آخر الأخبار
موضوعات

السبت، 29 أكتوبر 2016

- الثقة بالله تعالى بين النظرية والتطبيق

عدد المشاهدات:
الثقة بالله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) البقرة آية 257، وقال سبحانه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) المائدة آية 55، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنى وجهت وجهى إليك رهبة ورغبة أليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم أتى آمنت بكتابك الذى أنزلت وبنبيك الذى أرسلت) وفى الحكمة الثقة بغير الله عجز، والثقة روح التوكل وخالص التفويض وهى تحقق بعلم النشأة الأولى تحققاًيجعل الواثق بالله على يقين حق أن الله تعالى أولى به من نفسه لأنه هو سبحانه أوجده من العدم وأمده بما به حفظ حياته وبقائه منعماً لا شريك له سبحانه فى أيجاده وأمداده بل نفس أعضائه العاملة وجوارحه المجترحة بإمداد الله وقدرته وقيوميته فإذا بلغ العبد المؤمن هذا المبلغ من علم اليقين أو عين اليقين بلغ منزلة الثقة بالله تعالى فأطمأن قلبه بذكره وسكنت نفسه إليه سبحانه وكان الله جل جلاله اقرب إليه من حبل الوريد وشهد الحق سبحانه.

وأقل مشاهد المؤمنين فى الثقة بالله أن يرى نفسه طفلاً وأن يرى الخالق جل جلاله له أبا وأما فتقوى ثقته بالله جل جلاله فى جميع شئونه كما ترى الطفل يلعب غير مفكر فيما يلزمه لثقته بأبيه وأمه فإذا جاع أو عطش أو خاف رجع إليهما واثقاً بنيل كل راغائبه ودفع كل أذية عنه غير شاك ولا مرتاب فى ذلك ومن لم يكن مع الله كالطفل مع والديه فليس من أهل الثقة بالله تعالى والطفل مع والديه مثل ضربه الله للمؤمن ليتحقق بتلك المنزلة من القرب من الله تعاى ولأهل الثقة بالله تعالى مشاهد أنس بالله تعالى ومنازلات بهجة به سبحانه فى فارح الأمر ومؤلمه قال الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) سورة البقرة آية 273، ولأهل الثقة مشاهد سجد العقل دون فنائها بها أعلاء كلمة الله تعالى وتجديد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبلغ بهم مبلغاً تقع فيه العين على العين بعد محو البين من البين ثقة به جل جلاله وأليك برهان ذلك قول الخليل عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام عندما قال له ألك حاجة فقال له أما أليك فلا، ثقة بالله الذى حجب الأواسط به سبحانه عن قلب خليله حتى صار أنه لا بين بينه وبين ربه جل جلاله، وشمة من عبير الثقة يدوم بها بسط العارفين وبهجتهم ثقة بالمولى القوى المعين وكمال تصديق بوعده وأخلاص فى التفويض له سبحانه ولما كان نزول الثقة بالله تعالى من أعلى مقامات أهل التفويض وكان لابد لكل مريد لله تعالى من أن يكون له قسط من التوكل والتفويض إلا بشميم هذا العبير حتى يكون التحقق بهذين المقامين تحققاً عن مشاهدة لا على علم فأن العلم قد يتسلى عنه من حصله عند فادح الأمر وعظيمه فإن تلك المقامات العلية ليست علماً فقط بل هى عملية أمر منها علمية وأهل التوكل والتفويض والثقة لا يظهرون تلك المقامات علماًً فإن ذلك يشير إلى التجمل للخلق ولكنها تظهر منهم قهراً عنهم عم حتى يتلقها المريدون عنهم بالعمل لا بالعلم فإن أهل الله الصالحين يسارعون إلى تجمل باطنهم لمولاهم جل جلاله بتلك المعنى ثم تقر منهم قهراً عند المقتضيات فيتلقاه المريدون عملاً فينقش حقائقها على جواهر نفوسهم ولما أودع الله من المحبة فى قلوب المريدين منه سبحانه للمرشد الكامل تراهم يسارعون إلى التشبه به ولو تعصت عليهم قواهم النفسانية وضعفت عن القيام بتلك الأعمال العظيمة أبدانهم الآدامية، ولكن جواذب المحبة تجذبهم إلى تحمل ما لا قبل لهم به تشبها بمحبوبهم الذى هو أمامهم المسارع بهم إلى حضرة القدس الأعلى وهى سنة ماضية.



ومن قرأ تاريخ العرب قبل إشراق شمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ تاريخهم بعد انبعاث تلك الأنوار وسطوعها على الآفاق يعلم قدر الفضل الألهى الذى من الله به على عباده فجعل على الأرض ملائكة صور آناسى لا بل على الأرض أرواحاً قدسية فى هياكل آدمية تطوف حواليها الملائكة لتقتبس أنوار القدس من مثل المشكاة المحمدية وصور الحقيقة الأحمدية وأن الفضل العظيم بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ولولا الثقة بالله تعالى لعجز العالم أجمع عن أن يقوم بعمل فرد واحد منهم ولا تعجب فالمسلمون الآن تقريبا من خمسمائة مليون لا يساوون رجلاً واحداً استغفر الله ولا يساوون صبياَ ممن كانوا فى عصر رسول الله أو فى عصر التابعين لهم بإحسان ذلك لأن الثقة فقدت من قلوبهم وبالثقة ينل رضوان الله الأكبر ومواجهة وجهه الجميل والأنس بسماع كلامه المقدس منه سبحانه.



ولو علم المسلم بمقدار ما يناله بالثقة لبذل نفسه النفيسة عليه لينال شميماً من الثقة بالله جل جلاله وكفى المسلم الواثق بالله مجداً فى الدنيا والآخرة أن يكون الله أقرب إليه من نفسه التى بين جنبيه وأن يكون له من الله ما يشاء فى الدنيا والآخرة فيفنى عن تلك المنزلة بالله جل جلاله، وأعظاماً لجنابه العلى عن ان يلتفت إلى شأن من الشئون عن مشئن الشئون القريب، المجيب العلى العظيم سبحانه وتعالى، ومن التفت عن الله بضعف الثقة به هو الفقير المضطر كيف لا يلتفت عنه سبحانه وهو العلى العظيم الغنى عنه وليس التفات الله تعالى عن العبد بسلب ماله ولا بفقد عافيته فقد يلتفت الله عن العبد فيستدرجه وأنما التفات الله عن العبد حرمانه من الثقة به سبحانه ومن التوكل عليه والتفويض كل الأمور إليه وحرمانه من الأستقامة، نعوذ بالله من الألتفات عن الله ونحن المضطرون إليه وأسأله سبحانه وتعالى أن يناولنا طهور الثقة به ويجملنا بحلل التوكل عليه وتفويض كل الأمور إليه أنه مجيب الدعاء.



الثقة فى مقام السالكين

يقين يباشر باطنى القلب يجعل المريد يشم عبير التوحيد برجوع الشئون كلها إلى وحدة القضاء والقدر فيحصل له اليأس عن معارضة مقتضيات القدر ويقوى اليأس حتى يعقد عن نزوع نفسه إلى منازعة الأقسام فيصفوا وقته وحاله ويتخلق من سوء الأدب بمعناه الأقدام على مالا يليق أن يعمله موحد فإذا حصل له السأس مما سوى الله ومن سواه وذاق حلاوة الرضا عنه سبحانه بعلم أن سبحانه وتعالى أولى به وأعلم بخيره من نفسه ويترك المنازعة فى شئونه وسوء الأدب بالأقدام على مالا يليق تحققاً بالثقة بالله تعالى فى نزله فحمل على نجب العناية وأنس بشهود الحكمة فى كل شأن من الشئون



الثقة عند الواصلين.

تحقق بشهود التوحيد تحققاً يجعل الواصل موحداً بمعنى أن يشهد الأسماء والصفات فى كثرتها عدداً لواحد ولديها يحصل له الأمن قال الله تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) سورة الأنعام آية 82، والآمن عندنا هو أمن يحصل به سكون النفس إلى الحق جل جلاله سكوناً يجعلها لا تخاف فوت ما قدره جل جلاله ولا تغيير ما قضاه سبحانه وبهذا الأمن يفوز الواصل بروح الرضا عن الله جل جلاله.




الأمن عندنا هو أمن يحصل به سكون النفس إلى الحق جل جلاله سكوناً يجعلها لا تخاف فوت ما قدره الله جل جلاله ولا تغيير ما قضاه سبحانه، وبهذا الأمن يفوز الواصل بروح الرضا عن الله جل جلاله فى مقام اليقين بالتوحيد أو بشهود أنوار واحد ميزه المثيل والنظير والشبيه فى مقام عين اليقين أو يتجمل بحلل الصبر فى مقام علم اليقين ، وليس دون تلك المنزلة منزلة للواصل، فمن حرم الرضا أو حرم التحقق بالتوحيد أو حرم الصبر فهو من عامة الناس وإسم الموصول له مجاز.



وفى هذا المقام يكون الأمن بمشاهدة وحدة القضاء والقدر، ولا ينازع هذا الأمن الخوف من مقام الرب جل جلاله لأن أهل الوصول خوفهم خوف عظمة وكبرياء وشوق محرق إلى الحق وإطلاق لجنابه العلى عن أن يسألا عما يفعل فيكون الواصل بين آمن من خوف تغيير ما قدر عليه فيحتال لنيل ما فاته أو يفرح لما أدرك لفنائه عن وجوده الباطل بالوجود الحقى وانبلاج أنوار معانى الصفات مشرقة فى الآيات وإشراق أنوار الآيات فى نفسه وفى الآفاق فيطمئن من تلك الحيثية وتكون خشيته ورهبته وخوفه من المقام لا من سر القدر، وتمتزج تلك المخاوف بخالص شراب المحبة فيعتدل الخوف والحب فى سور الأمن، لأنه لو خاف فى شهود الشئون كان خوفه من غير ربه. وقد يلتبس على من لم يذق شراب المعرفة الخوف من الشئون بالخوف من المقام فيمزق الخوف أغشية قلوب قوم خوفهم من النار أو من عذاب القبر فيأمنون من جهة الخوف ويخافون من جهة الأمن، وهذا مقام خفى لا يميز المنازل فيه إلا لأهل الله الصالحون الذين يفرون من الكونين إلى المكون سبحانه وتعالى -قال الله تعالى فى  وصف ملائكته (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) سورة النحل آية 50. والملائكة أرواح زكية طاهرة فى حصون الأمن من حصول العذاب أو الفتنة، ومع ذلك فإن الله تعالى أثنى عليهم بالخوف منه جل جلاله مع أمنهم، فالأمن فى هذا المقام لا يقتضى عدم الخوف ولا يقتضى مخالفة الأمر، لأن القيام بالمأمورات فى هذا المقام مواجهة خاصة تتروح بها أرواح أهل المقرب فى مقامات القرب - قال صلى الله عليه وسلم: (روحنا بالصلاة يا بلال) وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث (وجعلت قرة عينى فى الصلاة).



أطلت فى هذا الموضوع تنبيها لأهل شهود هذا النور خشية عليهم من أن يروا هذا الأمن مقتضياً لترك الخوف من المقام العلى أو لترك العمل بالأمر، وأنه لم يلاحظ كثير من الرجال تلك الملاحظات لأن زمانهم كانت الحكمة لا تباح إلا لمن تزكت نفوسهم وصغرت الدنيا فى قلوبهم ورغبوا فى الآخرة لا للآخرة بل لأن الله رغبهم فيها فرغبوا فيما رغبهم الله لا فى بهجتها وزينتها. فعلى إخوانى حفظنى الله وإياهم من الجهل فى هذه المقامات أن يزنوا مشاهدهم بكتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم  وهَدْى الأئمة الهداة، فإن وضحت الحجة واتضحت المحجة شكروا الله وأقبلوا بحول منه وقوة، وإلا رجعوا إلى الحق، فإنه ليس بعد الحق إلا الضلال.



الثقة فى مقام أهل التمكين

يقين حق لأن الحق جل جلاله هو الأول الأزلى، وأنه سبحانه هو الخير الحقيقى أولا وبالذات ، لا خير إلا هو، يقيناً يحفظه الله به فى شئونه واعتقاده من المحن التى تعترو أهل التمكين فى تمكينهم بالتلوين، فتنزع نفوسهم إلى قصد غيره سبحانه مما يخفى ضرره عليهم، لأن قصد غير الحق حجاب عنه سبحانه، ولو كان ذلك المقصود رغب فيه الحق جل جلاله - اللهم إلا إذا كانت الرغبة فيه رغبة فيما رغب الحق جل جلاله فيه لا لذاته - حتى يكون مقصوداً، فإن قصد غير الحق ولو كان مقعد صدق حجاب قاطع عن الحق، وإنما هى رغبة يقصد بها الحظوة بالحق والقرب منه لأنه ستره - وتعالى الله عن أن يُدْرَكَ أو يُرَى مكافحة إلا فى المظاهر التى يظهر جماله العلى فيها لينعم عيون القلب وأرواح من أحبهم برؤية جماله العلى ونوره البهى وسره الجلى سبحانه، ثم يتخلص من أن يتكلف ليحتمى بالتكلف، لأن أهل التمكين غرقى فى شهود التوحيد بخالص التوحيد ومن النزوع إلى التدرج على مدارج الوسائل حتى يصفو السر للمواجهة وتزكو النفس للمشاهدة ويطمئن القلب ويتلقى العقل الذى يعقل عن الله ، فتتجلى تلك المعانى كلها بحلل الثقة بالله تعالى بالتخلى عن تلك الظلمات التى تغشاها، وهنالك يفوز المتمكن بأن يكون قد استجاب لله فيستجيب الله له وأطاع الله تعالى فيطيعه الله سبحانه، ومن استجاب الله له وأطاعه لا تعلم نفس ما أخفى له.



ولأهل الثقة بالله تعالى أحوال علية تنبىء عن مقدار الشهود الذى يجعلهم يبذلون النفس والنفيس ثقة بالله تعالى ومسارعة إلى نيل رضاه سبحانه وتعالى ورغبة فيما عنده، فترى أنفاسهم عامرة بذكر الله وقلوبهم وجلة من الله وأنفسهم مبذولة فى سبيل الله، ولولا الإطالة لذكرت لك من أحوالهم وأعمالهم ما لا يتصوره عقل عاقل أن يحصل من إنسان، ولكنى أحب أن تقرأ تاريخ أصحاب رسول الله مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم وتزن نفسك بهذا الميزان ثم احكم بعد ذلك على نفسك أمن أهل الثقة بالله تعالى أنت أم لا ؟ وتصورْ ما تحملوه عليهم السلام عن فادح الشدائد وما بذلوه لله سبحانه وتعالى حتى أخبر أنه سبحانه يحبهم ويحبونه، وأخبر سبحانه أنه (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سورة المائدة آية 119، والأمر سهل على من سهله الله عليه - قال الله تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} سورة البقرة آية 45، أسأل الله تعالى أن يمنحنى وأهلى وإخوانى وأولادى حسن الثقة به جل جلاله، وأن يعيذنى وإياهم جميعاً بوجهه الجميل من فتن الدنيا والآخرة، وأن يواجهنا بوجهه الجميل مواجهة يدوم أنسنا به سبحانه وتعالى، وفرحنا بفضله ورحمته إنه مجيب الدعاء.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير