آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 28 نوفمبر 2016

- منزلة الصبرو بشائر الصابرين

عدد المشاهدات:
بشائر الصابرين
في هذه الآية روشتة قرآنية بها حلٌّ لكل مشاكلنا العصرية، إن كانت فردية أو عائلية أو اجتماعية، حلٌ لكل هذه المشكلات في هذه الروشتة النبوية القرآنية الإلهية، 
فما أصدق قول الله جلَّ وعلا: ( وَنُنـزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (82الإسراء).
العصر الذي نحن فيه الآن امتلأ بالمشكلات التى لا عد لها ولا حصر لها، مشكلات نفسية، ومشكلات جسدية، ومشكلات في الأرزاق والدخول والأقوات، ومشكلات في تربية الأولاد، ومشكلات في كيفية الحياة السعيدة الرشيدة مع الزوجات ويكون بينهم مودة ورحمة، ومشاكل مع الجيران، ومشاكل مع الرفقاء في العمل، مشاكل كلها نعجز عن حصرها لا تُعد ولا تُحد.
كيف ينجو الإنسان من هذه المشكلات والمعضلات بدون تأثيرٍ سيء على نفسه، أو على جسمه، أو على حسِّه، ويعيش مطمئن البال هانئ النفس مع الله عز وجل؟ فهذه الروشتة القرآنية وخطابها للمؤمنين كأنها خاصة بنا جماعة الإيمان بالله ورسوله.
إذا سمعت الله عزوجل يقول:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)فاعلم أن الله عزوجل يخاطبك، فارعى لها سمعك، واستحضر ذهنك، وصفِّ قلبك، واسمع لله وهو يخاطبك وقل: لبيك اللهم لبيك، ماذا تريد مني يا إلهي؟. ...( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ)
نحتاج إلى صنفين من الدواء لا ثالث لهما، لدقة كلام اللطيف الخبير عزوجل، لا يُسطِّر روشتة فيها عشرة أصناف، لكن صنفين إثنين فقط: الصبر والصلاة، وقد بيَّن الإمام علي بن أبي طالب رضى الله عنه أهمية الصبر مع الإيمان، فيقول:
{ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ  }[1]
هل يستطيع الجسد أن يعيش بغير رأس؟! لا !!!كذلك لا يستطيع المؤمن أن يعيش في الدنيا في أهوالها ومشاكلها بدون صبر، وإذا كان الله عزوجل يخاطب أعزَّ أنبيائه وأكرم رُسله مراتٍ كثيرة في كتاب الله يأمره بالصبر، حتى قال له في إحداها: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )(35الأحقاف) ... أى انظر إلى أُولي العزم من الأنبياء الذين تعرضوا لمشاقٍ ومكابداتٍ في الدعوة إلى الله من أممهم وكيف كان صبرهم، وأنت بمفردك تصبر صبراً يساوي صبر جميعهم!! انظر إلى تكليف الله عزوجل لحبيبه ومصطفاه.
كيف أصبر؟ ... (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ )(127النحل) ....
اطلب المعونة من الله، واستمد العون من الله حتى تبلغ المقام في الصبر الذي كلفك به الله عزوجل، لأن أي إنسان مهما كانت قدراته وطاقته عاجزٌ عن فعل أي شيءٍ في الكون بنفسه بدون معونة الله ورعاية الله ومدد الله وتوفيق الله.
واللهِ يا أحبة لا يستطيع أحدٌ أن يرفع يداً أو يُحرِّك أصبعاً ولا يرمش له طرف ولا تنتقل قدماه إلا إذا أعانه ربه على ذلك وقوَّاه؟
فلا بد للإنسان أن يستمد العون ممن يقول للشيء كن فيكون.
ولذلك المؤمن دائماً وأبداً جسمه في الكون مع خلق الله، وقلبه مُعلقٌ بمولاه، دائماً وأبداً يستمد منه عطاياه، يتنزَّل له فيه بالسكينة، ويُنزل له فيه الطمأنينة، ويغشاه فيه بالرحمة، ويتنزَّل له فيه بالعلم والحلم وما لا يُعد من عطايا الله، ولكنها تحتاج أن يكون الإنسان قلبه دوماً مُعلقٌ بمولاه عزوجل، وانظر إلى تربية الله لأنبيائه ورُسله، يقول الله عزوجل لموسى كليم الله في بعض الآثار:
{ يا موسى اسألني كل شيء حتى ملح عجينك – وروى– فى شسع نعلك وعلف دابتك }، { فقال يا رب إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيايقصد قضاء حاجته- فأستحي أن أسألك! قال سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك }[2]
إذا قُطع نعلك في الطريق قبل أن تبحث عن من يُصلحه فقل: يا رب!! حتى يدُلَّك بسرعة عليه، ولو احتجت إلى قليل من الملح أيضاً فقل: يا رب، وإذا أردت قضاء حاجتك ولم يأذن الله وأخذت كل المسهلات فلن تنزل هذه الحاجة إلا إذا قضى الله الذي أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون .... فتعلَّم موسى من تلك القضية أن يسأل الله في كل شيء، ذهب إلى مَديْن وشعر بالجوع، فمن يسأل هناك؟! فنادى مولاه:
(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)
(24القصص) وقال صلى الله عليه وسلم:
{ قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْ الرَّحْمَنِ }[3]
من الذي يحرك القلوب؟ .... مقلب القلوب  !!عزوجل، ... فإذا سألت الله ثم توجهت للسبب لعبد من عباد الله حرَّك الله قلبه بالموافقة والقبول، فحقق لك مُناك، لكن إذا اعتمدت على نفسك فربما يكون الله قد غلَّق قلبه من جهتك فيطردك عن الباب، أو لا يقضي لك حاجة، أو ربما يُسيء في الرد والإجابة، إذاً فالباب الذي نريد منه قضاء الحاجات هو: (اسأل الله): فكان يسأل الله حتى في رغيف العيش، ويسأل الله في أعلى شيء يطلبه عبدٌ مقربٌ من عباد الله
:( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) (143الأعراف)
.....!!!
 فيسأل الله من رغيف العيش إلى النظر إلى وجه الله عزوجل.
منزلة الصبر من الإيمان
وجَّهنا الله عزوجل إلى الصبر، وجعل الصبر هو الدليل على صدق الإيمان وصحِّة التقوى، والبرهان على تعلق المرء بالله عزوجل؛ مع اليقين والعفاف والتُقى بين يدي من يقول للشيء كن فيكون ... وسبحان الله، ضرب الله أمثلة للمؤمنين في عصر النبي الكريم لم يظهر تأويلها ولا حقيقتها إلا في هذا العصر عندما ألهَمَ الله عزوجل العلماء وإن كانوا كافرين بمعرفة حقيقتها لإقامة الحجة عليهم بصدق هذا الدين وأنه نازلٌ من عند رب العالمين عزوجل.
كانوا يجاهدون من يبادئونهم بالعداء من الكافرين والمشركين، فبيَّن الله عزوجل أهم سلاحٍ لجهاد الأعداء، أو جهاد النفس، أو الجهاد في السعي على الرزق، أو جهاد أخلاق الخلق وتعاملات الناس، هذا هو السلاح الذي أنزله ربنا لنا أجمعين، فقال الله عزوجل:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (65الأنفال) فيكون الواحد بعشرة.
القوى الربانية التي أودعها فيك رب البرية لا يعمل منها إلا جزء قليل مما تفضل به عليك الجليل عزوجل، فمثلاً القشرة المُخية التي في مخ الإنسان والتي فيها الذكاء وفيها المهارات وفيها القدرات وفيها الخيال وفيها التصور ... لايوجد أحدٌ في الخلق أجمعين حتى كبار المخترعين والمكتشفين يعمل بأكثر من جزء يسير من الطاقة التي أودعها له الله في هذه القشرة المخية، والباقي متروك .... وهكذا كل أعضاء الإنسان فيها طاقات وقدرات لا يطلقها كاملة إلا الإيمان والصبر الذي ذكره الرحمن، فمن يحارب بظروفه العادية فيكون مِثلُه مِثلَ أي شخص مثله، أو على الأكثر يكون بإثنين، لكن إذا صبر، والصبر كان عن يقين، وملأ تجاويف القلب اعتماداً واتكالاً على رب العالمين، فيكون الواحد بعشرة .... !!! ... والعلماء في هذا الزمان، قالوا: كيف هذا الأمر؟ فقالوا بعد عدة أبحاث علمية: أن الإنسان عندما يتجمَّل بخُلق الصبر فإن الجسم يفرز مادة كيميائية اسمها الأندروفين وهي تقوِّي القدرات الجسمانية للإنسان وتجعل طاقة الإنسان قدر طاقته الفعلية عشر مرات على الأقل، وهذا الكلام في عصر النبوة.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لفتح خيبر ومعه المؤمنون ... ويحكى التاريخ ..
كان أهل خيبر متحصنين بأسوار، ولم يستطع المسلمون اقتحام الأسوار ولا يفتحون الباب، والليل قد حلَّ، فتوقفوا عن المعركة إلى الصباح، فقال صلى الله عليه وسلم:{ لأَدْفَعَنَّ الرَّايَةَ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، قَالَ عُمَرُ: فَمَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ قَطُّ إِلا يَوْمَئِذٍ }[4] ... كبار الصحابة تلهفوا لهذا المقام العظيم، رجل يحب الله ورسوله والنبي شهد له بذلك، والأعظم من ذلك أنه يحبه الله ورسوله، وهي أمنية غالية يتمناها كل مؤمن كريم، سيدنا عمر رضى الله عنه يريد أن يكون هو الرجل الذي فيه هذه الصفات ...{ وفي الصباح أَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه، فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ أَرْمَدُ، فَجِئْ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ }[5].
ودخل الإمام على باب الحصن وأخذ يضرب بسيفه حتى تحطَّم سيفه، وكان مشهوراً أنه يضرب بسيفين، اليمين فيها سيفٌ واليسار فيها سيفٌ، وهذا لم يكن إلا لصناديد المقاتلين، وكانوا قِلَّة، حتى استطاع فتح الحصن، لكنه لم يستطع أن يلج - لم يدخله - فتكاثر عليه الأعداء وأرادوا قتله، كيف يحتمي منهم؟ فأمسك بباب الحصن وخلعه وتحصَّن به من ضربات هؤلاء اليهود ... وجعل المسلمين يدخلون من تحت الباب إلى الحصن، وفتح الله عزوجل على المؤمنين بسرِّ ذلك، وبعد انتهاء المعركة وضع الباب!! وتحكي كتب السير أنه أراد أربعون وقيل سبعون رجلاً أن يحركُّوا الباب من مكانه فلم يستطيعوا، فكيف كان يحمله ويتحصَّن به؟! لكي تعرف أنك معك قوة إلهية ربانية وتحتاج إلى صدق الإيمان والصبر كما أمر الرحمن عزوجل.
إذا وصلت إلى ذلك فتكون القوى التي معك ستعمل بالكفاءة العالية التي خلقها الله عزوجل، وتكون قوتك أضعاف أضعاف قوتك في الحالة العادية، وهذا سرٌ من أسرار الألوهية كشفه الله عزوجل في هذه الآية القرآنية العظيمة.
 منقول من كتاب تفسير آيات المقربين 
لفضيلة السيخ فوزى محمد أبوزيد



[1] كتاب (الصبر والثواب عليه) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ t: " أَلا إِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ بَادَ الْجَسَدُ "، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ : " أَلا إِنَّهُ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ "
[2] جامع العلوم والحكم.
[3] مسند أحمد والنسائي عن عائشة رضي الله عنها
[4]السنة لابن أبي عاصم وسنن النسائي عن أبي هريرة t
[5] مستخرج أبي عوانة عن سلمة بن الأكوع t
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير