آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 27 نوفمبر 2016

- الجهاد الموصل و نصر الله الحقيقى

عدد المشاهدات:
الجهاد الموصل:
تعلق النفس بعالم الكون بحسب فطرتها العنصرية، لأن الأجسام أصلها من صلصال من حماء مسنون، وقد ركبت بحكمة بديعة اقتضى تركيبها امتزاج الاخلاط المتنافرة بنسبة تحفظ كيان الجسد لزمن ما، بحيث لا يكمل نعيمة فى هذا الكون إلا بحفظ تلك النسبة، وتعادل الأخلاط، فينشأ عن كل نوع خلق خاص ينبعث عن خواصه اللازمة له بحسب التركيب، فقد يحيط بالنفس عدة تأثيرات منبعثة عن تلك الأخلاط، فتكون بحسب قوة الداعى، ويصدر عن النفس أقواها ولذلك كان الإنسان فى كل أفراده لا يمكن أن يجتمع اثنان على مبدأ واحد من كل جهاته، وإن اتحدت الاعمال بحسب المقتضيات، فقد يعمل الإنسان العمل مكرها وهو ينوى غيره، أو يمهد به لغيره، و ولا تكاد ترى القوة الباطنة إلا مفكرة فى أمور تغير أعمال الأبدان، سواء كان ذلك فى عمل الأبدان أو راحتها. فالقوى الباطنة دائمة الدأب فى كل أفراد الإنسان، ولكن تتفاوت المقاصد وتختلف المطالب، حكمة بالغة، وأسرار خفية.

فمن أفراد الإنسان من يقهره عامل فكره، فينجز كل باعث انبعث عن نفسه، ويظهر كل هم هجس بضميره، غير متدبر ولا متفكر فى عواقبه، لأنه جاش بخلده وحسنه له الخيال أو الوهم، بعدة بواعث فى حظ أو لذة أو أمل أو طمع فى خلود، أوحب سيادة وشهرة وسمعة، أو مناظرة لنظير، أو حسد لقرين، فيعمل العمل بأقدام بلا روية ولا اعتبار بالحوادث، بل يهون عليه كل صعب حظه الخفى، وهواه المتبع، حتى تنكبه الكوارث، وتنوبه الخطوب، فيحدث عنده ألم الندم على الأقدام، ويتمنى أنه لم يفعل، ويفتح عليه باب (لو) آمالا وأوهاماً تجعله فى حضيض الغفلة.

هذا شأن الإنسان وتعلمه بالعمل، فإذا كانت القوة الباطنة قابلة للعبرى والذكرى؛ درست من تلك الحوادث فى نفسها أو غيرها درس الأخلاق التى بها تحسن عيشتها فى تلك الحياة الدنيا، ووقفت على الأقدام حتى يتبين الرشد من الغى.

وإذا أهلت النفس للتزكية واستعدت للصفا تكون فى النفس قوى حاكمة قابلة للفكر وسماع الموعظة، فحاكمت كل هم انبعث عن تلك العناصر المختلفة إلى الحق، وغالبت تلك الهمم الداعية، حتى تقهر الشهوات، وتتوسط فى المجاملة بالبحث عن أحوال السابقين وأعمال المقربين، وتقابل أعمال أهل الغى التى توجب النفور، وتثير نيران البلايا النفسانية، بحكمة وتودد وتثبت، فما رأته لا يضر فى الدين ولا فى البدن صبرت عليه أو رضيت به، بحسب مكانتها من تلقى القدر. وما رأته يضر بالدين أو بالبدن وأمكنها زواله بطريق يرضى الله ورسوله استعانت بحول الله وقوته على دفعه بالحيلة، أو العمل، أو بمحو موجبه من نفسهاـ إن كان له موجب ـ وما لا قبل لها به ابتهلت إلى الله سبحانه فى صرفه، متفكرة فى الحيلة التى تدفعه عنها.

وعلى ذلك، فعلى المجاهد أن يعد القوة والحصون، التى يدفع بها النازلة من العدو، ويقى بها نفسه، ومن القوة عمل كل حيلة، وإعداد كل مساعد، وهذا من الإيمان، وليس عليه أن يهمل العَدَدَ والعُدَدَ ويتسالم تسالم الجماد أو النبات، لأن الله أودع فى كل رتبة من رتب الوجود قوى إلهية تحفظه وتعينه، وبهذا يكون الجهاد موصلا، وهو مبدأ الجهاد الأكبر.
عمل لا قول:
نعم، ثبت بالشرع الشريف أن الأعمال نتائج العلم، والعلم نتائج العقيدة، والعقيدة نتائج السابقة، وينتج عن كل ذلك (الأحوال) والأحوال نتائج الملاحظة، والملاحظة نتائج الحضور، والحضور نتائج الذكر، والذكر نتائج الحب، وليس لقلب ذاق حلاوة الحب أن يلتفت لقول يصرف به الوقت لشدة محافظته على العمل النافع الذى يقربه لنوال منزلة لدى الحق سبحانه، والفوز بالنعيم المقيم، فى دار كرامة نعيم الفردوس الدائم الذى لا ينفذ، ولذة الشهود الباقى التى لا تزول، وهو مراد أهل النفوس العالية، التى باشر اليقين الحق قلوبهم، وتحققوا من زوال هذه الدنيا، وزوال ما فيها، وعلموا أن ما فيها من النعيم لا ينال إلا بالهم أو بالسفاهة أو بمضرة الغير ـ مع زواله ـ فانقطعوا عنها بما تحققوا من بقائه سرمديا، ونواله فضلاً وكرماً بدون طلب للعباد، ولا تحمل مشاق، ولا رضا بذل ومسكنة.

نصر الله الحقيقى:
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) سورة محمد آية 7. المجاهد الذى يتحقق النصر من الله تعالى، ويتيقن بأن الله سبحانه وتعالى يثبت قدم مجاهد جاهد نفسه الحيوانية عن ميلها الشهوانى والعدوانى، وحفظها من الطمع والشهوة، والنفس الإبليسية من الاتصاف بالصفات الخبيثة من البكر والحقد والغرور والفخر والزهو والعلو فى الأرض والأثرة والمزاحمة، ونفسه الإنسانية من الأمل والحرص والمنافسة وحب الذات، حتى يطهر من جميع الدسائس الحاجبة للروح عن التحلى بمقام الإخلاص والصدق وفهم خفايا النفوس، وكشف أسرار النوايا والمقاصد، حتى يكون على يقين حق من علم خفيات الحظوظ والأهواء، ودسائس النفوس.

فإذا قام مجاهداً علم كيف يقوى، وتبين له طريق الرشد فى سيره وعزمه، وصح توجهه إلى مولاه، وصدقة فى قصده، ولدى ظهور سبيل الخير ووضوح منار الحق، يتحقق بالنصر والظفر من الله تعالى، ويكون كالقلب للعالم الإسلامى، لأن نيته وقصده وصدقه وإخلاصه يعم الجميع، فينظر الله سبحانه إليهم من قلبه، فيكون الجميع كقلب واحد فى النية والوجهة.

وإذا تحقق نصر الله لعبد نصر، ولو قابلته الجن والإنس بكل قوة وعدة، لأن الأسباب الكونية والعادات العقلية والعدد القوية منمحقة فى جانب قدرة من أمره (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) سورة يس آية 82 وهو سبحانه ما وعد بالنصر من قام ينصر نفسه، أو يدافع عن ملكه، أو يظهر عظمة، أو ينتقم من عدوه، لأنه سبحانه لا ينظر إلا إلى القلب وهمه ووجهته، ولا يتمكن عبد من العباد أن يتحلى بحلة الصدق والإخلاص وحسن القصد قبل أن يجاهد نفسه.

فعلينا– إذا أردنا يقينا أن ينصرنا الله سبحانه وتعالى (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىلَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) سورة آل عمران آية 126. سبحانه– أن نعتمد على جنابه العظيم، ونستعين بقدرته وقوته ومعونته وتوفيقه فى مجاهدة أنفسنا، وتطهير أخلاقنا.
ومتى تحلينا بجميع الأخلاق فى ذاتنا أولاً، غير ناظرين إلى شىء آخر ائتلفت قلوبنا وحسنت سيرتنا، وتعين علينا بعد ذلك الجهاد الأصغر، قمنا متيقنين بالنصر الحقيقى أو بالخلود فى دار الفردوس. وإذا بقى أحد بقى ناشراً للسنة، عاملاً بالدين، منفذاً لأحكام الله تعالى، وهى سعادة الدارين، وهذا هو النصر الحقيقى، ولو صدقنا فيه لأعزنا الله سبحانه وأذل الكافرين كما أعز حزبه وجنده، وهو الحى القادر الفاعل المختار.
الامام محمد ماضى ابو العزائم
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير