آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 30 يوليو 2012

- ما شبهة قسوة أحكام الشريعة؟

هل أحكام الشريعة قاسية
يقولون أحكام الإسلام قاسية، فما الموقف إذا كانت هذه الأحكام هي ما لدى اليهود والنصارى في الكتاب المقدس؟ سيقولون: لقد تركنا رجم الزناة مع وجوده في التوراة لأنه قاس عنيف، وتركنا القصاص كذلك نفسًا بنفس وعينًا بعين، لأن تنفيذ ذلك أمر مخيف!. ولا أريد أن أقول: لا تذموا الإسلام بأمر هو في كتابكم المقدس، وإنما أريد أن أتساءل: ماذا كسبتم من جحد القصاص وإلغاء عقوبة الإعدام؟ إنكم خدمتم المجرمين وأشعتم العدوان في أقبح صوره!

قرأت هذا الخبر الآتي من “لندن” تحت عنوان “السجن مدى الحياة لثلاثة بريطانيين مزقوا ضحيتهم إلى شرائح”. استدرج رجال ثلاثة، وهم حفار قبور، وبواب، وعامل، ضحيتهم إلى منزل أحدهم لسرقته وبعد ضربه على رأسه بمدية، قطعوا الجسد إلى شرائح باستخدام سكين كهربائي يعين على تمزيق اللحم، بينما كان المسكين لا يزال حيا (!) ثم نثروا اللحم الممزع في منطقة قريبة لإلقاء القمامة وتنبه الجيران عندما رأوا دماء الضحية تنساب من أبواب المنزل، كما أبلغت سيدة الشرطة، أن القتلة دعوها إلى تناول بعض اللحم الطازج (!) وظلت محاكمة القتلة شهرين، وقد تأجلت في إحدى الجلسات عندما شعر المحلفون بالغثيان بعد أن رأوا الصور الملتقطة للأشلاء –التي كانت سابقًا رجلا يحيا لنفسه وأهله.

بماذا جوزي المجرمون؟ بالسجن يأكلون ويسكرون ما بقوا أحياء!! إن قتل هؤلاء عيب يوصم به الإسلام، ويصد عن الدخول فيه!!

وننتقل من أوربا إلى أمريكا، حيث حكم القاضي في مدينة “أطلانطا” بالسجن مدى الحياة على مجرم متهم بقتل ثمانية وعشرين شابًا من الزنوج صرعهم واحدًا بعد الآخر خلال عام تقريبًا..
قالت صحيفة الراية القطرية: إن موجة القتل توقفت بعد اعتقال المتهم، كما انتهى الرعب الذي كان يسود المدينة، وعلى الدولة أن تطعم هذا المجرم كذلك حتى يموت حتف أنفه لأن القصاص عيب، والإسلام يؤكد هذا العيب! ومن ثم فلا يجوز أن ندخل فيه! أهذا ما يرضي آباء الكنيسة؟!

يوم يكون الخطأ زلة قدم لم تألف العوج، أو انهيارًا مباغتًا في الإرادة الإنسانية وهي تنشد الخير، فإن الإسلام يقف مع العاثر حتى ينهض ومع المنهار حتى يثبت، والشروط التي وضعها لإقامة الحدود والقصاص تؤكد هذه الحقيقة.

أما تحوّل الرذيلة إلى عمل معتاد لا حياء في مواقعته، فإن ذلك ما تنهض السلطة في الإسلام لمقاومته بالرجم أو الجلد، ولست أتصور فاحشة ترتكب أمام أعين أربعة من الرجال إلا أنها مسلك دابة هائجة في إحدى الغابات أو أحد الأجران!! كيف تستغرب الصرامة في منع هذا البلاء؟

إن الحد تسقطه شبهة!!.. وقد تسقطه –في بعض المذاهب- التوبة، والقضاء بصير بمواضع العنف واللطف، والمهم صوت المجتمع من استقرار الفساد والجرأة على المحرمات.!
أما القصاص فهو مشروع للإحياء لا للإماتة، وإبطال القصاص ذريعة للمزيد من سفك الدماء وإهدار حق الحياة، ونشر القلق في كل ناحية.
والغريب أن الاستعمار الثقافي جعل بعض المسلمين المعاصرين يستحي من شرائع الحدود والقصاص، ويريد أن تكون دار الإسلام مرقصًا عامًا تنمو فيه الدنايا، أو مسرحًا يجد فيه المتوحشون فرصًا شتى للاغتيال والاعتداء كما حكينا عن بعض العواصم..!
هذه ملاحظة خاطفة عن صرامة العقوبات الإسلامية التي يقال: إنها تصد الناس عن الإسلام، أو التي زعمها المبشرون مآخذ على الإسلام..

- الإمام الجنيد

- الإمام الجنيد
علم من أعلام التصوف الإمام الجنيد
أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلامالتصوف السني في القرن الثالث الهجري[1]، أصله نهاوند في همدان (مدينة اذرية)، ومولده ومنشؤه ببغداد.
المربى بفنون العلم المؤيد بعيون الحلم المنور بخالص الإيقان وثابت الإيمان ، العالم بمودع الكتاب والعامل بحلم الخطاب ، الموافق فيه للبيان والصواب
هو شيخ الصوفية ولد سنة نيف وعشرين ومائتين وتفقه على أبي ثور ، وسمع من السري السقطي وصحبه ، ومن الحسن بن عرفة ، وصحب أيضا الحارث المحاسبي وأبا حمزة البغدادي ، وأتقن العلم ، ثم أقبل على شأنه ، وتأله وتعبد ، ونطق بالحكمة ، وقل ما ورى كان كلامه بالنصوص مربوطا وبيانه بالأدلة مبسوطا ، فاق أشكاله بالبيان الشافي واعتناقه للمنهج الكافي ولزومه للعمل الوافي .
قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي: «هو من أئمة القوم وسادتهم؛ مقبول على جميع الألسنة»[1].
صحب جماعة من المشايخ، وأشتهر بصحبة خاله سري السقطي، والحارث المحاسبي. ودرس الفقه على أبي ثور، وكان يفتي في حلقته وهو ابن عشرين سنة. توفي يوم السبت سنة 297 هـ[1]


أساتذته
محمد بن إبراهيم البغدادي البزاز أبو حمزة ،بشر بن الحارث ،سري السقطي

أصحاب الجنيد
أبو بكر الشبلي ،أبو محمد الجريري وأبن الأعرابي أبو العباس أحمد بن محمد بن زياد إسماعيل بن نجيد ،
علي بن بندار أبو الحسن الصيرفي ،عبد الله بن محمد الشعراني أبو محمد الرازي الأصل
أبو الحسين علي بن هند القرشي الفارسي، من كبار مشايخ الفرس وعلمائهم

سيرته :

هو إمامٌ ضُرب بعلمه وحاله وسلوكه أروع المثل، وقدّم من جوهر صوفيته وتحقُّقه أنصع البراهين وأقوى الحجج على أن التصوف يُمثِّل أعلى قِمّة في الإسلام، يظل لواؤها صفوة عباد الله.


"وكان قد سمع الحديث عن الكثير من الشيوخ، وشاهد الصالحين وأهل المعرفة، ورُزِق من الذكاء وصواب الجوابات في فنون العلم ما لم يُر في زمانه مثله عند أحد من قرنائه، ولا ممن أرفع سنّا منه، ممن كان ينسب منهم إلى العلم الباطن والعلم الظاهر، في عفاف وعزوف عن الدنيا وأبنائها".
حصّل الجنيد العلم الضروري الذي لا يحصل إلا بالنقل وهو علم الفقه والحديث على أبي ثور، وكان يُفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة، ولم يكد يبلغ الثلاثين من عمره حتى رأى السري السقطي أنه أصبح مُؤهّلاً للجلوس والتدريس وإدارة حلقات العلم بالمساجد، غير أنه تحشّم ولم يجد نفسه أهلا لذلك، حتى رأى ليلة في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ليلة جمعة، فقال له صلى الله عليه وسلم: تكلّم على الناس، فانتبه من نومه وأتى باب السري السقطي قبل أن يصبح...، فقال له السري: لم تُصدِّقنا حتى قيل لك...، وكان أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسما، فقعد الجنيد في غدٍ للناس بالجامع."وكانت مجالسه هي جامعة بغداد الكبرى، كان عُشّاق الأدب يحضرون مجالسه ليتزودوا بالمُضِيء من القول، والمُشرِق من البيان، ويحُف به الفقهاء ينشدون لديه القول الفصل والحكم المبين، ويحيط به الفلاسفة ليتفقهوا دقائق الحكمة وأسرار النفوس والأكوان، ويلوذ به المتكلمون ليأخذوا عنه طرائق البحث وفنون الحديث، ويتبعه رجال التصوف، فهو النبع الذي يتدفق رحيقه من عرش الإيمان".

وجلوس الجنيد -رحمه الله تعالى- في حلقة بالمسجد يفتي ويدرس ويناقش، مكنّه من إرساء قواعد العلم الصوفي كواحد من العلوم الإسلامية جنبا إلى جنب مع علم الفقه والحديث والتفسير وغيرها، وذاع صيته حتى أصبح المرجع الديني الأكبر للعامة والخاصة في بغداد وفي المشرق العربي على امتداده، في حقبة تاريخية عصيبة تمثلت في صراع الفقهاء مع علماء الكلام.

طائفة من أقوال ابن تيمية فى الإمام الجنيد :
( قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوةً إلا بالله. فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء. فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعلميا وتأديبا وتقويما ـ وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة؛ لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا. فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالاً ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه)
( والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال. وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك؛ وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى )
( ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى )
( فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم ) .
وقد أثنى عليه ابن القيم كثيرا في كتابه مدارج السالكين

وقال عنه " ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول رؤى في يد الجنيد سبحة فقيل له أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا وقال إسماعيل بن نجيد كان الجنيديجيء كل يوم إلى السوق فيفتح باب حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته ودخل عليه ابن عطاء وهو في النزع فسلم عليه فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة فقال اعذرني فإني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت أبا القاسم الجنيد أنا وجماعة من أصحابنا فكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا فقال له بعض أصحابه ما هذا يا أبا القاسم فقال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد هذا.
وقت يؤخذ فيه الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات ودخل عليه شاب وهو في مرضه الذي مات فيه وقد تورم وجهه وبين يديه مخدة يصلي إليها فقال وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة فلما سلم دعاه وقال شيء وصلت به إلى الله فلا أدعه ومات بعد ساعة رحمة الله عليه وقال أبو محمد الجريري كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن فقلت له يا أبا القاسم ارفق بنفسك فقال يا أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي وقال أبو بكر العطوي كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ في ختمة أخرى فقرأ من البقرة سبعين آية ثم مات وقال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيدفي النوم فقلت ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعد ما وصلوا إليه فقال الجنيد العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك وقال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه وقال من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن وقال أبو نعيم سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت الجنيد ما علامة الإيمان فقال علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضي ويزول.- فرحمة الله على أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه ما أتبعه لسنة الرسول وما وما أقفاه
رأى علماء عصره فيه
لقد نال الجنيد مرتبة عالية، وإعجابا كبيرا، وثناء عجيبا من علماء الأمة ومؤرخيها، إذ اتفقوا "... على قبوله، والاعتداد بقوله، وعدُّوه وليّا من أولياء الله تعالى...". [9]

قال السبكي: سيد الطائفة ومقدم الجماعة وإمام أهل الخرقة وشيخ طريقة التصوف وعَلم الأولياء في زمانه.

قال إسماعيل بن نجيد فيما يرويه عنه صاحب تاريخ بغداد: "كان يقال: إن في الدنيا من هذه الطبقة ثلاثة لا رابع لهم: الجنيد ببغداد، وأبو عثمان بنيسابور، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام". [10]

ويضيف البغدادي: "قال جعفر بن محمد الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير أبي القاسم الجنيد، وإلا فأكثرهم كان يكون لأحدهم علم كثير ولا يكون له حال، وآخر يكون له حال كثير وعلم يسير، وأبو القاسم الجنيد كانت له حال خطيرة، وعلم غزير، فإذا رأيت حاله رجحته على علمه، وإذا رأيت علمه رجحته على حاله". [11]

وشهد له ابن الأثير بالإمامة، قال: "... وكان إمام الدنيا في زمانه...". [12]

وقال عنه ابن خلكان: "الزاهد المشهور...، وكان شيخ وقته وفريد عصره، وكلامه في الحقيقة مشهور مُدوّن...". [13]

وروى الجامي عن أبي عبد الله بن خفيف [14] قوله: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلِّموا أحوالهم: الحارث المحاسبي، والجنيد، ورويم، وابن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي، قدس الله أسرارهم، لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق". [15]

وقال الشيخ أبو جعفر الحداد: "لو كان العقل رجلا لكان الجنيد". [16]

ومن العلماء المتأخرين الذين أثنوا على الجنيد الإمام الشوكاني، قال:

ولكم مشى هذي الطريقة صاحب لمحمد فمشوا على أعقابـــــــه

فبها الغفاري قد أنــــــــاخ مطيـه ومشى بها القرني بسبق ركابه

وبها فضيـل والجنيد تجاذبــــــــــا كأس الهوى وتعللا برضابــــه [17]

قال عبد الواحد بن علوان : سمع الجنيد يقول : علمنا - يعني التصوف - مشبك بحديث رسول الله .

وعن أبي العباس بن سريج : أنه تكلم يوما فعجبوا ، فقال : ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد.

وعن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة : رأيت لكم شيخا ببغداد يقال له الجنيد ، ما رأت عيناي مثله ، كان الكتبة - يعني البلغاء - يحضرونه [ ص: 68 ] لألفاظه ، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه ، والمتكلمون لزمام علمه ، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم .

قال الخلدي : لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير الجنيد . كانت له حال خطيرة ، وعلم غزير ، إذا رأيت حاله رجحته على علمه ، وإذا تكلم رجحت علمه على حاله .

أبو سهل الصعلوكي : سمعت أبا محمد المرتعش يقول : قال الجنيد : كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين ، فتكلموا في الشكر ، فقال : يا غلام ، ما الشكر ؟ قلت : أن لا يعصى الله بنعمه ، فقال : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك . قال الجنيد : فلا أزال أبكي على قوله .

السلمي : حدثنا جدي ابن نجيد قال : كان الجنيد يفتح حانوته ويدخل ، فيسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة .

وعنه قال : أعلى الكبر أن ترى نفسك ، وأدناه أن تخطر ببالك - يعني نفسك .

أبو جعفر الفرغاني : سمعت الجنيد يقول : أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب جل جلاله من القلب ، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان .

قيل : كان نقش خاتم الجنيد : إن كنت تأمله فلا تأمنه .

وعنه : من خالفت إشارته معاملته ، فهو مدع كذاب .

وفي رأي عبد الحليم محمود، كان الإمام الجنيد "متزنا كامل الاتزان، وكان متعبدا على علم، وكان عالما كأجمل وأعمق ما يكون العلم...، وكان الجنيد إماما لهم، ومرشدا، وأخذ بأيديهم إن قصروا، ومهدئا لهم إن زاد بهم الوله: لقد كان قائدا يفرح بالنابه من جنده، ويشد أزر من تعثر به الطريق، ويرد جماح الجامحين، والكل يدين له بالفضل ويعترف له بالتقدير". [18]

ووصفه الإمام ابن تيمية بأنه إمام من أئمة الهدى، قال: "... ولهذا كان الجنيد -رضي الله عنه- سيّد الطائفة إمام هدى...". [19]

أما فريد الدين العطار، فأثنى عليه بما هو أهله، في قوله: "وكان في جميع العلوم ماهرا، وفي الفنون كاملا، وفي الأصول والفروع مُفتياً، وفي المعاملات والرياضات والإشارات العالية سابقا على الأقران، ومن أول حاله إلى آخر حاله حميدا مقبولا. والكل متفق على أمانته وكماله، وكلامه حجة في علم الطريقة، وما استطاع أحد أن يعترض عليه بمخالفة السنة".[20]

لقد حظي الجنيد بمكانة متميزة بين السابق واللاحق، فأثنوا عليه الثناء الحسن، وأنزلوه المنزلة الرفيعة، أهَّله لذلك حُسْنُ سَمْتِهِ وأخلاقه ومنهجه السلوكي التربوي، القائم على مجاهدة النفس وترويضها، والالتزام بصالح الأخلاق والأعمال، انطلاقا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم عليه الصلاة والتسليم، فاستحق بذلك لقب سيد الطائفة وتاج العارفين، رضوان الله عليهم أجمعين.

"وقلّما حظيت شخصية صوفية باهتمام المؤرخين بمثلما حظيت به شخصية الجنيد. كيف لا وهو الجامع بين الشريعة والحقيقة والواضع للمريدين أصول الطريقة، وهو أول من صاغ المعاني الصوفية تعبيرا، وشرحها تفسيرا، وحررها تحريرا".[21]
من أقواله وحكمه :
يَقُوْلُ: مَا أَخَذْنَا التَّصَوُّفَ عَنِ القَالِ وَالقِيْلِ، بَلْ عَنِ الجُوْعِ، وَتَركِ الدُّنْيَا، وَقَطْعِ المَأْلُوفَاتِ.
وَمُرَادُهُ: قَطْعُ أَكْثَرِ المَأْلُوْفَاتِ، وَتَرْكُ فُضُوْلِ الدُّنْيَا، وَجُوْعٌ بِلاَ إِفرَاطٍ.

فالسَّعَادَةُ فِي مُتَابَعَةِ السُّنَنِ، فَزِنِ الأُمُورَ بِالعَدْلِ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَالزَمِ الوَرَعَ فِي القُوْتِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ، وَاصْمُتْ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ، فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَى الجُنَيْدِ، وَأَيْنَ مِثْلُ الجُنَيْدِ فِي عِلْمِهِ وَحَالِهِ؟

يقول : " من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ، ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن ، ومتعلم يتعلم الحقيقة يوصله الله إلى الهداية " .

"الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول". وقال: " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ".

"يا ابن آدم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفئ, وعذاب لا ينفد أبداً، ونفس لا تموت، يا ابنَ آدم إنك موقوف بين يدي الله ربك ومرتهن لعملك فخذ مم في يديكَ لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جوابا، إنك ما تزال بخير ما دمت واعظاً لنفسك محاسباً لها وإلا فلا تلومن إلا نفسك".

من مواعظ الجنيد البغدادي يقول : "إنما اليوم إن عقلتَ ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فان أحسنت نزله وقِراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه. واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت ءاتٍ وقد مات قبلك من مات".

"اتق الله وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شئ، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحِب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزِدك إعجابُ أهلها زهداً فيها وحذراً منها فإن الصالحين كانوا كذلك". "اعلم يا ابن آدم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فل تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلِص عملك، واذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله، وإنّ أنجى الناسِ من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء".
من كرامات الإمام الجنيد

عن أبي عمرو بن علوان قال: خرجتُ يوما إلى سوق الرحبة فرأيتُ جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت حتى يُدفن الميت في جملة الناس، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فألححتُ بالنظر فاسترجعتُ واستغفرتُ الله تعالى، ثم عدتُ إلى منزلي فقالت لي عجوز: يا سيدي ما لي أرى وجهك أسود، فأخذتُ المرآة، فنظرتُ فإذا وجهي أسود، فرجعتُ إلى سري أنظرُ من أين دهيت؟ فذكرتُ النظرة فانفردتُ في موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوما، فخطر في قلبي أن زُرْ شيخك الجنيد فانحدرتُ إلى بغداد فلما جئتُ الحجرةَ التي هو فيها طرقتُ البابَ فقال لي ادخل يا أبا عمرو تُذنب بالرحبة ونستغفرُ لك ببغداد.

عن كتاب "صفوة الصفوة" لابن الجوزي.
اشتهر عنه كرامات منها أن الشيخ كان يتكلم على الناس فوقف غلام نصراني متنكرًا وقال: أيها الشيخ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى" رواه الترمذي، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال له: أسلِم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. والناس معتقدون أن هذا للجنيد كرامة واحدة وإنما فيه كرامتان إحداهما اطلاعه على كفر الغلام، والثانية اطلاعه على أنه سيسلم في الحال.

مؤلفاته :
ومن مسانيد حديثه

ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ بها قال : حدثني بكير بن أحمد الصوفي بمكة ، ثنا الجنيد أبو القاسم الصوفي ، ثنا الحسن بن عرفة ، ثنا محمد بن كثير الكوفي ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احذروا [ ص: 282 ] فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله " ، وقرأ : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ، قال : للمتفرسين " .

حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد ، ثنا عبدان بن أحمد ، ثنا عبد الحميد بن بيان ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا عمرو بن قيس ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

سمعت علي بن هارون بن محمد يقول : سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق ، فعلمه وقال قل : اللهم إني أسألك منك ما هو لك ، وأستعيذك من كل أمر يسخطك ، اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء ، اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك ، اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك ، اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك ، اللهم املأ قلبي بك فرحا ، ولساني بك ذكرا ، وجوارحي فيما يرضيك شغلا ، اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك ، وكل حب إلا حبك ، وكل ود إلا ودك ، وكل إجلال إلا إجلالك ، وكل تعظيم إلا تعظيمك ، وكل رجاء إلا لك ، وكل خوف إلا خوفا منك ، وكل رغبة إلا إليك ، وكل رهبة إلا لك ، وكل سؤال إلا منك ، اللهم اجعلني ممن لك يعطي ، ولك يمنع ، وبك يستعين وإليك يلجأ ، وبك يتعزز ، ولك يصبر ، وبحكمك يرضى ، اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك ، اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل ، واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر ، واجعل تصبري عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له ، اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك ، اللهم واجعلني ممن يلجأ لجأ من لا ملجأ له إلا إليك ، واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني ، اللهم وكل سؤال سألته فعن أمر منك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ ، بل يسأل القيام بواجب حقك .


صدر كتاب "رسائل الجنيد ((اول عمل يجمع كلا رسائل الامام الجنيد واقواله الماثورة))" عن دار اقرا، بتحقيق الدكتور جمال رجب سيدبي وتصدير الدكتور عاطف العراقي، الطبعة الأولى، 2005.[2]
قال المحقق الدكتور جمال رجب سيدبي في مقدمة الكتاب بعد حديثه عن أسباب عدم نشر وتحقيق رساتل الجنيد "لمثل هذين السببين اللذين اشرت اليهما آنفا ما دفعني إلى محاولة تحقيق المخطوطات، والبحث عن النسخ للمقابلة، واصبح مجمل هذه المخطوطات بعد التحقيق حوالي ستة عشر مخطوطا، ولم اكتف بهذا وحسب، بل اضفت إلى هذا العمل كل ما تركه الامام من رسائل واقوال متناثرة من مصادر التصوف الاصلية والقريبة العهد نسبيا بحياة الإمامالجنيد"
وصل بذلك عدد رسائل الجنيد إلى واحد وثلاثين رسالة وهي[2]:
1. كتاب القصد إلى الله.2. كتاب السر في انفاس الصوفية.3. كتاب دواء الارواح.4. كتاب دواء التفريط.5. كتاب ادب المفتقر إلى الله.6. الفرق بين الاخلاص والصدق.7. كتاب الفناء.8. كتاب الميثاق.9. في الالوهية.10. كتاب الجنيد إلى عمرو بن عثمان المكي تعالى.11. نسخة من كتابالجنيد إلى ابي يعقوب يوسف بن الحسين الرازي رحمة الله عليهما.12. رسالة ابي القاسمالجنيد إلى يوسف بن يحيى رحمة الله عليهما.13. رسالة ابي القاسم الجنيد بن محمد إلى يحيى بن معاذ رحمة الله عليهما.14. رسالة ابي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه.15. رسالة ابي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه.16. رسالة إلى بعض اخوانه.17. رسالة إلى جعفر الخالدي.18. رسالة في المعرفة.
19. رسالة الجنيد إلى ابي اسحاق المرستاني.20. رسالة إلى بعض اخوانه.21. رسالة إلى بعض اخوانه.
22. رسالة إلى بعض اخوانه.23. النظر الصحيح إلى الدنيا.24. رأي الجنيد في الذكر الخفي.
25. كتابه إلى ابي العباس الدينوري.26. عقبات الوصال.27. رسالة في الايمان.28. صفة العاقل.
29. رسالة في التوحيد.30. رسالة الجنيد إلى ابي بكر الكسائي.31. رسالة الجنيد إلى علي بن سهل الأصبهاني
وفاتـه:
وقال أبو محمد الجريري: "كنت واقفاً على رأس الجنيد وقت وفاته -وكان يوم جمعة- وهو يقرأ، فقلت: "أرفق بنفسك!" فقال: "ما رأيت أحداً أحوج إليه مني في هذا الوقت، هو ذا تطوى صحيفتي". وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت، في جماعة من أصحابنا، فكان قاعداً يصلي ويثني رجله، فثقل عليه حركتها، فمد رجليه وقد تورمتا، فرآه بعض أصحابه فقال: "ما هذا يا أبا القاسم!"، قال: "هذه نعم!. الله أكبر". فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: "لو اضطجعت!"، قال: "يا أبا محمد! هذا وقت يؤخذ منه. الله أكبر". فلم يزل ذلك حاله حتى مات". وقال ابن عطاء: "دخلت عليه، وهو في النزع، فسلمت عليه، فلم يرد، ثم رد بعد ساعة، وقال: "اعذرني! فإني كنت في وردي"، ثم حول وجهه إلي القبلة ومات".
وغسله أبو محمد الجريري، وصلى عليه ولده، ودفن بالشونيزيه، بتربة مقبرة الشيخ معروف الكرخي في بغداد، عند خاله سري السقطي. وصلى عليه جمع كثير من الناس قدر عددهم بالآلاف.
توفي رضي الله عنه سنة 297 هـ ومقامه في الجانب الغربي من مدينة بغداد مزار ظاهر على رؤوس الأشهاد.
خاتمة :
سرت بناس في الغيوب قلوبهم ****وجالوا بقرب الماجد المتفضل
ونالوا من الجبار عطفا ورأفة ***** وفضلا وإحسانا وبرا يعجل
أولئك نحو العرش هامت قلوبهم*** وفي ملكوت العز تأوي وتنزل
بعد شهادات كل هؤلاء العلماء والحفاظ وشيوخ الإسلام مازال بعض الصغار من أدعياء العلم والمتطفلين على موائد العلماء يهاجمون الأئمة والأولياء مازال البعض يتهجم ويجرح الخيرة من علماء الأمة يهاجمهم لأنه يختلف معهم فى الفهم والرأى أخاف أن يصدق في هؤلاء قولُ الذّهبي في المـوقظة :
وهو مقامٌ خَطِر ، إذ القادِحُ في مُحِقَّ الصُّوفية ، داخلٌ في حديث من عادَى لي وَلِيّاً فقد بارَزَني بالمُحارَبة .
لو رجم النجم جميع الورى * لم يصل الرجم إلى النجم
البعض من صغار العلماء يقدس ذاته ويعبد رأيه وينسب العصمة لذاته ويكفر من يخالف فهمه لأنه يظن أنه يحتكر الحقيقة ويملك صكوك الإيمان يوزعها كيف يشاء .. وهو لو وضع على ميزان العلماء لا يساوى شئ لا وزن له

المصادر :
[1]- ترجمته في:
- تاريخ بغداد أو مدينة السلام، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463ھ)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، د.ط، د.ت، 7/242.

- صفة الصفوة، جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (510-597ھ)، حققه وعلق عليه: محمود فاخوري، خرج أحاديثه: محمد رواس قلعه جي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1399ھ/1979م، 2 /416- 424.

- سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ھ)، أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط11، 1422ھ/2001م، 14/66-70.

- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي اليمني المكي (ت768ھ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1390ھ/1970م، 2/231-233.
[2]- مجدي إبراهيم: التصوف السني، حال الفناء بين الجنيد والغزالي، تصدير: عاطف العراقي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط2، 1427ھ/2006م،ص: 378.
[3]- حلية الأولياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الشافعي (ت430ھ)، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1427ھ/2007م، 10/274.
[4]- أبو الحسن السري بن المغلس السقطي (ت251ھ): خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، إمام البغداديين وشيخهم في وقته. ترجمته في: حلية الأولياء، 10/119-132.
[5]- إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، أبو ثور (ت240ھ): فقيه، كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا. ترجمته في: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط17، 2007م،1/37.
]- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (608-681ھ)، حقق أصوله وكتب هوامشه: يوسف علي طويل، ومريم قاسم طويل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1419ھ/1998م، 1/347.

[8]- من أعلام التصوف الإسلامي، طه عبد الباقي سرور، مكتبة نهضة مصر ومطبعتها، مصر، د.ط، د.ت، 2/123.

[9]- الجنيد بن محمد وآراؤه العقدية والصوفية، عرض ومناقشة، نوال بنت عبد السلام بن إدريس فلاتة، (رسالة ماجستير)، إشراف: لطف الله بن ملا خوجه، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم العقيدة، المملكة العربية السعودية، 1429ھ، ص: 14.
**الكامل في التاريخ، ابن الأثير (ت630ھ)، تحقيق: خيري سعيد، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر، د.ط، د.ت، 6/456.
**الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، محمد علي الشوكاني (1173-1250ھ)، تحقيق وتخريج: محمد صبحي حسن الحلاق، دار الهجرة، صنعاء، ط1، 1411ھ/1990م، ص: 26.
**مجموعة الفتاوى، أحمد بن تيمية (ت728ھ)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط، د.ط، د.ت، 5/297.
**تذكرة الأولياء، فريد الدين العطار (ت627ھ)، ترجمة: محمد الأصيلي الوسطاني الشافعي، تحقيق: محمد أديب الجادر، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، ط1، 1430ھ/2009م، ص: 429.

- حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين

- حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين
تأليف وإعداد :  ناجح ابراهـــــيم عبدالله *و علي محمد علي الشريف
الباب الأول : الغلو في الدين وأسبابه ومظاهره *.لفصل الأول : حكمة تحريم الغلو في الدين .
يقول المؤلفان في المقدمة ، كمدخل إلى الموضوع : لم تعان أمة الاسلام من آفة نزلت بها مثل معاناتها مع آفة تكفير المسلمين التي عشعشت في عقول نفر من ابنائها ، وجعلتهم يكفرون المسلمين بغير مقتضى شرعي .
ومن ثم أهدروا دماءهم واستحلو أموالهم ، دون أن يكون معهم دليل من الشرع ، أو حجة من الدين أو برهان من أقوال السلف ، ولم يكونوا في الوقت نفسه مؤهلين للخوض في هذه اللجة العميقة ، والسباحة في هذا البحر العميق الذي لا يجيد السباحة فيه سوى العلماء التقات الأثبات الصادقين الذين تسلحوا بالعلم وتجردوا عن الهوى . ص(3)

بداية ماهو الغلو؟
في اللغة هو الزيادة عن الحد ، وشرعا هو مجاوزة الحد المطلوب شرعاً من العبد إلى ماهو أبعد منه فلا يكتفى بطلب الشارع ، بل يشعر بأن ماطلبه الشارع قليل ولا يكفي فيغالي ويزيد من عنده على ما أمر به الشارع ، اعتقادا بان ذلك محبوب شرعا ، وهذا ايضا هو تعريف التشدد والتنطع والتطرف . ص (19).

وفي حكمة تحريم الغلو في الدين يسـوق المؤلفان عدة أسـباب في ذلك منها : أن الغلو منفر لا تحتمله طبيعة البشر ولا تصبر عليه ، وان صبرت عليه وتحملته فئة فان الغالبية لا تقوى على ذلك والدليل على ذلك حديث جابر بن عبدالله الانصاري لما غضب رسول الله (ص) من معاذ حين صلى بالناس فأطال حتى شكاه أحدهم للنبي (ص) فقال له : ( أفتان أنت يا معاذ؟ ) وكررها ثلاثاً.

وقوله (ص) لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا) وقول عمر رضى الله عنه : ( لا تبغضوا الله الى عباده فيكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ماهم فيه ) .

كما أن الغلو قصير العمر ، والانسان ملول وطاقته محدودة نفسيا وبدنيا ، وربما يقوده الغلو إلى السأم او ينتقل إلى الافراط والتفريط ومن التشــدد الي التســيب ولذا قال رسـول الله (ص) : ( ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) وقوله (ص) : (يا أيها الناس عليكم من الأعمـــال ما تطيقون ، فان الله لا يمل حتى تملوا وان أحب الأعمال الى الله ما دووم عليه وان قل ) وحديث ابوهريره رضى الله عنه قال : قال رسول الله (ص) : ( ان الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا وأستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة ) .

والغلو في الدين لا يخلو من جور على حقوق أخرى يجب أن تراعى وواجبات يجب أن تؤدى وما أصدق ما قاله الحكماء: ( ما رايت اسرافا الا وبجانبه حق مضيع ) وقال رســـول الله (ص) لعبدالله بن عمر حين بلغه انهماكه في العبادة انهماكا أنساه حق أهله عليه ، قال : ( ياعبــــدالله ألم أخبر أنك تصــوم النهار وتقوم الليــــل ) فقال : قلت بلى يارسول الله ، فقال (ص) : ( فلا تفعل ، صم وأفطر وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا)  ص (23).


الفصل الثاني :  من مظاهر الغلو في الدين .

بعد أن بين المؤلفان حكمة تحريم الغلو في الدين فانهما يشيران الى مظاهرة وهي:

1- التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر:  في الأمور الاجتهادية والأمور المحتملة ، وكثيرا ما يجعل الأمور الاجتهادية أمورا مقطوعة ويقينية ليس فيها الا قول واحد وهو قوله ( ولا رأي الا رأيه) ص (27) .

ويقينا أن هناك من يحاول ان يفرض رأيه بالقوة ، ويزداد الأمر خطورة   حين يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة ، وهنا قد لا تكون       العصا الغليظة من حديد أو خشب فهناك الاتهام بالابتداع او بالاستهتار          بالدين او بالكفر والمروق ، ان هذا الارهاب الفكري اشد تخويفا وتهديدا من      الارهاب الحسي) ص (28).

2-    إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به:
 يقول المؤلفان : ( ومن مظاهر الغلو الديني التزام التشدد مع قيام موجبات       التيسير والزام الآخرين به حيث لم يلزمهم الله به ، فلا ينبغي لمسلم ان          يرفض التيسير في وقت الحرج وأن يرفض الرخصة التي رخصها الله ويلزم    جانب التشدد ) ص(28).

والله تعالى يقول : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وعائشة رضى الله عنها تقول : ( ماخير رسول الله (ص) بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن أثما ) ويذكر المؤلفان أن من التشدد على الناس محاسبتهم على النوافل والسنن كأنها فرائض، وعلى المكروهات وكأنها محرمات والمفروض الا تلزم الناس الا بما الزمهم الله تعالى به جزما وما زاد على ذلك فهم مخيرون فيه إن شاء وا فعلوا وإن شاءوا تركوا ، ويشير المؤلفان في هذا السياق إلى حديث طلحة بن عبيدالله في الصحيح في قصة ذلك الاعرابي الذي سأل النبي (ص) عما عليه من فرائض فأخبره بالصلوات الخمس وبالزكاة  ورمضان ، فقال هل على غيرها ؟ فقال : لا . إلا  ان تطوع ، فلما أدبر الرجل قال : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال النبي (ص) : ( افلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق ) ص (31) .

3-    التشدد في غير موضعه :
ولما كان التشدد أحد أهم مظاهر الغلو في الدين ، فإنه يكون أعظم اذا كان في غير زمانه ومكانه ، كأن يكون مع قوم حديثي العهد بالاسلام أو حديثي عهد توبة ، أو في غير دار الاسلام وبلاده الاصلية ، فهؤلاء ينبغي التساهل معهم في المسائل الفرعية والأمور الخلافية ، والتركيز معهم على الكليات قبل الجزئيات وتصحيح عقائدهم أولاً ، كما جاء في حديث رسول الله (ص) لمعاذ بن جبل لما أرسلة إلى اليمن : ( انك تأتي قوما من أهل الكتاب . .) ص (31).

4-    الغلظة والخشونة :
يقول المؤلفان ان من مظاهر الغلو والتشدد في الدين الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة خلافا لأمر الله ورسوله فقد قال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) وقال الرسول (ص) ان الله رفيق يجب الرفق في الأمر كله ) وفي تحليل المؤلفان لموقف الشباب من الناس في هذا الشأن يقولان : ( وللأسف الشديد نجد بعض شباب الحركات الاسلامية يتحاورون ويتعاملون بالغلظة مع الناس ، لا يفرقون في ذلك بين كبير وصغير ، ولا بين من له حرمه خاصة كالأب والأم ومن ليس كذلك ولا بين من له حق التوقير والتكريم كالعالم والفقيه والمعلم والمربي ومن ليس كذلك ، ولا يفرقون بين من هو معذور ومن ليس كذلك ، ومن هو جاهل ومن يعادي الاسلام عن عمد وعلم وبصيرة ) ص (34).

5-    سوء الظن بالناس :
ومن مظاهر  الغلو والتشدد ولوازمه سوء الظن بالآخرين ، فالأصل عند المتشدد هو الاتهام ، والاصل في الاتهام الادانة خلافا لما تقرره الشرائع والقوانين : ( ان المتهم برئ حتى تثبت إدانته ) ان المتشددين يرجحون احتمال الشر على احتمال الخير ، ويعتبرون من يخالفهم متهم في دينه أو الابتداع ، ويقول المؤلفان فوق ذلك : (ولا يقتصر سوء الظن عن هؤلاء على العامة بل يتعدى الى الخاصة وخاصة الخاصة ، فاذا أفتي فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله ورفع الحرج عنهم فهو في نظرهم متهاون في الدين ، ولم يقف الاتهام عند الاحياء ، بل انتقل الى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ، كأئمة المذاهب المتبعة ، فهم على مالهم من فضل ومكانة لدى الأمة في كافة عصورها لم يسلموا من ألسنتهم وسوء ظنهم ، ان ولع من يكفرون المسلمين بالهدم لا بالبناء ولع قديم وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم أمر معروف ، والله سبحانه وتعالى يقول : (فلا تزكوا أنفســـكم هو أعلم بمن أتقى ) ص(35). بل أن رسول الله (ص) يقول : ( اياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) ص ( 36).

ويشير المؤلفان الى ان المتشددين لا يرون الا المثالب ولا يعجبهم احد ولا ينظرون الى الحسنات وهذه نظرة غير عادلة وانحراف عن الطريق السليم فالله يقول : ( يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون ) . وقال تعالى : ( ياايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على انفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلوا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا ) .



ويرى المؤلفان انه يجب على المسلم العدل والانصاف ويزن الناس بميزان الشرع والوسطية ولا ينبغي له ان يحقر أخاه المسلم ، فقد قال الرسول (ص) : ( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) ص (38) .

6-    النظرة المثالية للمجتمع :
يقول المؤلفان ان من مظاهر الغلو ان ينظر المرء الى المجتمع وأفراده نظرة مثالية ، وانه ينبغي ان يكون خاليا من المعاصي ويسوده الحب والمودة والطاعة ، وهذه نظرة مثالية وغلو في التصور وبعد عن الواقع ، وقد كانت المعاصي والذنوب في كل الأمم وفي اتباع الرسل فهي فيمن دونهم من باب أولى ، وان كل ابن آدم خطاء كما قال رسول الله (ص) : ( ولو لم يذنب البشر لخلق الله بشرا يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) كما ورد في الحديث . ص (40) .

وقال تعالى : ( وخلق الانسان ضعيفا ) ثم يستعرض المؤلفان مجموعة من الاحاديث التي دلت على وقوع بعض المعاصي والذنوب في عهد الصحابة رضى الله عنهم وذلك لتبيان ان خير القرون هو قرن الرسول (ص) لم يكن خاليا من المعاصي سواء كانت من الكبائر أم من الصغائر ، وكذلك لتبيان بشرية الصحابة وان في عهدهم من قتل وسرق وزنى وشرب الخمر ، كما يدل ذلك على ان حدوث المعاصي والذنوب في القرون التالية اكبر ولا يخرجها ذلك عن الاسلام ، ويقولون انه لا يجوز لاحد ان يصفها بانها امة قد ارتدت او أنها عصر جاهلية كجاهلية ما قبل الاسلام . ص (41) .

ويأتي المؤلفان الى عصرنا الحديث ويقولان ان ما وقع لطائفة الخوارج قديما وقع لجماعة (  التكفير والهجرة ) حديثا فهم يكفرون كل من ارتكب معصية ويكفرون الحكام والمحكومين والعلماء والناس وكل من خالفهم بل انهم يكفرون كل من قبل فكرهم ولم يدخل في جماعتهم ويبايع امامهم ، ودخل في جماعتهم تم ترائ له لسبب أو لآخر أن يتركها .

فهو مرتد حلال الدم ، وهكذا أسرف هؤلاء في التكفير ، فكفروا الناس أحياءً وأمواتا ، وقد حذر الرسول (ص) من الاتهام بالكفر ، ففي الحديث الصحيح  ( من قال لأخيه : ياكافر فقد باء بها أحدهما ) أي فيما لم يكن الآخر كافراً بيقين فقد ترد التهمة على من قالها ويبوء بها  فهذا خطر جسيم ) ص (52).


7-    من أسباب الغلو في الدين :
يرى المؤلفان ان من اسباب الغلو في الدين التالي :
أ‌-      ضعف البصيرة بحقيقة الدين.
ب‌-  ضعف البصيرة بالواقع .
إن ضعف البصيرة بحقيقة الدين المقصود به هنا هو نصف العلم الذي يظن صاحبه انه دخل به في زمرة العلماء وهو يجهل الكثير والكثير ، ولا يربط الجزئيات بالكليات ولا يرد المتشابهات إلى المحكمات . وقال النبي (ص) في ذلك : ( ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساء جهالا  فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا ) .

ومن مظاهر الجهل :

1-   الاتجاه الظاهري في فهم النصوص : ويقول المؤلفان ان بعض الشباب يتمسكون بحرفية النص دون التغلغل الى فهم فحواها ومعرفة مقاصدها فهم لا يعرفون القياس ولا يستخدمونه ولا ينظرون الى العلة والحكمة من وراء التشريع ويضربان على ذلك مثلا ،  فهم البعض لما ورد في حديث الرسول (ص) من نهى ان يسافر بالمصحف الى أرض الكفار أو أرض العدو ، والناظر في علة هذا المنع يتبين له ان النبي (ص) لم ينه عن ذلك إلا مخافة ان يستهين الكفار بالمصحف ، وحين تنتفى العلة ينتقى الحكم ، وكذلك مثال نهى الرسول (ص) المسافر أن يطرف أهله ليلاً . ص ( 58).

2-   الإنشغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى : ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم ومظاهر ضعف البصيرة في الدين اشتغال البعض من هؤلاء بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية عن القضايا الكبرى التي تتعلق بوجود الأمة الاسلامية وهويتها ومصيرها ، فنرى كثير منهم يقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل مسائل فرعية اختلف فيها العلماء سلفا وخلفا ولا مصير الى اتفاقهم فيها لانها من المسائل الاجتهادية الفرعية التي تتفاوت فيها الأفهام وتتعارض فيها الأدلة ، ويضرب المؤلفان أمثلة على ذلك مثل وضع اليدين في الصلاة ، وهل توضع على الصدر أم تحت السرة أم تسدل الى الجانبين ، والاختلاف فيها لا يمثل كبير اختلاف ولا يجوز تضييع الجهد عليها وترك ما هو اعظم وأكبر . ص (61) .




3-   الاسراف في التحريم ( بغير دليل) : ومن دلائل عدم الرسوخ في فقه الدين الميل دائما الى التضييق والتشديد والاسراف في القول بالتحريم مع تحذير القرآن الكريم والسنة والسلف من ذلك ، فقد قال تعالى : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ، هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) . وكان السلف لا يطلقون الحرام الا ما علم تحريمه جزما ، فاذا لم يجزم بتحريمه قالوا : ( نكره كذا او لا نراه أو نحو ذلك من العبارات ولا يصرحون بالتحريم ) والمتشددون يجنحون الى التحريم دائما مع وجود الكراهة او يجنحون الى التشدد والتضييق مع وجود التيسير .

4-   إتباع المتشابهات وترك المحكمات :  المتشابه هو ماكان محتمل المعنى وغير منضبط المدلول ، والمحكم هو البين المعنى الواضح الدلاله المحدد المفهوم ، يقول المؤلفان ان غلاة اليوم  يعتمدون على المتشابهات في تكفير الأمة واستحلال دمائها ولو ردوا المتشابه الى المحكم لحكموا بالعدل والحق.

5-   عدم التعلم على أيدي العلماء : ومن أسباب ضعف البصيرة عند البعض أن الواحد منهم لم يتلق العلم من أهله وشيوخه المتخصصين بمعرفته ، والمؤلفان يشيران بذلك الى اعتماد البعض على بضاعة الكتب والصحف والقراءة من غير المصادر والاصول الشرعية مما يجعلهم يسيئون الفهم ويستبطون احكامهم من غير أهل العلم والعلماء الثقات .

2-   ضعف البصيرة بالواقع والحياة والتاريخ وسنن الكون :

إن أهم أسباب الغلو في الدين بعد ضعف البصيرة  فيه ، هو عدم الوعي   بالواقع والحياة ( فتجد أحدهم يريد ما لا يكون ويطلب مالا يوجد ويتخيل ما         لا يقع ويفهم الوقائع على غير حقيقتها ويفسرها وفقا لأوهام رسخت في     رأسه لا أساس لها من سنن الله في خلقه ولا من احكامه في شرعه ، وهو         يريد ان يغير المجتمع كله ، افكاره ومشاعره وتقاليده واخلاقه وانظمته          الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوسائل واهية واساليب خيالية . ص (65).

إن معرفة التاريخ والوعي بالواقع لا يعني القراءة السردية ، بل الوعي والعبرة والنفاذ الى سنن الله فيها يقول الله تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ) فإن التاريخ هو مخزن العبر ومعلم الأمم ، فكما أن الفرد يتعلم من احداث أمة الغد ، فان الأمة ايضا تأخذ من ماضيها لحاضرها ، وتستفيد من صوابها وخطئها ومن انتصاراتها وهزائمها . ص(66) .

الفصل الرابع : الاسلام بين الغلو والتقصير .

يتسائل المؤلفان قبل نهاية الباب الأول عن قضية المسلمين الثانية ما     يرونها وهي التقصير من جانب المسلمين الذي يتجلى في تفريط المسلمين       في دينهم وضياع مقدساتهم وتنازعهم على الجاه والسلطان . ويقولان : (         ان الغلو والتقصير وجهان لعملة واحدة ، والافراط والتفريط صورتان لشئ        واحد ، وكلاهما خطر على الاسلام ، وكلاهما ضار بالدين ، فالدين وسط بين الافراط والتفريط والغلو والتقصير : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ص.           (75) .

يؤكد المؤلفان هذه الوسطية في السطورالتالية : ( وعلى كل من يريد أن ينهج منهج الاسلام ويقتفى صراطه المستقيم فعلية أن يسلك سلوكهم        يقتفى آثار أهل السنة والجماعة ، وعلى مسلمي اليوم ان يقتفوا آثار          السلف الصالح الذين نهجوا منهج الحق وتشربوا وسطية الاسلام وعدله           اقتفوا صراطه المستقيم ، فلم يطغوا في الميزان ولم يخسروا فيه ، ولكنهم اقاموا الوزن بالقسط والحق ) ص ( 77).

فعلى المسلم أن يجمع خيري الدنيا والآخرة  وصلاحهما ويتخذ أسباب الدنيا بحوارحه ويتوكل على الله بقلبه ، فالتوكل عمل القلب واتخاذ الأسباب عمل الجوارح ولا تعارض بينهما وان يكون وسطا بين المقدسين للعقل الذين يقدمونه على النقل الصحيح ان كان هناك تعارض بينهما ومن المغيبين للعقل تماما ولو كان في فهم النص وشرحه وتوضيحه وبيان ما غمض منه والوقوف على حكمةالله الخفية فيه ، فللنص الصحيح القاطع مكانه الصحيح المقدم على العقل وللعقل مكانه السليم في فهم النص وشرحه واستنباط حكمته وعلته مع ان العقل السليم السديد لا يتعارض ابدا مع النص الصحيح  وان يكون وسطا بين الذين يغفلون مقاصد الشريعة الكلية بدعوى مراعاة النصوص ) ص( 78)

ويختتم المؤلفان هذا الباب بقولهما : ( ان الدين يضيع بين غلو المغالين وتقصير المقصرين ، وخذ بهدى نبيك الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم  في كل وقت وحين ) .


الباب الثاني : بدعة التكفير والرد عليها :

الفصل الأول : الغلو في تكفير عصاه المسلمين :

يتحدث المؤلفان عن الافراط والتفريط ويحثان المسلمين على انتهاج المنهج      الوسطي وان لا ينظر المسلم للناس بعيدا عن هذا المنهج ولا يتجاوز حدود        الشرع والدين في حكمه عليهم ، والحديث هنا عن بعض نفر قليل ينتسب     الى الحركة الاسلامية وهي منهم براء  ، غالوا وتشددوا بغير حق في الحكم على الناس فأخرجوا اهل الاسلام من الملة وحكموا عليهم بالكفر نتيجة لشبهة أو هوى أو تقليد لضال مضل أو لغير ذلك من الأسباب ) ص. (90) .

المبحث الأول : الآثار السلبية للغلو في تكفير عصاة المسلمين .

المطلب الأول : المفاسد المترتبة على تكفير المسلمين :
يرى المؤلفان أن من يحكم على مسلم بالكفر بغير حق يقع في بعض الأمور       منها :

أولاً : إن من يحكم على مسلم بالكفر يقع تحت الوعيد الشديد لمن نسب مسلماً إلى      الكفر ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :إذا قال الرجل لأخيه يا        كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال و الا رجعت إليه . و في رواية عن ثابت بن الضحاك :" و من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ". و في رواية عنه        :" و من قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله ".

ثانياً : ان تكفير المسلم بغير حق إهدار لقيمة العدل الذي يستوجب في أدنى صوره       أن يكون من يحكم بالتكفير مؤهلاً لذلك وإن يتاح لمن ينسب إلى الكفر حق    الدفاع الشرعي عن النفس و رد المظالم .

ثالثاً :  إن تكفير المسلم يؤدي إلى تمزيق المجتمعات وبذر الخلاف بين الناس لما        يترتب على ذلك من حل الدماء والأموال والتفريق بين الزوجين وقطع ما    بينه وبين المسلمين في الإرث  والغسل عند الموت والصلاة والدفن .

رابعاً : تكفير المسلمين يثير الفوضى في المجتمع ويفتح الباب أمام الجهال ليعيثوا      فساداً بين الناس .

خامساً : الحكم على بعض عصاة المسلمين بالكفر دون وجه حق يعني إغلاق باب        الرجاء وفتح باب الياس والقنوط وربما التمادي في المعصية .

المطلب الثاني : أصل بدعة الكفر :
 يرجع المؤلفان أصل بدعة التكفير الى الخوارج و ما نتج عنها في فجر   الاسلام وما تبع ذلك من مآسي كثيرة ويستشهدان بقول الشيخ القرضاوي:          " وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الاسلام والذين كانوا من أشد الناس     تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة القرآن ولكنهم أتوا من فساد        الفكر لا من فساد الضمير وزين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً  وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وقد وصفهم النبي صلى    الله عليه وسلم :"يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم " و ذكر علامتهم " يقتلون أهل الاسلام و يدعون أهل الأوثان " ص 101 .

المبحث الثاني : الرد على من يكفر عصاة المسلمين :
لقد حذر الني صلى الله عليه و سلم من الاتهام بالكفر :" من قال لأخيه يا          كافر ، فقد باء بها أحدهما وقد صح من حديث أسامة بن زيد أن من قال : لا    اله الا الله فقد دخل الاسلام و عصمت دمه وماله ، وإن من قالها خوفاً أو تعوذاً من السيف فحسابه على الله و لنا الظاهر و لهذا أنكر النبي صلى الله        عليه وسلم غاية الإنكار على أسامة حين قتل الرجل في المعركة بعد أن      نطق بالشهادة و قال : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا  الله ؟ قال : إنما قالها         تعوذاً من السيف ، قال : هل شققت قلبه ؟ ما تصنع ب" لا إله الا الله " قال       أسامة : فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ . ص102.

ويأتي المؤلفان إلى توضيح بعض المصطلحات وذلك لأن ما دفع المغالين          في تكفير الناس هو الخلط في فهمها  الايمان.

الايمان في اللغة التصديق واصطلاحاً عند أهل السنة والجماعة قول باللسان      وتصديق الجنان وعمل بالأركان . ويرى بعض الحنفية أنه التصديق وأكثر          الحنفية على أنه التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع     الاقرار باللسان ، واهل السنة والجماعة يعبرون عن تعريفهم للإيمان بأنه         قول وعمل .
ويذكر المؤلفان رأي الحافظ بن حجر في الأيمان عند أهل السلف و يلخصانه في :
أ-       أن أهل الســنة يعنون بالإيمان إعتقاد القلب ونطق باللسان وعمل بالأركان.
ب-     هناك من الأعمال ما ينقص أصل الإيمان تركها مثل اسـتحلال ترك الواجبات وهناك من الأعمال ما هو شرط لكمال الإيمان وليس صحته          ولهذا الإيمان عند أهل السنة يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية .
ج-      أفعال قد تدل على كفر  فاعلها كالسجود للصنم .

ولكن بما يدخل الكافر الإسلام ؟ الكافر إنما يدخل الإسلام ويصبح في عداد المسلمين بمجرد نطقه بالشهادتين وقبل أن يؤدي الصلاة أوالزكاة أوغيرها ، إن العبادات لا تقبل إلا من مسلم وإنما يكفي أن يقر بالفرائض ويلتزم بها وإن لم يؤدها بالفعل وهذه الشهادة هي التي تعصم دم الإنسان وماله كما في الحديث" فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . ص 109
الفرق بين الإيمان و الإسلام :

الخلط بين الإيمان والاسلام يؤدي الى الخلط في الحكم على الناس فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بأعمال القلب "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره " . وفسر الاسلام بأعمال الجوارح "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت" وقد يطلق الاسلام في موضع آخر يراد به أيضاً الدين كما في حديث " الاسلام أن يسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك " . وحديث " أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً " .

الكفر و معناه  الكفر لغة  الستر وشرعاً تكذيبه صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به من الدين ضرورة . والكفر خمسة انواع : كفر تكذيب و كفر استكبار وإباء مع التصديق وكفر إعراض وكفر شك وكفر نفاق وقد يطلق الكفر بمعنى الردة كما في قوله تعالى " ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون " وقد تطلق كلمة الكفر على بعض المعاصي العملية التي لا تحمل إنكاراً ولا  جحوداً ولا استحلالاً ولا تكذيباً لله ورسوله ولم يقف الغلاة في التكفير عند الخطأ في تحديد مفهوم الايمان إنما أضافوا اليه وبنوا عليه خطايا عديدة دفعت بهم الى هاوية سحيقة وكانت أولى هذه الخطايا أنهم ذهبوا الى أن كل ما سماه الله ورسوله كفراً في نصوص القرآن والسنة هو من الكفر المخرج عن الملة الذي يوجب خلود صاحبه في النار ولم ينتبهوا إلى أن هذا الإطلاق لا يصح فأهل السنة والجماعة عبر استقرائهم لكل نصوص  الكتاب والسنة قرروا قاعدتهم الذهبية في هذا الشأن وهي أن ما سماه الله ورسوله كفراً ليس بالضرورة أن يكون من الكفر المخرج عن الملة أنما قد يكون كفراً أصغر لا يخرج فاعله من الملة ويحمل على كفر النعمة أو كفر الأخوة ونحو ذلك و قد يكون ما سمي كفراً في الكتاب و السنة كفراً أكبر يخرج فاعله من الملة " ص 113 .

ويشير المؤلفان إلى قول الشيخ حافظ حكمي حول مسالة الكفر " ليس كل فسق يكون كفراً ولا كل ما يسمى كفراً و ظلماً مخرجاً من الملة حتى ينظر إلى لوازمه وملزماته، وذلك لأن كلاً من الكفر والظلم والفسوق والنفاق جاءت في النصوص قسمين : أكبر مخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكلية وأصغر لا ينقص الإيمان وينافي كماله ولا يخرج صاحبه منه فكفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ونفاق دون نفاق " ص 114 .

 وينظر المؤلفان إلى تقسيم الكفر إلى كفر أكبر وكفر أصغر إذ يجمع علماء السلف على حمل الكفر المذكور في الآيات التالية على الكفر الأكبر المخرج من الملة " قل ياأيها الكافرون ،لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد " و قوله تعالى :" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " وقوله تعالى:"إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " . ومن أمثلة الكفر الأصغر كما جاء في الحديث الصحيح "يا معشر النساء ... إلى آخر الحديث . وقوله صلى الله عليه وسلم " سباب المسلم فسوق و قتاله كفر " إذ أن القتال الذي جرى بين  على بن أبي طالب و معاوية ابن أبي سفيان يعتبر من الكفر الأصغر إذ أن العديد من الذين قتلوا في الجانبين من المسلمين الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه و سلم بالجنة .

ويقول المؤلفان أن هناك اختلافاً بين أهل السنة في ما سمي كفراً من بعض النصوص هل هو كفر أكبر أم أصغر ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " فمن العلماء من حمل ذلك على الكفر الأكبر وذهب جماهير السلف والخلف ومالك والشافعي إلى عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً  وعدوة فاسقاً ومن أمثلة الخلاف بين الكفرين تفسير قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " إذ أن من العلماء من جعل الكفر المذكور في الآية على الكفر الأصغر ومنهم من جعلها على الكفر الأكبر ، ومنهم من قال أنها تحتمل المعنيين . ويخلص المؤلفان إلى : و يبقى أمر يجب الانتباه اليه و هو أن من يقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة سواء كان حاكماً أو محكوماً لا يصح تكفيره إلا بعد إقامة الحجة الواضحة التي بمقتضاها يتم التأكد من ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه و هذا أمر يختص به أهل العلم و الاختصاص من المجتهدين فلينتبه لذلك و ليعض عليه بالنواجذ .

الشرك :
كذلك ينقسم إلى شرك أكبر و هو دعاء إله أو آلهة مع الله أو دون الله و فيه قوله تعالى :" ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " وشرك أصغر مثل قوله صلى الله عليه وسلم" من حلف بغير الله فقد أشرك " وقوله : " من علق – أي - تميمة فقد أشرك " .

النفاق :
النفاق الأكبر هو نفاق العقيدة وهو أن يبطن الكفر ويظهر الايمان خداعاً وكذباً وهو المذكور في أوائل سورة البقرة : " ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين ، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون ".
وهناك النفاق الأصغر وهو نفاق العمل بمعنى أن يتصف المرء المسلم بصفات المنافقين و أخلاقهم و لكن قلبه مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وهذا ما جاءت به الأحاديث مثل قوله صلى الله عليه و سلم :"آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان " . و يقول المؤلفان أن الحكم على شخص بعينه بالكفر الأكبر وأنه من أهل الوعيد أمر خطير كما وضحنا، لذا أوضح كثير من العلماء خطورة هذا الأمر وجعلوا له ضوابط وشرائط لا بد من انطباقها على الشخص المعين وعلى من يحكم عليه بذلك . ص 124 .
ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله أوقبل موته استشعر جرمه وخشي لقاء ربه كما غفر للذي قال" إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، ثم غفرالله له لخشيته ..ص125
ما حكم مرتكب الكبيرة ؟ يقول الشيخ ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية قائلاً :" الجواب أن أهل السنة متفقون جميعاً على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج ، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال ولا يقبل عفو ولي القصاص ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الاسلام . ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والاسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة فإن قولهم باطل أيضاً إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين قال الله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتل " إلى قوله تعالى :" فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف " . فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخاً لولي القصاص والمراد أخوة الدين بلا ريب . ص 128 .

وقال تعالى :" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بين أخويكم " . ونصوص الكتاب والسنة والاجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد فدل على أنه ليس بمرتد وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من كانت عنده لأخيه مظلمة ... إلى آخر الحديث . فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي  المظلوم منها حقه .
وقال الله تعالى :" إن الحسنات يذهبن السيئات " فدل ذلك على أنه في حال مساءته يعمل حسنات تمحو السيئات , والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لكن الخوارج قالت نسميه كافراً ، وقالت المعتزلة نسميه فاسقاً فالخلاف بينهما لفظي فقط وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص ص 129 .
ويستدل المؤلفان في حكم مرتكب الكبيرة من قول النووي :" وأما من مات وله معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى فإن شاء عفى عنه وأدخله الجنة أولاً  وجعله كالقسم الأول :" الذين يدخلون الجنة لأنهم لم يذنبوا أو تابوا " وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل ، هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة .
وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأئمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله ليجمع بين نصوص الشرع . ص 130 .
ويقول المؤلفان وهكذا سقنا هذه الأقوال والأدلة المختصرة لنبين أن المعاصي ليست كلها كفراً مخرجاً من الملة وأن مرتكب الكبيرة لا يكفر إن مات على التوحيد وهناك من يحمل فكراً ضالاً ومنحرفاً يستندون على حديث :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "  ( لنفي الإيمان عن الزاني ) و للرد على هؤلاء يشير المؤلفان إلى قول النووي :" قوله صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهومؤمن " فالقول الصحيح الذي قاله المحققون : إن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره " ص 131 .

ويقول عز و جل :" إن الله لا يغفرأن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان أن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولاً وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة  .
والكفر المخرج عن الملة لا تزول عقوبته الآخروية إلا بالتوبه ، أما عقوبة الذنوب في الآخرة فقد دلت نصوص الكتاب و السنة على أنها تزول عن العبد لعدة أسباب : ( التوبة ـ الاستغفار  - الحسنات الماحية – الدافع للعقاب – ما يعمل للميت من أعمال – شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم – المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا – ما يحصل في القبر من فتنة والضغطة والروعة- أهوال يوم القيامة و شدائدها – رحمة الله تعالى و عفوه و مغفرته بلا سبب من العباد ) .
ويختتم المؤلفان هذا الفصل بقولهما " والآيات و الأحاديث تتواتر لتؤكد أن الله يغفر الذنوب جميعاً دون الشرك من غير توبة للعبد متى شاء ذلك سبحانه وتؤكد  سعة رحمة الله رب العالمين التي وسعت كل شيء فليت هؤلاء الذين يتسرعون ويحكمون جهلاً على عصاة الموحدين بالكفر ليتهم تدبروا هذه النصوص وفهموا مقاصد الشريعة وتخلقوا بأخلاق الله الذي جعل رحمته تغلب غضبه " لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهوعنده فوق العرش : إن رحمتى تغلب غضبي "ص 139 .

بدعة تكفير جهاد المسلمين و الرد عليها


يقدم المؤلفان لهذا الباب بقولهم " لقد تورط بعض نفر ممن ينتسبون إلى بعض فصائل الحركة الإسلامية في قضية قد حسمها الشرع ودل عليها العقل وأدركها الفطر السليمة ألا وهي قضية كون عارض الجهل مانعاً من لحوق حكم الكفر لمن أتى فعلاً كفرياً وهو يجهل أنه كفر، وهو لا يريده ولو علم أنه كفر لما أقدم عليه ولما أقترفه إنما فعله جاهلاً بحقيقة أمره بل يكون معتقداً بفعله هذا أنه يتقرب إلى الله كأولئك الجهال الذين يفعلون أفعالاً شركية عند قبور الصالحين وعدم اعتبار عارض الجهل مانعاً لحقوق حكم بالكفر بفاعله غلو في الدين وتشدد في غير موضعه ومخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون أن من أتى كفراً لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويرون أن الشخص المعين الذي يرتكب كفراً لا يحكم بكفره إلا بعد ثبوت شروط  إنتفاء موانع ص 143 .




 ويقسم المؤلفان الموانع التي تتتسب انتفاء حكم الكفر عن فاعله إلى :
أ- العوامل التي تسبب  إنتفاء شروط العقل

          1- عارض الجنون .
          2- عارض الصغر وذلك لقوله صلى الله عليه و سلم " رفع القلم عن ثلاثة             النائم حتى يستيقظ و عن الصبي حتى يشب و عن المجنون حتى يعقل "
          3- عارض السكر .
          4- عارض العته .
ب- الموانع التي تسبب انتفاء شروط القصد .
          1- عارض الإكراه .
          2- عارض الهزل .
          3- عارض الخطأ .
          4- عارض التأويل .
ج- العوارض التي تسبب انتفاء شروط العلم .
عارض الجهل : إذا أتى المسلم الجاهل فعلاً أو قولاً أو اعتقد إعتقاداً هو كفر      ينقص الإيمان وهو لا يعرف ذلك فإنه معذور بجهله ولا يكفر حتى تقام عليه       الحجة وقد نبه الإمام العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية على ثبوت شروط      وانتفاء موانع باعتبارها من أهم جوانب قيام الحجة .

أولاً : الأدلة من الكتاب


أ-       أدلة تدل على عدم لحوق الوعيد الأخروي إلا بعد بلوغ العلم : قال تعالى "         وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى جاؤوها فتحت أبوابها و قال لهم    خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى " .

ب-     أدلة تدل على تعذيب و إهلاك ا لكافرين  في الدنيا إلا بعد علمهم بدعوة   الرسل قال تعالى " ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا        لولا أرسلت إلينا رسولاً  فنتبع آياتك و نكون من المؤمنين " .

ج-      أدلة تبين عدم مؤاخذة أهل الكتاب إذا لم تبلغهم دعوة محمد صلى الله عليه        و سلم و كذلك أهل الفترة قال تعالى " " و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً   " و من الأدلة التي تبين اشتراط العلم قوله تعالى " و ما كان الله ليضل       قوماً بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم " .

أدلة عامة تبين اشتراط العلم .
قال الله تعالى " و ما كان الله ليضل قوماً بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم " .
ويذكر المؤلفان بعض الأحاديث التي توضح عذر الله لمن لم تبلغه الرسالة أو لم تبلغه الدعوة و كذلك من لم يبلغه حكم أو أمر عقيدي قد يخرج به من الملة . مثل حديث أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :" قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله ..." رواه البخاري و مسلم . و حديث أبي  واقد الليثي قال :" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حنين و نحن حدثاء عهد بكفر ... "  رواه الترمذي و المعجم الكبير للطبراني ص 151 .
كما يشير المؤلفان إلى مجموعة أقوال العلماء من إثبات عارض الجهل بالنسبة لأهل القبلة منها : قال شيخ الاسلام ابن تيمية :هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير و تفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى ، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية و الرسائل العلمية قال أبن العز : " ثم إذا كان القول في نفسه كفراً قيل لأنه كفر والقائل له لا يكفر إلا بشروط وانتفاء الموانع " .

الدليل العقلي و الأصولي


يدل صحيح العقل على اشتراط العلم كي يلحق حكم الكفر لمن أتى ما يستوجبه ، ويوضح ذلك ما يلي :

1-      ان الإنسان يولد لا يعلم شيئاً كما قال تعالى :"الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصاروالأفئدة لعلكم تشكرون "
2-      ان الله ارتضى لعباده منهجاً وديناً قال تعالى :" و رضيت لكم الاسلام دينا " .
3-       و لكي يعلم العباد أوامر الله ونواهيه فلا بد من ارسال الرسل و انزال الكتب .
4-      ولا بد أن تصل رسالة الرسل إلى عباد الله لكي يعرفوا الحلال والحرام ، فمن لم يصله بلاغ الرسل فإنه لن يعلم الحلال من الحرام ولن يعرف صفات الله وأسمائه ولا يعتقد اعتقاد صحيح في الملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر لأننا لو كلفناه أن يعرف الحق دون بلاغ من رسول  ووصول هذا البلاغ له لكلفناه بالمستحيل لذلك قررعلماء الأصول أن شروط العلم من الشروط الضرورية لتكليف العبد فيعلم هذا الأمر علماً واضحاً وأنه من عند الله . ص 155

ويخلص المؤلفان إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية  قد وضع قاعدة لا بد من لزومها قبل الإقدام على تكفير الشخص المعين منهم – أهل القبلة – وهي تشمل أمرين :

أولاً : ضرورة النظر إلى القول أوالفعل والتأكد من كونه مخرجاً من الملة وأنه ليس يقبل التقسيم بمعنى أن يكون كفراً باعتباره وغير كفر باعتبار آخر .

ثانياً : النظر في حالة الشخص الذي صدر منه القول أو الفعل لأنه قد يكون القول          أو الفعل كفر مخرجاً من الملة لكن الشخص الذي صدر منه لا يكفر بذلك إذ قد يكون قد عرض له مانع يمنع لحوق الكفر به كالجنون و الإكراه . ص   156 .

ثم يلقي المؤلفان الضوء على ذلك الأمرين بتحديد الضوابط المعينة على ما هو كفراً مخرجاً من الملة من أقوال وأفعال وإعتقادات ثم النظر في حال الشخص المعين للتحقق من قيام موجب التكفير أولا ويقولان في نهاية هذا الفصل " وبعد فإن المسارعين إلى تكفير جهال المسلمين الذين قد يدفعهم جهلهم إلى الوقوع في أعمال شركية دونما أن يتحققوا من ثبوت الشروط وانتفاء الموانع التي حددها الشرع قبل الحكم على فاعل الكفر بالخروج من الملة إن هؤلاء قلة غالوا في دينهم بغير حق وتشددوا في غير موضع تشدد وحري بهم أن يتخلقوا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته الرؤوف بهم . ص 162


الفصل الثالث : الغلو في تكفير المسلمين بالموالاة الظاهرة .
يقسم المؤلفان موالاة الكفار الى قسمين :
1-   موالاة باطنة .
2-    موالاة ظاهرة .
فالموالاة الباطنة هي : الميل القلبي إلى الكفار حباً في عقيدتهم ورغبة في نصرتهم على المسلمين كفعل المنافقين مع اليهود في زمن النبي صلى الله عليه و سلم . وهذا النوع يخرج صاحبه من ملة الإسلام لقوله تعالى :" ومن يتولهم منكم فهو منهم " .
والموالاة الظاهرة هي: نصرة الكفار أومساندتهم لأمر أومصلحة دنيوية مع استقرار الإيمان بالقلب ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعل حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه مع المشركين قبل فتح مكة وهذا الفعل لا يخرج صاحبه من الملة وإنما يعد ذلك معصية فقط وذلك لأنه لا ينقض الإيمان وإنما ينقصه ويقول المؤلفان :" وبعد أن أوضحنا نوعي الموالاة نتجة إلى النفر من شباب الحركة الإسلامية الذين غالوا في هذه المسألة فحكموا على كل من أتى فعلاً من أفعال الموالاة بالكفر الأكبر دون النظر في حاله ودونما تمحيص لموالاته هل هي ظاهرة أم باطنة فهم لم يفرقوا بين النوعين وإنما جعلوها واحداً" ... ص166.
وفي هذا السياق يبحث المؤلفان في الرد على من ادعى كفر موظفي الحكومة :" ثم عوداً إلى هؤلاء الذين حرموا العمل في الوظائف الحكومية وكفروا شاغليها  فإنهم قد أخطئوا أوخلطوا لأن الوظائف لم تكن يوماً من الأيام كافية للحكم على الناس وعلى معتقداتهم "  ويقسم المؤلفان حالات الوظائف إلى فئة تعمل من أجل مصلحة دنيوية وعملها في حدود الحلال شرعاً والمشروع من الدين . وفئة تعمل عملاً قد لا تستطيع فيه تحقيق العدل التام لكنها تشغله مما يخفف الظلم الواقع على المسلمين أويحقق مصلحة للإسلام أوالمسلمين  وأخرى من يقع في عملها ظلم وجور ويرتكب مخالفات شرعية لطبيعة العمل لكنها تقع في هذه الأعمال ومن يعمل في ذلك لا يكره الإسلام ولا يتمنى علو الكفر على الإيمان بل قد يلتبس عليه أحياناً الحق بالباطل ، أويأتي المحظور من أجل مصلحة دنيوية . وهناك فئة أخرى  تعمل كسابقتها لكن الذي يعمل يختلف في أنه يحب الكفر ويكره الإسلام وظهرت دلائل هذا الحب في صورة أفعال وأقوال ظاهرة فإنه لا يستدل على حال القلب إلا بفعل الظاهر، فهؤلاء لا يشك في كفرهم وخروجهم من دائرة الإســـلام ويقول المؤلفان :" هذه حالات متباينة لكل واحدة منها حكمها الذي يناسبها أما تعميم الأحكام واطلاقها هكذا دونما النظر إلى حال كل واحد وكل فرد فهو كارثة عظمى إذ أنه سيقع تحت طائلة هذا التعميم مسلمون كثيرون براء من هذا الحكم الذي صدر عليهم بدون وجه حق . إن خطأ من وقع في تكفير بعض المسلمين بحجة الموالاة الظاهرة خطأ بين لأن الموالاة المكفرة هي الموالاة الباطنة ... " ص 172 .
ويأتي المؤلفان إلى الفرق بين الموالاة الممنوعة والمخالفة المشروعة ويقولان :" وقد يظن البعض أن عيادة المريض الكافر أو النصراني هي من الموالاة وقد يعتقد فريق ثالث أن إهداء المسلم للكافر أوالنصراني أو تقبل هديته أو إكرامه أو التصدق عليه نوع من الموالاة لهم أيضاً ، وقد يلتبس على آخرين فيعتقدون أن تهنئة المسلم للكافر بإنجاب ذرية أو نجاح في كلية أو زواج و نكاح أو قدوم من ســــفر أو شفاء من مرض ويعتقدون أن كل ذلك نوع من الموالاة وغلط هؤلاء جميعاً ، فكل هذه الأبواب وأمثالها لا تدخل تحت مسمى المخالقة بالحسنى ، فالاسلام جاء بأعظم الأخلاق وأكرمها وأسماها وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتم مكارم الأخلاق كما أخبر هو نفسه :إنما بعثت لأتمم  صالح الأخلاق " ص 177 .
ويشير المؤلفان إلى قبول النبي صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي وإلى عيادة يهودي آخر في بيته وكذلك إغاثته مشركي قريش لما أصابتهم المجاعة وكل ذلك يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم في حديثه :" خالق الناس بخلق حسن " .
يستعرض المؤلفان  بعد ذلك صوراً من المخالقة الحسنة الجائزة مع الكفار والتي يظنها البعض خطأً أنها موالاة محرمة :


أولاً :
عيادة المريض الكافر يدل عليها حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري قال :" كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه الرسول صلى الله عليه و سلم يعوده ... " قال أبو مسعود الأصبهاني: سألت أحمد بن حنبل عن عيادة القرابة و الجار النصراني قال نعم .
ثانياً :
التهنئة بالزواج والإنجاب والعودة من السفر وما شابهه . يقول المؤلفان أن ذلك يجوز لما ذكره ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة " و يهنئهم بزوجة أو ولد و لا يهنئهم بشعائر الكفر .." .
ثالثاً :
إنفاق المسلم على قرابته من أهل الذمة من يهودي ونصراني ، قال ابن القيم رحمه الله :" الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق وان اختلف الدينان لقوله تعالى : " ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " . وقد ذم الله تعالى قاطعي الرحم  لقوله :" واتقوا الله الذي تسائلون به و الأرحام " ، وفي الحديث " لا يدخل الجنة قاطع " .
رابعاً :
 تشييع جنازة الكافر : يشير المؤلفان إلى مجموعة من الأحاديث منها : عن أبي وائل قال : ماتت أمي نصرانية فأتيت عمر فسألته فقال : اركب في جنازتها وسر أمامها . وعن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن رجل مات أبوه نصرانياً  قال : يشهد و يدفنه .
وقال محمد بن موسى : قلت لأبي عبدالله الإمام أحمد بن حنبل : يشيع المسلم جنازة المشرك : قال نعم .
خامساً :
جواز تعزية الكافر بما لا يخالف الشرع ولا يكون في مكان عبادتهم .
عن هريم قال سمعت الأجلح عزى نصرانياً فقال : عليك بتقوى الله والصبر .
سادساً :
 مشاركتهم في العمل المباح : قال اسحق بن ابراهيم : سمعت أبا عبدالله الإمام أحمد بن حنبل " وسئل رجل يشارك اليهودي والنصراني ، قال : يشاركهم  لكن  يلي هو البيع و الشراء لأنهم يأكلون الربا ويستحلون الأموال .
ويقول المؤلفان بعد كل ذلك " ... إن الدين الإسلامي دين ينفتح على الآخرين لأنه دين قوي لا يخشى شيئاً من انفتاحه على الآخرين و التعامل معهم .
والمسلم كذلك قوي بإيمانه وقوي بعقيدته السليمة الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض وقوي بشريعته الوسطية السمحة التي تجمع خيري الدنيا والآخرة . ولذلك فإن المسلم بحق لا يخشى شيئاً من انفتاحه على أهل الأديان الأخرى يعطيهم النافع من دينه ودنياه ويأخذ منهم الصالح في دنياهم  يقترب منهم دون وجل لأنه القوي ،  يحسن اليهم  ويخالقهم أحسن مخالقة " ص188 .

وفي ختام هذا الكتاب يقول المؤلفان بعد أن تناولا قضيتي الغلو في الدين وبدعة التكفير ، أن على كل مسلم أن يراعي أمرين هامين و هما :
1-     الوقوف بوجه كل من يروج لهذه البدعة المذمومة والحث على المحبة والمودة والإخاء والتراحم بين المسلمين .
2-      على المسلم أن يقدم للبشرية النموذج الصحيح للمسلم الذي يتخلق بأخلاق القرآن ويهتدي بهدي سيد المرسلين ، ويقدم الإسلام في وسطيته التي لا غلو فيها ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط  . ص 194 .

- المنهج العملي للتصوف

-  المنهج العملي للتصوف

أهميتها وفائدتها وآثارها:
إن للصحبة أثراً عميقاً في شخصية المرء وأخلاقه وسلوكه، والصاحب يكتسب صفات صاحبه بالتأثر الروحي والاقتداء العملي، والإنسان اجتماعي بالطبع لا بد أن يخالط الناس ويكون له منهم أخلاء وأصدقاء ؛ فإن اختارهم من أهل الفساد والشر والفسوق والمجون انحدرت أخلاقه، وانحطت صفاته تدريجياً دون أن يشعر، حتى يصل إلى حضيضهم ويهوي إلى دركهم.

أما إذا اختار صحبة أهل الإيمان والتقوى والاستقامة والمعرفة بالله تعالى فلا يلبث أن يرتفع إلى أوج علاهم، ويكتسب منهم الخُلق القويم، والإيمان الراسخ، والصفات العالية، والمعارف الإلهية، ويتحرر من عيوب نفسه، ورعونات خُلُقِهِ. ولهذا تُعرف أخلاق الرجل بمعرفة أصحابه وجلسائه.

إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارَهمولا تصحب الأردى فترْدَى مع الرديعن المرء لا تسأل وسل عن قرينهفكل قرين بالمقارن يقتدي وما نال الصحابة رضوان الله عليهم هذا المقام السامي والدرجة الرفيعة بعد أن كانوا في ظلمات الجاهلية إلا بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالستهم له. وما أحرز التابعون هذا الشرف العظيم إلا باجتماعهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبما أن رسالة سيدنا محمد عليه السلام عامة خالدة إلى قيام الساعة، فإن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وُرّاثاً من العلماء العارفين بالله تعالى، ورثوا عن نبيهم العلم والخُلق والإيمان والتقوى، فكانوا خلفاء عنه في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الله، يقتبسون من نوره ليضيؤوا للإنسانية طريق الحق والرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَنْ نصرهم فقد نصر الدين، ومن ربط حبله بحبالهم فقد اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن استقى من هدايتهم وإرشادهم فقد استقى من نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هؤلاء الوراث هم الذين ينقلون للناس الدين، مُمَثَّلاً في سلوكهم، حيَّاً في أحوالهم، واضحاً في حركاتهم وسكناتهم، هم من الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة بلفظ آخر، وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، وابن ماجه في كتاب السنة].

لا ينقطع أثرهم على مر الزمان، ولا يخلو منهم قطر.

وهؤلاء الوراث المرشدون صحبتهم ترياق مجرب، والبعد عنهم سم قاتل، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ؛ مرافقتهم هي العلاج العملي الفعَّال لإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، وغرس العقيدة، ورسوخ الإيمان، لأن هذه أُمور لا تُنال بقراءة الكتب، ومطالعة الكراريس، إنما هي خصال عملية وجدانية، تُقتبس بالاقتداء، وتُنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي.

ومن ناحية أخرى، فكل إنسان لا يخلو من أمراض قلبية، وعلل خفية لا يدركها بنفسه، كالرياء والنفاق والغرور والحسد، والأنانية وحب الشهرة والظهور، والعجب والكبر والبخل... بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خُلقاً، وأقومهم ديناً، وهذا هو الجهل المركب، والضلال المبين.

قال تعالى:

{قُلْ هل نُنَبِّئُكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يُحسنون صنعاً} [الكهف: 103ـ104].

فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة صافية مستوية، تكشف له عن حقيقة حاله، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح صادق، أحسن منه حالاً، وأقوم خُلقاً، وأقوى إيماناً، يصاحبه ويلازمه، فيريه عيوبه النفسية، ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمنُ مِرآةُ المؤمن" [رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه البخاري في "الأدب المفرد" وقال الزين العراقي: إسناده حسن. "فيض القدير" ج6/ص252].

وعلينا أن نلاحظ أن المرايا أنواع وأشكال ؛ فمنها الصافية المستوية، ومنها الجرباء التي تُشوِّهُ جمال الوجه، ومنها التي تُكبِّر أو تُصغِّر.

وهكذا الأصحاب ؛ فمنهم الذي لا يريك نفسك على حقيقتها، فيمدحك حتى تظن في نفسك الكمال، ويُدخل عليك الغرور والعجب، أو يذمك حتى تيأس وتقنط من إصلاح نفسك. أما المؤمن الكامل فهو المرشد الصادق الذي صقلت مرآته بصحبة مرشد كامل، ورث عن مرشد قبله وهكذا حتى يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المرآة التي جعلها الله تعالى المثل الأعلى للإنسانية الفاضلة ؛ قال تعالى:

{لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةٌ لِمَنْ كان يرجو الله واليومَ الآخرَ وذكرَ اللهَ كثيراً} [الأحزاب: 21].

فالطريق العملي الموصل لتزكية النفوس والتحلي بالكمالات الخلقية هو صحبة الوارث المحمدي والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته إيماناً وتقوىً وأخلاقاً، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية وعيوبك النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته التي هي صورة عن الشخصية المثالية، شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا يتبين خطأ من يظن أنه يستطيع بنفسه أن يعالج أمراضه القلبية، وأن يتخلص من علله النفسية بمجرد قراءة القرآن الكريم، والاطلاع على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك لأن الكتاب والسنة قد جمعا أنواع الأدوية لمختلف العلل النفسية والقلبية، فلا بد معهما من طبيب يصف لكل داء دواؤه ولكل علة علاجها [تسرع بعض القراء ففهم هذه العبارة على غير مرادها، وظن أننا نقصنا من أهمية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وزهَّدنا في تلاوتهما، والحقيقة أن رجال التصوف هم أكثر الناس تعظيماً لهما وتمسكاً بهما. ففي عبارة: (بمجرد قراءة القرآن الكريم...) بيان إلى أنه لا يكفي الاقتصار على قراءة القرآن الكريم والسنة الشريفة بل لا بد أيضاً من الفهم والعمل، ومن المعلوم أن الكتاب والسنة يدعوان للصحبة الصالحة كما سنوضحه في بحث (الدليل على أهمية الصحبة من الكتاب والسنة). وفي عبارة: (فلا بد معهما...) تصريح واضح بلزوم قراءة القرآن الكريم والسنة الشريفة، ثم يضاف إلى ذلك صحبة المرشدين الذين يزكون النفوس ويحضون الناس على قراءة وتطبيق الكتاب والسنة].

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبب قلوب الصحابة ويزكي نفوسهم بحاله وقاله

فمن ذلك ما حدث مع الصحابي الجليل أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: (كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ، فحَسَّنَ النبي شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأني أنظر إلى الله عز وجل فَرَقاً) [أخرجه مسلم في صحيحه في باب بيان القرآن على سبعة أحرف].

ولهذا لم يستطع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطببوا نفوسهم بمجرد قراءة القرآن الكريم، ولكنهم لازموا مستشفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فكان هو المزكي لهم والمشرف على تربيتهم، كما وصفه الله تعالى بقوله:

{هو الذي بعثَ في الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحِكمةَ} [الجمعة: 2].

فالتزكية شيء، وتعليم القرآن شيء آخر، إذ المراد من قوله تعالى: {يزكيهم} يعطيهم حالة التزكية، ففرقٌ كبير بين علم التزكية وحالة التزكية كما هو الفرق بين علم الصحة وحالة الصحة، والجمع بينهما هو الكمال.

وكم نسمع عن أناس متحيرين يقرؤون القرآن الكريم، ويطلعون على العلوم الإسلامية الكثيرة، ويتحدثون عن الوساوس الشيطانية، وهم مع ذلك لا يستطيعون أن يتخلصوا منها في صلاتهم!.

فإذا ثبت في الطب الحديث أن الإنسان لا يستطيع أن يطبب نفسه بنفسه ولو قرأ كتب الطب، بل لا بد له من طبيب يكشف خفايا علله، ويطلع على ما عمي عليه من دقائق مرضه، فإن الأمراض القلبية، والعلل النفسية أشد احتياجاً للطبيب المزكي، لأنها أعظم خطراً، وأشد خفاء وأكثر دقة.

ولهذا كان من المفيد عملياً تزكية النفس والتخلص من عللها على يد مرشد كامل مأذون بالإرشاد، قد ورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والتقوى وأهلية التزكية والتوجيه.

وها نحن نورد لك يا أخي من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال علماء الشريعة من المحدثين، والفقهاء، والهداة المرشدين العارفين بالله ما يثبت أهمية صحبة الدالين على الله الوارثين عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما في ذلك من الآثار الحسنة، والنتائج الطيبة.
الدليل على أهمية الصحبة من كتاب الله تعالى والأحاديث الشريفة  :

1ـ قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين} [التوبة: 119]. والصادقون: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله بقوله: {مِنَ المؤمنين رِجال صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عيهِ} [الأحزاب: 23].

2ـ قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذينَ يدعون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدونَ وجهَهُ ولا تَعْدُ عيناك عنهُم تُريد زينةَ الحياةِ الدنيا ولا تُطِعْ مَنْ أغفلنا قلبَه عن ذكرنا واتَّبَعَ هواهُ وكان أمرُه فُرُطاً} [الكهف: 28].

الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قبيل تعليم أُمته وإِرشادها.

3ـ قال تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]. أناب: رجع.

4ـ قال تعالى : {ويوم يعضُّ الظالمُ على يديهِ يقولُ يا ليتني اتَّخذتُ مع الرسولِ سبيلاً . يا ويلتى ليتني لم أتَّخِذْ فلاناً خليلاً . لقد أضلَّني عن الذكر بعدَ إذ جاءَني وكان الشيطان للإنسان خذولاً} [الفرقان: 27ـ29].

5ـ قال تعالى: {الأخلاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المتقين} [الزخرف: 67].

6ـ قال تعالى: {ثم استوى على العرشِ الرحمنُ فاسألْ به خبيراً} [الفرقان: 59].

7ـ قال تعالى حاكياً على لسان سيدنا موسى عليه السلام حين التقى بالخَضِر عليه السلام بعد عزم صادق، وعناء طويل، وسفر شاق: {هل أتَّبِعُك على أنْ تُعلِّمَنِ مما عُلِّمْتَ رُشداً . قال إنَّك لن تستطيع معيَ صبراً}[الكهف: 66ـ67].


3ـ الدليل على أهمية الصحبة من الأحاديث الشريفة:

1ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما مَثَلُ الجليسِ الصالح وجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (يعطيك) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد فيه ريحاً منتنة) [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الذبائح ومسلم في كتاب البر والصلة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

2ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أيُّ جلسائنا خير ؟ قال: "مَنْ ذكَّركُم الله رؤيتُهُ، وزاد في علمكم مَنْطقُه، وذكَّركم في الآخرة عملُه" [رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح كما في "مجمع الزوائد" ج10/ص226].

3ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" [رواه أبو داود والترمذي في كتاب الزهد وقال حديث حسن غريب].

4ـ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله فخبِّرنا من هم ؟ قال: هم قوم تحابُّوا برُوح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: {ألا إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62]" [رواه أبو داود].

5ـ عن أبي ذر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله ؛ الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل عملهم ؟ قال: "أنت يا أبا ذر مع من أحببت" [رواه أبو داود].

6ـ عن حنظلة رضي الله عنه قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة ؟ قلتُ: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول ؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي الله عنه: "فو الله إنا لنلقى مثل هذا". فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك ؟" قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنَا الأزواج والضيعات، نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ـ ثلاث مرات ـ" [رواه مسلم في صحيحه في كتاب التوبة. ومعنى عافسنا: عالجنا ولاعبنا ؛ والضيعات: جمع ضيعة وهو معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة].

إن هذه الأحاديث السالفة الذكر وكثيراً غيرها تبين بمجموعها أهمية الصحبة، وأثرها في النفوس، وأنها السبيل العملي للإصلاح والتربية. ولا سيما حديث حنظلة الذي يُظهر بوضوح كيف كانت مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشع في القلوب أنوار اليقين، وتُزكي في النفوس جذوة الإيمان، وترتفع بالأرواح إلى مستوى ملائكي أقدس، وتطهِّر القلوب من أدران المادة، وتسمو بالإيمان إلى مستوى المراقبة والشهود.

وهكذا مجالسة وُرَّاث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتُهم، تُزَكِّي النفوس، وتزيد الإيمان، وتوقظ القلوب وتذكر بالله تعالى. والبعدُ عنهم يورث الغفلة، وانشغال القلب بالدنيا، وميله إلى متع الحياة الزائلة.
أقوال الفقهاء والمحدثين في أهمية الصحبة وآدابها:

ابن حجر الهيثمي:

يقول الشيخ الفقيه المحدث أحمد شهابُ الدين بن حجر الهيثمي المكي في كتابه "الفتاوى الحديثية": (والحاصل أن الأوْلى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة، فإنه هو الطبيب الأعظم، فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية، يُعطي كل بدن ونَفْسٍ ما يراه هو اللائق بشفائها والمصلح لغذائها) ["الفتاوى الحديثية" ص55 للمحدث أحمد بن حجر الهيثمي المكي توفي سنة 974هـ].

الإمام فخر الدين الرازي:

قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره المشهور عند تفسيره سورة الفاتحة: (الباب الثالث في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة (الفاتحة) فيه مسائل... اللطيفة الثالثة: قال بعضهم: إنه لما قال: {اهدنا الصراط المستقيمَ} لم يقتصر عليه بل قال: {صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم} [الفاتحة:7 ] وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل، ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل، وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق، وعقولهم غير وافية بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط، فلا بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل الكامل، فحينئذ يصل إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات) ["تفسير مفاتيح الغيب" المشتهر بالتفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي ج1/ص142].

الشيخ إبراهيم الباجوري:

قال شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري الشافعي عند شرحه كلام الشيخ إبراهيم اللقاني صاحب "جوهرة التوحيد":

وكنْ كما كان خيارُ الخلقِ حليفَ حِلم تابعاً للحق

(أي كن متصفاً بأخلاقٍ مثل الأخلاق التي كان عليها خيار الخلق... إلى أن قال: وإذا كانت المجاهدة على يد شيخ من العارفين كانت أنفع، لقولهم: حال رجل في ألف رجل أنفع من وعظ ألف رجل في رجل. فينبغي للشخص أن يلزم شيخاً عارفاً على الكتاب والسنة، بأن يزنه قبل الأخذ عنه فإن وجده على الكتاب والسنة لازمه، وتأدب معه، فعساه يكتسب من حاله ما يكون به صفاء باطنه، والله يتولى هداه) ["شرح الجوهرة" للباجوري ص133. والشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الأزهر في عصره وهو من العلماء الأعلام ومن المحققين في المذهب الشافعي توفي عام 1277هـ].

ابن أبي جمرة:

شرح الإمام الحافظ المحدِّثُ الورع أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحَيٍّ والداك ؟" قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) وبعد أن شرحه بيَّن عشرة وجوه له، قال في الوجه العاشر:

(فيه دليل على أن الدخول في السلوك والمجاهدات، السُّنَّةُ فيه أن يكون على يد عارف به، فيرشد إلى ما هو الأصلح فيه، والأسدُّ بالنسبة إلى حال السالك لأن هذا الصحابي رضي الله عنه لما أن أراد الخروج إلى الجهاد لم يستبد برأي نفسه في ذلك حتى استشار من هو أعلم منه وأعرف، هذا ما هو في الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر ؟!) ["بهجة النفوس" شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة المتوفى سنة 699هـ. ج3/ص146].

ابن قيم الجوزية:

قال الحافظ أبو عبد الله محمد الشهير بابن القيم: (فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل، فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين، وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي ؟. فإذا كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو من أهل الغفلة كان أمره فُرطا... إلى أن قال: فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعد منه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى، واتباع السنة، وأمرُه غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره، فليستمسك بغَرْزه) ["الوابل الصيب من الكلم الطيب" ص53 لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ].

عبد الواحد بن عاشر:

قال الفقيه المالكي عبد الواحد بن عاشر في منظومة العقائد وعبادات فقه مالك المسماة "المرشد المَعين" مبيناً ضرورة صحبة الشيخ المرشد وما تنتج من آثار طيبة:

يصحبُ شيخاً عارفَ المسالكْ يَقيهِ في طريقِهِ المَهَالِكْ

يُذَكِّرُهُ الله إذا رآهُ ويوصلُ العبدَ إلى مولاهُ

يُحاسبُ النفسَ على الأنفاسِ ويَزِنُ الخاطرَ بالقِسْطَاسِ

ويحفظُ المفروضَ رأسَ المالِ والنَّفلَ ربْحَهُ بهِ يوالي

ويُكثرُ الذكرَ بصفوِ لُبِّهِ والعونُ في جميعِ ذا بِرَبِّه

يجاهدُ النفْسَ لربِّ العالمينْ ويَتَحلَّى بمقاماتِ اليقينْ

يَصيرُ عند ذاكَ عارفاً بهِ حُرَّاً، وغيرُهُ خَلاَ مِنْ قلبِه

فحَبَّه الإلهُ واصطفاهُ لحضرةِ القدُّوسِ واجْتَباهُ

قال شارح هذه المنظومة الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي في كتابه "النور المبين على المرشد المعين": (إن من نتائج صحبة الشيخ السالك، ما يحصل لمريده من أنه يذكِّرهُ الله ؛ أي يكون سبباً قوياً في ذكر المريد ربه إذا رأى الشيخ لِمَا عليه من المهابة التي ألبسه الله إياها، ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم عن أنس رضي الله عنه (أفضلكم الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله تعالى لرؤيتهم).

ومن ثمرة صحبة هذا الشيخ السالك أيضاً أنه يوصل العبد إلى مولاه بسبب ما يريه من عيوب نفسه، ونصحه بالهروب من غير الله إلى الله تعالى، فلا يرى لنفسه ولا لمخلوقٍ نفعاً ولا ضراً، ولا يركن لمخلوقٍ في دفعٍ أو جلب، بل يرى جميع الانقلابات والتصرفات في الحركات والسكنات لله تعالى، وهذا معنى الوصول إلى الله تعالى.

ففائدة الشيخ مع المريد هي إظهار العيوب القاطعة عن الله تعالى للمريد، فيشخصها له، ويريه دواءها، ولا يتم هذا إلا مع مريد صادق ألقى مقاليد نفسه لشيخه، وألزم نفسه ألاَّ يكتم خاطراً ما عن شيخه، وأما إذا كتمه ولو واحداً فلا ينتفع بشيخه البتة) ["النور المبين على المرشد المعين" ص178].

الطيبي صاحب "حاشية الكشاف":

قال الطيبي: (لا ينبغي للعالم ـ ولو تَبَحَّر في العلم حتى صار واحدَ أهل زمانه ـ أن يقتنع بما عَلمه، وإنما الواجب عليه الاجتماع بأهل الطريق ليدلوه على الطريق المستقيم، حتى يكون ممن يحدثهم الحق في سرائرهم من شدة صفاء باطنهم، ويُخَلَّصَ من الأدناس، وأن يجتنب ما شاب علمه من كدورات الهوى وحظوظ نفسه الأمارة بالسوء، حتى يستعد لفيضان العلوم اللدنية على قلبه، والاقتباس من مشكاة أنوار النبوة ؛ ولا يتيسر ذلك عادة إلا على يد شيخ كامل عالم بعلاج أمراض النفوس، وتطهيرها من النجاسات المعنوية، وحكمة معاملاتها علماً وذوقاً، لِيُخرجه من رعونات نفسه الأمَّارة بالسوء ودسائسها الخفية. فقد أجمع أهل الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان شيخاً له، يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله بقلبه، ليصح حضوره وخشوعه في سائر العبادات، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا شك أن علاج أمراض الباطن واجب، فيجب على كل من غلبت عليه الأمراض أن يطلب شيخاً يُخرِجه من كل ورطة، وإن لم يجد في بلده أو إقليمه وجب عليه السفر إليه) ["تنوير القلوب" للعلامة الشيخ أمين الكردي الشافعي ص44 ـ 45].
أقوال العارفين بالله من رجال التصوف في فائدة الصحبة وآدابها:

إن السادة الصوفية هم أحرص الناس على حياة تعبدية خالصة، تقوم أُسُسها على السمع والطاعة، والإذعان لنصيحة ناصح، أو توجيه مرشد، فنشأت بينهم تلك المدارس الروحية التي قامت على أعظم أساليب التربية والتقويم، وأقوى صلات الروح بين الشيخ والمريد.

ولذا يوصي العارفون بالله تعالى كل من أراد سلوك طريق الحق الموصل إلى معرفة الله ورضاه بالصُحبةِ، وروحُها الاعتقاد والتصديق بهؤلاء المرشدين الدالين على الله تعالى، الموصلين إلى حضرته القدوسية.

أبو حامد الغزالي:

قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء عليهم السلام) ["شرح الحكم" لابن عجيبة ج1/ص7].

وقال رحمه الله: (كنت في مبدأ أمري منكراً لأحوال الصالحين، ومقامات العارفين، حتى صحبت شيخي (يوسف النساج) فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام، فقال لي: يا أبا حامد، دع شواغلك، واصحب أقواماً جعلتُهم في أرضي محل نظري، وهم الذين باعوا الدارين بحبِّي، قلت: بعزتك إلا أذقتني بَرْدَ حُسْنِ الظن بهم، قال: قد فعلتُ، والقاطع بينك وبينهم تشاغُلُك بحب الدنيا، فاخْرُجْ منها مختاراً قبل أن تخرج منها صاغراً، فقد أفضتُ عليك أنواراً من جوار قدسي. فاستيقظتُ فرحاً مسروراً وجئت إلى شيخي (يوسف النساج) فقصصت عليه المنام، فتبسم وقال: يا أبا حامد هذه ألواحنا في البداية، بل إنْ صحبتني ستكحل بصيرتك بإِثمد التأييد... الخ) ["شخصيات صوفية" لطه عبد الباقي سرور ص154. توفي سنة 1382هـ بمصر].

وقال أيضاً: (مما يجب في حق سالكِ طريق الحق أن يكون له مرشدٌ ومربٌّ ليدله على الطريق، ويرفع عنه الأخلاق المذمومة، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة، ومعنى التربية أن يكون المربي كالزارع الذي يربي الزرع، فكلما رأى حجراً أو نباتاً مضراً بالزرع قلعه وطرحه خارجاً، ويسقي الزرع مراراً إلى أن ينمو ويتربى، ليكون أحسن من غيره ؛ وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي، علمت أنه لا بد للسالك من مرشد البتة، لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلاً لهم، ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم ؛ وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نواباً عنه ليدلوا الخلق إلى طريق الله ؛ وهكذا إلى يوم القيامة، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة) ["خلاصة التصانيف في التصوف" لحجة الإسلام الغزالي ص18. توفي سنة 505هـ في طوس].

ومن قوله: (يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة. فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرةِ التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتَصَمُ المريد شيخُهُ، فليتمسك به) ["الإحياء" ج3/ص65].

ويقول الغزالي: (إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصَّره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخْفَ عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج. ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق:

الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلعٍ على خفايا الآفات، ويحكّمه في نفسه، ويتبع إشاراته في مجاهداته، وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرّفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه، ويعرّفه طريق علاجها... الخ) ["الإحياء" ج3/ص55].

الأمير عبد القادر الجزائري:

قال الأمير العارف بالله عبد القادر الجزائري في كتابه "المواقف":

(الموقف المائة والواحد والخمسون: قال الله تعالى حاكياً قول موسى لخضرٍ عليهما السلام: {هلْ اتَّبِعُك على أنْ تعلِّمَنِ مما عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66 ]: اعلم أن المريد لا ينتفع بعلوم الشيخ وأحواله إلا إذا انقاد له الانقياد التام، ووقف عند أمره ونهيه، مع اعتقاده الأفضلية والأكملية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، كحال بعض الناس يعتقد في الشيخ غاية الكمال ويظن أن ذلك يكفيه في نيل غرضه، وحصول مطلبه، وهو غير ممتثل ولا فاعل لما يأمره الشيخ به، أو ينهاه عنه. فهذا موسى عليه السلام، مع جلالة قدره وفخامة أمره، طلب لقاء الخضر عليه السلام وسأل السبيل إلى لُقيِّه، وتجشم مشاق ومتاعب في سفره، كما قال: {لقدْ لقينا مِن سفرِنا هذا نَصباً} [الكهف: 62] ومع هذا كله لَمَّا لم يمتثل نهياً واحداً، وهو قوله: {فلا تسألْنِي عن شيء حتى أُحدِثَ لَكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] ما انتفع بعلوم الخَضِر عليه السلام، مع يقين موسى عليه السلام الجازم أن الخضر أعلمُ منه بشهادة الله تعالى، لقوله تعالى عندما قال موسى عليه السلام: لا أعلم أحداً أعلم مني: [بلى، عبدنا خَضِرٌ] وما خصَّ عِلْماً دون علم، بل عمَّم.

وكان موسى عليه السلام أولاً ما علم أن استعداده لا يقبل شيئاً من علوم خضر عليه السلام. وأما خضر عليه السلام، فإنه علم ذلك أول وهلة فقال: {إنَّك لن تستطيعَ معيَ صبراً} [الكهف: 67]. وهذا من شواهد علمية الخضر عليه السلام فلينظر العاقل إلى أدب هذين السيدين.

قال موسى عليه السلام: {هل أتَّبِعُك على أن تُعلِّمَنِ ممّا عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66 ] أي: هل تأذن في اتباعك، لأتعلم منك ؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم الذوق.

وقال خضر عليه السلام: {فإنِ اتََّبَعتَني فلا تسْألْني عن شيء حتى أُحدثَ لكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] وما قال: فلا تسألني، وسكت، فيبقى موسى عليه السلام حيران متعطشاً، بل وعده أنه يُحدث له ذكراً، أي: علماً بالحكمة فيما فعل، أو ذكراً: بمعنى: تذكراً.

فأكملية الشيخ في العلم المطلوب منه المقصود لأجله لا تغني عن المريد شيئاً، إذا لم يكن ممتثلاً لأوامر الشيخ، مجتنباً لنواهيه

وما ينفع الأصل من هاشمإذا كانت النفس من باهِلة وإنما تنفع أكملية الشيخ من حيث الدلالة الموصلة إلى المقصود، وإلا فالشيخ لا يعطي المريد إلا ما أعطاه له استعداده، واستعداده مُنْطَوٍ فيه وفي أعماله، كالطبيب الماهر إذا حضر المريض وأمره بأدوية فلم يستعملها المريض، فما عسى أن تغني عنه مهارة الطبيب ؟ وعدم امتثال المريض دليل على أن الله تعالى ما أراد شفاءه من علته، فإن الله إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه.

وإنما وجب على المريد طلب الأكمل الأفضل من المشايخ خشية أن يلقي قيادَهُ بيد جاهل بالطريق الموصل إلى المقصود، فيكون ذلك عوناً على هلاكه) ["المواقف" ج1/ص305 والأمير عبد القادر الجزائري المجاهد الكبير الذي جاهد الإفرنسيين الطغاة، ووقف سداً منيعاً أمام الاستعمار الفرنسي سبعة عشر عاماً مجاهداً ومناضلاً أشهر من أن يعرف. وإنه لغريب على الأسماع قولنا بتصوف الأمير عبد القادر الجزائري، مع أنه من صفوتهم، وكتابه "المواقف" يشهد له بذلك، وله ديوان متوسط الحجم أطول قصيدة فيه الرائية وعنوانها (أستاذي الصوفي) اخترنا للقارىء بعض أبياتها:

أمسعودُ جاء السعد والخير واليسر وولّت جيوش النحس ليس لها ذكرُ

أسائل كل الخلق، هل من مُخبرٍ ؟ يحدثني عنكم، فينعشني الخَبْرُ

إلى أن دعتني همَّةُ الشيخ من مدى بعيد، ألا فادْنُ فعندي لك الذخر

فشمّرْتُ عن ذيلي الأطارَ وطار بي جناح اشتياق، ليس يُخشى له كسر

إلى أن أنخْنَا بالبطاح ركابَنا وحطت بها رحلي، وتمَّ لها البشر

أتاني مُرَبّي العارفين بنفسه ولا عجبٌ، فالشأن أضحى له أمر

وقال: فإني منذ أعداد حجة لمنتظر لقياك، يا أيها البدر

فأنت بُنيّي، مذ "ألسْتُ بربكم" وذا الوقت حَقَّاَ ضمه اللوح والسطر

وجَدُّكَ قد أعطاك من قِدَمٍ لنا ذخيرتكم فينا، ويا حبذا الذخر

فقبَّلتُ من أقدامه وبساطه وقال لك البشرى، بذا قُضِيَ الأمر

وألقى على صُفْري بإِكسير سرِّهِ فقيل له: هذا هو الذهب التبر [الصفر هو النحاس]

محمد الفاسي، له من محمد صَفِيِّ الإله، الحال والشيم الغر

عليه صلاة الله ما قال قائل أمسعودُ جاء السعدُ والخير واليسر

ولد الأمير سنة 1222هـ الموافق 1807م بقرية قيطنة في الجزائر. وتوفي في سنة 1300هـ الموافق 1883م ودفن بجوار الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي داخل القبة رحمة الله تعالى عليهما. ثم نقل رفاته إلى بلده الجزائر عام 1386هـ الموافق 1966م].

ابن عطاء الله السكندري:

يقول ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (وينبغي لمن عزم على الاسترشاد، وسلوك طريق الرشاد، أن يبحث عن شيخ من أهل التحقيق، سالك للطريق، تارك لهواه، راسخ القدم في خدمة مولاه فإذا وجده فليمتثل ما أمر، ولينْتهِ عما نهى عنه وزجر) [مفتاح الفلاح" ص30].

وقال أيضاً: (ليس شيخك مَنْ سمعت منه، وإنما شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عبارته، وإنما شيخك الذي سَرَتْ فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، وإنما شيخك الذي رَفَع بينك وبينه الحجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك الذي نهض بك حاله.

شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على المولى.

شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك، حتى تَجَلَّتْ فيها أنوار ربك، أنهضك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، وما زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجَّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك) ["لطائف المنن" ص167"].

وقال أيضاً: (لا تصحب من لا يُنهِضُكَ حاله، ولا يدلك على الله مقاله) ["إيقاظ الهمم" في شرح حكم ابن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 709هـ لأحمد بن عجيبة الحسني ج1/ص74].

الشيخ عبد القادر الجيلاني:

ويقول صاحب العينية سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره:

وإن ساعد المقدور أو ساقك القضا إلى شيخ حق، في الحقيقة بارعُ

فقم في رضاه، واتَّبع لمراده ودع كل ما من قبل كنت تسارع

ولا تعترض فيما جهلت من امره عليه، فإن الاعتراض تنازع

ففي قصة الخضر الكريم كفاية بقتل غلام، والكليمُ يدافع

فلما أضاء الصبح عن ليل سره وسلَّ حساماً للغياهب قاطع

أقام له العذرَ الكليمُ وإنه كذلك علم القومِ فيه بدائع

["فتوح الغيب" للجيلاني، من قصيدة تسمى "النوادر العينية في البوادر الغيبية" في 534 بيتاً ص201، وتوفي رضي الله عنه سنة 561هـ في بغداد].

الشيخ عبد الوهاب الشعراني:

قال العالم الرباني الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه "العهود المحمدية":

(أُخِذَ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نواظب على الركعتين بعد كل وضوء، بشرط ألاَّ نحدِّث فيهما أنفسنا بشيء من أُمور الدنيا، أو بشيء لم يُشرع لنا في الصلاة. ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به، حتى يقطع عنه الخواطر المشغلة عن خطاب الله تعالى. ثم قال:

فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح، يشغلك بالله تعالى، حتى يقطع عنك حديث النفس في الصلاة كقولك: أروحُ لكذا، أفعلُ كذا، أقول كذا، أو نحو ذلك، وإلا فمِنْ لازِمِكَ حديث النفس في الصلاة، ولا يكاد يَسْلَمُ لك منه صلاة واحدة، لا فرض ولا نفل، فاعلم ذلك، وإياك أن تريد الوصول إلى ذلك بغير شيخ، كما عليه طائفة المجادلين بغير علم، فإن ذلك لا يصح لك أبداً) ["لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية" للعارف بالله عبد الوهاب الشعراني ج1/ص51 توفي رضي الله عنه سنة 973 هـ في مصر].

وقال الشيخ الشعراني أيضاً: (وكانت صور مجاهداتي لنفسي من غير شيخ أنني كنت أطالع كتب القوم كـ "رسالة القشيري"، و"عوارف المعارف" و"القوت" لأبي طالب المكي و"الإحياء" للغزالي، ونحو ذلك، وأعمل بما ينقدح لي من طريق الفهم، ثم بعد مدة يبدو لي خلاف ذلك فأترك الأمر الأول وأعمل بالثاني... وهكذا، فكنت كالذي يدخل درباً لا يدري هل ينفذ أم لا ؟ فإن رآه نافذاً خرج منه، وإلاَّ رجع، ولو أنه اجتمع بمن يُعرِّفه أمر الدرب قبل دخوله لكان بيَّن له أمره وأراحه من التعب، فهذا مثال من لا شيخ له. فإن فائدة الشيخ إنما هي اختصار الطريق للمريد، ومن سلك من غير شيخ تاه، وقطع عمره ولم يصل إلى مقصوده، لأن مثال الشيخ مثال دليل الحجاج إلى مكة في الليالي المظلمة)[ "لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص48 ـ 49].

وقال أيضاً: (ولو أن طريق القوم يوصَلُ إليها بالفهم من غير شيخ يسير بالطالب فيها لما احتاج مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي والشيخ عز الدين بن عبد السلام أخْذَ أدبهما عن شيخ مع أنهما كانا يقولان قبل دخولهما طريق القوم: كل من قال: إن ثَمَّ طريقاً للعلم غير ما بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل. فلما دخلا طريق القوم كانا يقولان: قد ضيعنا عمرنا في البطالة والحجاب. وأثبتا طريق القوم ومدحاها) ["لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص25].

ثم قال: (وكفى شرفاً لأهل الطريق قول السيد موسى عليه السلام للخضر: {هل أَتَّبِعُكَ على أنْ تُعَلِّمَنِ مما عُلِّمتَ رُشداً} [الكهف: 66].

واعتراف الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه لأبي حمزة البغدادي بالفضل عليه، واعتراف الإمام أحمد بن سريج رحمه الله لأبي القاسم الجنيد، وطلب الإمام الغزالي له شيخاً يدله على الطريق مع كونه كان حجة الإسلام، وكذلك طلب الشيخ عز الدين بن عبد السلام له شيخاً مع أنه لُقِّبَ بسلطان العلماء... وكان رضي الله عنه يقول: ما عرفت الإسلام الكامل إلا بعد اجتماعي على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه. فإذا كان هذان الشيخان قد احتاجا إلى الشيخ مع سعة علمهما بالشريعة فغيرهما من أمثالنا من باب أولى)[ "لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص50].

أبو علي الثقفي:

قال أبو علي الثقفي: (لو أن رجلاً جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ مؤدب ناصح. ومن لم يأخذ أدبه عن آمرٍ له وناهٍ، يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص365].

أبو مدين:

وقال أبو مدين رضي الله عنه:

(من لم يأخذ الآداب من المتأدبين، أفسد من يتبعه) ["النصرة النبوية" ص13].

الشيخ أحمد زروق:

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله في قواعده: (أخذ العلم والعمل عن المشايخ أتم من أخذه دونهم {بل هو آياتٌ بيِّناتٌ في صُدور الذينَ أوتوا العلمَ} [العنكبوت: 49]، {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]، فلزمت المشيخة، سيما والصحابة أخذوا عنه عليه الصلاة والسلام، وقد أخذ هو عن جبريل، واتبع إشارته في أن يكون عبداً نبياً، وأخذ التابعون عن الصحابة.

فكان لكلٌّ أتباعٌ يختصون به كابن سيرين وابن المسيّب والأعرج في أبي هريرة، وطاوس ووهب ومجاهد لابن عباس، إلى غير ذلك.

فأما العلم والعمل فأخْذُه جَلِيٍّ فيما ذكروا كما ذكروا.

وأما الإفادة بالهمة والحال، فقد أشار إليها أنس بقوله: (ما نفضْنَا الترابَ عن أيدينا من دفنه عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا) [رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب ولفظه عن أنس رضي الله عنه قال: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا)].

فأبان أن رؤية شخصه الكريم كانت نافعة لهم في قلوبهم، إذ مَنْ تحقق بحالة لم يخلُ حاضروه منها، فلذلك أمر بصحبة الصالحين، ونهى عن صحبة الفاسقين) ["قواعد التصوف" لأحمد زروق القاعدة 65].

علي الخواص:

وقال سيدي علي الخواص رضي الله عنه:

لا تَسْلكَنَّ طريقاً لَسْتَ تعْرفُها بلا دليلٍ فَتَهوي في مَهَاويها

["المنن" للشعراني ج1/ص51].



لأن الدليل والمرشد يوصل السالك إلى ساحل الأمان ويجنبه مزالق الأقدام ومخاطر الطريق، وذلك لأن هذا الدليل المرشد قد سبق له سلوك الطريق على يد دليل عارف بخفايا السير، مطلع على مجاهله ومآمنه، فلم يزل مرافقاً له، حتى أوصله إلى الغاية المنشودة، ثم أذن له بإرشاد غيره، وإلى هذا أشار ابن البنّا في منظومته:

وإنما القومُ مُسافِرونا لحضرةِ الحقِّ وظاعنونا

فافتقرُوا فيه إلى دليلِ ذِي بصرٍ بالسَّيرِ والمقيلِ

قدْ سلكَ الطريق ثمَّ عادَ لِيُخْبِرَ القومَ بما استفادَ

[أحمد بن محمد التجيبي المعروف بابن البنا ـ "الفتوحات الإلهية" شرح المباحث الأصلية ج1/ص142].



الشيخ محمد الهاشمي:

قال شيخنا الكبير مربي العارفين والدال على الله سيدي محمد الهاشمي رحمه الله تعالى:

(فاسلك يا أخي على يد شيخ حيٌّ عارفٍ بالله، صادق ناصح، له علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مَرْضيَّة، سلك الطريق على يد المرشدين، وأخذ أدبه عن المتأدبين، عارف بالمسالك، ليقيك في طريقك المهالك ويدلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار من سوى الله، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله، يوقفك على إساءة نفسك، ويعرِّفك بإحسان الله إليك، فإذا عرفته أحببته، وإذا أحببته جاهدت فيه، وإذا جاهدت فيه هداك لطريقه، واصطفاك لحضرته، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهم سُبلَنا} [العنكبوت: 69]. فصحبة الشيخ والاقتداء به واجب، والأصل فيه قوله تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15] وقوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا مع الصادقينَ} [التوبة: 119].

ومن شرطه أيضاً أن يكون له الإذن في تربية الخلق من مرشد كامل ذي بصيرة نافذة، ولا يقال أين مَنْ هذا وصفه ؟ لأنا نقول كما قال ابن عطاء الله السكَنْدَري في "لطائف المنن": (لا يُعْوِزُكَ وجود الدالين، وإنما يعوزك وجود الصدق في طلبهم). جِدَّ صدقاً تجدْ مرشداً.

لكِنَّ سرَّ الله في صِدْقِ الطَّلب كَمْ رِيءَ* في أصحابهِ مِنَ العَجَبْ

*[على وزن [قيل] مبني للمجهول].

وقال في "لطائف المنن" أيضاً: (إنما يكون الاقتداء بولي دلك الله عليه، وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته، فألقيتَ إليه القياد، فسلك بك سبيل الرشاد... الخ).

وقال ابن عطاء الله في حِكَمِهِ: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَنْ أراد أن يوصله إليه)["شرح شطرنج العارفين" للشيخ محمد الهاشمي التلمساني ص14. وفي آخر كتابنا هذا سنذكر شيئاً من ترجمة شيخنا الهاشمي رحمة الله عليه].

شارك فى نشر الخير