آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 23 أكتوبر 2016

- ما منازل السعداء؟

عدد المشاهدات:
إن أي إنسان على وجه الكون يسعى إلى تحقيق السعادة ويبحث عن أصولها وقواعدها والطرق الموصلة إليها، بل إن المقصد النهائي للشريعة الحسنى هي تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة، وقد تطرق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الفريد "الوابل الصيب من الكلام الطيب" إلى أصول السعادة والرضا وهي منازل إيمانية ومقامات ربانية ورحانية تدل على قوة إيمان وعقيدة المسلم وهي الشكر والصبر والتوبة:
المنزلة الأولى: وهي الشكر قال تعالى:"واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون" (البقرة/172) وقال أيضا مادحا إبراهيم عليه السلام" إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه" (النحل/123) والآيات في هذا الباب كثيرة، وأما الأحاديث ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا" وقال لمعاذ بن جبل"والله يا معاذ إني أحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (أخرجه أبو داوود واحمد وغيرهما بإسناد صحيح)

فالشكر منزلة في غاية الأهمية لأنها اعتراف بالألوهية التامة لله عز وجل من خلال رؤية النعم ومعرفتها ومعرفة المنعم واستفراغ الطاقة والجهد في شكره والاستغراق في توجيه الحمد له على الدوام، وقد جاء ابن القيم هنا لكي يفسر لنا مفهوم الشكر ومراتبه فقال هو: نعم من الله تعالى تترادف عليه فقيده " الشكر" وهو مبني على ثلاث أركان: الاعتراف بها باطنا والتحدث بها ظاهرا وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها، فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها".

فمعرفة النعم ومعرفة المنعم وتصريفها في الخير والمعروف أركان هذه المنزلة، ولا يكون الشكر مكتملا إلا بهذه المستويات الثلاث الرئيسية، وإذا اختل منها ركن انتفى الشكر وضاعت ثمرته وحلاوته، فالشاكر معترف بهذه النعم باطنيا مما يدل على إيمانه العميق بها وبمانحها، متحدث بها وبآثارها على وجدانه وحياته " وأما بنعمة ربك فحدث" (سورة الضحى) والمقصود هنا تحريك اللسان بالحمد والشكر على حلول النعم على العبد، والمرحلة الأخيرة والخطيرة هي تصريفها في مرضاة الله عز وجل، لأن هذه النعم أمانة في عنق صاحبها، سيسأل عنها يوم القيامة قال تعالى: "ولتسألن يومئذ عن النعيم" (سورة التكاثر) فواجب على العبد الشاكر حقا وصدقا أن يتوجه بتصريف النعم في طريق الخير والنور والرحمة، فإذا حافظ العبد على إتمام هذه الأركان يكون قد حقق مقام الشكر واستحق منحة الزيادة والبركة من عند الخالق سبحانه (ولئن شكرتم لأزيدنكم) (سورة سبأ) وقال ابن القيم: "فإذا فعل ذلك شكرها مع تقصيره في شكرها" "وقليل من عبادي الشكور" (سورة النحل).

المنزلة الثانية: وهي الصبر قال تعالى"واصبر وما صبرك إلا بالله"(سورة النحل) "وإن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم " (سورة النساء) وأيضا قوله تعالى" في سورة الزمر:"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" وأما في السنّة النبوية أنه جاءت امرأة سوداء عن عند رسول الله وكان بها صرع فسألته أن يدعو لها فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت: إني تكشف فادع لي الله ألا أتكشف: فدعى لها" (رواه البخاري ومسلم).

وكما وصف ابن القيم إذا كان الشكر هو قيد النعم المترادفة، فإن الصبر هو فرض من ابتلاه الله تعالى بنقمة فقال في معرض حديثه –ابن القيم- " محن الله يبتليه بها، ففرضه فيها " الصبر" والتسلي، وزاد معرفا بالصبر وأركانه" والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه. وقال الإمام أحمد: الصبر في القرآن نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر.

إذا كان العبد يفرح بالنعم ويشكر الله عليها من الطبيعي أن يحقق السعادة بذلك، ولكن كيف يحقق السعادة بالصبر على الابتلاء، من هنا يمكن القول أيها السادة أن الصبر هو الرضا بالمقدور وهو ركن أساسي من أركان الإيمان " الإيمان بالقدر خيره وشره" فالعبد فرح سعيد لأن النعم والنقم كلها من عند الله سبحانه فانظر إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيراً له . "رواه مسلم"

.وأبدع ابن القيم في وصف ثمار الصبر بقوله: فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوبا، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبويته فإن لله تعالى على العبد عبوديته في الضراء كما له عبودية في السراء، وله عبودية في ما يكره، كما له عبودية فيم يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره".

فالصبر نوعان، صبر على المحاب – الأمور التي يفعلها العبد بطيب خاطر وبرحابة نفس – وصبر على المكاره – أي الأمور التي يفعلها العبد وهو كاره لها – قال تعالى " كتب عليكم القتال وهو كره لكم" "وعسى أن تكرهوا شيء وهو خير لكم" فالكثير من العبادات التي فرضها الله تعالى يصعب على العبد فعلها والمداومة عليها مثل : الصيام والزكاة، وترك المحرمات الزنا وشرب الخمر والقمار وغيرها" فهي اختبار حقيقي للعبد على حسن عبديته وتقواه وتعلقه بالله عز وجل، والصبر على المكاره له أثر بالغ في التربية الإسلامية، بحيث أنه يعلّم العبد طريقة كبح جماح النفس والشهوات ومجاهدة الشيطان، وله بذلك أجر كبير كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: قلنا بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" وقد أورد ابن القيم كلاما جميلا في مفهوم العبودية بين المكره والمنشط حيث قال أن الوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، كذلك الوضوء في بالماء البارد في شدة البرد عبودية أيضا، ومباشرة الرجل زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، كذلك ترك المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية.

المنزلة الثالثة: "التوبة" وفي الدستور الإلهي نجد قول الله عز وجل:"وتوبوا إلى الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" (سورة النور) "إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين" (سورة البقرة) والتوبة منزلة فريدة منّ الله بها على عباده المذنبين الذي عرفوا حجم خطيئتهم وأرادوا أن يعودوا إلى كنف الله تعالى ورحمته "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم" (سورة البقرة) فالتوبة بابها مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، مهما كان حجم الذنب الذي اقترفه العبد في حق الله تعالى، فالتوبة تكون في أول الطريق وفي أوسطه وفي آخره كذلك، قال بن القيم في مدارج السالكين: ومنزل التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرروية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك"

وإذا بحثت في الأرض عن ملك يحب خدمه وعبيده ويتودد إليهم ويغفر لهم عند الزلل والخطأ والتقصير وإذا فروا منه وعادوا إليه فرح بهم وعانقهم وأكرمهم وأعد العدة للقائهم، لن تجده أبدا، ولكن مالك الملك يعفو ويصفح ويفرح بتوبة عبده ورجوعه إليه يعد الزيغ والضلال وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبين للأمة حب الله لهم وفرحه بتوبتهم قال: " لله أفرح بتوبة عبده –حين يتوب إليه- من أحدكم، كان على راحلة بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، بأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" [متفق عليه] فهذه الكرامة والعناية الربانية من أسرار ولطائف منزلة التوبة لأن الله تعالى "يحب التوابين ويحب المتطهرين"

والعبد إذا عرف قدره وطالع جنايته في حق الله تعالى وتقصيره في الواجبات والإخلال بالموازين الطاعة والقرب من الله تعالى، وبعد ذلك منّ الله عليه بتوبة ورجوع إلى الجادة، ينبغي أن يفرح بهذه النعمة ويحمد الله تعالى على هذا الاصطفاء، ويشكر الله تعالى بكثرة العبادة والإقبال على خير واتباع سبيله والإقلال من الشر واجتناب طريقه.

ونقول أن الإنسان المسلم إذا اجتمعت عنده هذه المنازل الثلاثة سيعيش في سعادة ما بعدها سعادة، وسيتذوق حلاوة الطاعة وطعم الإقبال على الله تعالى، وسيكون دائما مع الله تعالى، يأنس به ويحيا به ويموت من أجله قال تعالى:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" (يوسف)، والمسلم السعيد وهو الذي يجتهد في الدنيا من أجل الفوز برضا الله وتعالى في الآخرة.
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير