد، أو الإخلاص لله في التوجه والسلوك، وأنت تعلم، بالرجوع إلى ما تنطوي عليه نفسك أنك مبتلى بكثير من الشوائب التي تفسد عليك هذه الصفات التي ينعتك بها الناعتون، فإن مقتضى التعامل مع العقل وميزانه، أن تشفق على جهل هؤلاء الناس بك، واغترارهم بظاهر أمرك، وأن تعود إلى نفسك بالتقريع والتأنيب للسوء الذي تنطوي عليه، والذي لو كشف الله عنه سجاف ستره لتحول مدح المادحين لك إلى ازدراء واشمئزاز.
فانظر كم هو جهول ذاك الذي يذهله المديح الباطل عن عيوبه ونقائصه فيصدق وهم الجاهلين به، وينكر علمه اليقيني بواقع حاله.
وإنه ليذكرني هذا بما رووه عن أشعب أنه أراد أن يردّ عنه جمعاً من الفضوليين والسفهاء أحدقوا به، يحاورونه ويمازحونه، فأخبرهم أن في تلك الدار التي تلوح لهم عن بُعدٍ وليمة مفتوحة، بُسط فيها ما لذّ وطاب من الطعام والحلوى، فلم يرتابوا في صدقه، واتجهوا يؤمّون الدار التي أشار لهم إليها، وما إن ابتعدوا عنه وغابوا عن بصره، حتى داخله الوهم بأن ما قد أخبرهم به حقيقة،فأسرع يشدّ نفسه لحاقاً بهم، قبل أن يتناهبوا الطعام فلا يبقى له منه شيء!..
ومهما يكن، فإن في الناس أشخاصاً تكامل نسيج شخصية كل منهم، مما قد تلقاه من ثناء الناس عليه ومدحهم له.. سمعهم يتحدثون عن غزير علمه وسعة معارفه، فلم يشك أنه كذلك، وسمعهم يعجبون بتواضعه، فوقر في نفسه أنهم لم يخطئوا الصواب، وبلغهم أنهم يثنون على صلاحه وتقواه، فعاد إلى نفسه ليكتشف فيها عن طريقهم هذه الصفة، وتناهى إليه ثناؤهم على زهده وسخائه، فتأكد لديه أنه كما يقولون!..
فكان من عاقبة ذلك أنّ من لم يعرف فيه هذه الصفات، أو ارتاب في اتصافه بها، كان مسيئاً إليه في يقينه إذ أنكر جميل مآثره، وحميد صفاته.
وهو لو حجب نفسه عن حديث الناس عنه ومدحهم له، وعاد إلى ما يعرفه من ذاته وواقع حاله، لما كوّن شخصيته من نسيج أوهامهم التي امتدحوه على أساسها.
بقي أنك قد تقول: كما أن في الناس من يخطئون في المدح والثناء، ففيهم أيضاً من يخطئ في القدح والاتهام، فلماذا أفرد ابن عطاء الله الحالة الأولى بالتنبيه والمعالجة؟
والجواب أن انتقاد الناقدين لك، أو انتقاص المنتقصين لك، ينطوي في كل الأحوال على ما هو خير لك، وإذا صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: رحم الله امرأً أهدى إلى عمر عيوبه، فإن كلاً منا أولى منه بهذا الكلام.
ومن كان على بينة من نقائصه وعيوبه والشوائب النفسية التي تهيمن عليه، لم يشك في صدق المنتقدين أو المنتقصين له، بل لعله يشكرهم على ذلك قائلاً: عرفتَ شيئاً وغابت عنك أشياء.
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير