آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

- طبقات الناس في تلقيهم لعلوم الرسالة المحمدية

عدد المشاهدات:
حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله [ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا - فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وزرعوا وسقوا.
- وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
فذلك مثل من فقهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلـَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ] (رواه البخاري ومسلم في العلم والفضائل).
شرح لنا أستاذنا الإمام أبو العزائم هذا الحديث الشريف فقال :
هذا حديث صحيح يبين مقدار استفادة الناس من علم النبوة، وهو يقسم الناس في تلقيهم لعلوم الرسالة المحمدية، وإنها لغزيرة كثيرة بعيدة الأثر في هذا الوجود الإنساني. وقد قسمهم إلى ثلاث طبقات :
- طبقات الناس في تلقيهم لعلوم الرسالة المحمدية
. الطبقة العليا :
 وهي المثلى .. طبقة الصديقين من العلماء الذين تلقوا علم النبوة فأشرب قلوبهم وملأها وسيطر على أقوالهم وأفعالهم فزكت نفوسهم وزكت أفعالهم واهتدت بصائرهم، وهؤلاء كالأرض الطيبة الخصبة التي تبقى الماء فتشربه وتنبت به النبات الطيب والغرس الجيد، وهذه الطبقة لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر بالتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فهما خاصا، وهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض.
.الطبقة الثانية :
 أولئك الذين تلقوا علم النبوة وأقوال الرسول ولم يستطيعوا أن يدركوا كل مغازيه ويفهموا كل مراميه ولم تكن عندهم طاقة تفجير ينابيعه، ولكنهم يستطيعون نقله كما هو ويودعونه قلب الفاهم الذي تزكو نفسه به وقد أوتي بصرا بالاستنباط والأخذ. ولهذه الطبقة فضل دون الأولى ، وفضلها في حفظها وضبطها، وقد ورد الناس وردها وأخذوا عن رجالها، وتلقوا علم النبوة عليهم واستنبطوا منه وبذروه في الأرض التي تنبته، وقد كان بعض من رواة الحديث النبوي من هذا الصنف الذي أمسك الماء النقي من علم النبوة فنقله الناس وحفظه للأخلاف ومنعه من الإندثار، وكان مثلهم مثل الصيدلاني الذي يجمع أصناف العقاقير والأدوية ويقدمها للفقيه الذي يكون كالطبيب فيضع كل صنف من الدواء لما يعالج به من أدواء.
.الطبقة الثالثة : 
تلك الطبقة الحائرة البائرة التي لا تحفظ شيئا من علم النبوة ولم تقبله ولم ترفع به رأسا ، وأولئك هم كالأرض الملساء المنبطحة التي لا تحفظ الماء ولا تنتفع به. ولنترك الطبقة الثالثة، فإنها جهلت علم النبوة ابتداء، أو لم تكن لها قدرة على استخراج ينابيعه ولا نقله، أو كانت لها قدرة على التلقي ولكن ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .. فضلوا عن سواء السبيل. (إهـ)

-   الناس ثلاثة:
فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا  بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن  وثيق، وهؤلاء لا خير فيهم :
1 ـ عرف الإمام أبو العزائم رضوان الله عليه العالم الرباني والخبير القرآني الذي يخشى الله في السر والعلن - وهو الركن الركين - فقال :
العالم عزيز على الباطل ذليل للحق كاظم للغيظ عمن آذاه شديد البغض لمن عصى مولاه، يجيب السفيه بالصمت عنه، والعالم بالقبول منه، لا مداهن ولا مشاحن ولا لعان ولا مغتاب ولا سفيه ولا جاف ولا فظ ولا غليظ ولا سباب، يخالط من الإخوان المعوان على طاعة الله ومن ينهاه عما يكره مولاه، ويخالق بالجميل من لا يأمن شره إبقاء على دينه، سليم القلب للعباد من الغل والحسد، يغلب على قلبه حسن الظن بالمؤمنين فيما أمكن فيه العذر، لا يحب زوال النعم عن أحد من العباد، يداري جهل من عامله برفق، إذا تعجب من جهل غيره ذكر أن جهله أكثر فيما بينه وبين ربه عز وجل، لا يتوقع له بائقة ولا يخاف منه غائلة، الناس منه في راحة ونفسه منه في جهد. ومن كانت هذه صفاته وأخلاقه وسيرته جعله الله وارث علم الأولياء وقرة عين الأتقياء وطبيبا لقلوب أهل الحياء.
العالم من يأمن شره من خالطه ، ويأمن خيره من صاحبه، لا يؤاخذ بالعثرات ولا يشيع السوء عن غيره، ولا يسيء الظن بمن حوله، ولا يقطع بالإشاعات والمفتريات، يعفو ويصفح عمن عاداه، فلا يفشي سره ولا ينتصر منه ولا ينتقم.

العالم من يكون لله شاكرا وله ذاكرا ، دائم الذكر لحلاوة حب المذكور جل جلاله، منعم القلب بمناجاة الرحمن، يعد نفسه مع شدة اجتهاده مخطئا مذنبا ومع الدءوب على أحسن الأعمال مقصرا، لجأ إلى الله فقوي ظهره، ووثق بالله فلم يخف غيره، إستغنى بالله عن كل شيء وافتقر إليه سبحانه في كل شيء، أنسه بالله وحده ووحشته ممن يشغله عن ربه، إن ازداد علما خاف توكيد الحجة، أشفق على ما مضى من صالح عمله ألا يقبل منه، همه في تلاوة كلام الله الفهم عن مولاه، وفي سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقه لئلا يضيع ما أمر به ، متأدب بالقرآن والسنة، لا ينافس أهل الدنيا في عزها ولا يجزع من ذلها، يمشي على الأرض هونا بالسكينة والوقار وقلبه مشتغل بالفهم والعبرة، لا يفرغ قلبه عن ذكر الله أبدا - وإن فرغ فمصيبته عظيمة، وإن أطاع الله بغير حضور قلب فهو عنده الخسران المبين، يذكر الله مع الذاكرين ويعتبر بلسان الغافلين، عالم بداء نفسه ومتهم لها في كل حال، اتسع في العلوم فتراكمت عليه الفهوم واستحى من الحي القيوم، شغله بالله في جميع أحواله متصل وعن غيره منفصل.

ومن أوتي من العلم مالا يبكيه فخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله عز وجل نعت العلماء فقال { إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا~  ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ~  ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } (الإسراء:107-109)، وهكذا وصف الله العالم بالبكاء والخشية والطاعة والتذلل فيما بينهم وبينه .

والعالِم نجاة العالَم، فإذا نزع الله الرحمة من قلبه نزع معها النفع بالعلم، وصار العالم من النقم بعد أن كان أعظم النعم، وقد كان إبليس من كبار العلماء فأهلكه علمه، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه ليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم جهلكم )، وقال تعالى { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون }(الروم:7). فمن ادعى العلم ولم يتواضع فهو عالم بعلوم إبليس،  قال تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } (الجاثية:23) أعوذ بالله من علم هو عين الجهل، بل يكون الجهل أقرب إلى الخير منه لأن الجاهل يسعى ليتعلم ولكن الآخر قد ملكه الغرور فباعد بينه وبين التواضع. لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعطوها غير أهلها فتظلموها. إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله فإذا ذكروه أنكره أهل الغرة بالله . ومن أباح لطائفة من المسلمين علما ليسوا له أهلا فقد أخطأ آداب العلماء.

سكينة العالم دليل علي تمكنه وبرهان على الرسوخ في العلم ، بخلاف الإنزعاج والرعونة وعدم التروي فإنها دلائل على عدم البيان والتحقيق. والرحمة من أخص صفات العلماء لأن العالم وارث سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأجمل صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما أثبتها الله تعالى له { حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } (التوبة:128) { وإنك لعلى خلق عظيم } (القلم:4) { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } (آل عمران:159). (إهـ)
2 ـ متعلم على سبيل نجاة : 
وأصحاب الأذواق السليمة لهم البشرى من الله في قرآنه { فبشر عباد  ~  الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }(الزمر:17،18) فيميزون بين الحسن والأحسن فيتركون الحسن مع حسنه ليتبعون الأحسن فيمنحهم ربهم رتبة العباد { فبشر عباد } وما أعلاها وأسماها من رتبة. وكما سبق وذكرت فإن القول الأحسن لا يتبعُ لنفسه إنما يتبعَ قائله، وإذا سأل سائل نفسه : ومن هو صاحب القول الأحسن ؟ يجيبه القرآن { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } (فصلت:33). وبدون طلب العلم موات القلوب، قال صلى الله عليه وسلم [ ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا إلا من أحياه الله بالعلم ] (رواه ابن ماجه والدارمي) وقال صلى الله عليه وسلم [ الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما، أو متعلما ] (أخرجه ابن ماجه والترمذي في الزهد).
3 ـ همج رعاع وراء كل ناعق
 يميلون مع كل ريح: فهم الفئران المحرومون من حاسة الذوق في أصل الخلقة، ولذلك يسمع أصحاب الأذواق السقيمة من هذا ومن ذاك ولكنهم لا يميزون. والذوق فوق العلم نفسه، وحب الذوق لا يقبل إلا إذا كان صادرا عن حقيقة نقية طاهرة سليمة، فأي مرض نفسي يمنع قبول حكم الذوق، حتى العلة الظاهرة بالنسبة لأحكام الظاهر تمنع الحكم الذوقي، فسقيم البدن ذوقه الظاهر يعتل بعلته فالحلو قد يكون على لسانه مرا، وليس الذنب فيما ذاقه ولكنه فى حكم ذوقه السقيم، كذلك الذوق العلمي المعنوي.

وسيدنا عليٌ في تقسيمه هذا يسير على درب القرآن الكريم { فأما إن كان من المقربين  ~   فروح وريحان وجنة نعيم ~  ..} وهؤلاء هم العلماء الربانيون{..وأما إن كان من أصحاب اليمين ~  فسلام لك من أصحاب اليمين ~ ..}وهؤلاء هم المتعلمون على سبيل النجاة، وعلى النقيض من ذلك وهم الدهماء والعياذ بالله {..وأما إن كان من المكذبين الضالين ~   فنزل من حميم  ~ وتصلية جحيم  ~  إن هذا لهو حق اليقين  ~   فسبح باسم ربك العظيم }(الواقعة:88-96). ولذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه ( يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يتجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله ) (أخرجه الدارمي).

-   ها إن ها هنا (وأشار إلى صدره) لعلما جما لو أصبتُ له حملة :

والقائل هو سيدنا علي في القرن الهجري الأول الذي أشار إليه نبينا بقوله [ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..] (أخرجه البخاري)، قال سيدنا علي ذلك رغم وجود الصحابة ومن أكرموا بصحبتهم من التابعين الموجودين لأن العلم درجات، وأنه ليس كل سامع لعلم معين بمؤهل لتلقيه، فلكل مقام مقال. والمسلم في مقام إسلامه له علم، والمؤمن في مقام إيمانه له علم، والمحسن في مقام إحسانه له علم، والموقن في مقام إيقانه له علم، واليقين مقاماته ثلاثة : علم وعين وحق، فالمراحل واسعة والدرجات لا تتناهى، والأمر إما أن يكون { لهم درجات عند ربهم } (الأنفال:4) أو أن يكون { هم درجات عند الله } (آل عمران:163)، وشتان بين المقامين، ولهذا أخبر سيدنا عليٌ أن بقلبه علم جم ليته يجد له حملة

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير