آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 23 يوليو 2017

- لحظات رائعة

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء "  أخرجه مسلم (1)
إنه هو الله الرحيم سبحانه ، ما إن يرى من عبده الصدق والإخلاص  في التقرب إليه سبحانه ، والتواضع والذلة إليه عز وجل ، إلا ويقبله بين عباده الصالحين ، ويستجيب له دعاءه ، ويبارك له في سعيه ، ويجعله من الفائزين ..

وكلما ذل الإنسان لربه وتقرب كلما رفعه الله سبحانه بين خلقه ، وزاده عزا ورفعة وعلما وخيرا .


تلكم التي أسميها اللحظات الغالية ، لحظات السجود المخلص الصادق ، فلا يكاد المؤمن يسجد إلا وينقطع عن دنياه ، ويرجو أن لو صارت الحياة كلها سجدة بلا انقطاع .

إنها خير لحظات الحياة , وأروع الدقائق التي يمكن أن تمر على المؤمن , بينما ياتي ربه محملا بالهموم والآلام , ضعيفا كسيرا , وجلا مشفقا , راجيا خائفا , فيسجد بين يديه راغبا , ويرفع إليه شكواه , ويمد يديه للسماء مناجيا ربه الرحيم , أن : يا من تسمع شكواي وتعرف همومي , ولايخفى عليك شىء من أمري , فرج كربتي وارزقني السعادة والهدى ..


إنه باب لايغلق , وخزائن لاتنضب , ورحمة حوت الدنيا والآخرة , وفضل لاينقطع , ليس بيننا وبينه إلا أن نتدثر بدثار الإخلاص لله سبحانه , ونملأ قلوبنا ثقة به سبحانه , وتوكلا عليه سبحانه .


تلك اللحظات الرائعات , تحتاج القلب السليم , المخبت إلى ربه سبحانه , العائد إليه إنابة وتوبة ورغبة .

وأنت إذا سألت مناجيا عن صفة المناجاة , لاحتار في الإجابة عليك , إذ إنها لحظات إيمانية تجل عن الوصف , وتسمو عن التعبير , إذ يختلي العبد بربه , يعلوه الخشوع , وتملؤه المحبة , فيبث شكواه , ويدعوه ويرجوه باسمائه الحسنى وصفاته العلى , وهو يعلم أن ربه سبحانه يراه ويسمع نجواه , وأنه سبحانه يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ويفرج الكربات

وفيمن يكون الأمل إن لم يكن في الله؟ وممن نطلب الرجاء إن لم نطلبه من الله؟ وهو صاحب الأنعم المتتالية الكثيرة, وصاحب الجود الذي لا يفنى, وصاحب الكرم الذي لا ينقطع, فهو الأمل إذا انقطعت الآمال, بل لا أمل أبدًا إلا فيه سبحانه, فهو الأمل الأوحد الذي يُرتجى, فتصلح معه الدنيا والآخرة ويصلح معه الظاهر والباطن, ويصلح معه البعيد والقريب.

تلك مشاعر يستشعرها في سجدته الصادقة المخلصة لربه , شعورا لايمكن وصفه , فيشعر لقلبه كسرة خاصة لا يمكن أن يشبهها شيء أبدًا, بحيث لا يرى لنفسه قيمة ولا مقامًا ولا ذكرًا أبدًا, كيف لا وهو العبد المذنب ذو الصحيفة السوداء! فيشعر بأنه - إن لم يصلحه ربه - لا مُصلح له, وأنه مكسور ولا جابر لكسره إلا الله سبحانه.

فعندئذ يرى نعم الله عليه كثيرة متتابعة, تحيطه من كل جانب, ويرى أنه لا يستحق من هذه النعم شيئًا أبدًا, ثم يعلم رحمة ربه سبحانه التي أنعمت عليه رغم إجرامه في حقه سبحانه.

ولكنه هو الرحيم لا إله إلا هو, ما إن يرى من عبده هذه الذلة ويعلم من ذلك القلب هذه الكسرة, حتى يمن عليه برحماته وينعم عليه بلطفه وكرمه.

وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب تمكنت منه هذه الذلة وهذه الكسرة, فهو ناكس الرأس بين يدي ربه, لا يرفع رأسه إليه حياءً وخجلاً من الله. وإذا بذلك القلب الكسير يسجد لربه سبحانه سجدة المخلصين التائبين الخاضعين, سجدة تجمع معاني تقصيره وكسره, سجدة ينيب فيها إلى ربه, سجدة يناجيه فيها: أن لا ملجأ ولا منجى منك يارب إلا إليك, أطمع في مغفرتك, وأتكل على عفوك, وأحسن الظن بك, وأرجو كرمك, وأطمع في سعة حلمك ورحمتك, غرّني الغرور ونفسي الأمارة بالسوء, وسترك المرخي علي وأعانني جهلي, ولا طريق لي إلا الاعتصام بك.

يقول ابن القيم "وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدى ربِّه؟!، قال: أي والله، بسجدة لا يرفع رأْسه منها إلى يوم القيامة" (2)

- " لا تحزن إن الله معنا "


عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: " ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)) متفق عليه

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه من حديث الهجرة عن أبي بكر رضي الله عنه : ((فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب، قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن إن الله معنا)) متفق عليه


عادة الإنسان أن يتأثر بما يحيط به , ويكون أسير اللحظة التي تمر به , وقليل منهم من يبسط نظره أمام عينيه فيستبصر ببصيرة شفافة نقية معتمدة على الإيمان إلى مناح خلف هذا المشهد المادي المحيط .

ان لله عز وجل جندا لا يعلمها إلا هو , تدافع عن المؤمنين بأمر الله سبحانه ومشيئته , فتثبتهم وتقوم خطوهم .

فعندما ضاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الأمر في غار ثور , وخاف صاحبه عليه , وقال " لا تحزن إن الله معنا " .. أنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها .

ووقف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بدر يدعو ربه ويرجوه ويلح في الدعاء : " اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد بعد اليوم " , فأيده الله في بدر بجنود من عنده وثبته حتى انتصر .

وجند الله عز وجل لا يحصون ولا يعدون , بل إن كل شيء من خلق الله يمكن أن يكون من جند الله في نصرة المؤمنين , فالريح من جند الله كما أرسلها سبحانه وتعالى من قبل على أقوام عصوا ربهم , والماء من جند الله كما أرسله سبحانه طوفانا على الذين طغوا من قبل وكما حملت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في القادسية و العلاء الحضرمي رضي الله عنه في فتح البحرين , وابا مسلم الخولاني في غزو الروم , والشمس من جند الله , كما أمسكها على يوشع بن نون عليه السلام حتى فتح له , بل إن بعض الفجار يمكن أن ينصر الله بهم الدين فيكون كيدهم عائد على أنفسهم وأمثالهم فيكيدون به أنفسهم , فإن هذا الدين قد ينصر بمن لا يتوقع ان يأتي منه نصر ، بل إن الله سبحانه قد يحول الطالح صالحا لينصر دينه ودعوته ويحقق سننه ..

وأهل الإيمان قد ينافح عنهم الحجر والشجر والجبال والدواب ولكن كل بطريقته , وبطبيعة خلقته , ولو اطلع أهل الإيمان على مسارات القدر عبر الأزمان لبان لهم كيف أن جند الله عز وجل في كل مناح الكون تدافع عنهم وتقف بجانبهم .


ربما تكون الرؤية القاصرة القليلة القريبة توحي لقصير النظر أن هناك هزيمة لأهل الإيمان في موقع ما أو مكان ما أو زمن ما , ولكن حقيقة الأمر أن الله عز وجل يطالب أهل الإيمان دائما بالصبر والثبات وإطاعة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم , مهما كانوا في أزمات ومصائب ." الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالو حسبنا الله ونعم الوكيل " وبينت الآية أن عاقبة هؤلاء بالبصيرة الصائبة هي عاقبة انتصار ونعمة .

قال سبحانه " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " , بل قد عبرت الآية بهذا التعبير " لم يمسسهم سوء " على الرغم من كونهم تألموا في الصبر , وتألموا في الثبات , وشق عليهم الأمر أياما متتاليات , إلا ان الله عز وجل قال " لم يمسسهم سوء " ... ذلك لأن كل ما مسهم هو خير , فالصبر خير , والابتلاء خير , والثبات خير , وصرف عدوهم عنهم خير وكل ذلك من علامات الانتصار ومن أشكال الانتصار .

- كتاب بنو إسرائيل ووعد الآخرة



🌴
قرأ فى هذا الكتاب مباشر
🌴الباب الأول: تاريخ بني اسرائيل
🌴الفصل الأول (الباب الأول): من النشأة حتى الخروج من مصر
🌴الفصل الثانى(الباب الأول): من مصر إلى الشام
🌴الفصل الثالث(الباب الأول): فى الأرض المقدســـــــــة
🌴الفصل الرابع(الباب الأول): بعد وفاة سليمان عليه السلام
🌴الفصل الخامس(الباب الأول): أضواء على ديانة بنى إسرائيل
🌴الباب الثاني: فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل
🌴الفصل الأول: (الباب الثاني): فساد طباع وأخلاق بنى إسرائيل كما يصورها القرآن
🌴الفصل الثاني: (الباب الثاني): وسائل وألوان إفساد اليهود فى الأرض
🌴الباب الثالث: لتفسدن فى الأرض مرتين
🌴لباب الرابع: أحداث النهاية فى الإسلام



الأحد، 16 يوليو 2017

- شروق أنوار المعارف

 شروق أنوار المعارف في أفق سماء القلوب يكون على قدر صحوها من سحب الآثار وغيم الأغيار وغين الأنوار.
فبقدر صفائها ومحوها يكون تمام أشراق نورها، فإذا انجلى عن سماء القلوب سحب الآثار وغيم الأغيار أشرق فيها نور الفنا، فيغيب القلب والروح عن الرسوم، ولم يبق إلا الحي القيوم، وإذا أنجلت عن الأسرار غين الأنوار أشرق فيها نور البقاء، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.
فعلامة شروق هذه الأنوار، ترك التدبير والأختيار، والأكتفاء بنظر الواحد القهار، كما أشار إليه بقوله :

" الغافل إذا أصبح نظر في ماذا يفعل والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به"

 الغافل هو الجاهل بالله ولو كثر ذكره باللسان، والعاقل هو العارف بالله ولو قل له ذكر اللسان، إذ المعتبر هو ذكر الجنان، فالغافل نفسه موجودة وآماله ممدودة ،إذا أصبح نظر ماذا يفعل بنفسه، فيدبر شؤنه ومأربه بعقله وحدسه، فهو ناظر لفعله معتمد على حوله وقوته، فإذا أفسخ القضاء ما أبرمه وهدم له ما أمله غضب وسخط وحزن وقنط، فنازع ربه وأساء أدبه، فلا جرم أنه يستحق من الله البعد، ويستوجب في قلبه الوحشة والطرد، إلا إن حصل له إياب، وأدام الوقوف بالباب، حتى يرفع عنه الحجاب، فحينئذ يلتحق بالأحباب.
 وأما العاقل وهو العارف، فقد تحققت في قلبه عظمة ربه، وأنجمع إليه بكلية قلبه، فأشرقت في قلبه شموس العرفان، وطوى من نظره وجود الأكوان، فليس له عن نفسه أخبار، ولا مع غير الله قرار، تصرفه بالله ومن الله وإلى الله، فقد فني عن نفسه وبقي بربه، فلم ير لها تركاً ولا فعلاً ولا قوة ولا حولاً، فإذا أصبح نظر ماذا يفعل الله به، فيتلقى كل ما يرد عليه بالفرح والسرور والبهجة والحبور لما هجم عليه من حق اليقين والغنى برب العالمين،قال أبو عثمان رضي الله عنه:" منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته" فإذا أراد الفقير أن يكون تصرفه بالله فلينعزل عن حظوظه وهواه، فعليك أيها المريد بالأعتناء بهذا الأمر وافهم عن الله في أمورك كلها وأنشد على نفسك:
أتبع رياح القضا ودر حيث دارت ... وسلم لسلمى وسر حيث سارت

- ماء الغيب

قوله تعالى:" أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا"الآية، شبه الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء فكما أن المطر تعمر منه الأودية والغدران وتجري منه العيون والأنهار كل على قدر سعته وكبره كذلك العلم النافع 

نزل من سماء عالم الغيب إلى أرض عالم الشهادة فسالت به أودية القلوب كل على قدر طاقته وحسب استعداده وكما أن المطر يطهر الأرض من الأوساخ وهو معنى قوله تعالى:" فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا"(1) أي مرتفعاً على وجه الماء كذلك العلم النافع يطهر النفوس من الأدناس والقلوب من الأغيار والأرواح من الأكدار والأسرار من لوث الأنوار وهذا الماء هو الذي أشار إليه بقوله توضأ بماء الغيب أن كنت ذا سر أي كنت صاحب سر والشهود شهود الوحدة ونفي الكثرة أو شهود العظمة(2) بالعظمة ومن لم يتحقق بهذا فلا يمكنه التطهير بماء الغيب بالكلية لفقده ذلك الماء أو لعدم قدرته عليه فينتقل للتيمم الذي هو رخصة للضعفاء وطهارة المرضى وإلى ذلك أشار بقوله وإلا تيمم بالصعيد أو بالصخر أي وإن لم تقدر على الطهارة الأصلية وهي الغيبة عن السوى لمرض قلبك مع عدم صدقك فأنتقل للطهارة الفرعية التي هي العبادة الظاهرية أو تقول وإن لم تقدر على الطهارة الحقيقية التي هي الطهارة الباطنية فأنتقل للطهارة المجازية التي هي الطهارة الظاهرية(3) أو تقول وإن لم تقدر على طهارة أهل المحبة فأنتقل لطهارة أهل الخدمة فطهارة أهل المحبة الفكرة والنظرة وطهارة أهل الخدمة المجاهدة والمكابدة بين عبادة ظاهرة كصلاة وصيام وذكر وتلاوة وتعليم وغير ذلك وبين عبادة خفية كخوف ورجاء وزهد وصبر وورع ورضى وتسليم ورحمة وشفقة وغير ذلك مما لا يظهر للعيان وهذا هو تصوف أهل الظاهر(4) وأما تصوف أهل الباطن فهو الغيبة عن الأكوان بشهود المكون أو الغيبة عن الخلق بشهود الملك الحق وهو الذي عبر عنه الناظم بماء الغيب فكل من لم يدرك تصوف أهل الباطن فهو من أهل التيمم فإن كان مشغولاً بالعمل الظاهر كالصلاة والصيام ونحوهما فهو كالمتيمم بالصعيد لظهورها كظهور أثر التراب على الجوارح وإن كان مشغولاً بالعبادة الخفية كالزهد والورع ونحوهما فهو كالمتيمم بالصخر لعدم ظهورها في الغالب كعدم ظهور أثر الصخر ولما أمرك بالغيبة عن السوى(5) خاف عليك إنكار الواسطة وإسقاط الحكمة فتقع في الزندقة فقال:" وقدم إماماً كنت أنت إمامه" والمراد بالأمام هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان على قدمه ممن جمع بين الحقيقة والشريعة(6) فأمرك بإتباع الشريعة المحمدية في حال غيبتك عن السوى فيكون ظاهرك سلوكاً وباطنك جذباً ظاهرك مع الحكمة وباطنك مع القدرة ولا بد أن تقتدي بإمام كامل سلك الطريقة على يد شيخ كامل يعلمك كيفية العمل بالشريعة ويدلك على الحقيقة وإلا بقيت مريضاً على الدوام تستعمل طهارة المرضى على الدوام  إذ لا تجد ماء الغيب ولا تقدر على إستعماله (7)إلا بصحبة أهل هذا الماء الذين شربوه وسكروا به ثم صحوا من سكرتهم وسلكوا من جذبتهم فتملكهم زمام أمرك وتنقاد إليهم بكليتك بعد أن أطلعك الله على خصوصيتهم وكشف لك عن أسرارهم فشهدت لهم روحك بالتقديم وسرك بالتعظيم فتقدمهم أمامك بعد إن كنت أنت أمامهم وهم يطلبونك للحضرة(8).

 وقوله وصل صلاة الفجر في أول العصر وفي بعض النسخ وصل صلاة الظهر في أول العصر أي اجمع ظهر الشريعة لعصر الحقيقة وفي أكثر النسخ وصل صلاة الفجر في أول العصر أي إرجع إلى البقاء بعد كمال الفناء أو إلى السلوك بعد الجذب إذ الغالب على المريد أن يتقدمه السلوك ثم يأتيه الجذب فأوله سلوك وآخره جذب كما أن أول النهار صلاة الفجر وآخره صلاة العصر أي إرجع إلى صلاة الفجر التي كانت في أول نهارك فصلها في آخر نهارك فأرجع إلى السلوك الذي كان في أول أمرك فأجعله في آخر أمرك وهو معنى قولهم:" منتهى الكمال مبدأ الشرائع" وقالوا أيضاً:" نهاية السالكين بداية المجذوبين ونهاية المجذوبين بداية السالكين"(9) وقالوا أيضاً:" علامة النهاية الرجوع إلى البداية"(11) وقوله: فهذه صلاة العارفين بربهم لأنهم تطهروا الطهارة الأصلية وصلوا الصلاة الدائمة قال الله تعالى، " الذين هم على صلاتهم دائمون " فالعوام حد صلاتهم أوقاتهم والعارفون في الصلاة على الدوام قيل لبعضهم هل للقلوب صلاة فقال نعم إذا سجد لا يرفع رأسه أبداً أي إذا سجدت الروح لهيبة الجلال والجمال لا ترفع رأسها أبداً. وإذا دخل القلب حضرة القدس ومحل الأنس فهم دقائق الأسرار وملئ بالمواهب والأنوار وإلى ذلك أشار بقوله:

" أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته ؟"
الرجاء تمنى الشيء مع السعي في أسبابه وإلا فهو أمنية والفهم حصول العلم بالمطلوب ودقائق الأسرار غوامض التوحيد والتوبة الرجوع عن كل وصف ذميم إلى كل وصف حميد وهذه توبة الخواص والهفوات جمع هفوة وهي الزلة والسقطة قلت فهم دقائق الأسرار لا يكون أبداً مع وجود الإصرار أو تقول فهم غوامض التوحيد لا يكون إلا بقلب فريد فمن لم يتب من هفواته ويتحرر من رق شهواته فلا يطمع في فهم غوامض التوحيد ولا يذوق أسرار أهل التفريد يقول أبو سليمان الداراني رضي الله عنه:"إذا أعتادت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علماً"(12) من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم وقيل للجنيد رضي الله عنه:" كيف الطريق إلى التحقيق ؟ قال: بتوبة تزيل الإصرار وخوف يقطع التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل وإهانة النفس بقربها من الأجل وبعدها من الأمل فقيل له بماذا يصل إلى هذا فقال بقلب مفرد فيه توحيد مجرد"(13) فإذا إنفرد القلب بالله وتخلص مما سواه فهم دقائق التوحيد وغوامضه التي لا يمكن التعبير عنها وإنما هي رموز وإشارات لا يفهمها إلا أهلها ولا تفشى إلا لهم ومن أفشى شيئاً من أسرارها مع غير أهلها فقد أباح دمه وتعرض لقتل نفسه كما قال أبو مدين رضي الله عنه: وفي السر أسرار دقاق لطيفة ... تراق دمانا جهرة لو بها بحنا
 وهذه الأسرار هي أسرار الذات وأنوار الصفات التي تجلى الحق بها في مظهر الأكوان(14).

- أدب المريد . العزلة الصمت والجوع والسهر

فإن أضاف المريد إلى العزلة الصمت والجوع والسهر فقد كملت ولايته وظهرت عنايته وأشرقت عليه الأنوار وأنمحت من مرآة قلبه صور الأغيار وقد أشار الشيخ إلى بعض ذلك متعجباً من ضده فقال:
" كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته"
        قلت جعل الله قلب الإنسان كالمرآة ينطبع فيها كل ما يقابلها وليس لها إلا وجهة واحدة فإذا أراد الله عنايته بعبد شغل فكرته بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ولم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية والخيالات الوهمية فأنطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان والإحسان وأشرقت فيها أقمار التوحيد وشموس العرفان، وإذا أراد الله تعالى خذلان عبد بعدله وحكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية والشهوات الجسمانية فأنطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه فأنحجب بظلماتها الكونية وصورها الخيالية عن أشراق شموس العرفان وأنوار الإيمان فكلما تراكمت فيها صور الأشياء إنطمس نورها وأشتد حجابها فلا ترى إلا الحس ولا تتفكر إلا في الحس فمنها ما يشتد حجابها وينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من أصله وهو مقام الكفر والعياذ بالله ومنها ما يقل صداها ويرق حجابها فتقر بالنور ولا يشاهده وهو مقام عوام المسلمين وهم متفاوتون في القرب والبعد وقوة الدليل وضعفه كل على قدر يقينه وقلة تعلقاته الدنيوية وعوائقه الشهوانية وخيالاته الوهمية وفي الحديث:"إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤها ذكر الله"... الحديث، وقال أيضاً  رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. وإذا علمت أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة إذا قابلها النور أشرقت وإذا قابلتها الظلمة أظلمت ولا تجتمع الظلمة والنور أبداً علمت وجه تعجب الشيخ بقوله كيف يشرق قلب بنور الإيمان والإحسان وصور الأكوان الظلمانية منطبعة في مرآة قلبه فالضدان لا يجتمعان قال الله تعالى :" ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " فمالك أيها الفقير إلا قلب واحد إذا أقبلت على الخلق أدبرت عن الحق وإذا أقبلت على الحق أدبرت عن الخلق فترحل من عالم الملك إلى الملكوت ومن الملكوت إلى الجبروت وما دمت مقيداً في هذا العالم بشهواتك وعوائدك فلا يمكنك الرحيل إلى ربك وإلى ذلك أشار بقوله:
 "أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته"
 الرحيل هو النهوض والإنتقال من وطن إلى وطن وهو هنا من نظر الكون إلى شهود المكون أو من الملك إلى الملكوت أو من الوقوف مع الأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب أو من وطن الغفلة إلى اليقظة أو من حظوظ النفس إلى حقوق الله أو من عالم الأكدار إلى عالم الصفا أو من رؤية الحس إلى شهود المعنى أو من الجهل إلى المعرفة أو من علم اليقين إلى عين اليقين أو من عين اليقين إلى حق اليقين أو من المراقبة إلى المشاهدة أو من مقام السائرين إلى وطن المتمكنين والمكبل هو المقيد والمراد بالشهوات كل ما تشتهيه النفس وتميل إليه قلت الرحيل مع التكبيل لا يجتمعان فما دام القلب محبوساً بالميل إلى شيء من هذا العرض الفاني ولو كان مباحاً في الشرع فهو مقيد به ومكبل في وطنه فلا يرحل إلى الملكوت ولا تشرق عليه أنوار الجبروت فتعلق القلب بالشهوات مانع له من النهوض إلى الله لإشتغاله بالإلتفات إليها،وقد تقدم في حقيقة التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة وكان شيخناً رضي الله عنه يقول:" إن شئتم أن نقسم لكم لا يدخل عالم الملكوت من في قلبه علقة"،  فاقطع عنك يا أخي عروق العلائق وفر من وطن العوائق تشرق عليك أنوار الحقائق. وإذا رحل القلب من وطن شهواته وتطهر من لوث غفلاته وصل إلى حضرة ربه وتنعم بشهود قربه ولذلك أشار بقوله:
" أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته"
 الحضرة هي حضور القلب مع الرب وهي على ثلاثة أقسام حضرة القلوب وحضرة الأرواح وحضرة الأسرار فحضرة القلوب للسائرين وحضرة الأرواح للمستشرفين وحضرة الأسرار للمتمكنين أو تقول حضرة القلوب لأهل المراقبة وحضرة الأرواح لأهل المشاهدة وحضرة الأسرار لأهل المكالمة وسر ذلك أن الروح ما دامت تتقلب بين الغفلة والحضرة كانت في حضرة القلوب فإذا إستراحت بالوصال سميت روحاً وكانت في حضرة الأرواح وإذا تمكنت وتصفت وصارت سراً من أسرار الله سميت سراً وكانت في حضرة الأسرار والله تعالى أعلم قلت الحضرة مقدسة منزهة مرفعة لا يدخلها إلا المطهرون فحرام على القلب الجنب أن يدخل مسجداً الحضرة وجنابة القلب غفلته عن ربه قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا " أي لا تقربوا صلاة الحضرة وأنتم سكارى بحب الدنيا وشهود السوى حتى تتيقظوا وتتدبروا ما تقولون في حضرة الملك ولا جنباً من جماع الغفلة وشهود السوى حتى تتطهروا بماء الغيب يعني تطهر من شهود نفسك بماء الغيبة عنها بشهود ربك أو تطهر من شهود الحس بشهود المعنى أو تطهر من شهود عالم الشهادة بماء شهود عالم الغيب أو تطهر من شهود السوى بماء العلم بالله فإنه بغيب عنك كل ما سواه وإذا تطهرت من شهود السوى تطهرت من العيوب كلها وهذا الماء الذي هو ماء الغيب هو النازل من صفاء بحار الجبروت إلى حياض رياض الملكوت فتغرقه سحائب الرحمة وتثيره رياح الهداية فتسوقه إلى أرض النفوس الطيبة فتملأ منه أودية القلوب المنورة وخلجان الأرواح المطهرة

- منهج السلف الصالح فى حياتهم

هذه نماذج لسلفنا الصالح رحمهم الله تعالى في حياتهم ، وكيف كان هذا السلف من الصحابة والتابعين يعيشون في بيوتهم العامرة بالإسلام والقرآن، وكان كل من عاش معهم تأثر بهم وبأخلاقهم ومعاملاتهم، وحياتهم الطيبة المعمورة بالقرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانوا دعاة إلى الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم.

الحرص على الوقت عند الصاحين 

لقد اهتم سلفنا الصالح (رضوان الله عليهم) بعمارة أوقاتهم وحفظها بما ينفعهم في الدنيا والآخرة ، قال ابن الجوزي-رحمه الله-:"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه،وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل". صيد الخاطر ( ص2).

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لرجل وهو يعظه :" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ،وصحتك قبل سقمك ،وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ".رواه الحاكم في المستدرك(4/341) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع(1077)

قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك. وقال أيضًا: يابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك. وقال: الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدًا فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما ندمتُ على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي. وقال ابن القيِّم رحمه الله: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله، والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. وقال السَّرِيُّ بن المُغَلِّس رحمه الله: إن اغتممت بما ينقص من مالك، فابكِ على ما ينقص من عمرك.

السلف الصالح وحرصهم على الصلاة

الصلاة قرة عيون المؤمنين كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : وجعلت قرة عيني في الصلاة  ولذا كان يقول : أرحنا بها يا بلال ؛ فمن فضائل سلف هذه الأمة الصالح، حرصهم على صلاة الجماعة واهتمامهم بها وتشديدهم على من تهاون بشأنها أو قصّر في شهودها، ومن الأخبار الواردة عنهم في ذلك. أخرج الترمذي وحسنه الألباني أنه صلى الله عليه وسلم قال " من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار ، وبراءة من النفاق .

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج من بيته كل يوم، فينادي في الناس، أيها الناس! الصلاة الصلاة، يوقظهم لصلاة الفجر، و قال ابن مسعود رضي الله عنه من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.

وما من رجلٍ يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.

قال سعيد بن المسيب: ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة، وقال: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد و قال أيضا : من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة، فقد ملأ البر والبحر عبادة..، و قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن الذين يتركون صلاة الوتر: ((لا تقبل لهم شهادة)).


بر الوالدين عند السلف الصالح

- قال ابن عباس : مامن مؤمن له أبوان فيصبح ويمسي وهو محسن إليهما إلا فتح الله له بابين من الجنة. وقال أبوالليث السمرقندي: لولم يذكر الله تعالى في كتابة حرمة عقوق الوالدين , ولم يوص بهما , لكان يُعرف بالعقل أن خدمتهما واجبة. وقال هشام بن عروة مكتوب في الحكمة: ملعون من لعن أباه , ملعون من لعن أمه.( ومعناها: أي يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه , فيصبح كأنه هو الذي لعنهما).

- قال بعض الصحابة: ترك الدعاء للوالدين يضيق العيش على الولد. وقال كعب: إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقاً لوالديه ليعجل له العذاب , وإن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان باراً ليزيد براً وخيراً. وقال أبوبكر بن أبي مريم قرأت في التوراة: من يضرب أباه يقتل. وكان محمد بن المنكدر يضع خده على الأرض , ثم يقول لأمه: ضعي قدمك على خدي.

- كان محمد بن سيرين إذا اشترى لوالدته ثوباً اشترى ألين مايجد , فإذا كان عيد صبغ لها ثياباً , وما رفع صوته عليها, كان يكلمها كالمصغي إليها , ومن رآه عند أمه لايعرفه ظن أن به مرضاً من خفض كلامة عندها.
قال عبدالله بن عباس: كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. وقال وهب بن منبه: بلغنا أن الله تعالى قال لعُزير عليه السلام: بر والديك , فإن من بر والديه رضيت , وإذا رضيت باركت , وإذا باركت بلغت الرابع من النسل. وسئل الحسن عن الوالد والوالده فقال: حق الوالد أعظم , وبر الوالدة ألزم.
 عن عون بن عبدالله قال: قال عبدالله: صل من كان أبوك يصله , فإن صلة الميت في قبره أن تصل من كان أبوك يصله بالدنيا. وعن الأشجعي أنه قال: كنا عند سفيان الثوري , فأقبل ابنه سعيد فقال: ترون هذا؟ ماجفوته قط , وإنه ليدعُوني في الصلاة غير المكتوبة فأقطعها له.

الطعام عند السلف الصالح 

الإقلال من الطعام - قال إبراهيم بن أبي أيوب: كان محمد بن عمرو الغزيّ يأكل في شهر رمضان أكلتين. - وقال أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت عند المهتدي عشيَّةً في رمضان، فقمت لأنصرف فقال: اجلسْ. فجلست، فصلى بنا، ودعا بالطعام، فأُحضر طبقُ خِلافٍ عليه أرغفةٌ، وآنيةٌ فيها ملحٌ وزيتٌ وخلٌّ، فدعاني إلى الأكل، فأكلتُ أكلَ من ينتظر الطبيخ. فقال: ألم تكن صائمًا؟
قلت: بلى. قال: فكُلْ واستوفِ، فليس هنا غير ما ترى!

  عن مالك بن دينار قال: إنه لتأتي علي السنة: لا آكل فيها، إلا في يوم الأضحى؛ فإني آكل من أضحيتي لما يذكر فيه. حلية الأولياء(2/ 366) عن أبي معمر قال: حدثني أبي عن جدي، قال: كنت عند مالك، فأخذ جلدة مساعدة؛ فقال: ما أكلت العام رطبة، ولا عنبة، ولا بطيخة ـ فجعل يعد كذا وكذا ـ؛ ألست أنا مالك بن دينار؟ حلية الأولياء(2/ 366).

كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يطوف بالبيت، وهو يقول: ويل لي من بطني: إذا أشبعته: كظني، وإن أجعته: سبني. حلية الأولياء(1/ 382). وعنه قال: خلطت دقيقي بالرماد، فضعفت عن الصلاة؛ ولو قويت عن الصلاة، ما أكلت غيره. حلية الأولياء(2/ 367). وعن محمد بن واسع قال: من قل طعمه: فهم وأفهم، وصفا ورق؛ وإن كثرة الطعام: لتثقل صاحبة عن كثير مما يريد. حلية الأولياء(2/ 351).

إطعام الطعام 

وكان كثير من السلف يُؤثِر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه، فلم يفطر في تلك الليلة. وكان من السلف من يُطعِم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروّحهم، منهم الحسن وابن المبارك. قال أبو السوار العدوي: "كان رجال من بني عديّ يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قَطُّ وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلاّ أخرج طعامه إلى المسجد، فأكله مع الناس وأكل الناس معه".

الجود في رمضان 

قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}1، وقال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}2، إن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع، وإعطاء المسكين، وإتحاف الفقير، وشهر رمضان هو موسم للمتصدقين، والجود: هو سعة العطاء وكثرته، وهو صفة من صفات الله - تعالى- فهو الموصوف ،روى الفضيل بن عياض أن الله - تعالى - يقول كل ليلة: ((أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم)).

وقد روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"3، وفي رواية أحمد زيادة "لا يسأل عن شيء إلاَّ أعطاه".

قال المهلب: وفيه بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض، ألا ترى أن بركة الصيام، ولقاء جبريل، وعرضه القرآن عليه زاد في جود النبي r وصدقته، حتى كان أجود من الريح المرسلة. وقال ابن رجب: قال الشافعي : أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.

وكان ابن عمر -رضي لله عنهما- يصوم ولا يفطر إلاَّ مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه، لم يتعشَّ تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائلٌ وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائلَ، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجَفْنةِ، فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا. يقول يونس بن يزيد: كان ابن شهاب إذا دخل رمضان، فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. وكان حماد بن أبي سليمان يفطِّر في شهر رمضان خمسمائة إنسان، وإنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم.

البخاري: كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان (1803)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة (2308).

السلف الصالح وحفظ اللسان

ذكر الإمام مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه أي يجره بشدة، فقال عمر: ( مَـه !! غفر الله لك " فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه : "إن هذا أوردني الموارد").

عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: أحق ما طهر العبد، لسانه. حلية الأولياء(1/ 307)، وكان طاووس بن كيسان رضي الله عنه يعتذر من طول السكوت ويقول: ( إني جربت لساني فوجدته لئيماً راضعاً) ، وكان عبد الله بن وهب رحمه الله يقول : ( نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني – يعني تعبت – فكنت أغتاب وأصوم أغتاب وأصوم .. فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة).

قال النووي في الأذكار : بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا , فقال أحدهما لصاحبه : (كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟ فقال : هي أكثر من أن تحصى , والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب, فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها .. قال : ما هي ؟ قال : حفظ اللسان !!).

عن الربيع بن خثيم قال: أقلوا الكلام، إلا بتسع: تسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن. حلية الأولياء(2/ 109)

وعن رجل من بني تيم ، قال: جالست الربيع - بن خثيم - عشر سنين، فما سمعته يسأل عن شيء من أمر الدنيا، إلا مرتين، قال مرة: والد تك حية؟ وقال مرة: كم لكم مسجداً؟ حلية الأولياء(2/ 110)

عن مورق العجلي قال: لقد سألت الله حاجة كذا وكذا منذ عشرين سنة فما أعطيتها، ولا أيست منها، فسأله بعض أهله: ما هي؟ قال: أن لا أقول ما لا يعنيني.حلية الأولياء(2/ 235)

عن يونس بن عبيد قال: خصلتان إذا صلحتا من العبد، صلح ما سواهما من أمره: صلاته، ولسانه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". البخاري: كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم (1804).

سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فأقبل عليه؛ فقال: مه أيها الرجل، فإنك لو قد وافيت الآخرة، كان أصغر ذنب عملته قط، أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج؛ واعلم أن الله تعالى حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه، فسوف يأخذ للحاج ممن ظلمه؛ فلا تشغلن نفسك بسب أحد.حلية الأولياء(2/ 271).

وعن علي بن أبي طالب قال: إن الصيام ليس من الطعام والشراب، ولكن من الكذب والباطل واللغو. وعن طلق بن قيس قال: قال أبو ذر : إذا صمتَ فتحفّظ ما استطعت. وكان طلق بن قيس إذا كان يوم صومه دخل فلم يخرج إلاَّ لصلاة. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام، باب ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب 2/421.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام

وعن أبي متوكل أن أبا هريرة وأصحابه كانوا إذا صاموا جلسوا في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام ، وعن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا كنت صائمًا فلا تجهل، ولا تساب، وإن جُهِل عليك فقل: إني صائم. أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (7456). وعن مجاهد قال: خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب. أخرجه عبد الرزاق في المصنف.

السلف الصالح وإخفاء العمل

كان الصالحون يسترون عباداتهم ، ويخفون طاعاتهم خوفا من دواعي الرياء والسمعة ونحوه مما قد يخدش الإخلاص و ينقصه، ومن أخبار السلف الصالح في الحرص على إخفاء أعمالهم؛ خوفًا على أنفسهم.. فهذا التابعي الجليل أيوب السختياني يحدث عنه حماد بن زيد فيقول: "كان أيوب ربما حدَّث بالحديث فيرقّ، فيلتفت فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام؟ يُظهِر أنه مزكوم لإخفاء البكاء".

وعن محمد بن واسع قال: "لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة وقد بلَّ ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته. ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي جنبه". وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.

وعن ابن أبي عدي قال: "صام داود بن أبي هند أربعين سنةً لا يعلم به أهله، وكان خرازًا يحمل معه غذاءه من عندهم فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشيًّا فيفطر معهم". قال سفيان الثوري: "بلغني أن العبد يعمل العمل سرًّا، فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه، فيُكتب في العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحبَّ أن يُحمد عليه، فيُنسخ من العلانية فيثبت في الرياء".

كان عبد الله بن المبارك - رحمه الله- يضع اللثام على وجهه عند قتاله في سبيل الله. وكان عبد الرحمن بن مهدي يصلي فإذا دخل الداخل نام على فراشه ، وقال الشافعي لوددت أن الخلق يتعلمون مني ولا ينسب إلي منه شئ.

قال الحسن البصري: "إن كان الرجل لقد جمع القران وما يشعر به جاره ، وان كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس ، وان كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعند الزور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون في علانية أبدا".

الاثنين، 10 يوليو 2017

- من صفات الكرام

 إن أهم ما يتميز به المسلم  المخلص تواضعُه وإنكاره للذات، فحياته كلها تتسم بالبساطة والفطرية، وقلبه مفعم بالتجرد والبساطة، وعينه مليئة بأنوار البساطة، حتى مسكنه ومحيطه وبيئته لا يشاهد فيها إلاّ التواضع والبساطة.

نعم إنه استلهم هذه الخصلة الجميلة من القرآن الكريم ومن سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم المطهرة. ألم تكن أطواره صلى الله عليه وسلم طوال حياته تتسم بالبساطة والتواضع. فكما كان صلى الله عليه وسلم في تواضع جمّ أيام بدئه بالتبليغ في مكة المكرمة، كان كذلك في التواضع نفسه عندما دخل مكة قائداً فاتحاً -بعد أن أُخرج منها قبل ثماني سنوات- دخلها بالجيش الذي أنشأه في المدينة المنورة، دخلها وهو واضع رأسه على عنق دابته.. فما أجمل هذا المثال على ازدياد تواضعه وخشوعه لله كلما مر الزمان.

كان عطشاً فطلب ماء. وبئر زمزم حوله أقداح يستعملها الناس. أسرع صحابي إلى إحدى البيوت القريبة لجلب قدح خاص للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وإذا بالرسول يأمره أن يأتيه بأي قدح من الأقداح التي يشرب منها الناس. إنه لم يميّز نفسه عن الناس، وأمر بذلك. إذ قال: أنا واحد من الناس أشرب مما يشربون به. أما أمضى حياته كلها على حصير من ليف النخيل، حتى التحق بالرفيق الأعلى وهو على الحصير نفسه؟ بل دفن في موضع ذلك الحصير. وهو جزء من الروضة التي نعدها أقدس من الجنة. فلم يك في حياته أي اعوجاج قط. وما أظن طريق التبليغ إلاّ هذا.

 كان سيدنا عمر رضي الله عنه يحكم أرضا تسع سبع مرات مساحة تركيا في الوقت الحاضر. ومع ذلك لم يتغير طوره في حياته منذ أن أسلم. كان أفقر أهل المدينة حين تولى الخلافة وأفقرهم حين استشهاده. وقد وردت روايات أنه كان على ملابسه أكثر من ثلاثين رقعة.[1] بل كثيراً ما وجده من يبحث عنه في "البقيع" وهو واضع رأسه على شاهد قبر مستغرقاً في التفكير.[2] نعم هذا هو طرز حياة الخليفة العظيم الذي نـزع التيجان من فوق رؤوس الملوك وألبسها آخرين. وكان هذا الطرز من الحياة أبلغَ جانبٍ من جوانب تأثيره. ويصح أن نقول: إن هذا هو تأثير لسان الحال الذي هو أبلغ من لسان المقال.

لقد سَمع حاتم الأصم وهو من كبار علماء الحديث عن مرض أحد كبار علماء الفقه محمد بن مقاتل -قاضي الريّ- وقرر عيادته مع أحد أصدقائه فجاءا إلى الباب فإذا هم أمام قصر فخم وليس أمام بيت عالم فتردد حاتم من الدخول ثم دخله تحت إصرار صديقه، ولكنه ندم على الدخول، فداخل البيت أفخم من خارجه. ثم دخلا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل، فإذا بفرش وطيئة وإذا هو راقد عليها وعند رأسه غلام يحرك مروحة ليبترد بأنسامها، فتحولت حيرة حاتم أمام هذا المنظر إلى اندهاش، فمحمد بن مقاتل ليس رجلا من الناس بل عالم جليل ولا شك أن سجادته مبللة بدموع صلاة الليل وقيامه، ولكنه بحاجة إلى الإرشاد من حيث ضعفه ورغبته في العيش الرغيد، وحاتم أهل لهذه الوظيفة ويقدر على إبلاغه ما يفيده. ولهذا بدأ بينهما الحوار.

"فقال له حاتم: علمُك هذا من أين جئت به؟ قال: الثقات حدثوني به. قال: عن مَن؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين جاء به؟ قال: عن جبريل عليه السلام. قال حاتم: ففيم أداه جبريل عن الله وأداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأداه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأداه أصحابه إلى الثقات وأداه إليك هل سمعت في العلم من كان في داره أمير أو منعة؟ قال: لا. قال: فكيف سمعتَ مَن زَهدَ في الدنيا ورَغبَ في الآخرة وأحبّ المساكين وقدّم لآخرته كان له ثَمّ الله المنـزلة أكثر. فازداد ابن مقاتل مرضا. فقال مَن حوله إلى حاتم: ستقتل بكلامك الرجل. قال: بل أنتم بأطواركم هذه تقتلونه.

نعم، إن السكوت أمام الذين درجوا في درب الإرشاد والتبليغ ثم عدلوا عما كانوا عليه -بتوجه الناس اليهم- يعني قتلهم والإساءة إليهم.

وحاتم الأصم أدى ما كان عليه أن يؤديه في ذلك الموقف.

وفي يوم آخر سار إلى الإمام الطنافسي، وهو من العلماء الأعلام في زمانه. وكان في بحبوحة من العيش لعلاقته القوية مع رجال الدولة. فدخل عليه فقال: "رحمك الله أنا رجل أعجمي أحب أن تعلّمني أول مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة؟ قال: نعم وكرامة. يا غلام إناء فيه ماء. فأُتي بإناء فيه ماء، فقعد الطنافسي فتوضأ ثلاثا، ثم قال: يا هذا هكذا فتوضأ. قال حاتم: مكانك يرحمك الله حتى أتوضأ بين يديك فيكون أوكد لما أريد. فقام الطنافسي فقعد حاتم فتوضأ ثلاثا ثلاثاً حتى إذا بلغ غسل الذراعين غسل أربعا فقال له الطنافسي: يا هذا أسرفتَ. قال له حاتم: في ماذا؟ قال: غسلتَ ذراعيك أربعا. قال حاتم: يا سبحان الله أنا في كفّ من ماء أسرفتُ وأنت في هذا الجمع كلّه لم تسرف.. فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، لم يرد أن يتعلم منه شيئا".[3]

والطنافسي عالم جليل القدر إلاّ أن ارتباطه برجال الدولة ساقه إلى هذا النمط من الحياة. وحاتم الأصم نبّهه إلى ما لا يليق برجل الإرشاد من نمط الحياة.

أما في الوقت الحاضر فالذين يعيشون هذا الطراز من الحياة الباذخة يزلّون -من حيث لا يشعرون- إلى هذا الوسـط الذي تزل به الأقدام. إلاّ أن المشاهَد أن هؤلاء الذين لم يستطيعوا وجدان ذواتهم يريدون إتمام ما هو ناقص من شخصياتهم بالحياة الباذخة.. وهذا نابع بلا شـك من شعور بالنقص. والمتكاملون بشخصياتهم يترفعون عن مثل هذه الوسائل البسيطة. والمبلّغ أو المرشد هو الإنسان المتكامل بشخصيته. لذا لا يرد بالبال استشرافه لمثل هذه الحياة المرفهة.

إن إنكار الذات علامة الوقار والعظمة. ومتى ما أدرك المرء أنه واحد من الناس يدرك كونه إنساناً. والذين يُعظَّمون بأسباب عرضية ما إن ترفع تلك الأسباب حتى يتلاشوا وينتهوا. فإن كان الغنى والمال والملك والمقام أسباباً لكبرهم وعظمتهم، فذهاب هذه الأعراض من أيديهم يعني اضمحلالهم نهائيا. والحال أن قيمة الإنسان نابعة من غنى ذاته، فتغير الأحوال والأطوار لا يزيد في هذا الغنى ولا ينقص منه ولا يبدل شخصيته بل يبقى بذاته وشخصيته. إذ لا تُعرّف الأعراضُ مَن كان متكاملا بذاته، ولا ينتهي بموته ومفارقته للناس. بل ينصب خيامه في قلوب مئات الألوف. وليكن لا مسكن ولا مأوى له هنا ولتمض حياته على حصير فهو موضع تزاحم الزوار إليه هنا وهناك، وليكن حتى قبره مجهولاً وليس له شاهد قبر..

- المؤمن إنسانًا يَشِعّ منه الأمن

الإيمان يجعل مِن المؤمن إنسانًا يَشِعّ منه الأمن على مَن حوله، بل على الكونِ بأسره، ويجعل مِن عالمه الضيق عالمًا عالميًّا، فيرى الكون مهدًا للأخوّة، وبالتالي يرى الخلقَ جميعًا إخوةً له مِن وجهٍ مَا، فالمسلمون إخوانه في الدين، وغير المسلمين إخوانُه في الإنسانية، كما أُثِر عن سيدنا علي رضي الله عنه؛ ولا جرم أنَّ نظرة المؤمن لإخوانِه في الدين أكثر خصوصيّةً، فهم يشاطرونه الرأي نفسه والشعور ذاتَه، وهو يؤمن بأنه سيكونون معًا في عالم البرزخ وفي الحشر والحساب وفي العبور على الصراط.

فمن يتحلّى بهذا الإيمان لا يُقيم أواصره على منفعةٍ مؤقتة فانية أو مصلحة هنا وأخرى هناك، بل دأبه إقامة آصرة وَصِلة سرمدية أخروية مع من حوله؛ وهذه الآصرة الأخروية ذات قدر عند الله، فهي تقرّب الإنسان من ربه تبارك وتعالى، يَعْقبها توفيق ربانيّ في الدارين، وهذه بشارة أخرى للإيمان، ولك أن تفهم قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “يَدُ اللّٰهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ” (الترمذي: الفتن، 7) في ضوء ذلك، فالله تعالى يحفظ مَن يتحركون معًا من كلّ شرّ دنيويّ، ويمنّ عليهم بنجاح خِططهم، وسيُنعِم عليهم أيضًا بفوزٍ متنوع خالد في الآخرة، أي للعمل الجماعي فضائلُ دنيوية وأخروية.

- على الدرب سائرون.

سنمضي في مسيرتنا نحو عالمنا المنشود...
على الدرب سائرون.. ونحوَ عالمنا المنشود بفضل الله ماضون.. العِلمُ كالإيمان عندنا، والعبادة قرينة الفكر، والأخذُ بالأسباب أجنحةُ التوكّل، والأملُ طاقةٌ للحركة، والصبرُ رفيقُ الدَّرب، والنِّقَمُ والنِّعَمُ سواء، وكذاك هي وعطايا الابتداء؛ فابتداؤه لنا بنعَم غير متوقعة توقيعٌ وتصديق على مصداقية منهلنا الأصيل.

على الدرب سائرون.. وهو سبحانه وتعالى من يكلؤنا ويرعانا دَومًا، بتجلّيات نورانية ذات أبعاد أخروية، وبأثيرٍ حسّاس يلتقطُ أحسنَ الحديث دون أن تشُوبَهُ آذانُنا بشائبة، وبإلهاماتٍ اصطبغَتْ بحِكَم سرائرنا.. واثقون من أنهه تعالى لن ينسانا، ولن يدَعنا في الدرب وحدَنا، هذا إنْ لم نقطع ما بيننا وبينه من صلة المخلوق بالخالق، ولم نقع إبّان نظرتنا لهباته ونِعَمه في إسار الإلف والاعتياد؛ فبهما يغدو وجه النعم شاحبًا، وتذهب نضارتها وغضارتها.

على الدرب سائرون... نبحث عن جيل مستنير مشرق يَعِدُ الدنيا بالجديد، نصطنعه لرسالتنا من بين عصرٍ وَهَنَ أهله وصاروا غُثاء.

على الدرب سائرون.. لا نشوّه سمعة أحد، ولا نلوّث ولا نُهين، نخطط في ضوء الحَرَاك والإنتاج، وننشط في حركتنا وأنشطتنا نشاط فِرَق الإنقاذ، لا تصدُّنا عثرات الدروب، ولا تَعُوّقنا عقباتها، حتى نُقدّم للإنسانية قومًا سَفْرًا قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾(الْحِجْر:47).

سنمضي في مسيرتنا نحو عالمنا المنشود..

فتح الله كولن

الاثنين، 3 يوليو 2017

- تنزل الملائكة عند سماع القران


🌹كان أصحاب رسول الله عندما يقرأ واحد منهم القرآن تنزل الملائكة ، وقد كان رجل منهم يقرأ القرآن في بيته بجوار ابنه النائم وبجوار فرسه،

🍄 وعندما استرسل في القراءة وجد الفرس يتحرك حركة شديدة فخاف علي ابنه من الفرس فقطع القراءة ونظر فإذا به يرى :💡مصابيح💡في سقف الحجرة مثل الظلة أى نجفة كبيرة تضئ له المكان.

🍀 فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكي له ما رآه وهذا الرجل كان سيدنا أسيد بن حضير رضي اللّه عنه،
🌲فقال صلى الله عليه وسلم :
  - قَالَ وَتَدْرِي مَا ذَاكَ قَالَ لَا قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ ،
"صحيح البخاري"

أي: { تلك الملائكة تنزلت لتلاوتك القرآن،
 ولو واصلت التلاوة لرآها الناس صباحاً }.

📎إذاً تنزل الملائكة لكي تسمع القرآن من أهـل القـرآن :
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ [31 فصلت].
    🌟ولم يقل الله " تنزل " وإنما ذكرها بالمضارع
 المستمر" تتنزل "أى باستمرار ،
💫 ماذا يفعلون عند نزولهم ؟ يحادثونهم ويؤانسونهم ويكلمونهم ويعلمونهم ويعلنوا  أنهم جند الله المقربين
 و في خدمة هؤلاء الصالحين:

أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ [ 30 فصلت].

💞 وأولياؤكم أي نحن الخدم الخاص بكم مرونا بما شئتم نكن طوع أمركم ورهن إشارتكم ،
🌼 وذلك لأنهم عملوا بما قرأوا من كتاب الله جل وعلا
====================================
              من كتاب سياحة العارفين
 👑 لفضيلة الشيخ / فوزي محمد أبو زيد 👑

شارك فى نشر الخير