آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2016

- كتاب شعب الإيمان

عدد المشاهدات:

 شُعَب الإيمان 

لفضيلة الشيخ
محمد على سلامة
مدير عام أوقاف بورسعيد
1405 هجرية ـ 1985 ميلادية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكرمنا بالعلماء العاملين، يوضحون لنا سبيل الله ورسوله، ويبينون لنا ما نحن في أمس الحاجة إليه من العلم والهدى لنسير على نور وبصيرة، حتى نتهنى برضوان الله الأكبر، مع الذين أنعم الله عليهم من الرسل والأنبياء والصيديقين والصالحين والشهداء وذلك فضل الله على أمة رسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله العلماء بيننا أنجما هادية، وسرجاً مضيئة، تسعى بالنور بيننا هنا وهناك، إمتداداً لحياة رسول الله الحقيقية، فإنهم ورثة علومه وأنواره صلى الله عليه وسلم ينفعون بها عباد الله في كل زمان ومكان يكونون فيه.
هذا وإننى أنا العبد الذليل، المفتقر إلى توفيق الله ومعونته في كل نفس من أنفاسى، قد كنت كتبت لنفسى ولإخوانى المسلمين، مختصراً حول شعب الإيمان التى ذكرها لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف:{الإيمان بضع وسبعون شعبة}.[1]
وقد بذلت قصارى جهدى في أن أوفي بالمطلوب أو أقترب منه، لعل إخوانى يجدون في هذا المختصر حاجتهم من معرفة شعب الإيمان.
وقد كتبته طمعاً في رحمة الله ورضوانه، رجاء أن يدوم أثره، وأن يدخلنى الله في عباده الصالحين قبل الموت وبعده.
قال الشاعر الحكيم:
وما من كاتب إلا سيبلى     ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء     يسرك في القيامة أن تــراه
 وقد بلغ ما جمعته في هذا الكتاب من الشعب، تسعاً وسبعين شعبة من شعب الإيمان. هذا وبالله التوفيق، وعلى الله قصد السبيل.
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. [10، الكهف].
 وإننى أرجو من أخى القارئ الكريم العفو عن الزلات التى يجدها أثناء تصفح هذا الكتاب، فإننى عبد خطاء، وخطئى أكثر من صوابى، والله عفو كريم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شعب الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فرض الإيمان على جميع العقلاء من الإنس والجن والملائكة، فقال عزَّ شأنه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾.  [8، التغابن].
والصلاة والسلام على أول المؤمنين، فقد قال الله تعالى:﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾. [285، البقرة]. فقد بينت تلك الآية الشريفة أن رسول الله آمن أولا بكل ما أنزله الله عزَّ وجلَّ إليه من الدين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن المؤمنون، أى من هداهم الله للإيمان.
وكذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. [81، الزخرف]. فقد بينت هذه الآية الشريفة أن رسول الله أول العابدين، والعبادة هى القيام بأوامر الله واجتناب نواهيه، ولا يقوم بهذه العبادة إلا مؤمن كامل الإيمان بالله، الذي فرضها وأوجبها عليه، فأول العابدين هو أول المؤمنين صلى الله عليه وسلم والصلاة والسلام على آله وصحابته وورثته وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
 وبعد  
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق}.[2] والإيمان هو تصديق القلب لرسول الله في كل ما أخبرنا به، وبهذا التصديق يكون الإنسان مؤمناً، وهذا التصديق له متعلقات كثيرة:
أولا: تصديق القلب بأن الله واحد لا شريك له في أسمائه وصفاته وأفعاله.
ثانيا: تصديق القلب بأن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليهدى الناس إلى صراط الله المستقيم، وأنه خاتم رسل الله وأنبياءه.
ثالثا: تصديق القلب بأن الله أرسل قبله صلى الله عليه وسلم رسلاً كثيرين لإخراج أممهم من الظلمات إلى النور، وأنهم بلغوا رسالات ربهم إلى عباده.
رابعا: تصديق القلب بأن الله له ملائكة قائمون بأمر الله، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
خامسا: تصديق القلب بكتب الله، وشرائع الله التى أرسل بها رسله إلى الناس، من التوراه والإنجيل والزبور والقرآن وغيرها.
سادساً: تصديق القلب بالموت وما بعهده من حياة برزخية.
سابعاً: تصديق القلب بالبعث والنشور من القبور.
ثامنا: تصديق القلب بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب وحساب وسؤال، وجنة ونار.
تاسعاً: تصديق القلب بقضاء الله وقدره، حلوه ومره، شره وخيره، وأن الكل من الله عزَّ وجلَّ.
والتصديق بكل هذه الحقائق لا يعتريه شك ولا ريب، من ساعة الإيمان بها إلى ساعة الموت. والتصديق عمل من أعمال القلوب، وهو التحقق بصحة الأخبار التى صدق بها، وبثبوتها واستقرارها. قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
الصدق نور اليقين كشف الحقيقة     به تنجلى الأسرار حال الشهادة
ومعنى {بضع} العدد من ثلاث إلى تسع، ومعنى {شعبة} غصن الشجرة وجمعها شعب، وذلك التعبير النبوى الشريف في غاية الإبداع، إذ أنه صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان شجرة، أصلها ثابت في قلب المؤمن وهو التصديق بما سبق ذكره، وشعبها وفروعها وأغصانها هى أعمال المؤمن وأقواله وأخلاقه، من العبادات والمعاملات والسلوكيات الشخصية.
وتلك الشعب جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وسبعين شعبة، أو ما يزيد عليها إلى تسع وسبعين شعبة، وذكر لنا سيدنا رسول الله أول هذه الشعب وأعلاها، وأجلها وأهمها، وهى قول المؤمن لا إله إلا الله فإنها أساس الإسلام، وأول فرض فرضه الله على الإنسان بعد تصديق القلب بها، حتى يكون لفظ المؤمن معبراً عن ما في ضميره من الاعتقاد والتصديق. فيتحد ظاهر المؤمن بباطنه في العمل قلباً وقالباً، فيعتقد القلب الحقائق والمعانى، وينطق اللسان بالعبارات التى تبرز هذه المعانى من عالم الغيب والسر إلى عالم الشهادة والعلانية وكلا الأمرين فرض أوجبه الله على المؤمن، فالاعتقاد والتصديق فريضة القلب، والنطق والإقرار فريضة اللسان، وكلاهما متمم للآخر ولا غنى لأحدهما عن الثانى، إلا في حالة عجز اللسان عن النطق فيعبر بأى وسيلة أخرى من الكتابة أو الإشارة أو العمل الصالح الذي يدل على التصديق والإعتقاد والإنخراط في سلك المؤمنين.
ثم ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى الشعب، وأقل عمل يقوم به المؤمن من الخير والبر والمعروف، وهو تنحية الأذى من طريق الناس، من حجر أو شجر أو شوك أو قذر، أو تذليل مرتفع أو تسوية منخفض، أو نحو ذلك مما يمهد طريق المارة ويعبده، ولو لدابة وبهيمة.
وترك رسول الله ذكر بقية الشعب والأقسام، حتى يجتهد المؤمن في التعرف عليها، ويعمل فكره وعقله، ويبحث حتى يكون على علم ويقين بأوامر الله وأحكامه، وآداب الله ورسوله من الواجبات والمسنونات، والمندوبات والمستحباب، وكذلك يحيط علماًُ بالمحرمات والمكروهات والمباحات، فيكون المؤمن عابداً لله ببحثه وطلبه للحكمة والمعرفة، فيصير بذلك من أهل محبة الله وأهل خشيته. سر قول الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [165، البقرة].
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾. [ 28، فاطر].
وبقية الشعب ذكرها الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم، وذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة، وبفضل الله وتوفيقه سنذكرها في هذا المختصر على قدر الاستطاعة، حتى نقرب على القارئ الكريم المسافة ونريحه من عناء البحث والتعب. والله أسأل أن يمدنا بروح من عنده، وأن يمنحنا الرشد والصواب بجاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذه هى الشعب بين يديك، فخذها هدية من الله ورسوله إليك لتنال خير الدارين، وسعادة الحياتين بعد أخذها والاستمساك بها.
الشعبة الأولى: الإقرار والإعتراف بأن الله هو الإله الحق، وأن محمداً عبده ورسوله.
 وهذا الإعتراف هو قول المؤمن:{لا إله إلا الله محمد رسول الله}. وهى كلمة التوحيد التى وحد المؤمن بها ربه عزَّ وجلَّ، ووصفه فيها بكل كمال يليق بجنابه العلى، وقدسه فيها عن كل ما لا يليق به عزَّ وجلَّ، ثم أقر فيها برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، قال صلى الله عليه وسلم ما معناه:{أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا}.[3]
وقال صلى الله عليه وسلم:{أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله}.[4] وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.  [19، محمد].
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. [ 18، آل عمران].
وإن أصغر مسلم من أهل العلم بالله. حيث قد شهد بأنه لا إله إلا الله. والشهادة هى الإقرار والاعتراف بما رآه أو علمه أو صدق به. وكما يقولون الإعتراف أو الأدلة على ثبوت الأمر المعترف به في نفس المقر والمعترف. وقد تكون الشهادة هى مشاهدة عين السر والبصيرة لمعانى الألوهية وأسرارها. وهى شهادة أهل العلم الراسخين والملائكة المقربين. أما شهادة الله سبحانه لذاته فهى توحيد الله نفسه بنفسه. وتمجيد الله نفسه بنفسه. وتقديس الله نفسه بنفسه. وتعظيم الله نفسه بنفسه. والمعنى أن الله عزَّ وجلَّ ليس في حاجة إلى شهادة أحد من خلقه. إذ أن شهادته سبحانه لنفسه هى أكبر وأعظم من شهادة جميع العالمين، قال الله تعالى:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾. [19، الأنعام]. ولكن عباده هم الذين في أمس الحاجة إلى هذه الشهادة، لأنها تنفعهم في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم:{من قال لا إله إلا الله دخل الجنة}.[5] وقال صلى الله عليه وسلم: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله}.[6]
ودائماً وأبداً قول لا إله إلا الله يستلزم قول محمد رسول الله، إذ أنها قرينتها في كل ذكر وإقرار وشهادة، ولا تصح شهادة منهما بدون الأخرى ولا تقبل عند الله عزَّ وجلَّ. وإنما الذي ورد في الأحاديث، وفي الآية الشريفة لا إله إلا الله، دون محمد رسول الله لأن الأولى هى الأصل، والثانية فرع لها، وكل أصل مشتمل على فرعه ضمنا واستلزاماً. فإذا قال المؤمن لا إله إلا الله بلسانه، فإن قلبه يلاحظ ويستحضر محمد رسول الله. حتى يكون ذاكراً لله ورسوله وفاكراً لله ورسوله، ومثنياً على الله بما هو أهله من تفريده بالألوهية ومثنياً على رسول الله بما هو أهله من تخصيصه بالرسالة.
الشعبة الثانية: إقامة الصلاة.
في أوقاتها، بشروطها وأركانها، كما كان يؤديها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 قال تعالى:
﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾. [31، إبراهيم]. وقال تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾. [238، البقرة]. وقال صلى الله عليه وسلم:{صلوا كما رأيتمونى أصلى}.[7]
وإقامة الصلاة يعنى أن يجعل لها المصلي وجوداً قائماً في عالم الحقائق، حتى أن الملائكة تصعد بها إلى الله عزَّ وجلَّ، فتتفتح لها أبواب السموات، وللصلاة لسان يقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني. وقد أثنى الله على المصلين بقوله عز شأنه:﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. [1-2، المؤمنون].
والخشوع في الصلاة هو رعاية القلب لعظمة الله وجلاله، وملاحظة الفكر لمعاني حركات الصلاة وقراءاتها، وأذكارها وتسبيحاتها: واستحضار الروح صورة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يصلي المؤمن على هيئتها. وقد يبلغ المصلي مقاماً يقتدى فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم حين إقامته الصلاة.
وللمصلين مشاهد جلت عن الحصر والعد، فإن كل مصلي له مع الله حالاً لا يكون لغيره من المصلين، لأن الصلاة مناجاة بين العبد وربه، ولو علم المصلي من يناجى ما خرج من صلاته.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾. [40، إبراهيم].
الشعبة الثالثة: إيتاء الزكاة.
والإيتاء معناه الإعطاء، قال تعالى:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. [177، البقرة].
أى أعطى المال النفيس المحبوب له، والزكاة معناها الزيادة والبركة والنماء، وعلى ذلك يكون المزكي يعطي من الزيادة المتكاثرة والبركة المطردة في ماله. لأن المؤمن الذي آمن بوجوب الزكاة في ماله. ونوى إخراجها لأهله، حصلت له بركة عظيمة في ماله، وكثرت خيراته. بمجرد نيته وصدق عزيمته. ومن هنا فإن من يأخذها يغنيه الله بها، لأنها تنمو عنده وتتكاثر، لأن البركة فيها، حيث أن المزكى قدمها لأخيه المحتاج إطاعة لأمر الله، والبركة كلها، والخير كله يكون في إطاعة أمر الله ورسوله وقد جاءت هذه النعم المتتابعة بفضل المسارعة إلى امتثال أمر الله سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والزكاة حق معلوم، وقدر معروف بينته الشريعة في مال المزكي يدفعه طائعاً ومقتنعاً به، لأصحابه الذين فرضه الله لهم. قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.[ 24-25، المعارج].
ومن رحمة الله بالأغنياء، ومن فضله عليهم، أن جعل هناك أصحاب حاجات يأخذون منهم زكاتهم. قال الله تعالى:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. [103، التوبه]. فأصبحت الزكاة تطهيراً للغنى من الأمراض الظاهرة والباطنة والأمراض الظاهرة معروفة، أما الأمراض الباطنة فهى الشح والبخل والتقتير، وإيثار حب المال على طاعة الله ورسوله، والخوف من الفقر، وما إلى ذلك من الأمراض المهلكة. ﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. يعنى تباركهم بها، وتشفع لهم بها وتشهد لهم بها عند الله عزَّ وجلَّ. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. [4، المؤمنون].
وقد جاء الأمر في صيغة الخبر، وهو أبلغ في الدلالة على الوجوب منه في صيغة الأمر. حيث أدى معنى سامياً فوق الوجوب. وهو المدح من الله لمن يعطى الزكاة، والمعنى أنهم قائمون بأداء هذه الفريضة بالفعل، على وجه الإلتزام والاستمرار.
وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن:{خذ من أغنياءهم صدقة تردها في فقراءهم}.[8]
الشعبة الرابعة: صوم رمضان.
 والصوم هو عبادة كل جارحة من الجوارح بما يناسبها من الواجبات التى أمر الله بها، إمتناعاً وكفاً، أو عملاً وفعلاً، فمثلاً يمتنع الإنسان عن الأكل والشرب، ويشغل وقته بالذكر والشكر، وعمل الخيرات والبر، وتصوم العين عن النظر بشهوة إلى الزوجة، وتنظر في كتاب الله، أو حديث رسوله أو مصالح أهله ومصالح الناس، حتى يكون الصائم في مجاهدات عظيمة، ينال بعدها الفوز والفلاح، والهداية والنجاح، قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [69، العنكبوت].
فالصوم هو ترك الأكل والشرب، والنكاح والشهوات المباحة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، عبادة لله عزَّ وجلَّ، بنية مخصوصة. ولقد تعبدنا الله بالصوم لنتمرن على مقاومة الغرائز والحظوظ، والأطماع والشهوات المحرمة، ولنصبر في مجاهدة الكافرين ومنازلتهم. ومن ناحية أخرى لتجف المعدة من الرطوبات، وتتخلص من العفونات المتخلفة بها طول العام، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.[183، البقرة].
أما الصوم عن الأمور المحرمة. فذلك فرضه الله علينا في شهر رمضان وفي غيره من الشهور بصفة مستمرة. وصوم رمضان يزيد على ذلك بترك المباحات والشهوة الحلال.
الشعبة الخامسة: الحج.
وهو فريضة العمر. وهو قصد البيت الحرام لأداء فريضة الحج. وهو الهجرة إلى الله عزَّ وجلَّ وتأدية المناسك والشعائر التى يشعر المؤمن بأنه متنقل ومرتحل من مكان إلى آخر، ومن حال إلى آخر ومن نسك إلى نسك آخر. وهذا هو حقيقة الهجرة إلى الله ورسوله. طلباً لرحمة الله ومغفرته. وسعياً في مرضاة الله ورسوله. وطمعاً في رضوان الله الأكبر. قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. [97، آل عمران]. وقال صلى الله عليه وسلم:{خذوا عنى مناسككم}.[9]
الشعبة السادسة: العمرة
 وهى فريضة في العمر مرة.
وجعل الله وقتها في جميع أيام السنة ما عدا أيام الحج. وهى التاسع والعاشر والحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر من ذى الحجة. وقد جعلها الله في جميع السنة ما عدا هذه الأيام ليهاجر المؤمن إلى الله ورسوله في أى وقت شاء من عمره. لأنها هجرة كالحج إلى الله ورسوله.
قال الإمام أبو العزائم:{الهجرة ثلاث: هجرة إلى بيت الله بأمر الله. وهجرة من الدنيا إلى الآخرة بفضل الله. وهجرة به منك إليه}.
والهجرة من الدنيا يعنى متعها وزخارفها وطيباتها التى أباحها الله زهداً فيها ورغبة في الآخرة.قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾. [196، البقرة].
وقد أدى رسول الله عمرة القضاء عن عام الحديبية. هو وجميع أصحابه الذين كانوا معه في عام الحديبية. حيث أن المشركين بمكة ردوهم عن آداء العمرة في هذا العام على أن يؤدوها في العام القادم بعد الصلح الذي وقعه معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعمرة هى الحج الأصغر. والحج هو الحج الأكبر. لما فيه من المجاهدات الفادحة التى لم تكن في العمرة. من الوقوف بعرفة. ورمى الجمار. والمبيت بمنى. والزحف إلى منى يوم التروية. والتحرك منها إلى عرفة من فجر يومها. والإفاضة من عرفة إلى المزدلفة بعد غروب الشمس. والمبيت بها وجمع الجمار منها. وكثير من الأعمال المتواصلة ليلاً ونهاراً مدة أيام الحج بخلاف العمرة. فإنها لا تستغرق أكثر من ساعتين من الزمن.
وقد جعلها الله فرضاً. لأن كثيراً من الناس لا يقدرون على مشقات الحج ومجاهداته. فيقعدون عنه بحكم عدم الإستطاعة لضعف أو مرض أو كبر. ولكنهم يقدرون على أداء العمرة فلم يحرمهم الله من إكرامهم بالحج الأصغر على قدر طاقتهم. فإن الله رحيم بعباده. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
الشعبة السابعة: الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ورسوله.
وقهر الظلمة والمستبدين بخلق الله.والصادين لهم عن دين الله الحق. وهذا الجهاد فرض كفاية على المسلمين. إن قام به البعض سقط عن الباقين. وقد يكون الجهاد فريضة على كل مسلم بقدر استطاعته. عندما يعتدى العدو الكافر على بلاد المسلمين ودينهم وعرضهم.
والقتال له أساليب متعددة. فإن الحرب خدعة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه في غزوة الأحزاب: خذل عنا يا فلان أى ادفع العدو عنا وذبه بحكمتك وخبرتك وسياستك. وهذا لون من ألوان الحرب السياسية التى يقولون عنها الآن.
والجهاد ماض في هذه الأمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها وما تركه قوم إلا أذلهم الله. قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾. [84، النساء].وقال جل شأنه:﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾.[190، البقرة].
والجهاد لإعلاء كلمة الله ـ الذي هو فرض الكفاية ـ يقوم به أولا العلماء ويكون بعرض الإسلام على الكافرين. وعلى أهل الكتاب. بالحكمة والموعظة الحسنة وبالأسلوب اللين والمشوق. وذلك ببيان محاسن الإسلام وكمالاته وجمالاته، نظرياً وعمليا أمامهم، وبيان مثالب الكفر ومخاذيه، ومساوئه وآثاره الضارة على العقول والأجسام، وعلى الأفراد والجماعات.
وهذه الدعوة تكون بجميع الوسائل والأجهزة التى توصلها إليهم وذلك بنزول العلماء والمرشدين إلى ديارهم، وبالإذاعة والتليفزيون والكتب والرسائل، وجميع وسائل النشر والإعلام. والذين يقفون في سبيل التبشير بالإسلام ويمنعون وصول هذا الخير للناس، ويصدون عن سبيل الله، يجب على المسلمين أن يتخذوا منهم موقفاً حاسماً، ومجاهدتهم بقدر الإستطاعة، ولو بمنع بضاعتهم وسلعهم من أسواق المسلمين، وحرمانهم مما يحتاجون من خيرات المسلمين وحاصلاتهم وخامات بلادهم، وهنا يكون المسلمون قد غاروا لله ولرسوله ولدينه، وسيجدون عوض ذلك أضعافاً مضاعفة. سر قول الله عزَّ وجلَّ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.[28، التوبه]. لأن العمل من أجل الله مهما كان، فإن جزائه ونتائجه المترتبة عليه، تقع على الله عزَّ وجلَّ. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.[100، النساء].
وذلك مبدأ في كل عمل يقوم به المؤمن من أجل الله ورسوله وليس في الهجرة فحسب.
والحمد لله قد قام المسلمون الآن بدور كبير في هذا المجال ولكن في إستطاعة المسلمين بفضل الله أن يعملوا الكثير والكثير من أجل الجهاد لإعلاء دين الله وكلمة الله.
وهذا هو الجهاد الأكبر الذي مدحنا الله من أجله بقوله سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.[78، الحج].
اللهم جدد لنا وبنا هذه الفرائض بجاه المصطفي، وبحقه صلى الله عليه وسلم حتى يعود للإسلام عزه ومجده إنك سبحانك نعم المولى ونعم النصير.
الشعبة الثامنة: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وهو فرض عين على العلماء المتمكنين الراسخين في العلم. والأمر بالمعروف هو بيان الخير والهدى، والواجبات والسنن للمسلمين، وأمرهم بها بصفة مستمرة في كل وقت، حتى يعيش المسلمون في حالة التذكر الدائم، ولا يغيب عنهم شئ من أمور دينهم، لأن العلماء يسعون بينهم بنور الله الذي وهبه لهم، فإنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.[ 104، آل عمران]. وتوصيتهم للناس بهذه الأحكام والآداب، إنما يكون بالطريق المعروف عن رسول الله وصحابته وأئمة الهدى في هذا الشأن، حتى يستميلوا قلوب الناس ومشاعرهم إلى دين الله قال تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [108، يوسف]. وتسبيح الله في هذا المقام يفيد تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على نهجه، من الإنسان الذي لا يهتدى بعد دعوته بهذا الأسلوب الكريم، الذي يجعل الأحجار والأشجار تحن لصاحبه وتستجيب إليه فما بال هذا الإنسان المتحجر القلب، القاسى الفؤاد:﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. [74، البقرة].
والنهى عن المنكر إنما يكون بتوضيح المنكر وبيانه للمسلمين وإظهار فضائحه وفظائعه، وآثاره المؤلمة على المسلمين في كل نواحى حياتهم، وبيان وعيد الله وعذابه للمرتكبين له في الآخرة، حتى يقشعر جسم المؤمن، وترعوى نفسه، وينزعج قلبه، فيتوب إلى الله ويندم على ما فعله.
وتوجيه النصح في هذا الشأن يكون مرتبطاً بالغاية المرجوة منه وهو هداية الناس وتخليصهم من المنكرات. ولا يكون بالتشنيع عليهم أو التعريض بهم، أو مس مشاعرهم من قريب أو بعيد فإن ذلك ينفرهم من الدين ويحرمهم من نور التوبة والإنابة إلى الله وكذلك يكون التوجيه مشمولا ببيان وسعة رحمة الله ومغفرته وإكرامه للتائبين، وحبه لهم، وثناءه عليهم بعبارات تشد القلوب وتجذب النفوس إلى فضل الله ورحمته.
ولكل موقف من تلك المواقف حديث يتناسب معه. وحوار يتجلى فيه الصبر والحلم والرحمة بعباد الله. من الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر، وكم أفسد الجهال أمثالي قلوب المسلمين وأحوالهم بالأسلوب الخشن والقول الجاف، والكلام الغليظ، مما أنتج النتائج العكسية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ومن هنا كان الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر، لا بد وأن يكون حكيما حليما، رحيماً صبوراً قبل أن يكون عالماً لأنه يأمر المسلمين وينهاهم، والمسلمون رحماء فيما بينهم. رزقنا الله سبحانه الأهلية لهذا العمل المجيد إنه مجيب الدعاء.
الشعبة التاسعة: الإحسان إلى الوالدين
وإنما يكون ذلك بإطاعة أمرهما وبرهم، وإسداء الخير إليهما، وإعطائهما الرضا من نفسك ولا تؤثر نفسك عليهما بشيء، ولا تقدم لهما ما يحزنهما ويسوءهما، وكن لهما في كبرهما وشيخوختهما كما كانا لك في صغرك وطفولتك، والدعاء لهما بالرحمة والمغفرة في حال حياتهما ومماتهما.
وفي تعبير الله عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. [36، النساء]. بيانا أسكر النفوس وأدهش الألباب، ذلك لأن الإحسان هو الزيادة على الواجب لهما مما لا بد منه. من غذاء وشراب ولباس ومسكن يليق بهما، وتلبية نداءهما وطلبهما. والإحسان هو تقديم الفاكهة والحلوى والمرطبات بعد الأكل، وتقديم الرقيق والناعم والثمين من الملابس، وتقديم المسكن المكيف المريح والمجهز بالأثاث الكريم، وغير ذلك من الأمور التى تضفي البهجة والسرور عليهما.
قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾.[23، الإسراء].
                                                                              
ولما كان الكبر والشيخوخة تضعف فيها العظام والقوى البشرية ويحتاج صاحبها إلى كثير من المساعدة والمعاونة، والصبر والتحمل بصفة مستمرة، كان ذلك مظنة تأفف الأبناء من أبائهم وأمهاتهم.
والتأفف كلمة معناها التضجر والتألم من كثرة إحتياجات الوالدين في هذه السن، ولذلك فقد حرم الله على الأبناء قول أف لهما أو لأحدهما، لأن هذه الكلمة تؤثر على الأبوين وتحزنهما ولا يصح أن يقول الأبن تلك الكلمة أمامهما ولا من خلفهما.
وتلك الرعاية من الله للوالدين تعطى الأبناء مؤشراً كبيراً جداً على عظم حق الوالدين، الذي قرنه الله سبحانه وتعالى بعبادته حيث قال: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. [36، النساء]. وقال سبحانه: ﴿ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.[ 14، لقمان].
                                                                               
وقال صلى الله عليه وسلم:{رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما}.[10]
وذلك لأن الوالدين هما السبب المباشر في وجود الإنسان وبعد ذلك قاما بتربيته ورعايته بالعطف والرحمة والحنان وتوفير الهناءة والسعادة له في كل مراحل حياته، والقيام على شأنه وتدبير أمره بالحب والإخلاص، كل ذلك بدون مقابل ولذلك لما أمر الله الإنسان بالدعاء لوالديه في قوله عز شأنه: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.[24، الإسراء].
وهو دعاء في غاية الضراعة إلى الله عزَّ وجلَّ بأن يتفضل عليهما برحمته بدون عمل منهما يستحق هذه الرحمة، كما عطفا علىَّ وربيانى في طفولتى، من غير أن أقدم إليهما شيئاً أستحق عليه شيئاً من هذه التربية والرعاية والحنان. ثم نهى الله المؤمن عن نهر والديه أو أحدهما، فقد أنزلهما الله منزلة السائل حيث أنهما في حال الكبر صارا لا يملكاكن شيئا من متاع الدنيا، فيطلبان من ولدهما كما كان يطلب الولد أثناء صغره.
وإذا كان لا يجوز نهر السائل العادى، فإنه في الوالدين أكبر إثما والنهر هو الشق في الأرض من أثر جرى الماء واندفاعه، فكان كذلك نهر الوالدين يجرح مشاعرهما، ويصدع قلوبهما، ويؤذيهما إيذاءاً بليغاً، لأن كلمة السوء تندفع نحوهما، فتحدث شرخاً في نفوسهما لا يكاد يبرأ ولا يلتئم. قال الحكيم:
جراحات الطعان لها إلتئام     ولا يلتام ما جرح اللسان
لأن هذا الجرح جرحه أعز الأعزاء، وقد كان المرجو منه أن يداوى الجراح ويواسى الأتراح. ولكنها شقاوة حلت به وسيجنى مرارتها في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.
رب اغفر لى ولوالدى وارحمهما كما ربيانى صغيرا.
الشعبة العاشرة: إعطاء القريب حقه.
قال الله تعالى:﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. [26، الإسراء].
وأقرباء الإنسان هم أبناء أبيه وأمه، أو أبناء واحد منهما وهم الأخوة والأخوات، وأصول أبيه وأمه، وهم الأجداد والجدات والمساوون لأبيه وأمه، وهم الأعمام والعمات والأخوال والخالات وهؤلاء جميعاً لهم حقوق قررتها الشريعة الإسلامية في مواضعها من المواريث وغيرها، وليس هذا المختصر يتسع لها، فمن أراد الإطلاع عليها فليرجع إليها في كتب الفقه الإسلامى. فسيجد فيه ما يشفي صدره من البيان والهدى.
وتلك الحقوق يجب على المؤمن أن يدفعها لأصحابها راضية بها نفسه، لأنه بذلك إنما يقوم بتنفيذ تعاليم الله وأحكامه، ويقدم من نفسه الطاعة لله ورسوله محتسباً بذلك وجه الله، وطامعاً في رضوانه وكرمه. فليست هذه الحقوق مغرماً أو جباية، وإنما هى فرائض فرضها الله على المسلمين يؤدونها لله رب العالمين.
ألا فليتدبر كل مؤمن أحكام الله في هذا المجال، فإنها تخفي على كثير من الجهال أمثالى، فيظنون أنهم يمنحون أقاربهم شيئاً من جيوبهم وليس حقاً مقرراً في دين الله لهم، فيجب علينا أن نؤمن بالدين كله، وبالقرآن كله، وبالأحكام الشرعية كلها.
وليتق كل واحد منا ربه في هذه الناحية، فإن مرارة الظلم فيها تكون فادحة. قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. [19، الفرقان]. وقال الحكيم:
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة     على النفس من وقع الحسام المهند
وذلك لأن أواصر الدم والنسب، وعلاقة القرابة، تدفع العاقل إلى احترام هذه الصلات، وتقدير هذه المودات، فإن دواعى التراحم والتعاطف، ودواعى العدل والإنصاف، أقوى بكثير منها مع غير الأقارب. لأن القرابة تزيد رابطة الإيمان والإسلام قوى وعزاً.
فإذا كان المؤمن مطالب بتلك المعانى مع الأجانب من المسلمين فهى مع الأقربين أشد إلحاحاً. وأعظم مطالبة.
الشعبة الحادية عشر: صلة الأرحام.
والأرحام عن الأقارب أيضاً. فإذا كان القريب ليس له حق عندك أوجبته الشريعة كما تقدم ذكره في الشعبة العاشرة، فإن له عليك حق الصلة.
والصلة هى أن تنفح قريبك مما رزقك الله. كثيراً كان ذلك أو قليلاً من غير أن تنتظر منه مقابلاً لذلك. لأنك تصله بحكم الرحم الذي بينك وبينه والذي يفرض عليك هذه الصلة. قال صلى الله عليه وسلم:{من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه}.[11] وقال صلى الله عليه وسلم:{ليس الواصل بالمكافئ وإنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها}.[12]
وقال الله في الحديث القدسى: ﴿ أنا الرحمن وهى الرحم اشتققت له إسما من إسمى فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته[13].
وصلة الرحم أمر زائد على حق ذى الرحم. وذلك حتى يقوى الترابط والتماسك الأسرى. وتنمو وتزداد المحبة بين الأقارب والأرحام. ويرضى الله ورسوله. ويعم الرخاء والأمن.
قال الله تعالى ناعياً على الكافرين أمرهم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. [22-23، محمد].
وليس هناك تشنيع ولا تقريع ولا تهديد أفظع من ذلك الذي توعدهم الله به.
كم من المسلمين من أصيب بما أصيب به أهل الكفر بالله !؟. والعياذ بالله. فكم منهم من هجر الأرحام. وقطع أسباب الصلات والعلاقات الكريمة فيما بينهم بل إن منهم من يتمادى في ذلك إلى أبعد مدى ويقول: (إللى يزورنى أزوره، واللى يجينى أروح له، واللى يسأل عنى أسأل عنه).  إلى غير ذلك من عبارات أهل الجهل بدين الله. ويظن المسكين أنه على حق !!
وهناك من المسلمين من يرتكب حماقات أكبر من ذلك. فيسيء إلى أرحامه وأقاربه ويؤذيهم. علاوة على قطيعتهم. وذلك أنكى جرما وأشد إثماً.
وهذه الأمراض علاجها في الإيمان بما جاء عن الله وعن رسوله في هذه الناحية من أحكام وآداب. والاقتناع بها. والرجوع إليها والاعتصام بها. فإنها الشفاء من هذه الآلام والأسقام الروحانية والدينية.
وسماها الله رحماً إما لأنهم يجتمعون ويلتقون في رحم أم واحدة، وإما لأنهم متراحمون فيما بينهم بحكم الفطرة والعادة لقرابتهم من بعضهم، وإما لأن الله رحمهم ببعضهم فرحم الآباء والأمهات أبناءهم وأحفادهم ورحم الأبناء آباءهم وأمهاتهم وأجدادهم وما تفرع منهم. وذلك لأن الله ألقى في قلوبهم هذه الرحمة. وإن الذي يشذ عن هذه الفطرة فقد اعتراه داء عضال ومرض مهلك. وهو الصم والعمى. وعليه أن يتناول الشفاء من يمين الله عزَّ وجلَّ ويمين رسوله صلى الله عليه وسلم والله يهدينا إلى سواء السبيل.
الشعبة الثانية عشر: إكرام الجار.
والجار هو من يجاور الإنسان في بيته أو عمله. وسمي بذلك أيضاً لأن له عليك حق الإجارة. أى الإنقياد والإغاثة والمعونة في كل الملمات والمهمات. إذ أنك أول من يحس به ويشعر بحاجاته لمجاورتك له. ومن هنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه}.[14]ويقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾. [36، النساء].
وحقوق الجار أن تحسن معاشرته. وأن تمنع عنه أذاك وأن تستر عورته. وأن تعفو عن زلاته. وأن تغيثه في لهفته. وأن تساعده في حاجته. وأن تسأل عنه إذا غاب عنك. وأن تسلم عليه وتصافحه وتبش في وجهه عند لقاءه وأن تعوده إذا مرض. وأن تشيع جنازته إذا مات.
وأن تغرف له من طعامك إن كان محروما منه. وأن تحافظ على مشاعره في كل مناسبة.
والجار أحد أشخاص ثلاثة: إما أن يكون قريبك، فله حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام. وإما أن يكون أجنبيا، فله حق الجوار وحق الإسلام. وإما أن يكون غير مسلم، فله حق الجوار.
أما حق الجوار فقد أشرنا إليه وهو حق كل جار على جاره، مسلما وغير مسلم، قريبا وغير قريب. أما حق القرابة فقد سبق تقريره في الشعبتين العاشرة والحادية عشر. وأما حق الإسلام فهو إسداء النصح والتوجيه له في الدين، والتعاون معه على البر والتقوى والتآخى معه في الله ورسوله، وإيثاره على نفسك بما يحتاج إليه، وأن تبره هو وأولاده وأن تعلمه مما علمك الله، وأن تتواصى معه بالحق والصبر والمرحمة، وأن تأخذ بيده وتنقذه في عثراته، وأن تذكر محاسنه وتسكت على مساوئه وتداريها، وأن تترفق معه في الأمر كله، يسره وعسره، فرحه وحزنه، وأن تنزله منك منزلة نفسك في كل شئ، قال صلى الله عليه وسلم: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه}.[15]
ولا يكون الأمر كذلك حتى تحبه هو أولا مثل حبك لنفسك، ثم تحب له الخير الذي تحبه لك، وتكره له الشر الذي تكرهه لك. قال الشاعر الحكيم:
صديقك من صفا لك في البعاد     وجارك من أذم على الوداد
يعنى إعطاك عهداً وذمة على الوفاء والمحبة.
وقد يكون الجار جائراَ. ويجب على جاره حينئذ أن يصبر ويحتسب، ويدفع بالتي هى أحسن، وأن يقابل السيئة بالحسنة فإنه بذلك لا يلبث إلا أن ينقلب صديقاً حميماً وأخاً وفياً. وصدق الله العظيم حيث يقول:﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. [ 34، فصلت ].
وقد استعاذ نبي الله داود من جار السوء، فقال عليه السلام في دعاءه الطويل:{ وأعوذ بك من جار سوء إن رأى مني حسنة كتمها وإن رأى سيئة نشرها}.
ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والله لا يؤمن والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. قالوا من يا رسول الله؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه}.[16]
وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يبيتن أحدكم شبعان وجاره جائع وهو يعلم فإن الملائكة تلعنه}.[17] وذلك لأنه يعلم بحاله ولم يقدم له ما يسد به رمقه.
الشعبة الثالثة عشر: رعاية اليتيم والمحافظة على ماله.
قال الله تعالى:﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. [2، النساء].واليتيم هوالذي فقد أباه بموت أو بغيبة كبيرة ـ بحيث يحل لأمرأته أن تتزوج غيره ـ ولا يعرف عنه شيء، ويلحق به أبن المجنون الذي لا يفيق وابن السفيه الذي لا يحسن التصرف، فإنه يجب التحفظ على أموال هؤلاء جميعا، ويكلف إنسان بأمرهم والنظر في أمرهم. فإن اليتيم الذي مات أبوه والابن الذي فقد أباه بالغياب الطويل، وابن المجنون الذي لا يفيق من جنونه، وابن السفيه الذي لا يحسن التصرف ... كل هؤلاء الأبناء يأخذون حكم اليتيم فيقوم الوصي عليهم بالعمل في مالهم، وتدبيره على أحسن وجوه التدبير كما لو كان ماله وأكثر، لأنه لا يأمن الموت، ولا يأمن تغير الأحوال، فربما يصبح ولده بعد قليل مثل هؤلاء الذي يرعاهم الآن.
وإذا كان الوصى أو القيم فقيراً، وقد انشغل بالعمل في مال اليتيم عن تحصيل قوته، فله في هذا المال أجر المثل، ومعنى ذلك أنه لو كان يعمل عند أحد الناس كم يأخذ من الأجر في اليوم أو الشهر مثلا؟ فيكون أجره كذلك. قال تعالى:﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا﴾.[6، النساء].
والعمل في مال هؤلاء إنما يكون بتنميته لهم واستثماره لهم والإنفاق عليهم منه بحكمة واعتدال. لا سرف ولا تقتير وكا بين ذلك قواماً. كما لو كان الوالد موجوداً أو سليماً ويقوم بتدبير أمر هؤلاء. حتى يشعر أولئك الضعفاء بالحماية والرعاية والرحمة إلى أن يشبوا ويكبروا ويقدروا على القيام بأمورهم. وبعد البلوغ يعلموا أن الإسلام أب لمن لا أب له. وأم لمن لا أم له. وراع لمن لا راعي له. فيتعهدوه بالحب والولاء والإخلاص كما كان لهم في صغرهم فيحمدون الله عزَّ وجلَّ ويشكرون رسوله صلى الله عليه وسلم ويكافئون بالمعروف والإحسان من أقامه الإسلام لهم بدل آباءهم، ولا يتبرمون بالمجتمع الذي أعطاهم كل الحنان والعطف، فيقدمون إليه الخير ويردون إليه الجميل، فإن من مسح على رأس اليتيم شفقة عليه كان له بكل شعرة مستها يده حسنة. ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾. [ 2، النساء]. غاية الترفع والإبتعاد عن المساس بمال اليتيم. حتى إنه لا يجوز للقيم أن يستبدل شيئا من مال اليتيم إلا إذا كان بأحسن وأجود منه. ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾. [2، النساء]. يعنى ولا تخلطوا مال اليتيم بمالكم. فيضيع في غمار هذا الخلط ولا يتميز ماله عن مالكم ولا نعرف كم ربح ماله ولا كم أنفق عليه منه. ولا كم بقى له منه. فإن هذا الخلط محرم ولا يجوز أبداً. ولذلك قال الله:﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. [ 2، النساء]. يعنى تبديل الجيد بالردئ من مال اليتيم. أو خلط مال اليتيم بمال الوصى: أثم كبير. وجرم فظيع. ووزر جسيم لا يفعله مؤمن أبداً يرجو لقاء الله ويخاف يوم الحساب.
الشعبة الرابعة عشر: حقوق الأزواج على بعضهم.
فالمرأة لها حقوق على زوجها. وهو المهر والنفقة. والسكن والكسوة. والمتعة الجنسية. وحسن المعاشرة وكريم المعاملة.
أما حقهن في المهر فقد قال تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾. [4، النساء]. يعنى أعطوهن مهورهن حقا لهن خالصا بدون مقابل مادى. لأن المرأة تعطى نفسها وحياتها لزوجها يتمتع بها. والمهر مهما عظم فإنه لا يفي بشئ من ذلك. ومعنى نحلة أيضاً منحة طيبة بها نفوسكم. كما أنهن يعطونكم أجسامهن ونفوسهن عن رضا وسرور.
وأما وجوب النفقة فلقوله جل شأنه: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. [7، الطلاق]. وهذا غاية الفضل من الله. فقد أمر الأزواج بالنفقة على زوجاتهم كل على حسبه. فالغني ينفق من وسعته وغناه بما يناسب وضعه حسب المعروف بين الناس. وأهل الأرزاق البسيطة ينفقون على قدر ما رزقهم الله. وفي هذا البيان الشريف أمر للزوجات بالرضى والقناعة بحالة أزواجهن من ثراء أو إقلال. وإن من يرضى منهن بما يسره الله عزَّ وجلَّ. فإن الله سيكرمهن ويجعل بعد عسر يسرا.
أما السكن فقد قال الله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. [6، الطلاق ]. يعنى أسكنوهن في السكن الذي تسكنون فيه. أو سكناً مثل مسكنكم إن لم يقمن معكم. ومن وجدكم يعنى من طاقتكم ووسعتكم.
أما المتعة الجنسية فهى حق مشترك بين الرجل والمرأة.
قال تعالى:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. [222، البقرة]. أمر الله الرجال بإتيان النساء. يعنى مباشرة العملية الجنسية معهن فإنه حق المرأة. وأن يكون هذا العمل حسب تعاليم الله وأوامره وذلك بأن يكون هذا الإتيان بعد المباسطة والمؤانسة. وأن يكون في قبل المرأة. وأن يكون بعد طهرها من الحيض أو النفاس وأن لا تكون المرأة صائمة فرضاً أو نذراً أو كفارة. وأن لا تكون محرمة بحج أو عمرة، وأن تكون قادرة على الوطء فلا تكون مريضة أو صغيرة لا تقدر عليه، وأن لا تكون مكرهة على ذلك بحيث يقهرها وليها على الزواج ممن تكرهه. قال تعالى:﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. [33، النور]. كل هذه الأمور تقع تحت قوله تعالى:
                                       
وأما حسن المعاشرة وكريم المعاملة فقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. [19، النساء]. والمعروف هو ما تعارف عليه أهل العقل والحكمة، وأهل الدين والملة، من الصبر والحلم، والرحمة واللين، والإحسان والود والحب. قال صلى الله عليه وسلم:{استوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله}.[18]
والمعروف كذلك ما عرفه لنا الشارع الحكيم من حسن الخلق معهن، والتواضع لهن، وإرضاءهن وإحسان الظن بهن ومداراة عيوبهن، والتلطف لهن في القول، وعدم تكليفهن بما لا يستطعن، وعدم أخذ شيء من أموالهن إلا برضاءهن وغير ذلك من الآداب المذكورة في كتب الفقه الإسلامى.
وأما حق الرجل على المرأة فهو حبها له، وطاعة أمره واحترامه، وحفظ ماله، ورعاية أولاده. والمحافظة على عرضها وعفتها في غيابه، وحفظ سره والوفاء بعهده، وخفض صوتها وجناحها بين يديه، والرضا في حالة اليسر والصبر في حالة العسر، ومعاونته على شئونه الدنيوية، والتعاون معه في أمر الدين، وأن لا تريه من نفسها شيئا يكرهه. ويشير إلى كل تلك المعانى قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.[34، النساء]. وقانتات يعنى طائعات لأزواجهن برضاء وحب، وقول النبى صلى الله عليه وسلم:{ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله شيئاً خيراً له من إمرأة صالحة إذا نظر إليه سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله}.[19]
وحق الرجل على زوجته عظيم جداً لا تقدر الزوجة على القيام به إلا بمعونة من الله وتوفيق منه سبحانه. فقد قال صلى الله عليه وسلم: {لو كان أحد يسجد لأحد غير الله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها}.[20]
وهكذا نجد الإسلام يضع المبادئ التى تكفل حياة سعيدة للرجل وزوجته في إطار من التراحم والتفاهم، والتعاون المثمر البناء، لدرجة أن كلا منهما لباساً وستراً ووقاية لصاحبه. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.[187، البقرة]. واللباس هو ما يحفظ الإنسان من الحر والبرد، ويستر عورته عن الناس، ويحفظ عليه كرامته ووقاره، ويزينه ويجمله في نظر الناس، والإنسان العريان يعرض نفسه لغضب الله وعذابه فضلاً عن ما يصيبه من الضر والأذى. قال صلى الله عليه وسلم:{من تزوج فقد حفظ نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر}.[21] والمعنى أن الرجل المتزوج قد حفظ نفسه بالزواج، والرجل المسلم يمثل نصف الإسلام، والمرأة تمثل النصف الآخر، فإذا تزوج فقد حفظ نصف الدين وهو نفسه، وعليه أن يتقى الله في النصف الآخر وهو المرأة، فيعاملها بما يرضى الله ورسوله والمؤمنين، وكذلك المرأة المتزوجة قد حفظت نفسها بالزواج وهى نصف الإسلام، فيجب عليها أن تتقى الله في النصف الآخر وهو زوجها، فتعامله وتعاشره بالحسنى وترضي الله ورسوله وترضيه.
الشعبة الخامسة عشر: شهادة الحق.
وهى أن يقول المؤمن الشئ الذي رآه أو سمعه أو بلغه من غير نقص ولا زيادة، وذلك إذا كان راويا للحادثة بنفسه، أو طلب منه الإدلاء بها أو بشئ منها.
ويجب عليه أن يقرر الحقيقة ولو كان ذلك على نفسه أو أقرب المقربين والأقرباء إليه. قال صلى الله عليه وسلم:{قل الحق ولو كان مراً}.[22] وقال الله تعالى:﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.[283، البقرة]. وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. [135، النساء]. والمعنى يأمر الله المؤمنين أن يكونوا قائمين بأداء الشهادة بالعدل والحق لله سبحانه، لا لزيد ولا لعمر، فإن الشهادة حق من حقوق الله يجب أن يؤديها المؤمن له بالحق طائعاً محتسباً، لا يبتغى بها إلا وجه الله عزَّ وجلَّ.
ولفظ ﴿قَوَّامِينَ﴾.صيغة مبالغة مفردها قوام، من قوم الشيء إذا  عدله وأقامه. وصيغة المبالغة تدل على الدوام والإستمرار بصورة قوية، فهى وصف للمؤمنين متأصل فيهم، ومتمكن منهم. وكأن الذين لا يقومون بشهادة الحق لله، قد انفك عنهم وصف الإيمان وقد تحللوا من قيوده.
فكم سفكت شهادة الزور دماءاً بريئة، وكم استباحت أعراض الناس وأموالهم، كم ظلمت، وكم أساءت، وكم أفلتت من يد العدالة مجرماً وجائراً، وكم أضاعت على الناس حقوقهم وكم خربت دياراً عامرة. وما شاع قول الزور في أمة إلا محقها الله وعجل لها العقوبات. فإنه ينبنى على شهادة الزور قلب الحق باطلاً والباطل حقاً.
وإن شهادة الزور لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، فإن كل حكم يترتب عليها باطل عند الله ورسوله، ولو كان في الظاهر أنه صحيح، لأن الأدلة التي انبنى عليها الحكم صحيحة في نظر الحاكم فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:{إذا اختصمتم إلىَّ وتدافعتم عندي فلعل أحدكم ألحن بحجته من أخيه فأقض له وقد يكون ذلك غير الحق فإنما قضيت له بقطعة من نار جهنم فإن شاء أخذها وإن شاء تركها}.[23] وقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. [72، الفرقان]. وسمى زوراً لأن يتزاور عنه. أى يبعد عنه ولا تميل إليه نفسه أو لأنه لا يتجاوز منطقة الزور ـ وهو مجرى الطعام والشراب ـ من الذي يقول به. فليس له حقيقة في قلبه ونفسه. فهو شئ مفتعل. وإفك مفترى ليس له حقيقة في الواقع ونفس الأمر. ولكنه إختلاق وإثم كبير. قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.[72، الفرقان ].
الشعبة السادسة عشر: أداء الأمانة إلى أهلها.
والأمانة هى الشئ الذي استودعه عندك غيرك. واستحفظك إياه لترده إليه عند طلبه. والأمانة خلق من أخلاق المؤمنين. وحفظ الأمانة وردها لأصحابها عمل من أعمال المؤمنين. قال الله تعالى:﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.[283، البقرة ]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك}.
وقد اشتهر رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ صباه بين العرب بالأمانة، حتى كانوايسمونه بالأمين، وكان ذلك قبل الرسالة والبعثة.
وقال صلى الله عليه وسلم:{لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له }.[24]
وأن الناس يجدون في الإنسان الأمين واحة ظليلة وسط هذه الحياة المليئة بالمشاكل والفتن فيستريحون إليه، ويطمئنون إليه ويأتمنونه على ديارهم وأموالهم وأعراضهم.
ولقد كان فيمن قبلنا رجل صاحب عمل، أستأجر رجلاً ليعمل عنده، فذهب الأجير ولم يتقاضى أجره، فبحث عنه صاحب العمل فلم يجده ولم يجد له أهلاً يدفع إليهم أجره، فاشترى بهذا الأجر شاة، وأخذت هذه الشاة تتوالد على مر السنين حتى كانت عدداً كبيراً من الأغنام ترعى في مراعى مباحة، وفي زراعة صاحب العمل، فلما كان بعد عشر سنين أو يزيد، حضر هذا الأجير من غيبته وقال لصاحب العمل: أتذكرنى؟ قال نعم قال له: أعطنى أجرى الذي عندك. قال له: نعم خذ هذه الأغنام. فقال له: أتسخر بى. قال: لا والله ولكنها أجرك قد ربيناه لك حتى تأخذه. فأخذه ودعا له بخير وانصرف.
وقد قص هذا الحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن حديث الثلاثة الذين وقعت عليهم الصخرة وهم داخل الغار.
أما صاحب العمل فقد اعتبر الأجير أخا له، ومن حق الأخ على أخيه أن يستثمر له ماله، وأن ينميه له بقدر الاستطاعة، حتى يكون قد وفي بعض حقوق الأخوة.
فما بالنا الآن يكون للواحد منا حقاً عند أخيه الشقيق فينكره ويهضمه!! وقد يكون هذا الحق ميراثاً أو غيره.
وقد كان الواجب أن يتضاعف هذا المال قدر الإنتفاع به وبقدر مدة هذا الإنتفاع. ولكن شح النفوس قد تغلب، وحب الأثرة والأنانية قد تسلط.
وحق الأجير عند صاحب العمل هو أجره فقط، ولكن صاحب العمل أعطى الأجر وأعطى الفضل والإحسان. وهذا هو السر في استجابة الله لدعاءه عندما سأل الله أن يزيح عنهم هذه الصخرة التى انهالت من فوق الجبل فسدت عليهم فم الغار، ولا طاقة لهم برفعها حتى أوشكوا على الهلاك. وكذلك من أراد أن يكون مستجاب الدعوة. أن يكون من أهل الفضل والإحسان؟ ولا يقف عند حد الواجب والغرض فقط.
قال تعالى:﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.[ آية: 3 هود ].
وما سمى المؤمن مؤمنا إلا لأنه يرعى أمانات الله ورسوله وأمانات عباد الله لديه، ويؤديها عند طلبها من غير إنتقاص لها ولا تأخير.
الشعبة السابعة عشر: الوفاء بالعهد والوعد.
والعهد هو ما عاهدت عليه غيرك وأعطيته ذمة وميثاقاً على صيانته ورعايته والوفاء به. وأكثر ما يكون العهد في المعنويات. كالعهد الذي بينك وبين صديقك على تأييده ونصرته ومساعدته، وكتمان سره وستر عورته، وكالعهد الذي عاهدنا الله عزَّ وجلَّ عليه على أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، وأن لا نعبد الشيطان وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. [60 _ 61، يس ].
ومعنى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْتقرير وتذكير من الله بالعهد الذي أعطيناه من أنفسنا لله عزَّ وجلَّ عندما طلب الله إلينا أن نعاهده على عبادته وترك عبادة الشيطان. وفي ذلك العهد شرف عظيم جداً أن نعاهد الله عزَّ وجلَّ. ونضع أيدينا في يمينه المقدسة معتصمين به سبحانه، متمسكين بعهده. وهذا العهد من جانب الله تفضل على العبد وتكليف له بما فيه سعادته في الدنيا والآخرة، ومن جانب العبد التزام ووفاء وفرح بما عاهد الله عليه.
وأما العهدالذي بينك وبين الناس، فهو عقد التزام من الجانبين، فأنت عليك جانب، والمعاهد لك عليه جانب آخر، وكلاكما معاهد ومعاهد قال الله تعالى:﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾. [ 34، الإسراء].
وكذك الوفاء بعقود البيع والشراء، والإجارة والإعارة والرهن والمضاربة، وكل عقود المعاملات التى تكون بين الناس قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾.[1، المائدة ].
وأما الوفاء بالوعد فهو أن تلتزم بالوقت الذي جعلته بينك وبين الناس في أى أمر من الأمور، كسداد دين مثلاً أو تجهيز عمل، أو تسليم مهمات، أو حضورك لأى شأن من الشئون، أو غير ذلك من المواقيت والمواعيد التى ضربتها بينك وبين غيرك.
والوفاء بهذين الأمرين يترتب عليهما وجدان السلامة والأمن والراحة بين المواطنين، وما سادت الأمم الكافرة من حولنا إلا بالتزامهم بهذه الآداب، على أنها من مقومات الشخصية الإنسانية ومن ضروريات الحياة عندهم حتى تستقيم لهم الدنيا، وينتظم شملها. ولا يأتونها على أنها ديناً مثلنا، وإنما نحن والحمد لله نقوم بها على أنها عبادة نتعبد بها الله عزَّ وجلَّ، وعلى أنها وسائل وأسباب لإسعاد الحياة في هذه الأرض، فعلى ذلك نأخذ نصيبنا مرتين في الدنيا والآخرة.
وأن إخلاف المواعيد علامة من علامات النفاق فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان}.[25]
وإذا حافظ المؤمن على مواعيده، كان باراً بنفسه، وباراً بغيره، وباراً بدينه.
الشعبة الثامنة عشر: الإخلاص.
وهو طهارة القلب وصفاءه من الغش والحسد، والحقد والكبر، والرياء والنفاق، والإخلاص هو راحة الضمير من هذه الأمراض، وسلامته من تلكم الآفات، فيعيش المؤمن في صفاء العيش وهناءة الحياة، وإن كان قليل المال والجاه، لأنه يشعر بالرضى والسعادة بما يسَّر الله له من غير أن يتطلع إلى من زاد عليه في مُتَعِ الدنيا وطيباتها وهذا هو الإخلاص بالنسبة للناس.
وأما الإخلاص بالنسبة لله فهو أن يخلص عبادته وطاعته لله عزَّ وجلَّ، من غير أن يشرك مع الله أحداً، ومن غير أن يطلب عليها ثواباً وجزاءاً، لأن العبادة حق لله عليه، فهو يؤديها إطاعة لأمره وقياماً بحقه سبحانه، ومسارعة في مرضاته، وشكراً لجنابه العلى على نعمه التى لا عد لها ولا حد، معتقداً أنه مقصر في حق الله، مع أدائها على هذه الوجه الأكمل، ومؤمنا بأن الله سبحانه يستحق العبادة لذاته، لأنه الإله الأعظم، الخلاق الرزاق، والبارئ المصور.
والإخلاص لله هو إقبال القلب على الله حالتى اليسر والعسر في المنشط والمكره، في الرخاء والشدة، لكمال يقينه أن كل شئ منه سبحانه، وليس لأحد شئ مع الله عزَّ وجلَّ إلا ما أراده الله. قال الله في الحديث القدسى:{الإخلاص سر من أسرارى أستودعته قلب من أحب من عبادى فلا يطلع عليه شيطان فيضله ولا ملك فيكتب ثوابه}.[26]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾.[ آية: 5 البينه ].
والعبدالمخلِص ـ بكسر اللام ـ هو الذي جاهد ويجاهد في تطهير قلبه وتصفيته لله رب العالمين، والعبد المخلَص ـ بفتح اللام ـ هو الذي أخلصه الله إليه واصطنعه لحضرته.
وهذا المقام يكون لأقل القليل من كُمَّل عباد الله المقربين بعد رسل الله وأنبياءه صلوات الله عليهم أجمعين.
اللهم ارزقنا الإخلاص في السر والعلانية يا رب العالمين.
الشعبة التاسعة عشر: الصدق.
وهو مطابقة الخبر للواقع، بحيث يكون الكلام الذي تحدثت به مع غيرك صحيح، لا كذب فيه ولا تدليس. فالمؤمن إذا قال صدق في قوله، وإذا قال له مؤمن قولاً صَدَّقَ به، قال صلى الله عليه وسلم:{إن الصدق يهدى إلى البر، والبر يهدى إلى الجنة؛ وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً}.[27]
وكما يكون الصدق في الأقوال، يكون كذلك في الأعمال، وذلك بأن يكون العمل مطابقاً لأحكام الله وشريعته، وبذلك يكون العمل صالحاً، يحوز رضا الله عزَّ وجلَّ ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك يكون المؤمن صادقاً في أحواله، والأحوال هى الشئون التى تعترى المؤمن أثناء عمله أو قوله أو سكونه. من الإنفعالات القلبية، مثل الحب والبغض، والخوف والرجاء، والحزن والفرح، واللذة والألم، والقبض والبسط، والإقبال والإعراض، والحضور والغيبة، والأنس والوحشة، والإطمئنان والحيرة، والبشارة والنفور، والبهجة والحسرة، والرضى والغضب، وغير ذلك من الأحوال التى تتوارد على الخاطر، والصدق فيها إنما يكون بظهور آثارها على وجه المؤمن وأساريره، حتى أن من يراه يقرأ هذه المعانى في ملامحه وتقاسيم وجهه. وقد قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
الحال حجة دعوى سالك فان     به تنزل وهاب وحنان
والحال هو برهان السالك المخلص في طريق الله ورسوله المتطهر من حظه وهواه، الفانى عن شهواته وأطماعه، المتجرد من حسده ونقصه، المتبرئ من حوله وحيلته، التائب إلى الله من علمه ومن عمله، ومن شهوده ووجوده. وأن المؤمن لا يزال يترقى في مراتب الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وهى درجة عالية في منازل الرجال، لا يكرم بها إلا أهل الصدق رضى الله عنهم.
الشعبة العشرون: حسن المعاشرة والمعاملة.
قاله الله تعالى:﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾. [83، البقرة ].
والمعنى أن يخاطب المؤمن عباد الله بالكلام الطيب الكريم، الذي يدخل عليهم الفرح والسرور، والذي يقتلع من نفوسهم الغيظ والكراهية والحساسية، ويريح أعصابهم ويلطف من أحوالهم.
فالمؤمن هين لين بشوش الوجه، رقيق اللفظ، كريم المعاملة، والكريم لا يستوفي حقه أبداً، وإنما يتركه رغبة في إستدامة الألفة وبقاء الوداد وفي الحكمة:(عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به).
قال صلى الله عليه وسلم:{البر شئ هين وجه طليق وكلام لين}.[28]
وقال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:{عاشروا الناس معاشرة إن متم بكوا عليكم وإن عشتم حنوا إليكم}.
والواجب على المؤمن أن يقول القول الحسن للناس، وإن قالوا له غير ذلك، وفي هذا يكون الفضل وتكون المجاهدة. لأن الذي يقول لك كلاماً طيباً وترد عليه بمثله، فليس لك في ذلك شرف وفضيلة وإنما الخير والإحسان يتجلى عند الإساءة في القول أو المعاملة.
قال صلى الله عليه وسلم:{إن الله كتب الإحسان على كل شئ}.[29]
فكم من مسئ لك انقلب بعد إحسانك إليه إلى صديق حميم وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.[34، فصلت].
قال الشاعر الحكيم:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم     فطالما استعبد الإنسان إحسان
الشعبة الحادية والعشرون: رعاية الآباء لأبنائهم.
ورعايتهم فطرة في طبيعة الأباء والأمهات، لأنهم منهم، وهى عاطفة الأبوة والأمومة التى جعلها الله فيهم، ومع ذلك فقد رشد الله هذه الفطرة وأحسن توجيهها في كثير من الوصايا والأحكام القرآنية حتى تؤتى هذه العاطفة أعظم ثمارها وأكرم أثارها فقال جل شأنه:
﴿ ﴾.[ 33، البقرة].
وهذه الرعاية فرضها الله على الوالدين ـ أو من يقوم مقامهما ـ للأبناء في سن الرضاع والطفولة، وإذا بلغ الأطفال سن السابعة بدأ الآباء في تربيتهم وتعليمهم وتأديبهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم}.[30]
وقال عليه الصلاة والسلام:{علموا أولادكم السباحة والرماية ركوب الخيل}.[31]
وقال أيضاً:{مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع}.[32]
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.[59، النور].
فإذا دخل الولد والبنت إلى سن الرشد، والتكليف بالأوامر والنواهى نجد الحق تبارك وتعالى يعلمهم على لسان سيدنا لقمان عليه السلام:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. [13 _ 19، لقمان].
قال صلى الله عليه وسلم:{كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}.[33]
الشعبة الثانية والعشرون: إتقان العمل.
وهو أن يقوم الإنسان بالعمل على أحسن وجه وأكمل صورة والعمل هو ما يؤديه الإنسان لصاحبه ويأخذ عليه منه أجره الذي أتفق معه عليه. وإن كان صاحب العمل في الحقيقة هو الله لأن الله هو مالك كل شئ.
ولو أن العامل رأى أن هذا العمل الذي يؤديه إنما هو لله أولا. وأن الله هو الذي يأجره عليه، ويجازيه على أداءه جزاءا أكبر بكثير من الأجر الذي يتقاضاه من الإنسان، فإن الله يعطيه الصحة والعافية، ويعطيه البركة في المال والأهل والولد، ويعطيه حسن السيرة والأحدوثة بين الناس ويسوق إليه أصحاب الأعمال لإتقانه وصدقه وأمانته، هذا في الدنيا أما أجر الآخرة فهو أكبر من ذلك ولا يعلمه إلا الله ورسوله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. [30، الكهف].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه}.[34]
وقد بلغ المؤمن المتقن لعمله مقاماً يحبه الله فيه عزَّ وجلَّ لأنه يحسن عمله، ويتقن صنعه ويجود أداءه، وإنسان يحبه الله كيف يكون شأنه وحاله؟ إنه يتيه على الزمان، ويفخر على الأنام.
وقد ورد أن جماعة كانوا يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم وتأخر رجل منهم عن المصافحة، فقال له رسول الله: مالك لا تصافح؟ قال إن يدى بها خشونة من آثار العمل وأخشى أن تؤذى رسول الله. فقال رسول الله: هاتها وأخذها رسول الله وقبلها، وقال هذه يد يحبها الله ورسوله.
وفيها جواز تقبيل اليد حتى لا ينكر ذلك أحد، فليس بعد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل أقوى من ذلك.
الشعبة الثالثة والعشرون: توفية الكيل والميزان والمقياس.
والكيل هو المعيار الذي وضعه الناس، وتعارفوا عليه في بيع وشراء الأشياء التى تكال. والميزان هو الآلة المعروفة ولها صنج معتمدة توزن بها الأشياء التى توزن. والمقياس هو الأدوات التى يقيس بها الناس الأشياء مثل المتر والقصبة ونحوها.
والتوفية في الكيل ملئه بالصورة المعروفة، فلا يكون فيه تطفيف، والتطفيف في الكيل هو النقص اليسير جدا بحيث لا يلحظه إلا أهل الصنعة والخبرة في هذا المجال.
وتوفية الميزان هو هبوط الكفة التى بها السلعة عن الكفة الأخرى هبوطا ملحوظاً بحيث يطمئن المشترى إلى ذلك وتوفية المقياس هو تكملته بحيث يتمه من أوله لآخره، من غير أن يهضم المقيس شيئاً. قال تعالى:﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. [35، الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.[85، الأعراف].
والمؤمن يعتقد أن الله ما وصاه بهذه الأحكام إلا ليسعد بها في الدنيا والآخرة، فإن التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة. ومعنى صدوق يعنى أنصف الناس من نفسه ووفاهم حقوقهم خوفاً من الله ورعاية لحق عباده.
وإن أى حركة تخالف أحكام البيع والشراء تعتبر غشاً وخيانة. قال صلى الله عليه وسلم: {من غشنا فليس منا}.[35]
الشعبة الرابعة والعشرون: التفكر في مخلوقات الله تعالى.
والتفكر هو إنعام النظر في الشئ، ومحاولة استيضاح حقيقته، وفهم خواصه ومنافعه، ومعرفة سيره وحركته، والوقوف على مدى حاجة الإنسان والكائنات إليه، وكيفية تسخير الله له، وتذليله لخدمة العوالم، والتنبه إلى ارتباطه بغيره من الكائنات بحيث يكون معها نظاماً متناسقاً بديعاً لا تنفك عراه، وبحيث لو نقص شئ منها أو تأخر في سيره، أو أسرع فيه، أو قربت مسافته أو بعدت عن حالته التى جعله الله فيها، لاختل نظام هذا العالم وهلك.
وهذا التفكر عبادة من أجل العبادات، لأنه خروج من سجن الغفلة، ولأنه يقوى معرفة المؤمن بربه ويزيده علماً بقدر وعظمته، وقدرة الله وحكمته، وكذلك يدرك مكانته من الوجود وأن الله خدم له كل تلك المخلوقات ليتفرغ لطاعة الله وعبادته. فقد قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:{نظرة فكر بيقين خير من عبادة سنين}. وقال صلى الله عليه وسلم:{تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا}.[36] وقال صلى الله عليه وسلم:{تفكر ساعة خير من قيام ليلة}.[37]
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.[185، الأعراف].
وقال تعالى: ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾.[101، يونس].
وبعد الفكر يحصل التدبر، وهو التعقل والتذكر والإعتبار وبعد ذلك يثنى المؤمن على الله بما هو أهله قائلاً: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.[191، آل عمران].
وإضافة رب إلى ضمير المتكلم إشارة إلى القرب الذي أسعد الله به أهل التفكر حتى وقعت أعين سرائرهم على معانى حضرة الربوبية التى خلقت لهم هذا العالم، وسخرته لحياتهم ومصالحهم فحدثوه من مقام القرب، مقدسين له ومسبحين لجلاله عن أن يكون قد خلق شيئاً من هذه الكائنات لحاجة منه إليها فهو الغنى عن خلقه، وجميع خلقه في أمس الحاجة إليه سبحانه أو يكون قد أوجد شيئاً منها باطلاً وعبثا، بل خلق كل شئ بالحق ولحكمة عالية، ومنفعة سامية.
وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.[191، آل عمران].
أى أحفظنا من عذاب نار الجهل والبعد والحرمان من هذا التفكر الذي أوصلنا إلى معرفتك سبحانك.
الشعبة الخامسة والعشرون: الذكر.
وهو الخروج من بؤرة النسيان والإنسان لا يخلو حاله. إما أن يكون ذاكراً أو ناسياً.
والذكر له أنواع كثيرة نذكر منها ثلاثة أنواع:
الأول: ذكر اللسان: وهو حركة اللسان بكلمة من الخير، من ذكر أو تسبيح، أو تحميد أو تكبير، أو إستغفارأو صلاة على رسول الله، أو دعاء، أو غير ذلك من أعمال اللسان التى تكون من الدين. وهذا الذكر ينال المؤمن به من الله أجراً وثواباً، لأن اللسان قد عمل الخير، وعبد الله بهذا الذكر. قال صلى الله عليه وسلم:{من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت}.[38]
فعبادة اللسان هو قول الخير، وقراءة القرآن وحديث رسول الله، والعلم النافع وذكر الله عزَّ وجلَّ، وغير ذلك مما تقدم ذكره، فذكر اللسان حسنات وصالحات.
والذكر الثانى: هو ذكر القلب، وهو مراقبة القلب لعظمة الله وجلاله، واستحضاره لمعانى أسماء الله وصفاته وملاحظته للغيب الأعلى، ورعايته لمعية الله له أين كان وكيف كان، وذكر القلب في هذه الحالة يكون معارج وقربات.قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.[4، الحديد]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. [40_41، النازعات].
والنوع الثالث من الذكر: هو ذكر القلب واللسان معاً في وقت واحد، وذلك بأن يقول اللسان ﴿الله﴾ والقلب يستحضر معنى من معانى هذه الكلمة المقدسة: مثل كريم، تواب، عفو، غفور، رحيم، إلى آخره. وذكر القلب واللسان رقي في معارج الكمالات ورفعة إلى أعلى الدرجات.
والذكر الأصغر هو ذكر اللسان فقط، وهو أقل أحوال السالكين، حتى يخرجوا من سجن الغفلة. والذكر الأوسط هو ذكر القلب، وهو أول منازل الواصلين. والذكر الكبير هو ذكر القلب واللسان معاً، وهو مقام أهل التمكين.
والذكر الأكبر هو أن يذكر الله عزَّ وجلَّ عبده في ملأة الأعلى أو قدسه الأسنى. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾. [ 152، البقرة].
وهو مقام الإنسان الكامل من رسل الله وأنبياءه، وورثتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وذكر القلب لله عزَّ وجلَّ ينسى الذاكر فيه كل شئ غير الله سبحانه وهو الذكر الحقيقى، وهو أن تهجم على القلب حالة من مشاهد معانى المذكور سبحانه، يستغرق فيها القلب، وينسى معها كل شئ.
قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
أذكر الله إن نسيت سواه     قل بقلب في الذكر يا الله
وقال رضى الله عنه:
ذكروا القلب بالحبيب عســاه     عند ذكراه بالتجلى يراه
واذكروا بالقلوب فالروح سكرى     تتمنى بلهفة أن تـراه
والذكر الذي يطمئن به القلب ويستريح به الفؤاد، ويهدأ به الخاطر والبال، وتسكن به النفس، إنما يكون بلجوء القلب إلى القوى المتين، والولى الحميد، واستحضار معانى الألوهية واستيلاءها على القلب من كل جانب، ولدى هذه الحالة يطمئن القلب.
قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
ذاك ذكر به القلوب اطمأنت     وترقت إلى عليِّ المقــام
وهذا هو ذكر أهل المعرفة بالله عزَّ وجلَّ، عرفوه فذكروه في كل حال بما يناسب هذا الحال، فعند النعمة والرخاء يحمدون الله ويشكرونه، ويثنون عليه بما هو أهله وعند الشدة والعناء يدعونه ويتضرعون إليه، ويتملقون إليه جل شأنه، وعند رؤيتهم لعجائب قدرة الله يسبحونه ويمجدونه جل شأنه. وعند كيد الناس لهم ومكرهم بهم يفوضون إليه الأمر سبحانه، ويسلمون إليه الشأن. وعند استحسانهم لشئ ما، ذكروا مشيئة الله وإرادته لهذا الشئ، وحكمته وقدرته على إيجاده وإبداعه، وعند تألب الناس عليهم، واتفاقهم على إنزال الضر والأذى بهم، تحصنوا بالله ولجأو إليه، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. وعند وسوسة الشيطان لهم تعوذوا بالله منه، وعند وقوع الضر والمصيبة بهم استرجعوا لله، وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. وعند رؤيتهم أهل البلاء سألوا الله لهم العفو والعافية، وعند رؤيتهم أهل النعماء سألوا الله له البركة والزيادة، وعند وقوعهم في الذنب استغفروا ربهم.
وهكذا يكون لهم ذكر في كل شأن من شئونهم.قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. [35، الأحزاب].
ولن يكون المؤمن من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكره قائماً وقاعداً، وغادياً ورائحاً، ونائماً ومستيقظاً، ومضطجعاً ومستلقياً وعلى جنب، وعلى كل حال من الأحوال، فعند الأكل والشرب واللبس، والسفر والعمل، والصعود والهبوط، يذكر الله في كل شأن من ذلك بما يناسبه.
الشعبة السادسة والعشرون: الشكر.
وهو بالنسبة للناس المكافأة على صنيع المعروف ولو بالدعاء لهم والترضى عنهم إذا لم يستطع الإنسان مكافأتهم.قال صلى الله عليه وسلم:{من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا الله له}.[39] وقال سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.[14، لقمان].
فشكر الوالدين هو مكافأتهم على ما قدماه للإنسان في مراحل حياته. والولد ليس له فضل في هذه المكافأة، لأنها شكر منه لوالديه على صنيعهما معه. فقد ورد في الحديث القدسى ما معناه: ﴿عبدى لن تشكرنى ما لم تشكر من أجريت لك النعمة على يديه﴾.
وأما شكر الله عزَّ وجلَّ فهوصرف كل نعمة أنعم الله بها على الإنسان فيما خلقت له، من غير إفراط ولا تفريط، ومن غير إسراف ولا تقتير، ومن غير إهمال ولا إجحاف. فإن في كل نعمة حقاً للمنعم سبحانه على الإنسان ظالماً جاحداً حق الله عليه.
ولقد وصف الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه كان:﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.[121، النحل ]. ومعنى ذلك أنه كان يؤدى حق الله في كل نعمة أنعم بها عليه ومن هنا كان الشكر عملا من الأعمال، وعبادة من أجل العبادات التى يقوم بها المؤمن لله عزَّ وجلَّ. قال الله تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. [13، سبأ ].
وما أمر الله به المؤمنين قبلنا هو أمر لنا إذا لم يرد في شريعتنا ما ينسخه.
ولا يخفي عليك أيها المؤمن اللبيب كيفية صرف النعم، وإنفاقها فيما خلقت من أجله. فإن السمع مثلاً نعمة من أعظم النعم يجب أن نسمع به الخير والهدى، والعلم والدين والقرآن والحكمة، والمصالح التى تدفع الحركة والعمل في هذه الحياة، ولا نسمع به ما حرمه الله علينا من الكفر والفسوق والعصيان، ومن اللغو واللهو والهزل، والغيبة والنميمة وما إلى ذلك. وبقية الأمثلة لا تخفي عليك.
الشعبة السابعة والعشرون: الصبر.
وهو منع النفس من الإندفاع والعجلة، وحبسها على ما يؤلمها ويشق عليها. ولا يكون الإنسان صابراً إلا إذاكان مقيماً على ما يكرهه ويضره، من غير طيش ولا تهور ولا تسرع.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:{ففي الصبر على ما تكره خير كثير}.[40]
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. [12، إبراهيم].
وقال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.[177، البقرة].
والصبر أنواع ثلاثة: صبر على المصائب والمحن، والبلايا التى تنزل بالمؤمن في دار الدنيا، وصبر على أداء فرائض الله وعبادته، وصبر عن محارم الله ومعاصيه. وفي كل الأنواع الثلاثة يجاهد المؤمن نفسه، ويوطنها على التماسك والإلتزام والتجلد والاعتصام، حتى يحظى بنوال ما أعده الله لأمثاله من الأجر الكبير والنعيم المقيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. [10، الزمر].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾. [126، النحل].
وكلمة ﴿هُوَ﴾. ضمير عائد إلى محذوف مفهوم من السياق، تقديره الصبر. وعليه يكون المعنى ولئن صبرتم فالصبر خير للصابرين، والخير الذي في الصبر لا حد له ولا عد، فهو خير مطلق وعام، ولا يعلم مداه وقدره إلا الله عزَّ وجلَّ، وهذا الخير لم يقيده الله بكونه في الآخرة من غير قيود ولا حدود.
الشعبة الثامنة والعشرون: الحلم.
وهو وسعة الصدر على جهل الجاهلين، وسفه السفهاء وعدم التبرم بهم، والضجر منهم، والضيق بهم، حتى يمتص المؤمن سفههم وجهلهم.
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. [159، آل عمران].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وفد عليه:{إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة}.[41] والفظ يعنى العنيد، وغليظ القلب يعنى قاسى القلب ليس فيه رحمة ولا رقة، ولا شفقة ولا عطف. والحلم سيد الأخلاق وما دخل في شئ إلازانه وجمله، وما خلا من شئ إلا شانه وأفسده. وقد وصف الله أهل الحلم وأثنى عليهم بقوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. [63، الفرقان ].
وقال الشيخ الشاطبى رضى الله عنه:
وإن كان خرق فادركه بفضله     من الحلم وليصلحه من جاد مقولا
وقال الحكيم:
    يخاطبنى السفيه بكل قبح     وأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة وأزيد حلماً    كعود زاده الإحراق طيباً
وقد أكرم الله الأنبياء والمرسلين بالحلم، وجعله شيمة أصيلة من شيمهم.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾.[75، هود].
وذلك حتى يتحملوا جفاء أقوامهم وصلفهم، واستهزائهم بهم .
والحلم صفة كل رجل يتحمل أعباء الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ ولولا ذلك ما رق قلب إلى دين الله، ولا انعطفت نفس  نحو المرشدين والعارفين بالله.
الشعبة التاسعة والعشرون: التواضع.
وهو خفض الجناح وتوطئة الجناب لعباد الله. والتواضع في الحقيقة غاية الرفعة والشرف لأن الإنسان المؤمن اعتبر نفسه أخاً للإنسان مهما كان وأن مقتضى هذه الأخوة الترفق والتواضع والاحترام. قال صلى الله عليه وسلم:{من تواضع لله رفعه ومن تكبر خفضه}.[42]
والتواضع لله هو عبادته والتذلل له، والتمسكن لجنابه العلى فإن الله يحب أن يرى عبده المؤمن على هذه الصورة الكريمة ليظهر المؤمن بصفات العبد الخاضع الخاشع لله عزَّ وجلَّ وهى صفات يحبها الله في المؤمن، ويحبه من أجلها. قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. [54، المائدة ]. ومعنى ذلك أنهم أذلوا أنفسهم لله ورسوله على أيدى المؤمنين بحيث يشهد لهم المؤمنون عند الله ورسوله بهذا التواضع.
والمعنى أيضاً أنهم قهروا أنفسهم على التذلل للمؤمنين والتواضع لهم، والرفق بهم.
ومعنى ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. أن عزتهم ومنعتهم استعملت على الكافرين، وتمكنت منهم، فلم يقدر الكفار على النيل منهم، ولا التطاول عليهم، لأنهم في عزة وقوة ومنعة، وهذا كله لأن الله عزَّ وجلَّ أحبهم فأحبوه.
وقد جاء في الحكم {كن كالأرض في التواضع، وكالليل في الستر، وكالشمس في المنفعة، وكالبحر في الكرم}.
قال الشاعر الحكيم:
تواضع تكن كالنجم لاح لمدلج     في ظلمة الليل البهيم الأليل
والتواضع أحد مصائد المجد والشرف، والتكبر مدعاة الذلة والهوان والتهلكة. فكم من متواضع رفع الله ذكره وأعلى شأنه وجعله حديث الناس، به يفخرون، وبه يقتدون ويهتدون وكم من متكبر راح ضحية تكبره، وضاع في طيات الثرى لا يعرف عنه أحد شيئاً إلا أن يمقته ويحتقره، والأمثلة ملأت صفحات الزمان والمكان، يراها الرائح والغاد، والحاضر والباد، فبئس مثوى المتكبرين.
الشعبة الثلاثون: الزهد.
وهو ترك الشئ مع الحاجة إليه والرغبة فيه، طمعاً في نوال الخير الباقى والنعيم الدائم.
والزهد لا يكون إلا عن غنى، لأن الفقير الذي لا يجد شيئاً لا يقال له زاهد، وأى شئ لديه حتى يزهد فيه؟!!
والزهد يكون بالعزوف عن طيبات الحياة الدنيا ومتعها التى أحلها الله، شوقاً إلى ما عند الله من الخيرات واللذات والمسرات في دار الخلود. وأهل هذا المقام يكثرون من الصيام والقيام، زهداً في الطعام والشراب، والراحة والنوم بالليل، وكذلك يلبسون الخشن من الثياب، ويرتفقون البسيط من الأثاث، ويكتفون بالضرورى من كل شئ ولا يتوسعون في المباحات، خشية أن يقال لهم يوم القيامة: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾.[20، الأحقاف].
وكانت هذه الآية الشريفة جواب سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه لمن يقول له إئتدم يا أمير المؤمنين، فقد شحب لونك وبرزت عروق وجهك من قلة الإدام، وقد كان أميراً للمؤمنين وعنده الخير والنعم من غير حساب, ولكنه زهد فيها مع حاجته إليها، رغبة في رضوان الله الأكبر ونعيم الله الأعظم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدى الناس يحبك الناس}.[43]
وكان الزهد في الدنيا وسيلة إلى محبة الله للزاهد فيها لأنه آثر رضاء الله على نفسه، فأظمأ نهاره وأسهر ليله وعزفت نفسه عن المتع والطيبات، فنال بذلك رضاء الله ومحبته.
والزهد فيما في أيدى الناس عدم التطلع إليه وعدم الطمع في ما عندهم، حتى إن قدموه إليك فازهد فيه، وحاول أن تتركه بحكمة ورفق، من غير أن تجرح مشاعرهم، حتى يتعلموا منك آداب الزاهدين الذين يقصدون وجه الله والدار الآخرة في كل عمل، من غير إساءة لأحد. وإن عزموا عليك أن تأخذه وأقسموا عليك، ورأيت الرضى والسرور منهم في قبوله فخذه وأعطه لمن يحتاج إليه، لأنك والحمد لله زاهد فيه، ولا حاجة لك إليه. وبذلك تنال محبة الناس، وتحظى بشوقهم إليك وحنينهم إلى رؤيتك.
الشعبة الحادية والثلاثون: الإيثار.
وهو أن تعطى الشئ لغيرك وأنت في أمس الحاجة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. [ 9، الحشر ].
والخصاصة هى الحاجة الشديدة إلى الشئ ومع ذلك فهم يقدمونه للمحتاجين إليه بسرور ورضى.
وهذا مقام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اقتدى بهم إلى يوم القيامة، فإنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم عند العطاء، ويشكرون الله ويحمدونه عند البلاء، ويرضون عن الله بمر القضاء ويصبرون عند البأساء والضراء.
وخرج رسول الله على أصحابه ذات يوم فقال لهم ما معناه: كيف أنتم؟ قالوا مؤمنون والحمد لله، قال وما علامة إيمانكم؟ قالوا: نصبر عند البلاء ونشكر عنند الرخاء ونرضى بالقضاء. قال: مؤمنون ورب الكعبة.
وقد ورد أن جماعة من المجاهدين أصيبوا في غزوة من الغزوات، فطلبوا الماء وهم في الأنفاس الأخيرة. فلما جاء الساقى للأول قال له: أدرك فلان فإنه أشد منى عطشاً.فقال له الثانى والثالث والرابع إلى أخرهم مثل ما قال الأول فلما عاد إلى الأول ليسقيه وجده قد مات بظمئه، وكذلك الباقون. فبلغ بهم الإيثار لدرجة أنهم يؤثرون غيرهم بالحياة على أنفسم. وذلك مقام في الإيثار لا تتصور النفس مداه، ولا يبلغ الخيال منتهاه.
والإيثار ثمرة من ثمار الإيمان القوى، والحب العميق لله ولرسوله وللمؤمنين.
وكم من الأمثلة العالية التى تتراءى في المحيط الإسلامى وقد حفلت بمعانى الإيثار الفريدة النادرة، التى تملأ الجو عطراً فياحاً وأريجاً ذكياً، وقد تتوجب بهم تراجم الأئمة والصديقين والشهداء والمقربين رضى الله عنهم أجمعين. فراجعها في كتب المغازى والسير إن شئت، ولم يبق علينا إلا أن نحيي هذا المجد الكبير في أنفسنا، وهذا الشرف العظيم في حياتنا ليكون لنا نصيب من مكارم الأخلاق السامية، وحظ في أحياء هذه السنن التى درست أو كادت أن تندرس وتنتهى من عالم المسلمين لولا بقية من أهل اليقين الذين أحيا الله بهم معالم هذه السنن، لئلا تبطل حجج الله وبيناته.
الشعبة الثانية والثلاثون: الرضى.
وهو الفرح والبهجة، والسرور والنشوة بكل ما قدره الله وقضاه على المؤمن، من أمور لا تلاءم النفس، ولا تناسب الطبع والمزاج.
والرضى مقام من مقامات أهل محبة الله عزَّ وجلَّ، وذلك لأن الحب يستلزم الرضى عن المحبوب في كل شئ، وأيضاً لأن المحب أيقن أن الله عزَّ وجلَّ ماقدر عليه ذلك البلاء، إلا ليكرمه ويرفع قدره.
وإذا بلغ العبد مقام الرضى عن الله استيقن أن الله سبحانه قد رضى عنه أولاً.
والرضى من الله سبحانه على العبد هو غاية السعادة، ونهاية الآمال التى يرجوها العبد من الله عزَّ وجلَّ، ورضاء الله على عبده إقباله سبحانه عليه بالحب والود، والإيثار والقرب، ومواجهته له بوجهه الكريم، ومعاملته له بما يحبه ويرضاه جل جلاله.
الشعبة الثالثة والثلاثون: الحياء.
والحياء خير كله. وهو نوعان حياء من الله عزَّ وجلَّ وهو مشاهدة المؤمن معية الله له في كل حال من أحواله، وفي كل شأن من شئونه، فيستحى أن يواجه الله عزَّ وجلَّ بالمخالفة. لأن الله ناظر إليه، ومطلع عليه، وقريب منه.
قال صلى الله عليه وسلم:{استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: وما حق الحياء يا رسول الله؟ قال: أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى}.[44]
والنوع الثانى الحياء من الناس. وهو أن تحترمهم وتحفظ مشاعرهم وتكرمهم، وتعاملهم بما تحب أن يعاملوك به وتواسيهم، ولا تتبع عوراتهم، وتداريهم. ومن لم يستحي من الخلق لا يستحي من الحق.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا لم تستحى فاصنع ما شئت}.[45]
ومن لا حياء فيه لا خير فيه. وورد: {إن الله حيي يحب الحياء}.[46]
وكان رسول الله أشد حياء من العذراء في خدرها. فالحياء خلق من أخلاق الله ورسوله، والمؤمن متخلق به اقتداءاً بالله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
الشعبة الرابعة والثلاثون: الإحسان.
وهو أن يحسن الإنسان إلى نفسه بتقديم الخير لها، حتى تعيش في ظله في الدنيا والآخرة، وأن يحسن الإنسان إلى غيره، وذلك بأن ينفعه ويقدم الخير إليه بقدر ما استطاع وأن يدفع عنه الضر كذلك بقدر ما استطاع. وهذا هو معنى الإحسان الذي أمرنا الله به، عزَّ وجلَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. [90، النحل].
والإحسان هو ما زاد على الفرض والواجب، من نوافل البر وقربات الخير، وعبادات التطوع، والصدقات والإكرام وغير ذلك. وبأداءها يكون المؤمن قد أحسن إلى نفسه وإلى غيره.
وهناك معنى رفيع للإحسان خاص بحال المؤمن أثناء العبادة، بينه لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:{الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك}.[47]
وهو مقام يترقى إليه المؤمن في عبادة ربه فيكون محسناً فيها، والإحسان في هذا المقام يكون بمعنى الإتقان والإجادة، وبلوغ الدرجة العليا في الأداء، وذلك بأن يستحضر العابد أنه يؤدى هذا العمل لله عزَّ وجلَّ، وأن صاحب العمل سبحانه حاضر لا يغيب أبداً، وأنه سبحانه مطلع على حركات النفس وخواطر القلب كما هو مطلع على ظاهر الجسم والشكل، وبذلك يكون مستحضراً لعظمة الله ومقامه في عبادته سبحانه، على قدر استطاعته. وهذا هو المشهد الأول من مشاهد الإحسان.
وأما المشهد الثانى، وهو المقام الأعلى في الإحسان، فهو أن يعاين العابد بعين سريرته عظمة ربه وجلاله ومقامه بحيث كأنه يراه بعين رأسه، بل أن مشاهدة عين السر أقوى من رؤية عين الرأس لأن عين السر لا تخطئ الرؤية بخلاف عين الرأس. وقد ذكره رسول الله أولا تشويقاً للنفس إلى هذا المشهد الأعلى، وتعجيلاً به إلى قلوب السامعين، فإنهم كانوا رضى الله عنهم بلغوا الذروةمن هذه المراتب، فكان البيان من رسول الله أنس لأرواحهم، ونعيم لأشباحهم، وقد كانوا في معاينة الغيب الأعلى أين كانوا وكيف كانوا، سر قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.[115، البقرة ].
وأهل مقام الإحسان قد أكرمهم الله فرفعهم إلى مقام معيته، والقرب منه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [69، العنكبوت].
وجعلهم الله سبحانه أهل المزيد من فضله، ورحمته في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. [26، يونس].
الشعبة الخامسة والثلاثون: الإيقان.
وهو قوة التصديق بالخبر، بحيث يقع من النفس موقعاً أقوى من وقوع الشئ المحسوس ـ بأحد الحواس الظاهرة ـ منها، حتى لا يتسرب إلى النفس أدنى ارتياب أو التباس في صحة هذا الخبر وصدقه، وقد أثنى الله على المؤمنين بالغيب الموقنين به، بقوله سبحانه: ﴿ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.[1، البقرة ].
واليقين ثلاثة مراتب. أولها: علم اليقين.
وهو أن يعلم الإنسان الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من القرآن المجيد، أو من العلماء العاملين، فتستيقن به النفس كما ذكرنا في توضيح الإيقان.
والمرتبة الثانية: عين اليقين.
وهو معاينة الأشياء التى أيقنت بها النفس وشاهدتها، إما في رؤيا منامية، يكشف الله لك بها هذا الغيب فتراه عيون الروح فإن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعون جزءا من النبوة، أو تشهده عن طريق السياحة الروحانية في يقظتك إن كنت من كمل أولياء الله. وهذا مقام الكشف الذي يكرم الله به أحبابه، ليؤنسهم برؤية هذا الغيب المكنون.قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾. [5ـ7، التكاثر].
والمرتبة الثالثة: هى حق اليقين.
وذلك يكون بكشف الأغطية والحجب المادية والكونية وانبلاج الغيب أمام العبد المتمكن الوارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتحد عين سريرته بعين رأسه، فيعيش في هذه الحقائق والغيوب.
وهذا الإنسان قد صار في ذلك المقام كالميت الذي فارق الدنيا وانكشف عنه الغطاء. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.[22، ق].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. [95_96، الواقعة].
ولا حرج على فضل الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لم يعط المؤمن شيئاً أفضل من اليقين}.[48]
وقال صلى الله عليه وسلم: {إذا أراد الله بعبد خيراً فتح قفل قلبه ووضع فيه اليقين}.[49]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.[31. المدثر].
وزيادة الإيمان في قلوب المؤمنين إنما تكون بقوة اليقين فيه وقد أكد الله هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿ ﴾.
الشعبة السادسة والثلاثون: الورع.
وهو الكف عن محارم الله بالكلية، والابتعاد عن الشبهات، ومحارم الله هى الأمور التى ورد الشرع الشريف بتحريمها على المؤمنين والمؤمنات، ولا خلاف في تحريمها بين علماء المسلمين وأئمتهم وهذا المختصر لا يتسع لذكرها، وهى معلومة لكل مسلم ومسلمة. قال صلى الله عليه وسلم:{الحلال بين والحرام بين}.[50]
وأما الشبهات فهى الأمور التى اختلف علماء المسلمات حولها فمنهم من أحلها ومنهم من حرمها، ولكل منهم حجته ودليله ووجهة نظره في التحليل أو التحريم. فالأفضل للمؤمن أن يتورع ويبتعد عنها، خشية الوقوع فيما حرمه الله وهو لا يشعر.
قال صلى الله عليه وسلم:{فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه}.
أى طلب البراءة والطهارة من الله لعرضه ودينه، فلا يعلق بهما شئ يحجبه عن رحمة الله ورضوانه، وذلك بأ يكون عرضه طاهراً، ودينه خالصاً لله عزَّ وجلَّ.
ومن وقع في الشبهات لا يلبث أن يقع في الحرام لأن الشبهات كدائرة حول المحرمات، ومن مشى في هذه الدائرة كان قريباً جداً من الحرام يوشك أن ينزلق إليه كما قال صلى الله عليه وسلم: {كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، إلا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في الأرض محارمه}.[51] والحمى هو المكان الذي حماه صاحبه وحفظه من الناس وجعل عليه ما يحميه ويحرسه من الآلات والمعدات والحراس.
ومن هنا نعلم أن الله عزَّ وجلَّ أقام حراساً لحدوده ولأحكامه وشريعته، وهم الخلفاء والأمراء، والرؤساء والحكام ومن يعاونهم في ذلك، وما يمكنهم من حمايتها من أدوات ومعدات.
والشبهات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: أرباح شهادات الاستثمار، وفوائد البنوك على الودائع، وأرباح عقود المضاربة التى لم تستوف الشروط، وأكلك من زرع جارك بدون أذنه، وأخذك شيئا من مال شقيقك بدون إذنه باعتبار إنكما شركاء فيه بالميراث.
والإبتعاد عن هذه الشبهات وغيرها هو شأن أهل الورع الذين يتورعون عن كل ما أشتبه عليهم أمره.
قال صلى الله عليه وسلم:{لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس}.[52]
الشعبة السابعة والثلاثون: التوسط في الأمر.
والتوسط فضيلة بين رذيلتين هما الإفراط والتفريط، وكلاهما مذموم ومحرم.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.[67، الفرقان]. وقواماً يعنى قائماً بين الإسراف والتقتير في نقطة متوسطة جامعاً بين الخيرين في كل منهما، وهو الإعتدال والإتزان، فينفق من غير تضييق ولا تضييع، ومن غير تبذير ولا إمساك قال صلى الله عليه وسلم: {لا عال من اقتصد}.[53] وقال صلى الله عليه وسلم ما معناه:{التوسط في كل شئ حسن وفي العبادة أحسن}. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. [29، الإسراء].
والوسط هو المركز الذي تلتقى فيه الأطراف المتباعدة. فينزل إليه المتغالى في الشئ المتقعر فيه، ويصعد إليه المتهاون بالشئ المهمل فيه.
قال تعالى مادحاً هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.[143، البقرة].
لأن النصارى انحدروا إلى الرهبانية والسلبية، فأضروا بالحياة الدنيا وخربوها، واليهود انحطوا إلى المادية الجارفة فأهلكوا الحياة الروحانية، ولكن المسلمين أسعدهم الله بالتوسط في الأمرين، فعمروا الدنيا والآخرة، وأعطوا لكل شئ حقه، فكانوا في ميزان الإعتدال والإستقامة والكل يرضى حكمهم وشهادتهم في كل شئ.
الشعبة الثامنة والثلاثون: المحاسبة.
وهى أن يحاسب المؤمن نفسه على أعماله وأقواله ويؤاخذها على تقصيره، فإن وجد خيراً حمد الله عزَّ وجلَّ على نعمة التوفيق له والمعونة عليه، وإن وجد غيرذلك تاب وأناب، واستغفر الله واعتذر إليه من سيئاته وذنوبه ورد المظالم إلى أهلها إن أمكنه ذلك، وطلب منهم العفو والمسامحة، وإن وجد تقصيراً جاهد نفسه في استدراك ما فاته.
ويجب على المؤمن أن يحاسب نفسه يومياً، بحيث يكون متنبها ومستيقظاً. لأن أصحاب الأعمال يحسبون آخر النهار نتائج أعمالهم، ليعرفوا كم ربحوا وكم خسروا وكم أنفقوا وكم لهم عند الناس وكم بقى في خزائنهم وحوانيتهم، وما هو أسلوب العمل في الغد، ليحققوا المكاسب والإنتاج الأفضل. قال صلى الله عليه وسلم:{حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم}.[54] وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾.[14، الإسراء].
وإذا حاسب الإنسان نفسه لا يخطئ في الحساب، لأن كل إنسان بصير على نفسه، خبير بشئونها، لا يخفي عليه شئ منها.
ومن أهمل نفسه بدون محاسبة، فقد أسلمها إلى المهالك والمخاطر وتركها ترعى في هذه الدنيا كالأنعام السائمة ولا تجد من يردها، ولا من يمنعها عن التعدى على مزارع الناس وحاصلاتهم.
قال الإمام البوصيرى:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وراعها وهى في الأعمال سائمة     وإن هى استحلت المرعى فلا تسم
والمحاسبة تنتج المراقبة، والمراقبة يكرم المؤمن بعدها بالمشاهدة، والمشاهدة يتنعم المشاهد بعدها المؤانسة، والمؤانسة يسعد المؤتنس بعدها بالوداد والمواصلة، ولا يزال يترقى العبد في منازل القرب، ومقامات الحب، إلى ما لا نهاية له من الإسعاد والسرور، والبهجة والحبور، والله يرزق من يشاء بغير حساب.
الشعبة التاسعة والثلاثون: المراقبة.
وهى رعاية المؤمن لمقام الله عزَّ وجلَّ، والتحقق بأن الله مهيمن ومسيطر على كل شئ، وأنه يحصى على العبد أنفاسه، وحركاته وسكناته، وسره وعلانيته.
بل يعتقد أن الله جل شأنه يؤاخذ العبد على ما تركه وراءه من أفعال ذميمة وعادات سيئة، أخذها عنه غيره عمل بها. وعند تحقق المؤمن بهذه المعانى، يراقب ربه في كل أمر من أموره. وقال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾.[46، الرحمن ]. وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.[40_41، النازعات].
وخوف المقام هو رعايته ومراقبته.
وقال صلى الله عليه وسلم:{نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه}.[55] يعنى أن صهيباً رضى الله عنه عبد يخاف الله ويراقبه ولذلك فإنه لا يعصى الله أبداً، فهو نعم العبد. وهذا ثناء من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على صهيب الرومى رضى الله عنه.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.[52، النور].

  الشعبة الأربعون: التقوى.
وهى كلمة جامعة، معناها أن يجعل الإنسان له وقاية وحصنا من الشرور والمضار والآلام في الدنيا والآخرة. ولذلك ذكرها الله عزَّ وجلَّ في عدة مواقع بحسب الشئ الذي يجب على المؤمن أن يتحفظ ويتوقى منه.
أما الموقع الأول فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. [ 6، التحريم ].
فقد أمرنا الله في هذه الآية الشريفة بأن نتقى النار ونحفظ منها أنفسنا وأهلنا، وذلك يكون بالمداومة على الإعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، وحمل الأهل والأولاد عليه بكل كيفية وحيلة، واستمرار الإستقامة على دين الله، ورعاية آدابه وأحكامه، والمجاهدة في سبيل ذلك، بكل ما نملك لنبعد أنفسنا وأهلينا عن النار التى توقد بالناس والحجارة.
وهذا الجزاء من الله أذاب قلوب المؤمنين، لأن مادة وقود هذه النار ليس كمادة وقود نار الدنيا، وإنما مادة وقودها الناس والحجارة. يا لفظاعة الهول وشدة العذاب الذي لم يسمع أحد بمثله، ولم يستطع جبار ولا متسلط أن يصنع عذاباً من هذا النوع الأليم!!.
نسأل الله السلامة والعافية من عذاب النار إنه مجيب الدعاء.
والموقع الثانى قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾.[281، البقرة ].  يا له من يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت!! ويا له من يوم يجعل الولدان شيباً من شدة ما فيه من أهوال ومصائب!!
وهذا اليوم هو يوم القيامة، ويوم الحساب والجزاء وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نتقى شر هذا اليوم، وأن نتحصن من أهواله ومواقفه الصعبة، التى تذهل الأم الحنون عن صغارها وأطفالها، لأن الأمر أعظم مما يتصوره الإنسان أو يدور بخلده.
وتقوى هذا اليوم إنما تكون باستحضار ما يكون فيه من شئون وأحداث هائلة، وتمثل النفس ما أخبرنا الله ورسوله به من أهوال هذا اليوم، والاستعداد لهذه الصعاب التى تواجه الإنسان فيه، فإن الله ينادى ويقول:{يا عبادى حضروا حجتكم، ويسروا جوابكم، فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتى أقيموا عبادى صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم}.
﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.[54، ياسين]. وقد أخبر الله عن صفات عباده المؤمنين بأنهم: ﴿َيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.[7، الإنسان].
الموقع الثالث: تقوى الرب سبحانه
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾.[1،النساء].
والرب هو الذي يربى الإنسان بالخلق والإيجاد والإمداد والتعليم والإرشاد والإماته، والتسخير والتذليل، وما إلى ذلك.
وحيث أن الرب عزَّ وجلَّ هو الذي بيده أمور العبد كلها فوجب عليه أن يتقى هذا الرب، وذلك بمعرفة قدره وتعظيم شأنه، والمسارعة إلى تنفيذ أمره واجتناب نهيه وخشية أن يمنع الرب خيره وبره وعطاياه عنه، ويعامله بما لا يحب من القهر والإهانة، وتسليط الأعداء عليه وغير ذلك مما لا يطيقه الإنسان.
الموقع الرابع: تقوى الله عزَّ وجلَّ
وهو المقام الأعلى من مراتب التقوى.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. [102، آل عمران].
وتقوى الله عزَّ وجلَّ هى أن لا تغفل عنه سبحانه، وأن تديم ذكره وشكره، وطاعته وحمده، وتسبيحه وتقديسه وتمجيده وتكبيره، وتعظيمه والثناء عليه بما هو أهله وأن تجعله شغلك الشاغل، فلا يكن بينك وبينه حجاب ولا غياب، وأن يكون الله قد ملأ عليك سمعك وبصرك وفكرك وحسك، وقلبك وكل مشاعرك.
وأهل هذا المقام في معية الله، والله معهم لا يغيبون إذا غاب الناس، ولا يغفلون إذا غفل الناس، ولا ينسون إذا نسى الناس، ولا يحجبون إذا حجب الناس، لأن صورتهم كالناس، وحقيقتهم على صورة الرحمن. يعيشون مع الناس بأجسادهم، ومع الله بقلوبهم، سر قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.[128، النحل].
وقد بين الأئمة رضى الله عنهم تقوى الله، بقولهم أن تذكر الله فلا تنساه وأن تشكره فلا تكفره، وأن توحده فلا تجحده، ون تطيعه فلا تعصاه.
وقال الإمام على كرم الله وجهه التقوى على أربعة منازل: (الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل).
وتقوى الله عزَّ وجلَّ أن تحفظ نفسك من كل ما يشغلك أو يبعدك عنه سبحانه. فلا يقع نظره عليك فيجدك مشغولا عنه بغيره، وهذا المشهد هو حقيقة تقوى الله عزَّ وجلَّ.
ولما كان هذا المقام العلى لم يقو عليه إلا أفراد قلائل خفف الله عن عباده المؤمنين هذا الأمر، فقال لهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.[16، التغابن].
وذلك رحمة من الله بعباده، فله الحمد وله المنة وله الشكر وله الثناء الحسن الجميل.
وتقوى الله سبحانه هى غاية السعادة، ومنتهى الآمال.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾.[54-55، القمر].
وقال الشاعر الحكيم:
ولست أرى السعادة جمع مال     ولكن التقى هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد طـرا     وعند الله للأتقى مزيـد
الشعبة الحادية والأربعون: النصيحة.
وهى أن تقدم التوجيه لأخيك المؤمن في صورة الأب الرحيم أو الأخ الكريم، أو الأبن الحليم، وبغير هذه الصورة لا تجدى النصيحة ولا تفيد، فإن الذي حملك على توجيه النصح لغيرك، إنما هو رحمتك به، وحرصك عليه، وإرادتك الخير له، والقرآن ملئ بصور رائعة من إرشاد الناصحين، وتوجيه الأمناء المخلصين والأنبياء والمرسلين.
قال الله تعالى مخبراً سيدنا نوح عليه السلام، وهو ينصح قومه وقد أتهموه بالضلالة والإيغال فيها: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.[61_62، الأعراف ].
عبارات كريمة تحدد دوره مع قومه، في نقاط ثلاث:
أولا: أنه يبلغهم رسالات الله.
ثانيا: أنه يسدى النصيحة لهم في أسلوب رقيق.
ثالثا: أنه يعلم من الله عزَّ وجلَّ، علما لا يعرفونه.
وهذه الأمور الثلاثة لا اختيار له في شئ منها، وإنما هى تكليف من الله له بأدائها إليهم، مهما كان الأمر، ومهما كلفه ذلك من مشقة وعناء.
ونجد أيضاً في القرآن الناصحين من غير الأنبياء ونذكر على سبيل المثال مؤمن آل فرعون وهو ينصح قومه بما ورد في القرآن على لسانه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.[39، غافر]. إلى قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.[44، غافر].
وهذه الآيات المباركات قد ذكرت مواقفه العظيمة مع قومه، ومناصرته لسيدنا موسى عليه السلام، بأسلوب في غاية الحكمة والرشاد.
وأفضل النصيحة ما كان سراً، فإنها أبلغ في النصح وأحفظ للود، وأدعى للقبول من غير أسف ولا اشمئزاز.
وقديما قالوا:(من نصحك سراً فقد أكرمك وزانك، ومن نصحك جهراً فقد أهانك وشانك).
وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبى).
ومعنى ذلك أن الإنسان الذي يبصر بالعيب، إنما يذكر به في صورة كريمة ومهذبة، بحيث يقبلها من توجه إليه بفرح وسرور، كما يقبل الواحد منا الهدية بسرور وفرح، لأنها قدمت إليه بحب وحنان.
وكان بعض النصحاء يتهم نفسه بالعيب الذي يراه في أخيه ويبدأ يشكو نفسه إلى رفاقه أمام هذا الأخ المعيب، ويطلب منهم معاونته على التخلص من هذا العيب الذي ألم به، ويوضح طرق الخلاص منه، والعلاج الشافي له، ووسائل التغلب عليه فعند ذلك يدرك صاحب العلة ما به من داء فيعالجه.
قال صلى الله عليه وسلم:{ استرشدوا العاقل تُرشدوا ولا تخالفوه تندموا}.[56]
وقال صلى الله عليه وسلم:{الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم}.[57]

الشعبة الثانية والأربعون: المدارة.
وهى أن تستر زلات إخوانك ومعايبهم، فتكون لهم كالليل في الستر فلا تذكر عنهم إلا كل خير، وما يسرهم إذا سمعوه، فإنك بذلك تستجلب مودتهم وتستديم ألفتهم وترعى أخوتهم.
قال صلى الله عليه وسلم:{إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم}.[58]
وإذا بلغك أحد عنهم سوء فقل له كف أذاك عن إخوانك ولا تبلغنى عنهم شرا.
قال صلى الله عليه وسلم:{لا تبلغونى عن أصحابى شراً ودعونى أخرج إليهم سليم الصدر}.[59]
وقد ورد في الحكمة:{ ما خرج من فيك فهو فيك، وكل إناء بما فيه ينضح}.
وقال الشاعر الحكيم:
ودارهم ما دمت في دارهم     وأرضهم ما دمت في أرضهم
وإذا أنت حاسبت أخاك على كل شئ، لم تجد بعد ذلك أحداً حولك من الإخوان تحاسبه، وأنت إنما صاحبت إخوانك على أنهم بشر مثلك، لهم محاسنهم ولهم مساوئهم ولن يخلوا أحد من المساوئ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الملائكة المقربون، وأنت لست ملكاً ولا رسولاً، وإنما أنت إنسان كبقية الناس، تصيب وتخطئ، وتحسن وتسئ، وإن كان هناك تفاوت في ذلك بين الناس، فمنهم من غلبت حسناته، ومنهم من غلبت سيئاته، ومنهم من تساوت حسناته وسيئاته. وكل إنسان بصير على نفسه والمسلمون والمؤمنون يتفاوتون فسى الرتب والمنازل.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. [165، الأنعام].
الشعبة الثالثة والأربعون: حفظ السر.
وهو أن تكتم عن الناس ما أئتمنك عليه أخوك من الحديث.
قال صلى الله عليه وسلم:{إذا حدثك أخوك بحديث ثم التفت فهو أمانة}.[60]
ومن حفظ سره ملك أمره، فإذا أبحته فلا تلومن إلا نفسك واعلم أن إفشاء السر خيانة، وتقدر هذه الخيانة بقدر الآثار المترتبة على إفشاءه. فقد يكون الجزاء القتل، كما إذا أفشى الإنسان سراً من أسرار الدولة للأعداء، وهى الخيانة العظمى. وكذلك إفشاء أسرار الربوبية فإن جزاءه القتل كذلك، كما حصل للحلاج رضى الله عنه، فقد ورد أنهم لما سألوا الجنيد رضى الله عنه عن الحكم بالنسبة للحلاج، فقال لهم: حكمه القتل وكان الجنيد خالاً للحلاج، فلامه أصحابه وقالوا له أنت أعلم الناس بعد الله ورسوله، بحال ابن أختك، فكيف تحكم بقتله؟ قال لهم: لأنه أباح أسرار الربوبية فجزاءه القتل عندنا حداً لا كفراً، لأنه تجاوز حدود الله في هذا المقام فهتك أسرار الحقيقة، وكشف أسرار الربوبية لغير أهلها، ومن فعل ذلك فحكمه الإعدام.
وقد كان الحاكم في زمنه أمر بقتله لأنه كفر وارتد عن الإسلام بقولته المشهورة: (ما في الجبة إلا الله)، وقوله أثناء قتله: (معبودكم تحت قدمى). فإن ظاهر هذه العبارات كفر صريح، فحكموا عليه بالكفر والقتل، ولكن حقيقة هذا الكلام في باطن الحلاج رضى الله عنه، فقد كان في مقام الفناء أثناء العبارة الأولى، فلم ير من حوله كونا ولا أينا، ولا مادة ولا روحاً، وكذلك لم يشهد لنفسه وجوداً، بل شهد أنه فناء وعدم، وأن الموجود في الحقيقة هو الله، وأن وجوده ليس وجودا ذاتيا، بل هو وجود بالله الذي قامت به جميع العوالم. وهو مشهد عال، وسر يجب كتمانه، ويحرم إباحته لغير أهله، ولذلك حكم عليه الجنيد رضى الله عنه بالقتل حداً لتجاوزه حدود الله ـ لا كفرا ـ لأنه أباح سر الربوبيه.
ومن هنا يجب على أهل الأحوال والمشاهدات، أن يخفوا حالهم، ويكتموا سرهم ومشاهداتهم عن الناس، حتى لا يبلبلوا أفكارهم ويشيعوا الفتن بين المسلمين، وهذا من الكبائر التى توبق صاحبها في نار جهنم إن كان يقولها وهو في حالة اليقظة والانتباه بين عامة الناس الذين لا يعرفون من الأمر إلا ظاهره، أما الحلاج فقد قالها وهو فان عن نفسه، غائب عن حسه، وعن كل ما حوله من الكائنات.
أما إباحة هذه المشاهد والأحوال لأهل الذوق والتسليم وبيان سرها وحكمتها لهم، حتى يتعلموا ما لم يكونوا يعلمون فلا بأس بذلك حرصاً على إعطاء الحكمة لأهلها بقدر استعدادهم لتلقيها.
وأما العبارة الثانية التى قالها عند قتله وهى قوله: (معبودكم تحت قدمى) فقد جاء أحد إخوانه الذين يدركون سر حديثه، فقال لهم أحفروا مكان قتله ولما حفروا وجدوا كنزاً عظيماً من الذهب، فقال لهم إن الحلاج يعنى هذا الذهب بقوله الذي قاله.
ومعنى معبودكم في العبارة المذكورة محبوبكم الذي تحبونه لدرجة العبادة، فإن الحب يقوى في القلب حتى يبلغ درجة يكاد يعبد فيها المحب محبوبه.ولذلك فإن العبادة الحقيقية أسمى درجات الحب والوفاء والإخلاص لله عزَّ وجلَّ، ويقولون أن فلاناً يحب فلانة لدرجة العبادة.قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.[20، الفجر].
والحب الجم هو الكثير المتزايد الذي لا يقف عند حد.
الشعبة الرابعة والأربعون: المسارعة إلى الرحمة والمغفرة.
كم من طالب شئ لكنه لا يسعى إليه.
وكم من متمنى حاجة لكنه ينتظر ليلة القدر كما يقولون!
وفي الحكمة:
وما نيل المطالب بالتمنى     ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وقال صلى الله عليه وسلم:{ليس الإيمان بالتمنى ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل وإن قوما غرتهم الأمانى وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل}.[61]
والمسارعة إلى الشئ القصد إليه بعزيمة قوية، والجرى نحوه للحصول عليه والتقاطه، وذلك لهفة النفس عليه، وشوقها إليه، والرحمة والمغفرة أمل أكبر يسعى المؤمنون لنواله آناء الليل وأطراف النهار بدون توقف أو إبطاء.
قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. [133، آل عمران ].
ومواطن المغفرة، ورياض الجنة، التى يسارع إليه المؤمنون، هى العمل الصالح، والعلم الرافع، والقول النافع، والرفيق الشافع، والخلق الكامل، والحال الصادق، واليقين الحق.
وكانت هذه الأمور هى المغفرة والجنة، لأن المغفرة والجنة لا تنال إلا بها، وقد جعلها الله وسائل للحصول على الرحمة والمغفرة والجنة.
وقد وضع الله الوسائل والأسباب تيسيراً على طالب الخير والسعادة، حتى يرى كل مسلم أن الله عزَّ وجلَّ قد يسر له أسباب الوصول إلى رحمته ومغفرته، ولم يشق في ذلك، فيشكر الله ويحمده على هذه النعم الكبرى.
ومن ناحية أخرى فإن المؤمن يشهد أن هذه الوسائل والأسباب، فيها فضل الله ورضوانه، فإن الله قد أخفي فضله ورضاه في طاعته، فيحب المؤمن تلك الأعمال، ويقبل عليها بكليته. كما أخفي غضبه وسخطه في معصيته، فيبتعد المؤمن عنها بكليته.
الشعبة الخامسة والأربعون: الفرح بفضل الله ورحمته.
والمؤمن يرى فضل الله عليه، ورحمته به، في كل شئ من نعم الدنيا ومن نعيم الآخرة، فيفرح بفضل الله وبرحمته.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.[ 58، يونس ].
فإن وجودك وحياتك فضل من الله عليك، ورحمته بك، وإن عطاء الله وإمداده لك فضل من الله عليك ورحمة منه إليك، وإن هدايتك وتوفيقك، وإيمانك وإسلامك، فضل من الله عليك ورحمة منه، بل إن زوجتك وولدك ومالك، ووالديك وإخوانك وأهلك، فضل الله عليك ورحمته بك، وإن علمك وعملك وجهادك وسعيك، فضل الله عليك ورحمته بك، بل وإن نعيم الآخرة الذي وعدك الله به، وهو حق اليقين فضل الله عليك ورحمته بك.
وفضل الله هو ما يمنحه الله لك، ويكرمك به من غير أن تستأهل شيئا منه، وأما رحمته جل شأنه فهى عطفه وحنانه وشفقته سبحانه عليك، ولو نظرت إلى كل ما ذكرناه من النعم المادية والمعنوية، لوجدت أنها فضل الله سبحانه عليك ورحمته بك.
وأهل رحمة الله في راحة وسرور، وهناء وسعادة كاملة.
والفرح هو بهجة النفس، ونشوة القلب، ولذة الجسم، وقد ورد أن فضل الله ورحمته على المؤمنين جميعاً، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهم في فرح دائم برسول الله،واستبشار هائل به صلى الله عليه وسلم وكيف لا وهو أصل كل الخيرات والعطايا، وميزاب الفضل والرحمة، فلولا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمن ولا مسلم على وجه الأرض، لأن الناس قبله كفروا بأنبياءهم وحرفوا وبدلوا كتبهم حسب شهواتهم، فلم يكن إسلام ولا إيمان في الحقيقة إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فضل الله الأكبر علينا، وهو رحمة الله العامة بنا.
الشعبة السادسة والأربعون: الخوف والرجاء.
والخوف انفعال نفسانى ناشئ من توقع النفس وقوع ضرر بها في المستقبل من جراء ذنب أذنبته، أو حدث أحدثته، وهذا الإنفعال يؤدى بالإنسان إلى تصحيح أخطاءه والرجوع عن سيئاته، خشية حلول النقمة والضر به. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾. [175، آل عمران].
والمؤمن يخاف من الله، لأن الله إن حاسبه على كل شئ لا يترك ذرة منه إلا أحصاها، وآخذه عليها، لأن الله بصير وعليم، وخبير ومحيط بكل ذرة من لذرات وأقل. قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. [7-8 الزلزلة].
والخوف من الله ناتج عن العلم والمعرفة بالله، لأن المجهول للإنسان لا يتأتى الخوف منه مطلقاً. ولذلك قال تعالى: ﴿ ﴾.
أى مصدقين بقدرتى عليكم، وعلمى بكم، ورؤيتى لما خفي وما ظهر من أموركم.
والخوف من الله إنما يكون مشمولاً وممزوجاً بالرجاء في الله، لأن الخوف وحده قد يؤثر في المؤمن فيخرجه عن حد الإعتدال فيه، ويذهب به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله وعفوه، وهذه من أيأس الأحوال التى تعترى الإنسان لأنه ظن السوء بالله، وظن أن الله لا يقدر على مسامحته والعفو عنه، وذلك يؤدى بالإنسان إلى الكفر بالله عزَّ وجلَّ، فإن الله قد وعد المؤمنين بأنه يغفر الذنوب جميعاً ما عدا الكفر به والإشراك به عزَّ وجلَّ.
والرجاء في الله سبحانه هو أمل المؤمن وعشمه، وطمعه في مغفرة الله ورحمته، والله سبحانه أهل العفو والرحمة والمغفرة، إذ أنه سبحانه رحيم بعباده ورفيق ولطيف بهم وأنه سبحانه لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه عبادة العابدين، فهو الغنى سبحانه، عن جميع مخلوقاته وعن كل شئ، ولو أنه يؤاخذ الناس بما عملوا لأهلكهم جميعاً، ولكنه يعاملهم بحلمه وإحسانه، وعفوه وإكرامه.
وما على المؤمن إلا أن يجعل من الخوف والرجاء مطية يركبها للوصول إلى نعيم الله وجناته، فإن الرجاء الصرف يهبط بالإنسان إلى مستوى الغرور بالله، والتمادى في الرذيلة وعدم المبالاة والإكتراث، وذلك أمر يذرى بالعبد ويوبقه في نكال الدنيا وعذاب الآخرة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. [110، الكهف].
وقال صلى الله عليه وسلم:{لا يخافن أحدكم إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه}.[62]
وقال صلى الله عليه وسلم:{من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا إن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة}.[63]
وقد قال العلماء رضى الله عنهم: يجب على المؤمن أن يغلب جانب الخوف على جانب الرجاء ما دام صحيحاً سليماً قوياً فتياً، حتى لا تميل نفسه إلى معصية الله، فإذا ما أقبل على الآخرة، وضعف جسمه ورق عظمه، وكبرت سنه، فلا بأس من تغليب جانب الرجاء على جانب الخوف لأن قوى الشهوة قد ضعفت واضمحلت في نفسه.
الشعبة السابعة والأربعون: الإنتباه واليقظة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾.[ 71، النساء].
وأخذ الحذر معناه الاحتياط، والتأهب والإستعداد، وإنما يكون ذلك بالتنبه واليقظة المستمرة، لأن المؤمنين لهم أعداء يتربصون بهم، ولا يكفون عنهم، ولا يقعدون عن إيذائهم بحال من الأحوال، وهكذا قدر الله، وأراد الله.قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾. [217، البقرة]. وهذا إعلام من الله لنا بما عليه أعداءنا فهم يقاتلون المسلمين بكل أنواع الأسلحة، بالكيد والدس والوقيعة مره وبالحرب الساخنة أخرى، وبالحروب الإقتصادية ثالثة وبالإشاعات وتأليب الأمم علينا رابعة.ولقد صدق الله العظيم في قوله: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. وهذه قضية تدل على الإستمرار والدوام، من غير انقطاع لحظة.
وعدو هذا شأنه، فكيف يكون حالنا معه؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.[60، الأنفال].
وهذا ما فرضه الله علينا بالنسبة لموقفنا من الكفار حتى نحذرهم ونخيفهم في الوقت نفسه، وليس هناك وازع من وقوع الحرب أقوى من الإستعداد للحرب، وإن العدو لا يغير علينا إلا في غفلة منا وعدم التأهب لمواجهته.
وهناك نوع آخر من اليقظة والإنتباه، يتحصن به المؤمن من الشيطان وخداعه ووساوسه، وقد عبر الله عنه بالتقوى في قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾.[201، الأعراف].
والتقوى في هذه الآية هى درجة عالية من الإحساس والشعور لدى المؤمنين بما يدور حولهم من أباطيل الشيطان ومكره، ومن مداخله وحيله. ولذلك عندما يتعرض لهم الشيطان بأدنى شئ من مخالفة الله ورسوله، يفزعوا وينتبهوا، ويرفضوا ما يوسوس به اللعين. قال صلى الله عليه وسلم ما معناه:{من عاش متنبها قلت مصائبه}.
الشعبة الثامنة والأربعون: الإفتقار إلى الله.
وهو أن يلجأ المؤمن إلى الله ويفزع إليه في كل شئونه وجميع أموره معتقدا أنه عبد ذليل، مضطر إلى الله في كل أحواله، وأن الله غنى حميد بيده الملك والملكوت، وبيده الخير وهو على كل شئ قدير.قال الله لسيدنا موسى:{يا موسى اسألنى ولو في شسع نعلك وملح بيتك}. ومعنى ذلك اطلب منى كل شئ، حتى أدنى الأشياء وأقلها في نظرك ونظر الناس.
وقال صلى الله عليه وسلم:{من لم يسأل الله يغضب عليه}.[64] قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.[15، فاطر]. والفقير إلى الله هو المحتاج إليه في كل شئ، دائماً وأبداً، لأن الفقير إلى الشئ هو المضطر إليه، وبدونه يهلك.
ومن هنا كان الفقير هو الذي لا يمتلك شيئاً، ولا حتى ما يسد به جوعته، ويقضى به ضرورته، ولذلك بدأ الله به في استحقاق الزكاة قبل غير من المعوزين.قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾. [60، التوبة]. ثم ثنى بذكر بقية الأنواع.
والفقر إلى الله شرف عظيم جداً، لأنه تحقق بكمال العبودية لله عزَّ وجلَّ، وبمعرفة مقام الألوهية، والنسب الذي بين الله وبين عبده، فيكون الله لك نعم الرب ونعم الولى، ونعم الوكيل، وتكون أنت له نعم العبد المقبل عليه، المسارع في محابه ومراضيه، المفتقر إليه في كل نفس من أنفاسك.
الشعبة التاسعة والأربعون: المحافظة على الوقت.
والوقت هو المدة والزمن الذي تعيشه في هذه الدنيا والمحافظة عليه هى أن تعمل في كل وقت تعيشه عملا صالحا من قول أو فعل، أو حال أو إعتقاد، حتى لا يضيع وقت منك في غير فائدة، ولأن الوقت هو العمر الذي وهبه الله للإنسان ليستثمره ويعمره، ويؤدى فيه الخير لنفسه ولغيره.
وقد جعل الله هذا الزمن شاهداً على الإنسان يوم القيامة بالخير أو الشر، وقد أقسم الله بالعصر، هو الزمن الذي يعيش فيه كل إنسان، وبهذا القسم يلفت الله النظر إلى قيمة الزمن وأنه هو حياة الإنسان وعمره.
وقد قال صلى الله عليه وسلم:{لن تزولا قدما عبد حتى يسأل عن أربع. عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. وعن علما وماذا عمل فيه}.[65]
سؤالان عن الزمن، مرة عن العمر كله، ومرة عن مدة الشباب خاصة.
وإن الوقت يمر على الإنسان ولا يحسبه الإنسان، بخلاف المال فإنه إذا ضاع منه درهم حزن عليه الإنسان، وهذالجهل الإنسان بقيمة الزمن، وأنه أغلى من الذهب النضار، فإن الذهب إن ذهب فإنه يمكن تعويضه، ولكن الزمن إن ذهب فلا يمكن تعويضه.
وإن عمر الإنسان يفوت وينتهى بمرور الوقت، فكلما مر وقت انقضت مرحلة من مراحل العمر، ونقص العمر بمقدار ما فات منه، وإن المؤمن يحرص على أنفاسه أكثر من حرصه على نفائسه ومدخراته، لأنه يعلم أن الزمن أغلى عنده من كل شئ.
وعلى العاقل أن يجعل لكل وقت عبادة خاصة وعملاً منوطاً به فهناك وقت للطاعة والعبادة، والذكر والعلم، والشكر والإستغفار والدعاء، وقراءة القرآن، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، ووقت لصلة الرحم وعيادة المريض، وزيارة الإخوان، ووقت للسعى على الأرزاق والأكل والشرب، واللبس والنوم وقضاء الوطر، ووقت للتفكير والتدبر في آلاء الله، وخلق الله، ومصنوعات الله ووقت لتذكر الآخرة وشئونها، وتذكر الموت ولقاء الله عزَّ وجلَّ.
وهكذا يجعل المؤمن لكل وقت واجباً يؤديه فيه، فإذا شغل كل وقت بواجبه، شهد الوقت له بين يدى الله عزَّ وجلَّ بما شغله به.
الشعبة الخمسون: عمارة الدنيا.
وذلك يكون باستخراج كنوز الأرض، واستنزال خيرات السماء، حتى يعم الرخاء، ويزيد الخير، ويتمكن كل إنسان من الحصول على حاجاته بيسر وسهوله، وإن الذي أضر المسلمين هو عدم فهم دينهم في هذه الناحية، حتى ظن أعداء الإسلام أن الإسلام دين البطالة والنوم والخمول، فإن السعى في الأرض، واستعمار هذه الدنيا، مبدأ من مبادئ الإسلام. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.[15، الملك]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. [10، الجمعة]. وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. [61، هود]. يعنى طلب منكم عمارته، ودفع عجلة التقدم والرقى والإزدهار.
فما من مؤمن أحيا أرضاً واستصلحها، وأقام فيها المنشآت والمشاريع، والمزارع والمصانع، أو استخرج خيراتها ومعادنها، إلا كان له من الأجر والثواب، بمقدار النفع الذي عاد عليه وعلى أهله ومجتمعه من هذا العمل المجيد، وما انتفع من زرع الزارع إنسان، أو حيوان، أو طير، إلا كان له به حسنة وصدقة، ويعتبر هذا العمل من الصدقات الجارية على صاحبها، ما دام النفع بها، ولو كان صاحبها يجنى من وراءها مكاييل الذهب والفضة، غاية ما في الأمر أن ينوى المؤمن بهذا العمل نية طيبة، كنفع الناس أو إحياء الأرض، أو إثراء الحياة، أو تحسين حاله والتوسعة على عياله، أو قياما بتنفيذ أمر الله ورسوله في تعمير الدنيا، وهذا أرقى المقاصد، ولن يكون الغرض من هذا العمل الفخر والتطاول، والتعالى على الغير، أو غير ذلك من النوايا الرخيصة.
قال عليه الصلاة والسلام:{ لو قامت الساعة وفي يدك فسيلة نخل فاغرسها}.[66] أي نخلة صغيرة فصلتها عن أمها لتزرعها.
وهذا يدل على ضرورة العمل لإقامة الحياة على وجه هذه الأرض، ولو قامت الساعة فعلاً، حتى لا يكون الإنسان مقصراً في حق نفسه، ولا في حق غيره من ذوى الحقوق عليه.
والإسلام يقرر أن من أحيا أرضاً ميتة فهى له، مكافأة له وتشجيعاً لأمثاله على هذا العمل، حتى يكثر الخير، ويتضاعف العطاء، وتتوفر السلع والحاجيات.
الشعبة الحادية والخمسون: الإصلاح بين الناس.
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.[1، الأنفال]. أى أصلحوا الأمور التى بينكم، والأمورالتى بين الناس إن استقامت وصلحت،استقر الناس وآمنوا واستراحوا، لأن النزاع إنما ينشب بين الناس إذا فسدت الأمور والعلاقات التى بينهم واهتزت ثقتهم في بعضهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.[10، الحجرات].
وإن الذي يقوم بالإصلاح بين المتخاصمين، قد أكرم بمقام التقوى، وقد دخل في رحمة الله من أوسع الأبواب.
ويجب أن نعلم جميعاً، أن الحياة الدنيا تقوم أساساً على تبادل المنافع والمصالح بين الناس، وقد يؤدى ذلك إلى الغبن أو الغش أو المطل، أو الظلم بين المتبادلين، فيقع النزاع بينهما بسبب ذلك، فيجب أن يتدخل المؤمن للتوفيق بينهما، ولإجراء الصلح في هذا النزاع القائم.
قال تعالى: ﴿والصلح خير﴾. [128، النساء]. مهما كان فيه من تنازلات، ومهما كان فيه من تغلب أحد الطرفين على الآخر، فإنه خير، لأنه وضع حداً للنزاع الذى لا يعرف أحد مداه، وأراح النفوس والقلوب من نار الحقد والبغضاء، وفتح أبواب النشاط والتفكير في العمل المثمر البناء، أمام كل المتصالحين.
ثم بعد ذلك نحس في الصلح برضاء الله ورسوله، ونزول البركات من السماء، وانفتاحها من الأرض، فقد ورد أن الله لا يقبل من المتنازعين أى عمل حتى يصطلحا، وأما الخير الذي في الآخرة فهو أكبر بكثير من ذلك الذي ذكرناه، وكفي المصلح شرفاً أنه قائم بتنفيذ أمر الله، في زمن عزَّ فيه المصلحون لأن الناس شغلتهم دنياهم ومصالحهم عن القيام بهذه الأحكام الإلهية، التى فرضها الله على المؤمنين، وقد يقول كسول وجهول مثلى (أنا حاعمل للناس دول إيه، دول ناس ما ينفعش معاهم الكلام) ويقف متفرجاً بدل أن يعمل شيئاً يرضى به الله ويكون نواة للتفاهم في هذا النزاع.
ويا حبذا لوقام بهذا الواجب الأئمة والعلماء، والحكماء من الناس، حتى يكونوا رسل خير وإصلاح وسلام بين المسلمين، وذلك من أعظم الواجبات عليهم، وأكبر القربات التى يتقربون بها إلى الله ورسوله.
الشعبة الثانية والخمسون: غض البصر وحفظ الفروج.
قال الله تعالى:﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. [30_31، النور].
والتعبير في الآية الشريفة بغض البصر، يعنى منعه وكفه عن النظر إلى ما حرمه الله، وما يحرك الشهوة والغريزة.
والنظر إلى ما حرمه الله، له عدة أحوال: فقد يكون النظر بشهوة، وهذا هو زنى العين، فإنها تلذذت بهذا النظر، وتمتعت به، وهذه النظرة هى سهم من سهام إبليس لأنه أصاب مقتلاً، فقد أثرت هذه النظرة على قلب المؤمن وزعزعت إيمانه.
وقد يكون النظر عادياً، كما ينظر إلى باقى الأشياء المارة به في الطريق، لكنه يحرم عليه أن يمعن النظر أو يتبع النظرة بالأخرى.
وكما أن النظر محرم على الرجال، فهو محرم على النساء أيضاً، لأن الكل مكلف بدين الله.
وحفظ باقى الفروج من سمع ولسان، وشم ويد، ورجل وبطن، وفرج وعقل، واجب على كل مؤمن ومؤمنه، بحيث يكف كل منهما جوارحه عن محارم الله. ويكون حفظ تلك الفروج استجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتنفيذا له.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ثلاثة لا تمسهم النار يوم القيامة، عين كفت عن محارم الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله}.[67]
وقد أثنى الله على المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.[ 5-6، المؤمنون].
الشعبة الثالثة والخمسون: الإستعفاف.
وهو أن يطلب المؤمن ما يعف به نفسه، ويمنعها عن التطلع إلى محارم الله واشتهاءها والميل إليها، وإنما يكون ذلك بالمجاهدة الشديدة، لأن المؤمن تنازعه شهوته، وتغالبه غرائزه، وهو يجاهد هذه الغرائز مع وجودها في فطرته وجبلته، ولذلك كان الجهاد فيها عظيماً.
والأصل في طلب العفة أن يبادر المؤمن إلى الزواج وذلك هو العفاف الكامل، ولكن إذا كان الزواج غير ميسور فهنا يكون الجهاد في الاستعفاف.
قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. [33، النور]. ومعنى ﴿ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾. أههم لا يجدون الأسباب والوسائل والقدرة التى تمكنهم من النكاح، وعليه يكون المعنى: أن الذين لا يستطيعون النكاح يعفون أنفسهم بمجاهدتها عن الوقوع في الزنى حتى يوسع الله عليهم ويتزوجوا.
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الإستعفاف، وهو مجاهدة النفس بعبادة الصوم، فإن الصوم جنة وصيانة للمؤمن من الوقوع في الزنى.
قال صلى الله عليه وسلم:{ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء}.[68] والباءة يعنى النكاح، والوجاء يعنى الوقاية والحرز.
وكان الصوم علاجاً لحالة هيجان الشهوة، لأنه عبادة الإمتناع عن الشهوات، ولأنه بكثرة الصوم يقل الدم المتدفق من كثرة الطعام والشراب، فتضعف الشهوة في الإنسان نتيجة لذلك. وقد ورد في الحكم (إن الطعام يقوى شهوة النهم). وهو المنهوم الذي يأكل كثيراً ولا يشبع.
وقال صلى الله عليه وسلم:{ عفوا تعف نساءكم}.[69] ومعنى ذلك أن عفاف الرجال ـ وهم أملك لإربهم وشهوتهم من النساء، وأقدر على المجاهدة منهن ـ يجعل النساء تتعفف بالضرورة لأنهن لا يجدن من الرجال إلا العفة والكرامة، فيلتزمن بها بالضرورة.وهذا الحديث يدل على أن الرجل هو القدوة والأسوة وأن المرأة تابعة له ومؤتمة به في مكارم الأخلاق، وفي الدين والدنيا.
الشعبة الرابعة والخمسون: الإستئذان.
وهو طلب الإذن من أهل بيت ما للدخول عليهم، وقد أوضحت الآيات الشريفة آداب الاستئذان بما لا يدع مجالاً لأى إنسان أن يزدرى حرمة البيوت، أو ينتقص من كرامتها، وكذلك ألفتت هذه الآيات نظر المؤمنين والمؤمنات إلى مدى عناية الله سبحانه بهذه الآداب، التى فصلها تفصيلاً لا يحتاج معه إلى تفسير أو بيان، وذلك لخطورة الموضوع.
قال عز من قائل:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. [27، النور].
ومعنى ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾. تستأذنوا بأدب ولطف واحترام، وهى أبلغ من كلمة تستأذنوا، لأنها أفادت طلب الإذن، وأفادت معانى أخرى زائدة على طلب الإذن كما بينا، والإستئذان إنما يكون ممن يملك الإذن، فلا يجوز أن يأذن إليك صبى غير مميز بالدخول فتدخل، لأنه لا يدرك شيئاً، فلعل أحد أهل البيت في حالة غير لائقة فتجد ما لا يسرك أو تنظر عورة من بيت أخيك المسلم فتقع في المحرم، فإذا دخلت فابدأهم بالتحية وقل لهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾. [28، النور].
ولا يجوز لك أن تنظر من ثقب بالباب لترى هل يوجد أحد بالبيت أم لا، وإذا طرقت الباب فتنح عنه وعرف نفسك لمن يقول من بالباب، فإن أذن لك في الدخول فادخل، وإن قيل لك ارجع فارجع، ولا تتألم من ذلك فإن أمر الله أولى بالإتباع من طلبك، على أن يكون ذلك عن رضى وارتياح، وهذا هو الإيمان الحق، والإسلام الخالص لوجه الله عزَّ وجلَّ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{إذا أتى أحدكم باب أخيه فليستأذن ثلاثاً، فإن أذن له وإلا انصرف، ولا يلح في الاستئذان ولا ينظر أحدكم من خلل الباب، فإن فقئت عينه فلا شئ عليه ولا يقف أحدكم أمام الباب وهويستأذن}.[70]
الشعبة الخامسة والخمسون: ظن الخير بالمؤمنين والمؤمنات.
وذلك بأن يرى المؤمن أن الخير في المؤمنين، لأن الإيمان طهر قلوبهم وزكى نفوسهم، وجمل أخلاقهم وحسن سلوكهم.
قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾. [12، النور]. وظن في هذه الآية الشريفة بمعنى رأى وعلم، وليس المراد معناها ترجيح ظين الخير على ظن الشر، بل المراد طرح ظن الشر بالمرة، ورؤية الخير بالمؤمنين والمؤمنات بدليل الآية التى بعدها: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. [16، النور].
قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.[12، الحجرات]. وهو ظن الشر بالمؤمنين والبعض الآخر منه خير، وهو ظن الخير بهم.
وقول الله في الحديث القدسى:﴿ أنا عند ظن عبدى بى، فإن ظن خيراً وجد خيراً وإن ظن شراً وجد شراً﴾. فإن الظن في هذا الحديث معناه الاعتقاد واليقين، وأن المؤمن يثق بالله ويعتقد فيه كل خير وبر وإكرام. وقد قال صلى الله عليه وسلم:{إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث}.[71]
  والظن هو ترجيح أحد الأمرين في النفس بدون مرجح، ويترتب عليه إلقاء الحديث على عواهنه من غير تثبت ولا تأكد، ولذلك كان الظن من أكذب الحديث الذي يتفوه به قائله من غير اكتراث ولا مبالاة.
والذين يقولون إن ظن السوء عصمة، إنما يقصدون إلى ظن السوء بالنفس وليس بالغير، وإنما يجب على الإنسان أن يحذر خطأ الغير وشر الغير فقط،  وأن المتهم برئ ما لم تثبت عليه التهمة.
وقد يعنون بهذه العبارة، أن سوء الظن بالأشرار عصمة، وذلك صحيح ولكنه لا يجوز مع المؤمنين الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب.

الشعبة السادسة والخمسون: حب الله ورسوله وأهل بيته.
والحب هو عاطفة في القلب تميل به نحو المحبوب، وتعشقه وتحن إليه، وتتمنى رضاه ورؤيته.
وهل تتأتى هذه الحالة بالنسبة لحب العبد لله عزَّ وجلَّ؟ نعم. لأن العبد المؤمن يعرف مدى عناية الله به وعطفه عليه، وإكرامه له، وبره به، ويعرف فضل الله عليه، ورحمته به، فتتولد في قلبه عاطفة حب الله سبحانه، إذ أن النفس جبلت على حب من أحسن إليها،  فهى فطرة لا تتخلف إلا عند أهل الجهالة بالله عزَّ وجلَّ الذين لا يعرفون فضل الله عليهم.وقد قال صلى الله عليه وسلم: {أحبوا الله لما يغزوكم به من النعم والآلاء}.[72]
وحب المؤمن لله، إنما يكون بالتخلق بأخلاقه سبحانه والتحلى بآدابه جل جلاله، والمسارعة في طاعته، وترطيب اللسان بذكره، والتضرع والتذلل له عز شأنه، وتلك هى علامات المحبة وأدلتها.قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾.[165، البقرة].
وذلك لأن المؤمنين بحبونه سبحانه في جميع الحالات، في الرخاء والشدة، في الصحة والمرض، في الأمن والخوف، في النعمة والنقمة، في الحياة والموت، لكن هناك ناسا ًيعبدون الله على حرف فإن أصابهم خيراً اطمأنوا به وإن أصابهم ضر انقلبوا على وجوههم وكفروا به.
أما حب المؤمن لرسول صلى الله عليه وسلم، فإنما يكون في كمال اتباعه، والتأسى به في كل أمر كان يقوم به صلى الله عليه وسلم، والإتصاف بصفاته، والوفاء له، وكثرة ذكره والصلاة والتسليم عليه، ومحبة أصحابه والترضى عنهم.قال صلى الله عليه وسلم:{وأحبونى لحب الله لى}.[73]
وهذا البيان من رسول الله في غاية التلطف والأدب والذوق الرفيع، لم يقل أحبونى لأنى فعلت كذا وكذا لكم، أو لأن أخلاقى كذا وكذا، أو لأن مكانتى فيكم ومنزلتى منكم كذا وكذا، ولكن صلى الله عليه وسلم قال أحبونى لأن الله يحبنى، ولأن حب الله له صلى الله عليه وسلم أجل وأعلى، وأعظم وأكبر من كل شئ آخر لأن حب الله له لا يدرك مداه أهل الدنياولا أهل الآخرة ولا أهل السموات ولا أهل الأرض، ولا يعلم قدر هذا الحب إلا الله ورسوله.
وأما حب آل بيته صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون بودادهم ومواصلتهم والإهتداء بهديهم والإنتفاع بآثارهم، والترضى عنهم، ومناصحتهم بالرفق واللين إن لزم الأمر، لأنهم ليسو معصومين.
قال صلى الله عليه وسلم:{والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها}.[74]
وهذا دليل على عدم عصمة أهل البيت، والسيدة فاطمة رضى الله عنها أم أهل البيت جميعاً رضى الله عنهم، وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال صلى الله عليه وسلم:{وأحبوا آل بيتى لحبى}.[75]
يعنى أحبوهم لأننى أحبهم.
اللهم إنا نشهدك أننا نحبك ونحب من تحبه، ونحب ما تحبه ونحب من يحبك، ونشهدك اللهم أننا نحب رسولك، ونحب من يحبهم رسولك، وما يحبه رسولك، ومن يحب رسولك، ونسألك اللهم أن تديم علينا هذا الحب يا رب العالمين.
الشعبة السابعة والخمسون: القناعة.
وهى الرضا بما قسم الله لك من الرزق والإكتفاء به، والقناعة كنز لا يفنى، وغنى لا يبلى، وعز لا يزول. قال صلى الله عليه وسلم:{إرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس}.[76]
وإن الجشع والطمع فيما لا مطمع فيه، ولا أمل فيه حماقة في الرأى، وسخافة في العقل، وشقاء في النفس، لأن الجشع هو التهافت وعدم الشبع، والطمع هو التطلع إلى ما في أيدى الغير والتحايل في أخذه منه، وكلاهما محرم ومذموم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله.
قال الحكيم:
ولست أرى السعادة جمع مال     ولكن التقى هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد طــراً     وعند الله للأتقى مزيـد
وإن الإنسان يطلب المال لسد حاجاته وقضاء مآربه، وما زاد على ذلك فهو حساب ووبال. قال سيدنا داود عليه السلام في دعاءه:{وأعوذ بك من مال أجمعه يكون نعيماً لغيرى ووبالاً على}.
وقد قالوا قديما: إن المال يميل بالإنسان، وإن الذهب يذهب به، وإن الفضة تنفض به، والخير الحقيقى من ذلك كله، ما بينه لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثة الشريف الذي يقول فيه:{يقول ابن آدم مالى مالى، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت وتصدقت فأبقيت}.[77]
وإن أول شئ يفارق الإنسان عند الموت ماله، وقد كان أحرص ما يكون عليه، وإن آخر من يفارقه أهله وولده ومشيعوه إلى قبره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قناعة ورضى بما آتاه الله.
جاءه بعض أصحابه يوما يشكو إليه جوعه، وقد ربط حجراً على بطنه من ألم الجوع، فوجد رسول الله قد ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع، وهو صلى الله عليه وسلم راض وصابر، ومحتسب ذلك عند الله عزَّ وجلَّ.
وقد قال الإمام البوصيرى:
وشد من سغب أحشاءه وطوى     تحت الحجارة كشحا مترف الأدم
وراودته الجبال الشم من ذهب     عن نفســـه فأراها أيما شمـم
الشعبة الثامنة والخمسون: إكرام الضيف.
والضيف هو الذي يزورك في بيتك، أو في عملك، وإكرمه واجب عليك، حتى تدوم الألفة والمحبة بين الناس، ويحس الضيف بأنه قوبل بالحفاوة والاحترام، وإكرم الضيف من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام. قال صلى الله عليه وسلم:{من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه}.[78]
 وإكرام الضيف أن تعمل له شيئاً زائداً على الطعام الذي أعددته لك ولعيالك، إن أمكن، فإنه من سنن الإسلام، وكان أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لا يوسعون على أولادهم ولا على أنفسهم إلا إذا جاءهم ضيف، حتى يشتاق أهل البيت على الضيف ويحبونه، لأنهم يكرمون بجواره، حتى لو كان الضيف غير مسلم فعليك بره وإكرامه.
وقد كان رسول الله ينزل أضيافه في مسجده الشريف وخاصة الوفود والرسل، ويكرمهم غاية الإكرام، وقد قيل له يا رسول الله: إن فلاناً يسرف في إكرام ضيوفه، فقال لهم: {لا سرف في الخير}، وذلك لأن إكرام الضيف بر وخير وإيمان.
وقد كان يأتى الضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في بيوته ما يقدمه إليه، فيقول رسول الله لأصحابه:{من يكرم ضيف رسول الله وأضمن له الجنة} فيتقدم رجل إلى رسول الله ويقول: لبيك يا رسول الله ويذهب معه الضيف.
وهذا تشريع لنا فإن كان الواحد منا ليس عنده ما يكرم به ضيفه فيستحب أن يستأذن أحد أهله أو إخوانه في إكرامه.
ويجب علينا أن نعين الرجل الذي اشتهر بيننا بإكرام الضيف، حتى لا يقصر به الحال في القيام بهذا الواجب ولو من مال الزكاة، فإن مثل هذا الرجل يدخل في صنفين من الأصناف التى تجب الزكاة لهم، وهما:﴿وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾.[60، التوبة].
فإما أن نعطيه على أنه يدفع من ماله أكثر من حاجته ومن نفقة أهله إكراماً للضيف واحتفاءا به، وإما أن نعطيه على أنه ينفقها في سبيل الله، لا يبغى من وراء انفاقها جزاءا ولا شكورا، وباب النفقة في سبيل الله واسع.
الشعبة التاسعة والخمسون: الإفساح في المجالس.
وهو أن يسع المؤمن أخاه في مجلسه، ويهيئ له مكاناً بجواره يجلس معه فيه وذلك مدعاة للحب والألفة، والعطف والمودة. يقال أفسح المكان إذا وسعه.
وقد كانوا يتزاحمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لشدة حرصهم على القرب منه والاستماع لحديثه، والتمتع برؤيته، وفي سبيل ذلك كانوا يتضامون ويتلاصقون. ويتألم الضعفاء منهم وكبار السن من هذا التزاحم، فنزل القرآن يوصيهم بالفسيح والتوسعة.
وإذا كان هذا في المجالس والأماكن، فإنه يكون في الصدور والنفوس أحق وأولى، لأن الصدر إذا اتسع تحمل المؤمن أذى الناس ومضايقاتهم، وصبر على جفاءهم وجهلهم حتى يلينوا له ويتأدبوا معه، ويجدوا فيه الملاذ والأسوة والحلم والرحمة.
وما أحوجنا في زماننا هذا إلى هذه المكارم وتلك الصنائع فقد ازدحمت الدنيا بالمشاكل، حتى الطرقات نرى المارة فيها يتشاكون لمجرد المرور فيها، ولو كان هناك بعض صبر وحلم لاتسع الطريق للجميع ومروا بسلام، ولكن ضيق الصدور، وضجر النفوس، ألهبت نار المزاحمة والمشاحنة. وإن منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من جسد الإنسان.
الشعبة الستون: الحب في الله والبغض في الله.
قال صلى الله عليه وسلم:{إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله}.[79]
والحب في الله معناه أن المؤمن يحب أخاه المؤمن لله ورسوله لا لشئ آخر، يحبه لأنه مؤمن متمسك بدينه، يعمل الخير ويجتنب الشر، يسارع إلى ما يحبه الله ويرضاه، ويبتعد عن عما يغضب الله ورسوله، يحبه لأنه متخلق بأخلاق المؤمنين الصادقين، من العفو والبر والجود والصبر والحلم ونحوها، يحبه لأنه يرعى عهد الله ورسوله وعهد الناس وذمتهم، يحبه لله ورسوله لا من أجل عطاء يقدمه إليه ولا من أجل منفعة يؤديها له ولا من أجل شهوة ينالها منه، ولا من أجل ضر يدفعه عنه، وإنما يحبه لما فيه من المعانى الكريمة والأخلاق الفاضلة، وإن كان معها شئ من ذلك فلا بأس، فإنها تقوى أواصر المحبة وتديمها لأنها جمعت بين الصلات الروحية والمادية.
وكذلك البغض في الله، فإن المؤمن يبغض أخاه من أجل استهتاره بدينه، وعدم رعايته لحق الله ورسوله وحق الناس واتصافه بالأوصاف الذميمة، وعدم قبوله التوجيه والنصيحة وإيذاءه للناس، فيكرهه من أجل ذلك، ولا يكرهه من أجل أنه منع عنه عطاءه أو منفعته.
وإذا ما وجدت هذه الأمور في المسلمين قويت عرى الإيمان وتمكنت حلقاتها، واستحكمت صلاتها، ولم تقو رياح الفتن والشهوات أن تؤثر عليها، وعرى الإيمان يعنى حلقاته المتشابكة، فكل حلقة تمثل مبدأ من مبادئه وأدباً من آدابه.
الشعبة الحادية والستون: التآخى في الله.
وهو أن يعقد المؤمن بينه وبين أخيه عقد أخوة وصداقة، من أجل الله ورسوله، من أجل التعاون على البر والتقوى، من أجل التناصح والتشاور، والتعاطف والتباذل في الخير، من أجل التعاون على الذكر والعلم وعمل الطاعات والقربات، من أجل أن يدوم أثر هذه الأخوة بعد الدنيا فتكون كذلك في الآخرة، بمعنى أن يتذكر المؤمن أخاه في الآخرة فيسأل الله له النجاة والفوز بالجنة. سر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.[8، التحريم].
فدعاء المؤمنين لأنفسهم ولإخوانهم يوم القيامة، هو شفاعتهم لبعضهم التى منحها الله لهم، وما ألهمهم الله بالدعاء في هذا اليوم العظيم إلا ليكرمهم ويكرم بهم ويستجيب لهم، لأن ثناءهم على الله عقب الدعاء بقولهم: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يفيد تحقق الإستجابة منه سبحانه لهم في هذا اليوم العظيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.[10، الحجرات].وقال صلى الله عليه وسلم: {لا تدابروا ولا تناجشوا ولاتحاسدوا ولا تباغضوا وكونو عباد الله إخواناً}.[80]
   وقال صلى الله عليه وسلم:{ما أحدث رجل أخاء في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة}.[81] وقال صلى الله عليه وسلم:{استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة}.[82]
وقال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
لا أرض بالملك والملكوت في أخ     في الله حاشا بل ولا الرضوان
المرء بالإخوان لا بجـــدوده     كثير نعم والذل في النقصـان
يا رب أكثر منهمو وأمدهــم     وأمدنا بالروح والريحـــان
 والإستعانة بالأخ في الله ورسوله في شئون الدنيا والآخرة أمر فرضه الإسلام، حيث آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار  ليتعاونوا في أمور الدنيا والآخرة، وليعين بعضهم على شئونه. وقد كان بينهم رضى الله عنهم أعظم أنواع التعاون والتكافل، والتناصح والتآذر، فلم يعرف التاريخ على مدى أجياله أناساً تعاونوا بهذه الصورة، فقد بلغ بهم أنهم اقتسموا أموالهم فيما بينهم، وتنازل الواحد منهم عن أحب زوجاته إليه فطلقها من أجل أن يزوجها لأخيه.
أذكر هذه الحقائق ليعلم من ينكر الإستعانة بعباد الله إن الإستعانة بهم دين تدين الله به، لأن الله جعل الناس للناس.قال صلى الله عليه وسلم:{أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله}.[83]
وإن الذين ينكرون الإستعانة بغير الله يستدلون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما:{إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله}.[84]
وهؤلاء الأخوة أخذوا معنى اللفظ فقط ولم يأخذوا المفهوم الآخر منها، لأن المفهوم منها أن رسول الله عندما أمره بأن يسأل الله وأن يستعن به، لم ينهه عن سؤال عباد الله ولا عن الإستعانة بهم، ولا عن الإستعانة بالأسباب والأشياء التى خلقاه الله للناس، وسخرها لهم ليستعينوا بها على أمور الدنيا والآخرة، وإنما أمره بذلك ليوجهه إلى ضرورة التعلق بالله عزَّ وجلَّ في كل شئ، حتى مع قيام الأسباب وتأثيرها في المسببات فإن الله سبحانه هو الفاعل المختار، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ولم يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي فسر به هؤلاء الأخوة الحديث الشريف، فقد فسروه بأن من يسأل أحداً غير الله فقد أشرك، ومن استعان بغير الله فقد أشرك ورسول الله برئ من هذا المعنى، فكيف يستقيم ذلك مع قول الله لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. [64، الأنفال]. وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾.[153، البقرة].
فقد قررت الآية الأولى أن النبى صلى الله عليه وسلم يكفيه الله ويكفيه المؤمنون شر الكافرين وكيدهم. وقد قررت الآية الثانية تكليف المؤمنين بالإستعانة بالأسباب، فإن الصبر والصلاة سببان لتذليل المشاكل والصعاب والنصرة على الأعداء. وكذلك قول الله عزَّ وجلَّ لرسوله:﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. [62، الأنفال].
فإن الله يمتن على رسوله بأنه قد أيده بنصره وأيده بالمؤمنين، فجعل الله تأييده لرسوله بالمؤمنين مساويا لتأييده بنصره.
وقد استرسلت في هذا الموضوع، لأنه شغل بال الكثيرين من المؤمنين، والحمد لله أرجو أن يكون هذا البيان قد كشف الله به الحجاب عن القلوب والألباب وفي الموضوع أسرار وأنوار، وعلوم وفهوم، لا يتسع لها هذا المختصر وأكتفي بهذا القدر، وإن اللبيب تكفيه الإشارة فضلا عن العبارة.
الشعبة الثانية والستون: عيادة المريض.
ومعناها كثرة زيارته، والتسئال عنه، وقد أمر بها الإسلام، لأن المريض إذا أحس اهتمام الناس به، وسؤالهم عنه، كان هذا الإحساس له أكبر الأثر في تعجيل الشفاء له، لأن العامل النفسى من أقوى وسائل العلاج.
ومن ناحية أخرى، فإن المريض قد زلت نفسه، وانكسر قلبه من المرض وزيارته جبر لخاطره. وفي الأثر:{ما عُبد الله بشئ أفضل من جبر الخاطر}.
وعيادة المريض سنة مؤكدة من سنن الإسلام المؤكدة، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً ما معناه:{من عاد منكم اليوم مريضاً؟ فسكتوا، فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، فقال من أعطى منكم اليوم سائلاً؟ فسكتوا، فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، فقال من شيع منكم اليوم جنازة؟ فسكتوا، فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقال: بهذا فضلكم أبا بكر}.
ومواساة المريض ببعض الأشياء التى تزيد من سروره وتخفف عنه من مرضه أمر لازم، إن كان في استطاعتك ذلك وإلا فيكفيك زيارته والدعاء له، مع مراعاة التخفيف في زيارته بقدر الإستطاعة، إلا إن كان وجودك معه يؤنسه ويسره، فلا بأس من إطالة الزيارة.
وفي الحديث الشريف الذي يبين حق المؤمن على أخيه قول النبى عليه السلام:{وإذا مرض عدته}.[85]
والمريض إن شكا إليك وجعه وألمه، فذلك لا شئ فيه، فإنه يشكو إليك ما به لتدعو الله له، أو لتعطيه خبرتك وتجاربك في هذا المرض إن كان لديك، كما يشكو المريض إلى الطبيب علته ليعينه على تشخيص العلة وإعطائه الدواء النافع لها، وإنما المحرم هو أن يشكو المريض ربه للناس، كقوله (ليه ربنا بيعمل فيه كده، أنا عملت إيه عشان استاهل العذاب ده، أنى شغلى اتعطل، أنى خلصت الفلوس اللى معايا، أنى عيالى تعبت منى).. إلى غير ذلك من العبارات التى لا تصح بالنسبة لله عزَّ وجلَّ. وقد قال الله في الحديث القدسى: ﴿إذا مرض عبدى فلم يشكنى إلى عواده أبدلته دماً خيراً من دمه ولحماً خيراً من لحمه ثمن يستأنف العمل﴾.[86]
الشعبة الثالثة والستون: تشييع الجنازة.
وهى حق من حقوق الميت على أخيه الحي، وذلك تكريم لأخيه الميت، ووفاءاً له بحقه عليه، وإطاعة لأمر الله ورسوله في هذه الناحية. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وإذا مات تبعت جنازته}.[87] وقال سيدنا داود عليه السلام:{يارب ما جزاء من شيع ميتاً ابتغاء مرضاتك، قال: جزاءه أن تشيعه ملائكتى إلى قبره يوم يموت}.[88]
وإن الذين يشيعون الجنازة يتذكرون الموت، ويدعون للميت ويستغفرون له، فهم في عبادة الله إلى أن يواروه التراب ويرجعوا إلى بيوتهم.
الشعبة الرابعة والستون: إمهال المعسر.
وهو إعطاء مدة أخرى لمن لم يستطع أداء الدين عند حلول أجله:قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. [280، البقرة]. وذلك واجب دينى علاوة على أنه واجب إنسانى وأخلاقى.
ولو نظرنا إلى حقوق الله عزَّ وجلَّ، لوجدنا أن الله قد رخص فيها لغير القادر وأمهله حتى يستطيع الأداء، فكذلك أمر الله عباده المؤمنين أن يترفقوا في معاملة الناس.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: {رحم الله إمرأ سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى}.[89]
ثم أراد سبحانه أن يرتفع بالمؤمن إلى الدرجة العالية من الإيمان فقال:﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.[280، البقرة]. فإن صاحب الدين إذا رأى إعسار المدين، وعدم قدرته على دفع الدين، فإن دينه وخلقه وشفقته على أخيه يتطلب بأن يتصدق عليه بهذا الدين أو ببعضه إن لم يكن كله، وفي ذلك الخير كل الخير له في الدنيا والآخرة، وإن ذلك من مكارم الإخلاق وصنائع المعروف الباقية.
الشعبة الخامسة والستون: إكرام العلماء.
قال صلى الله عليه وسلم:{من أكرم عالماً فقد أكرم الله ورسوله}.[90] وإكرامهم يكون باحترامهم، وتقديم البر إليهم، وحبهم وإعانتهم على أداء رسالتهم، والتأسى بهم والإنتفاع بعلمهم، والدعاء لهم، والترحم عليهم إذا فارقوا الدنيا.قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾. [28، فاطر]. وإذا كان الله سبحانه قد أثنى عليهم في هذه الآية الشريفة، ومدحهم بأنهم يخشونه جل جلاله، فإن ذلك من أجل أن نعرف قدرهم ومكانتهم عند الله سبحانه فنجلهم ونعطيهم حقهم. قال صلى الله عليه وسلم:{ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه}.[91]
وقال صلى الله عليه وسلم:{خيركم من تعلم العلم وعلمه}.[92]وقال صلى الله عليه وسلم:{خير الناس وخير من يمشى على الأرض المعلمون، أعطوهم ولا تستأجروهم فإنهم كلما خَلُقَ جددوه}.
الشعبة السادسة والستون: قراءة القرآن.
وهو أن يقرأه الإنسان عبادة لله، متفكراً في معانيه على قدر فهمه، حتى ولو استأجره الناس ليقرأه لهم فإنه يقصط بذلك نفعهم به ونفع نفسه، وأن تكون القراءة بأحكام التجويد إن أمكن، وإلا قرأه بقدر ما استطاع إذا كان يتعلم القرآن، ويحاول تجويده حتى لا يكون آثماً.
ولقد فرض الله علينا قراءة القرآن لنتدبره، ونتذكر ما فيه ونعتبر به.قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.[ 17، القمر].وقال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. [20، المزمل]. وقال تعالى:﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.[106، الإسراء].
وعلى المؤمن أن يجعل له حصة منه يومياً يقرأها بدون انقطاع، حتى لا يكون هاجراً للقرآن، ومن لم يستطع القراءة عليه أن يجعل له وقتاً يستمع فيه إلى القرآن فإن استماعه عبادة مثل قراءته.قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.[204، الأعراف]. والقارئ له بكل حرف حسنة، والسامع له بكل حرف يسمعه حسنة كذلك، وأن القرآن يشفع لمن يتلوه يوم القيامة كما يشفع لمن يسمعه، ويشفع كذلك لمن يعلمه أو يفسره، أو يبين أحكامه وآدابه، ولمن يعمل به وفضل الله واسع.
نسأل الله التوفيق للعمل بآداب القرآن وأحكامه.
الشعبة الثامنة والستون: حفظ شئ من كلام النبوة.
قال صلى الله عليه وسلم:{رحم الله إمرأ سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع}.[93] وقال تعالى:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.[7، الحشر].
وآتى هنا معناها أعطى، وعليه يكون المعنى: وما أعطاكم الرسول من علم وأحكام، وحكمة وبيان فخذوه، يعنى اقبلوه واحفظوه، واعملوا به، فإنه من عند الله عزَّ وجلَّ.قال تعالى:﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.[3_4، النجم].
وقد نص الحديث الذي ذكرناه على أنه ينبغى للمؤمن أن يسمع حديث رسول الله، ويحفظه، ويبلغه كما سمعه حتى نحرص جميعاً على تراث الإسلام الخالد، فإن أصل الدين هو القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن من علامة حب المؤمن لرسول الله أن يتلمس أخباره وأن يهتم بحديثه، وأن يحفظ منه ما استطاع وأن يوصله إلى غيره بكل ما يمكن، فإنه بذلك يكون ناشراً للدين والخير والفضيلة، ومبلغاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشعبة التاسعة والستون: قيام الليل.
قال تعالى يصف المؤمنين ويثنى عليهم في كتابه العزيز:﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.[16، السجدة].
والتجافي يعنى التباعد، والمضاجع يعنى الفرش والأسرة التى ينامون عليها، ويضطجعون فوقها. والمعنى أن جنوبهم رضى الله عنهم، لا تستقر في راحتها ونومها، بل هى في حالة قلق ومجافاة للمضاجع.
والتجافي عن المضاجع هو الابتعاد عنها مع حب النفس لها لملائمتها لطبيعتها، فهم يجاهدون أنفسهم في الابتعاد عنها لأنها تشغلهم وتنيمهم عن محبوبهم الذي يحنون إليه في الليل، حنين من فقدت وحيدها، بل أشد وأعظم وإنما نضرب الأمثال لتقريب المعانى إلى العقول.
وقال الله تعالى يصف المؤمنين أيضاً:﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.[17_18، الذاريات]. والهجوع هو النوم الخفيف، وكانوا رضى الله عنهم يهجعون وقتاً قليلاً من الليل، لأنهم يشتاقون إلى التملق والمناجاة والدعاء في أوقات الصفاء.
وقيام الليل إما بالصلاة أو بقراءة القرآن أو بتعلم العلم، أو بالذكر والاستغفار والصلاة على النبى أو بأى لون من ألون العبادات والقربات، وسمى قياماً لأن أصحابه في حالة يقظة في طاعة الله والناس نيام من حولهم.
الشعبة السبعون: العفو عند المقدرة.
وذلك إنما يكون عند تمكنك من عدوك وقدرتك على الإنتقام منه، أو قدرتك على مجازاة من أساء إليك.قال الله تعالى:﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. [134، آل عمران]. وكظم الغيظ حبسه في النفس وعدم الإستجابة له. والغيظ هو الألم الشديد، والضجر الذي يصيب الإنسان من إساءة عدوه.
وكظم الغيظ من أخص صفات المتقين، والعفو عن الناس يعنى مسامحتهم وعدم مؤاخذتهم ومعاقبتهم على إساءتهم، ولن يكون الإنسان من أهل العفوا إلا إذا كان يستطيع المجازاة والمحاسبة.
ثم ختم الآية الشريفة بقوله: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يعنى علاوة عن العفو عن المسئ، يقدم الإحسان والخير إليه.
ويريد الله عزَّ وجلَّ من وراء ذلك انتشار روح المثالية العالية بين ربوع المجتمع الإسلامى، فإنه يمثل الفضيلة في أرقى درجاتها، فإذا رأى الناس هذه الآداب عشقوا الإسلام ودخلوا فيه،
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما تحت شجرة، وعلق سيفه بها، فجاء عدو من أعداءه وأخذ السيف من الشجرة وأيقظ رسول الله وقال له: من يمنعك منى الآن يا محمد؟ فقال الله. فسقط السيف من يد الرجل فأخذه رسول الله وقال للرجل: وأنت من يمنعك منى الآن؟ فقال عفوك يا محمد. فعفا عنه صلى الله عليه وسلم. والرسول يبين بذلك سنة الإسلام، ومعاملته الكريمة. والمؤمن الذي يرجو عفو الله وإحسانه، يجب عليه أن يعطى العفوا من نفسه لعباد الله.

الشعبة الحادية والسبعون: حسن الإعتذار.
وهو أن يعتذر المؤمن لمن أساء إليه بما يذهب غيظه وحنقه ويكون بذلك بعبارات رقيقة، وأدب كريم، حتى يستل من نفسه الكراهية والبغضاء. ولا يجوز أن يكون الإعتذار أقبح من الذنب كما يقولون. قال صلى الله عليه وسلم: {اتقوا غيظ القلوب ولو من دابة}.[94]
وقال صلى الله عليه وسلم:{اتقوا دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب}.[95]
وقد جاء في معنى الحديث الشريف:{أن تبيت وليس في قلبك ضغينة على أحد من المسلمين}.[96] ومعنى هذا الحديث أن المسلم إذا انفضت الشحناء التى بينه بين أخيه، يعود قلبه إلى صفاءه وإلى محبة أخيه وعدم كراهيته.
وإن حسن الإعتذار يستل السخائم من النفوس، والبغضاء من القلوب، وينتزعها كما تنتزع الشوكة من الجسد المعتل بها، ويجب على صاحب الحق أن يقبل الإعتذار من أخيه ولا يرده عليه لأن الله وصف المؤمنين بقوله تعالى:﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. [37، الشورى].
ويكون ذلك أدعى عند الإعتذار ويترتب على عدم قبول العذر ضياع المروءة والنخوة بين الناس، واقتلاع الرحمة والشفقة من الصدر، واستمرار المكايد والشحناء والجفاء بين الناس، وهذا مما حرمه الإسلام، ودعا إلى نبذه وتركه، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: {المؤمن عذرى}. يعنى يقبل معذرة أخيه، ولا يتنكر له، ولا يتجهم به.
ومن اعتذر إليك عن إساءته لك، فقد أذل نفسه إليك ووضع أمره بين يديك، فلا تترك هذه الفرصة تمر عليك بدون أن تحتويه لديك بقبول عذره، وأن تجذبه نحوك بحسن سياستك وجميل تصرفاتك.
الشعبة الثانية والسبعون: التوكل على الله.
وهو كمال الثقة بالله، والإطمئنان إليه سبحانه،والإعتماد عليه جل شأنه.
والتوكل على الله ناشئ من اعتقاد المؤمن أن الله حسيب ورقيب، وقائم على كل شئ.
والتوكل على الله أمر عقائدى، يتعلق بالقلب والنفس وليس التوكل عملاً من أعمال الجوارح كما يفهم بعض الناس فيقعدون عن العمل، والحركة والتكسب، ويقولون هذا هو التوكل على الله. وذلك جهل بدين الله، فإن لكل جارحة من الجوارح عملاً لا بد لها من أداءه.
والتوكل على الله هو عمل القلب واعتقاده، وأما الأسباب فهى عمل الجسم وحركته، فإن الله لم يخلق شيئاً عبثاً، وأن السماء لا تمطر خبزاً ولا لحماً، ولا فاكهة، ولا إداماً، ولا كساءاً، ولا سكناً ولا علاجاً، ولا تمطر ذهباً ولا فضةً وإنما ذلك  يكون بكد الإنسان وسعيه في الأرض، وجهاده في طلب الرزق.
وكان سيدنا عمر رضى الله عنه، يجد بعض الناس وقد انقطعوا لعبادة الله عزَّ وجلَّ وتركوا الأعمال، فيقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: المتوكلون. فيأمرهم بالخروج للعمل في عمارة الدنيا، وفي التكسب، وفي طلب الأرزاق من وجوهها المشروعة، ويقول لهم: بل أنتم المتواكلون أى المتكاسلون، المتقاعدون عن الجهاد في الأعمال وطلب الأرزاق وعمارة هذه الحياة.
وقد مرَّ رسول الله يوما على المسجد، في وقت الضحى، فوجد رجلا يصلى وأطال الصلاة، فلما فرغ من صلاته، قال له رسول الله: من يعولك؟ فقال: إن لى أخاً يا رسول الله، يعمل وآكل من كسبه. فقال له رسول الله: أخوك أعبد منك.
وقال صلى الله عليه وسلم:{أفضل ما يأكل الرجل من كسب يده وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده}.[97]
وذكر رسول الله لسيدنا داود في هذا المقام، لأنه كان ملكاً وعنده المال الوفير والخير الكثير، ومع ذلك فقد كان يعمل بيده آلات الحرب وأدوات الجهاد، ويبيعها وينفق منها، فلم يشغله الملك والسلطان والجاه عن العمل والتكسب، فما بال هؤلاء الناس الذين ينادون بترك العمل والإنحراف عن دين الله القويم!!، وهل خلق الله الإنسان إلا للعمل؟
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.[4، البلد].والكبد هو التعب، والمشقة من آثار العمل بجد ونشاط إلى يوم موته ولقاء ربه، بدون تعطل أو تبطل. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.[105، التوبة]. والعمل الذي أمرنا الله به، يتنافي مع القعود والبطالة والكسل، والمؤمن الصادق ينفذ أمر الله في كل شئ، وليس في جهة دون أخرى، فإن الله خلق لنا الدنيا لنعمرها بقدر حياتنا فيها وانتفاعنا بها، وخلق لنا الآخرة لنعمل لها بقدر بقاءنا فيها وسعادتنا بها.
وقال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.[15، الملك]. أمرنا الله بالمشى في مناكب الأرض، والمشى هو السير برفق وتأن، والسعى بنظر وتأمل، حتى نتعرف على مكان الأرزاق والأقوات، والخيرات والمعادن، التى جعلها الله في الأرض المذللة والمسخرة لنا، فنستخرجها بالزراعة والصناعة والعلم والخبرة، ونأكل ونشرب ونلبس من رزق الله الذي استودعه لنا من خزائن الأرض.
ألا فليتأمل المسلمون القرأن، ويتفهمون معانيه، فلم يفرط الله في القرآن من شئ مما يحتاجه الناس في دنياهم وآخرتهم، لأنه التوجيه الإلهى الأخير، الذي جمع الله فيه للإنسانية خيرى الدنيا والآخرة.
الشعبة الثالثة والسبعون: الإستغفار.
وهو طلب المغفرة من الله تعالى، والمغفرة هى ستر الذنب حتى لا يظهر في كتاب المذنب، ولا في عالم الأرض والسماء، ولا يذكره أحد من الإنس والجن والملائكة. لأن الله إذا غفر ذنب العبد، محاه من صحائف أعماله، ولم تضره معصيته، ولا يسوءه ذنبه.قال تعالى:﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.[20، المزمل]. وهذه الآية من أعظم آيات الرجاء في كتاب الله عزَّ وجلَّ فقد قررت أن المؤمن إذا استغفر الله من ذنبه، فإن الله غفور يغفرله ذنبه، ورحيم يعطف عليه ويرحمه من محاسبته عليه، لأن العبد الطالب للمغفرة قد استشعر فداحة ذنبه وأيقن بضعف نفسه عن تحمل عذاب الله ووعيده، وأيقن كذلك بوسعة رحمته وعظيم مغفرته، وأن الله وعد المستغفرين بالغفران وأن الله لا يخلف وعده، فلجأ إليه مستغفراً وتائباً.قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾.[10_12، نوح].
وقد أثنى الله على المستغفرين بالأسحار، لأنهم يستغفرون ربهم من نومهم الذي حجبهم وقتاً من العمر عن ربهم وعن عبادته إذ أنهم لم يرتكبوا ذنباً يستغفرون منه ربهم، ولكنه من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين).
وللمستغفرين مشاهد جلت عن الحصر والعد، فقد يستغفرون الله من عبادتهم وقرباتهم، ومجاهداتهم ومشاهداتهم، فضلاً عن سهوهم وغفلاتهم ونومهم وشهواتهم المباحة، وأكلهم وشربهم وقد يستغفرون الله من علمهم وعملهم، فقد قال الإمام أبو العزائم رضى الله عنه:
استغفر الله من علمى ومن عملى     استغفر الله من طمعى ومن أملى
استغفر الله من صوم عجبت بـه     ومن صلاة بها قد صرت في وجل

الشعبة الرابعة والسبعون: التوبة.
وهى ندم القلب، وأسف النفس، على ما وقع من المؤمن من المعاصى والمخالفات.قال صلى الله عليه وسلم:{الندم توبة}.[98]
وقال الله تعالى:﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.[31، النور].
وحقيقة التوبة الإقلاع عن المعصية وتركها، والبعد عنها وعن أسبابها. وكراهيتها وعدم التطلع إليها. خوفاً من الله عزَّ وجلَّ وخشية من جلاله رهبة من عقابه. واستبدالها بعمل الصالحات والطاعات التى تقابل هذه المعصية، فالسرقة مثلاً. الطاعة التى تقابلها رد قيمة المسروق لأصحابه إن أمكن أو الإعتذار إليهم بأى صورة. أو البذل والتصدق والإنفاق. إن لم يمكن شئ مما تقدم، فإن الحسنات يذهبن السيئات، على أن تكون الحسنات مما يقابل السيئات فتكفرها.
وهكذا نجعل لكل معصية طاعة تقابلها، فإن ذلك من شروط قبول التوبة، فإن لم تستطع فإن الله تواب كريم.
وقال صلى الله عليه وسلم:{إذا تاب العبد أنسى الله الجفظة ذنوبه وأنس ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يأتى يوم القيامة وليس عليه شاهد بذنب}.[99]
وقال صلى الله عليه وسلم:{التوبة تغسل الحوبة والحسنات يذهبن السيئات}.[100]
وقد جعل الله باب قبول التوبة مفتوحاً للمؤمنين إلى ما قبل بلوغ الروح الحلقوم. وذلك فضل من الله على المؤمنين والله ذو الفضل العظيم.
وما ذكرناه هو توبة المؤمن من ذنبه، أما توبة الله سبحانه على عبده فهى توفيقها العبد إلى التوبة وإعانته عليها وتبغيضه في المعاصى والمخالفات. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.[7، الحجرات]. وتوبة الله على عبده عطفه عليه، وتفضله على عبده برحمته ومغفرته ومحبته.
قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾.[118، التوبة].
والفضل من الله وإلى الله. أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتوب علينا حتى نتوب إليه توبة نصوحا خالصة لوجهه الكريم إنه مجيب الدعاء.
الشعبة الخامسة والسبعون: صدقة السر.
وهو أن تعطى أخاك المحتاج من مالك ما يساعده على قضاء حاجته، من غير أن يعلم بك أحداً إلا الله.قال صلى الله عليه وسلم:{ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه}.[101] وهذا الرجل ضمن السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله.ومعنى أن شماله لا تعلم ما أنفقت يمينه، أنه لا يذكر هذه الصدقة فيما بينه وبين نفسه وينساها، فكأنها لم تكن وكأنه لم ينفق شيئاً. وهذا كناية عن شدة التستر والكتمان، لأن المؤمن إنما يعامل الله عزَّ وجلَّ، والله يعلم السر وما هو أخفي من السر.قال صلى الله عليه وسلم:{صدقة السر تطفئ غضب الرب}.[102] وكم نحن في أمس الحاجة إلى أن يرفع الله عنا غضبه ومقته، فإننا عبيد ضعاف ومساكين، ولا نقدر على تحمل شئ من غضب الله القوى الجبار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: {أذكر اثنين وأنسى اثنين. أذكر الله والموت. وانسى ما فعلته في غيرك من الحسنات، وما فعله فيك غيرك من السيئات}.
وقال الله جل شأنه:﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.[271، البقرة].
ولو أنعم المؤمن النظر لوجد أنه في الحقيقة إنما يتصدق على نفسه لا على غيره. قال الله تعالى: ﴿ َمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.[20، المزمل]. فإن المؤمن إنما يقدم لنفسه لا لغيره، كما بينت الآيتان الكريمتان، ومع ذلك فإنه يجد ما قدمه لنفسه مدخورا له عند الله عزَّ وجلَّ، وقد نما وزاد، وتعاظم وتكاثر، من غير حد ولا عد. فسبحان ذى الفضل العظيم والأجرالكبير.
الشعبة السادسة والسبعون: صلاة التطوع.
وهى التى تسمى بصلاة السنة والنافلة والرغيبة، وهى كثيرة من أهمها السنن التابعة للفريضة كسنة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء والجمعة، وكذلك سنة العيدين والضحى والوتر وصلاة النازلة، وصلاة الخوف والكسوف والإستسقاء، وهو طلب إنزال الماء من الله عزَّ وجلَّ عند الجفاف والشدة، وسنة التهجد وقيام الليل. وهذه السنن تسمى سنن العبادة ونوافل التقرب إلى الله عزَّ وجلَّ.
قال الله في الحديث القدسى:﴿وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها﴾.[103]
 أما سنن العادات كالأكل والشرب، واللباس والنوم، والمشى وقضاء الحاجة، والشكل الظاهر، فإنها كلها لم تكن بمثابة سنة العبادات، بل لو أن مسلما ترك سنة الصبح مرة واحدة في عمره، وعمل كل سنن العادات، ولم يترك منها شيئاً طول عمره، ما تساوت هذه السنن كلها مع ترك سنة الصبح مرة واحدة في العمر كله، فإن صلاة سنة الصبح مرة واحدة خير من عمل هذه السنن كلها طول العمرعند الله وعند رسوله وعند أئمة الهدى.
ألا فليتدبر ذلك الأخوة المتشددون على أنفسهم وعلى المسلمين في السنن العادية والشكلية، وليجاهدوا في حمل أنفسهم وحمل المسلمين على التمسك بفرائض الله أولا، والبعد عن محارم الله ثانياً، ثم بعمل سنن العبادات ثالثاً، فإننا إذا وصلنا إلى ذلك نكون قد بلغنا بفضل الله قمة الهداية والرشد، والله من وراء القصد وهى الهادى إلى سواء السبيل.
وكذلك صلاة التطوع، وحج التطوع، وعمرة التطوع، وصدقة التطوع، وجميع سنن العبادات من الأذكار الواردة والاستغفار، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، وغيرها من نوافل العبادات التى رغب فيها الإسلام وندب إليها المسلمين، وحثهم على القيام بها رغبة في المزيد من فضل الله ورضوانه.
الشعبة السابعة والسبعون: المحافظة على فروض الكفاية.
فإن أكثر المسلمين يتهاونون فيها رغم أنها أكبر من السنة المؤكدة بكثير، نظراً لأن فرض الكفاية هو الذي إذا فعله بعض المسلمين سقط فعله على الباقين، ومن هنا تهاون كثير من المسلمين فيه. وحرموا من الأجر العظيم الذي يمنحه الله لمن يفعله ويؤديه.
وهى ظاهرة سيئة في المسلمين، لأن المسلم أحرص الناس على ثواب الله ومغفرته ورحمته. وإن المسلم لا تفوته فرصة عن تحصيل فضل الله وغفرانه ما دام ذلك في استطاعته، والمسلم لا يزهد أبداً في هذه الخيرات والهبات الإلهية، ومن فروض الكفاية، طلب العلم وصلاة الجماعة، وصلاة الجنازة ورد السلام.
فإننا نجد المسلمين مثلاً يشيعون جنازة أخ لهم إلى الدار الآخرة، وعند أداء الصلاة عليه، نجدهم قد وقفوا أمام المسجد ينتظرون إنتهاء الصلاة على الجنازة، وكأنهم ليسوا مطالبين بها، وكان في استطاعتهم أن يؤدوا هذه الفريضة مع من يؤديها، ويأخذوا نصيبهم من رحمة الله مثل إخوانهم المصلين على الجنازة.
وكلما كثر المصلون على الجنازة، كلما كانت رحمة بها وبهم أعظم، فإن المصلين عليها يشفعون لها بين يدى الله، والله لا يرد شفاعة المؤمنين.
قال صلى الله عليه وسلم:{اشفعوا تؤجروا}.[104]