آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 28 أكتوبر 2016

- كيف يصل المسلم إلى المقام الامين؟

عدد المشاهدات:
الحمد لله الذى جملنا بنور جماله وبهاه، وكملنا بما جاء به على يد حبيبه ومصطفاه، ففضله علينا غامر، ورزقه لنا وافر، فله الفضل على ما أولى وما أعطى وما أنعم، ونسأله عز شأنه أن يزيدنا أجمعين معرفة بحضرته، وإقبالاً على شريعته، وتوجُّهاً إلى زينة عرس أنبيائه ورسله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والصلاة والسلام على خير إمام اختاره الله عز وجل للأنام، وجعل لمن أقبل عليه وتمسك به السعادة فى الدنيا، والفوز والنجاح فى يوم الزحام، ودخول الجنة بسلام. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، آمين.. آمين.. يارب العالمين. (أما بعد)
فيا إخوانى ويا أحبابى بارك الله عز وجل فيكم أجمعين
فى الحقيقة  كلنا والحمد لله عبيد لله، والعبد لا يملك من أمر نفسه - فضلا عن غيره - قليلاً ولا كثيراً، وإنما الأمور كلها بالله ومن الله، وبفضل الله وتوفيق الله عز وجل. عبد أرتجى عفوه وغفرانه ورضاه، وقد كان سيدى وإمامى الإمام أبو العزائم رضى الله عنه يعلمنا بأقواله السديدة، وآدابه الرشيدة، فسأله قوم: من أنت؟ فقال رضى الله عنه وأرضاه:
من أنا فى البدء إن حققتنى          عبد ذات أرتجى عفو الودود
فكلنا نريد عفو الله، ونريد مغفرة الله، وكلنا طمع فى كرم الله، وفى عطاء الله، وفى فتح الله، لأن الله عز وجل وعدنا بذلك فى كتابه عز شأنه، فجعل الفتح قريب لكل عبد إلى حضرته منيب، وجعل العفو مكفول لكل عبد يشعر دائماً بأنه فى أمس الحاجة إلى عفوه وغفرانه، وأنه عز وجل إن لم يشملنا بعفوه ورضوانه فلن تنفعنا طاعة، ولن نحصل بضاعة، وإنما الأمر فضل رب العالمين.
ويكفينا فى هذا المقام قوله عز شأنه للمصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، وهو خير قدوة لنا على الكمال والتمام: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً } ، من أين تأتى لهم بالنور والهداية والكفاية؟ { وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا } (79- النساء) توكل على الله فأمده الله عز وجل بوافر عطاياه حتى أغناه، وامتن عليه عز وجل بذلك، وذكر ذلك فى كتاب الله مبيناً ومؤدباً ومعلماً: { وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى } (8- الضحى) يعنى ليس فقيراً، وإنما وجد عائلة رسول الله أكبر عائلة فى أمم الأنبياء أجمعين، يقول فيها صلى الله عليه وسلم: ( أنتم موفون مائة وعشرين صفاً يوم القيامة، وأنتم ثمانون منها، وأنتم أكرم الأمم وأوفاها وأبرها عند الله عز وجل يوم القيامة).
يعنى العرض جميع الناس، تعرض الأمم فى صفوف { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا } (48- الكهف). كل أمة فى صف ومعها نبيها ورسولها - أو جزء من صف - لأنه صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتى النبى يوم القيامة ومعه - من أمته - الرهط، ويأتى النبى ومعه الجماعة- يعنى صغيرة ، ويأتى النبى ومعه الواحد - { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ } (36- الذاريات) - لما نزلت الملائكة ليجعلوا عاليها سافلها لم يجدوا فيها إلا بيتاً واحداً من المسلمين، أما نحن كيف نكون؟ وما عددنا؟ قال: نحن سكون ثمانين صفاً من المائة والعشرين صفاً، ونحن أبهاها وأرقاها، وأنورها وأجلاها، فى أرض الموقف العظيم.
ولذلك سينافس بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنحضر هناك ويدعونا الله عز وجل لأننا أمة الحبيب، وفعلا كل جماعة مع زعيمهم وكبيرهم وإمامهم فى الهدى والتقى لله عز وجل: { يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } (48- الإسراء). لم يقل: (بنبيهم ولا برسولهم) لأننا الائمة لنا كثير، والعدد فى أرض القيامة كبير، وكلها أمة البشير النذير صلى الله عليه وسلم. وبماذا يحضرون؟ بالإيمان، وأهل الملأ الأعلى والكرام الكاتبين، والملائكة بأنواعهم وأصنافهم، يعلمونهم ويعرفونهم بهذا التميز. أين أتباع الشيخ فلان؟ وأين أتباع الولى فلان؟ لكن الكل فى البدء والختام أتباع لمن يا أخوانى؟ للمصطفى صلى الله عليه وسلم.
لذلك نحن جميعاً لما ندعوا أن الله يجمعنا عليه، وأن يوفقنا بين يديه، وأن الله يسقينا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، لأنه صلى الله عليه وسلم ستكون الدولة هناك دولته - وعذراً على العبارة القادمة، والأمر أمره- لأن الله عز وجل وعده أن يعطيه إلى أن يرضيه: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (5- الضحى). كل ما يريده يعطيه له الله، وكل ما يتمناه سوف يحققه له الله، وكل ما يطلبه سيعطيه له الله، لأن هذا وعدٌ وعده به مولاه.
ولذلك كان سيدى جعفر الصادق رضى الله عنه جالساً مع نفر من الصالحين، وكانوا دائما عندما يجلسون مع بعضهم يكون حديثهم دائماً فى سلسبيل آيات القرآن، سر قول حضرة الرحمن: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} (21- الإنسان)، يطهر النفس ويصفى القلب، ويطهر الإنسان ويجعله صالحاً لحضرة الرحمن عز وجل، وهم مع بعضهم فقال لهم: ما أرجى آية فى كتاب الله عز وجل؟ ما الآية التى كلها رجاء، وكلها أمل، وكلنا نريد أن نستمسك بها، ونتعلق بها؟ - لأننا لابد أن يكون لنا أمل كبير فى الله عز وجل، وهو الذى قال لنا: ( أنا عند ظن عبدى بى)، فمن يظن بالله خيراً يجد خيراً وزيادة، والذى يظن غير ذلك يكون خائباً فى مسعاه، ولن ينال مبتغاه، لأن الله عز وجل أمرنا أن نظن به الخير كل الخير.
فقالوا: أرجى آية فى كتاب الله { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (53- الزمر)، قال:عندنا آل بيت النبى والذى ورثناه من بيان الإمام علىٍّ أن أرجى أية فى كتاب الله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (5- الضحى). لماذا؟ فإننى أريد أن أبين هذه النقطة: لأن الآية الأولى تتطلب منى أن أسعى إلى المغفرة، وأن أعمل ما أستحق به وما أسوجب به من الله عز وجل المغفرة، أندم وأتأسف، وأعلن الندم والتوبة، وأختار الأوقات الفاضلة التى هى أرجى للقبول، وأدعو الله عز وجل فيها، كما علمنا ربنا على لسان الأنبياء والمرسلين.
أولاد سيدنا يعقوب عليه السلام عندما أحسوا بالخطأ فى حق أبيهم وحق أخويهم، يوسف وبينامين، ذهبوا إلى أبيهم وقالوا: {قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا} (98- يوسف)،  لأن استغفارنا غير مقبول ولكن استغفارك مقبول، فقال لهم: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ} (98- يوسف).لماذا لم يستغفر لهم فى الحال؟ قال العلماء: إنه أجَّل الاستغفار إلى وقت السحر، لأن وقت السحر هو وقت الإجابة الذى ينزل فيه الله عز وجل بجماله، وكنوز فضله، وجلاله وكماله، للطالبين لبابه وعطائه ونواله عز وجل.
(إذا كان الثلث الأخير من الليل ينزل إلى السماء الدنيا - يعنى نزه أن له حيز أو جسم، ولكن ينزل بفضله وكرمه، وعطائه ونواله وحبائه، وخيره وبره – ويقول: هل من سائل فأعطيه؟ وكنوز العطاء مفتوحة - هل من مستغفر فأغفر له؟ كنوز العفو والغفار - هل من مبتلى فأعافيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من كذا؟ هل من كذا؟ حتى مطلع الفجر).
فقال لهم: (سوف أستغفر لكم ربى) يعرفنا أن أقصر طريق للاستغفار، ينال به الإنسان التوبة من العفو الغفار، أن يذهب إلى من عصمهم الله من الذنوب والأوزار، من النبيين والمرسلين. هذا الكلام إذا كان فى زمانهم، ونحن ماذا نفعل؟ الظالم لنفسه منا، والذى يريد أن يتوب، والذى يريد أن يرجع، ماذا يفعل؟ قال لنا الله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ – هذا الطلب لا ينفع بدون تأشيرة لا بد أن يؤشر عليه الشفيع النذير، يقول لرب العزة: من أجلى اقبل هذا الطلب يا رب العالمين - وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ - لابد أن يستغفر الرسول، وطالما الرسول سيستغفر ويؤشر بذاته على طلب المغفرة، يكون فوراً - لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } (98- يوسف)
نعود إلى الآية، ماسبب قبول التوبة؟ أن الذى يسأل فىَّ وفيك التوبة، هو الذى قال له ربه: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (5- الضحى)، لا يؤخر له طلباً، ولا يرد له دعاءاً، ولا يخيب له رجاءاً، بل كل ما يتمناه، وفوق ما يتمناه، سيعطيه له الله عز وجل، حتى قبل أن يتحرك به لسانه، لأن الله عز وجل يسارع إلى ما فى قلبه من إرادات ومرادات. وقد لاحظ ذلك أصحابه الكرام، وزوجاته الطاهرات الأعلام، السيدة عائشة رضى الله عنها كانت تقول - كلما كان يريد صلى الله عليه وسلم شيئا تجد الله سبحانه وتعالى ينفذها له، فقالت له صلى الله عليه وسلم فى يوم: ( إنى أرى الله عز وجل يسارع فى هواك)،  ما تريده وترغبه يعطيكه الله فوراً. وهذا وجه فى الآية، وهذا فيه رجاء أعظم، وفضل أكرم، لكل من قال: ( لا إله إلا الله محمد رسول الله).
افرض أن واحداً منا لعبت به الأهواء والشياطين، ولعبت به نفسه، ومات قبل أن يتوب، لا ينهض للآية التى تقول: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ } (53- الزمر)، لأنه مات بدون توبة، ما الذى يسعفه؟ وما الذى ينفعه؟ وما الذى من الجحيم والنار يخلعه، والى الجنة ونعيمها يرفعه؟ لا يوجد إلا شفاعة الحبيب صلى الله عليه وسلم والذى قال فيها- لرواية الإمام البخارى والإمام مسلم: (شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى).
 قال: (لأهل الكبائر من أمتى) هؤلاء القوم الذى يشفع فيهم صلى الله عليه وسلم. ونجئ الى الموقف وكل واحد من الأنبياء السابقين يقول: يارب نفسى لا أسألك غيرها، حتى كانوا فى الدنيا ماذا يقول: {ْوَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (33- مريم)،حتى لم تضم فى الدعاء أمك التى تعبت من أجلك، لكن السلام علىَّ نفسه، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: أمتى .. أمتى .. أمتى، لا أسالك فاطمة إبنتى، ولا ِأسألك خديجة زوجتى، وإنما أسألك أمتى .. أمتى. يطلب للأمة.
ويجلسه على المقام المحمود، والمقام المحمود كما قال سيدنا عبد الله بن العباس - فى الرواية التى رواها عنه التابعى الجليل سيدنا الإمام مجاهد رضى الله عنه: يقول الله عز وجل: (يا محمد هذا العرش فهو مقامك، حتى نعلم الخلائق أن العرش أحمله بقدرتى، ولا يحمل شيئا من بهائى وجمالى وكمالى وإرادتى). ويا محمد هذا العرش فاستلم.
سيكون صلى الله عليه وسلم على العرش، وباقى المقربين والأبرار والنبين والمرسلين سيكونون تحت ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله - إما ظل العرش، أو ظل الحبيب صلى الله عليه وسلم. وظله الذى يسع الكل.
بعد ذلك ينزل إلى أرض الموقف، كلما رأى واحداً متعثراً، وكلما رأى واحداً تعثرت عليه الأمور يذهب إليه، وكلما رأى واحداً ضاقت به أهوال يوم النشور يذهب إليه، فيسانده ويعززه ويخرجه من هذه الورطات، حتى أن سيدنا أنس رضى الله عنه يقول: يا رسول الله إنى أرجو أن أكون من أهل شفاعتك يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنى فاعل) قال: فأين أجدك؟ فقال: تجدنى - لأنه يعلم أنه فى المقام المحمود -  فقال: تجدنى عند الصراط - واقف حتى يثبت المؤمنين والمؤمنات الذين يمرون فقط، لأن هناك جماعة من القبور إلى القصور، ليس لهم شأن بالصراط ولا الميزان، ولا بالصحف ولا شئ من هذا أبداً {ْ يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب } (10- الزمر)، ليس لهم شأن بالحساب، ساعة ما يطلعوا {ْجَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ} (50- ص)،ويدخلوا من أى باب يشاءون.
سيدنا أبو بكر رضى الله عنه لما قال رسول الله: (إن من أمتى رجال ستفتح لهم أبواب الجنة يدخلون من أى باب شاء)، قال أبو بكر أنا منهم يا رسول الله؟ قال: (أنت منهم). يدخل من أى باب شاء يخيروه، فهؤلاء ليس لهم شأن بهذا الموضوع، وهؤلاء الحبيب إطمأن عليهم، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: {ْإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } (51- الدخان)، لم يقل: فى مكان، وإنما قال: مقام، ليس لهم شأن بالتعب، ولا بالشدة، ولا بالمنغصات، ولا المكدرات التى تحدث فى أهل الموقف، لأنهم على الفور جنة الخلد أعدت وتجهزت لهم، حتى من منهم ينتظر لحظة، فإن الجنة هى التى تقرب منه وتذهب إليه لتأخذه إليها، كما قال ربنا فى القرآن: {ْ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } (31- ق). أزلفت يعنى هى التى تأخذهم بالأحضان فرحانة بهم.
ولذلك واحد من إخواننا كان يسألنى فى الأسبوع الماضى سؤالاً عن ضمة القبر وماذا أفعل به؟ فقلت له: يا أخى القبر يضم المؤمن ترحيباً به، مثل ما تضم واحداً من شوق جاء من سفر بعيد، تضمه بالترحاب، وإنما القبر يضم الكافرين ليكسر أضلاعه، وبالنسبة للمؤمن فرحان به، لأنه احتوى هذا المؤمن الكريم على الله عز وجل -الأرض عندما يمرُّ إنسان على جزء منها يذكر الله، فالحبيب يقول فى ذلك: (إذا مرَّ عبدٌ فذكر الله على ظهرها، تباهت على سبع أراضين حولها)، فلان مرَّ على وذكر الله، أنا أحسن منكن - فالقبر الذى يضم المؤمن يكون فرحان ومسرور، ومحتار ماذا يفعل له من الفرح والسرور.
لكن الحبيب أين يكون؟ واقف عند الجماعة الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ومعلقين بـ (عسى الله أن يتوب عليهم)، يقف ليثبتهم صلوات ربى وسلامه عليه. قال: تجدنى عند الصراط، فقال أنس: فإن لم أجدك هناك؟ قال: تجدنى عند تطاير الصحف، قال: فإن لم أجدك هناك؟ قال: تجدنى عند الميزان، فإنى لا أخطئ هذه الثلاثة مواضع. لماذا يا إخوانى؟ حتى يشفع فى المذنبين والمثقلين، وأصحاب الأوزار للذهاب إلى الله عز وجل.
فإننا محتاجين جميعاً إلى هذه الجزئية، حتى الذى حصل على أحكام، والمحكمة تصرُّ على أن ينفذ الأحكام، ينزل إلى زنزانة جهنم - حتى فى الجحيم، فى الحطمة، أو جهنم - لم يتركه أبداً، لابد أن يترافع عنه حتى يختصر المدة، ويأخذ قرار العفو، وهذه هى الشفاعة العظمى التى قال فيها صلى الله عليه وسلم: (اسجد إلى ربى صلى الله عليه وسلم وأحمده بمحامد يلهمنى فى تلك الساعة - يلهمنا فى تلك الساعة لأن عقولنا القاصرة الدنيوية لا تستطيع أن تفقهها- حتى يقول: يا محمد إرفع رأسك، وسل تعط، وأشفع تشفع، فيقول: يارب إئذن لى  فيمن دخل النار من أمتى، فيأذن لى ، فيدخل إلى جهنم ويخرج منها حمما يضعهم فى عين الحياة، وبحر الحياة، ويدخلون الجنة بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيظل يروح ويجئ، حتى يقول: أئذن لى فيمن قال (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ولو مرة واحدة - يعنى إنسان قالها ولو مرة، ولم يفعل شيئاً آخر.
إذن أرجى آية فى كتاب الله عز وجل هى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (5- الضحى). لذلك فإن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عملوا حفلاً كبيراً فى مسجده الشريف، وغنوا وهنأوا بعضهم البعض، وأنشدوا فيها الأشعار الحِكَميَّة، وكان مما قاله فيها سيدنا حسان بن ثابت رضى الله عنه - وكان النبىيأمرهم أن يحضروا له المنبر، ويقول له: اهجوهم ومعك روح القدس، وكان سيدنا حسان بن ثابت يقول كلاماً عظيماً، من جملته:
سمعنا فى الضحى ولسوف يعطى       فَسَرَّ قُلُوبَنَا ذاك العَطَـاءُ
فكيف يا رســول الله ترضى       وفينا من يعذب أو يُسَاءُ
نحن جميعا طمعانين فى شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحتمين فى الدنيا والآخرة ..محتمين فى جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يحتمى فى جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يا هناه، يقول فيه الإمام البوصيرى رضى الله عنه:
ومن تكن برسول الله نصــرته       إن تلقه الأُسْدُ فى آجامها تجـم
ماسامنى الدهر ضيما واسجرت به     إلا وجدت جـواراً منه لم يضم
ونحن جميعاً من غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نساوى شيئاً، كل ما معنا إذا كان علم أو حلم، أو أخلاق أو منح أو عطايا، بعض فضله الذى تفضل به ربنا عز وجل، وقال فيه: لك مطلق الحرية، { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (39- ص). لا نحاسبك على شئ لأنه صلى الله عليه وسلم ليس له هوىً إلاَّ هوى مولاه، وليس له إرادة إلا مراد مولاه، فليس له فى نفسه حاجة وإنما حاجته هى رضاء الله عز وجل.
 فنحن جميعا -يا إخوانى - فى أمس الحاجة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الدنيا والآخرة، فكان سلفنا الصالح وأئمتنا الكرام دائماً يعلمونا هذا الأمر، ويوصون بهذا الشأن، كما قال الأمام أبو العزائم رضى الله عنه:
كل الذى أنا فيه فضـل محمد        منه بدا وإليه كان وصولىَّ
أنا الظلوم أنا الجهول أنا الذى        لولا عنايتـه هلكت بحالىَّ
هل يوجد منا أحد يستطيع أن يمشى نَفَساً بدون عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو تخلى عنا بإمدادته وبنظراته وتوجهاته طرفه عين أو أقل سنتوه فى عالم الدنيا، تضحك علينا النفس، ويفسد أحوالنا الطبع، ويصاب الإنسان بالزهو والغرور، ويتهيأ له أنه شئ، وهو من غير حضرة النبى صلى الله عليه وسلم لا شئ.
فنحن جميعاً برسول الله، وكلنا برسول الله قائمين، ومنه مستمدين، وبظله الوارف مستظلين، وبعلمه الساطع نافذين. نحن مثل البائع يروح ويجئ بالبضاعة وكل ما عليه أن يعرضها فقط، وهو لا يملك منها شيئاً أبداً، جاء بها من المصدر ويبيعها ويورد للمصدر. فنحن صور تعرض بضاعة حبيب الله ومصطفاه، ويكفينا شرفاً وفخراً وتيهاً أن اختارنا وأقامنا وجعلنا نبلِّغ عن حضرته صلوات ربى وسلامه عليه.
يكفينا هذا الفخر، مَنْ نحن حتى نبلِّغ عن سيد الأولين والآخرين - ومن يبلغ عنه؟  النبيون والمرسلون، فكونه يعزُّنا ويكرمنا ويجعلنا نبلغ عنه، فإن هذا فضل ليس بعده فضل، وشرف ليس بعده شرف.
أما الكتب فقد قال سيدى أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه: (كتبى أصحابى)، لأنهم قالوا له: أين كتبك؟ خير كتاب يؤلفه العارف ويهديه إلى علىِّ الجناب، أن يهذب رجلاً بالآداب، ويجمله بالانتساب، ويجعل ظاهره مطابقاً لأوصاف عباد الرحمن فى الكتاب. وهذا كتاب يمشى بين الناس بالهداية التى يهتم بها الصالحون، أما الكلام الذى يوضع فى هذه الكتب، من باب قول سيدى أبو العباس المرسى رضى الله عنه: والله ما طالعنا كتب القوم إلا لنعرف فضل الله عز وجل علينا، أو كما قال سيدى محى الدين بن عربى رضى الله عنه : يقوى الوارد من الله عز وجل علىَّ فلا أجد له دافع إلا أن أنفِّس عنه بكتابته.
ولكن الكتب فى الحقيقة التى يهدف إليها الصالحون  والعارفون هى أنتم، لأن الله قال فى شأنكم فى كتاب العزيز الكريم - أين القرآن يارب؟ ليست هى المصاحف التى تؤثر فى النفوس والقلوب، ما الذى يؤثر؟ { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ - أين هذه الآيات؟ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } (39- العنكبوت).
آيات القرآن التى تؤثر التى هى فى الصدور، أصحابها قلوبهم مملؤة بالنور، لأن الأمر كما قال سيدى أحمد بن عطاء الله السكندرى رضى الله عنه: (كل كلام يبرز وعليه كسوة من نور القلب الذى خرج منه) لذلك فإنه يؤثر فى القلوب. وأما الكلام الذى لا يصاحبه النور، لا يؤثر فى أحد، ولا يكون له وقع ولا تأثير فى نفس أو قلب أحد.
فنحن نريد القلوب النقية، ولو كان صاحب القلب النقى ليس معه إلا حكمة واحدة، فإنه يهدى بها الثقلين، ويتبعه أمم لا عدَّ لها ولا حصر لها، لأنه يدعو إلى الله بحاله لا بمقاله، و (حال رجل فى الف رجل خير من كلام الف رجل فى رجل واحد).
نسأل الله أن يجملنا بهداه، وأن يجعلنا من أهل الخشية الذين أثنى عليهم فى كتاب الله، وأن يرزقنا دائماً وأبداً مقام العبودية بين يدى حبيبه ومصطفاه، وأن يجملنا دائماً وأبداً قلباً وقالباً بجماله وبهاه، حتى نخرج من الدنيا ونحن نقول ظاهراً وباطناً: لا إله إلا الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير