آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 17 نوفمبر 2016

- المجذوب والسياسي

عدد المشاهدات:
المجذوب والسياسي
   سئم ناصر الشهير أعمال السياسة, لأن خديعة الأعداء فوق سياسته ففر إلى زاوية مزوية ليروح نفسه بين الدراويش بحالة خفية, فوجد مسكينا في أسمال ظنه محتالا, وانتقد عليه ولكنه أسرع إليه,  وقال ما أسمك ؟ فأجابه : اسمي أبو تراب, وانتقادك علىَّ عجب عجاب, فظن به السوء وقال : أتقن الحيلة وحصل في النصب الوسيلة, وعزم أن يكشف سره بالسياسة وأتقن وسواسه وقال : أبا تراب ما عملك في النهار ومتى تخرج من الدار ؟ .
أبو تراب: عملي في النهار من كلاب الدنيا الفرار, وبما أشهده الاعتبار.
ناصر:وإلى من تفر وأنت بينهم وفيهم ومنهم ؟
أبو تراب: إلى مشهود بعيون اليقين, قريب من أهل التمكين, إلى رب العالمين .
ناصر: لعل عقلك مختل, وعزمك منحل .
أبو تراب: إن من تيقن الموت, وتحقق عدم الفوت, ونظر فاستبصر يفر إلى الله ولا يتأخر.
ناصر: ما حال الناس اليوم ؟ وما يؤول إليه شأن القوم ؟
أبو تراب: تعني بالناس المسلمين ؟ قد التفتوا عن وليهم, وركنوا إلى عدوهم, فخدعهم بالمحال, ثم أذاقهم الوبال, مكنهم الله في الأرض بالتقوى, وأذل لهم غيرهم  ومنحهم الجدوى، فتفرقوا أيدي سبأ وكم وعظهم في النبأ ،ها هي شواظ النيران تمزق جلودهم والوعود تهدد بلادهم، فأصبحوا بعد أن كانوا سادة أمراء عالة أذلاء وهذا جزاء من التفت عن وليه المعطي الوهاب، و يرغب في المسارح والملاهي عن المحراب, وأدخل الثعبان المنكمش في الشتاء بين جلده والغطاء فليلم المتساهل نفسه ، حيث والى العدو ومنحه أنسه

ناصر: وهل لذلك خلاص ؟ أو ليس منه مناص ؟

أبو تراب: سبب البلايا هذا, وقبض على لسانه ثم مزق ثيابه ووضع يده على بطنه عريانة, وقال إنما مكن العدو هذه, ثم وضع يده على عورته وقال : سبب الذل للعدو هذا, هجموا علينا بالسيوف فقهرناهم بما كنا عليه من الحق، فردوا الكرة علينا بشهوتي البطن والفرج فقهرونا قهر الدابة بالسرج ينادينا الأعداء إلى الذل والبليات فنجيبهم للمعاصي والمخالفات

ناصر – بكى بكاء شديدا وتذكر قول العربي :
تَرَي الرَّجُلَ الْفَقِيرَ فَتَزْدَرِيهِ  وَيُعْجِبُكَ الطَّرِيرَ فَتُبْتَلِيهِ
وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيرُ

وقول الآخر :
أَبُنَيَّ إِنَّ مِنَ الرِّجَالِ بَهِيمَةً  فَطِنٌ لِكُلِّ مُصِيبَةِ فِي مَالِهِ
فِي صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ وَإِذَا يُصَابُ بِدِينِهِ لَمْ يُبْصِرِ
           
ثم بكي بكاء شديدًا واسترجع وقال : صدق الله العظيم في قوله مخبرًا عن الكافرين الذين حقروا أتباع نبيه الكريم ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ سورة هود أية 27 وقال إنا نظن في أنفسنا الحكمة والسياسة ونحتقر النساك ،وإذا بهم هم الرجال، ثم قال لأبي تراب : هل ترضى بي لك خادمًا فقد صرت على تقصيري نادمًا ؟ ولكن ياسيدي بين لي كيف الخلاص من ضيق ما خاص ؟

أبو تراب: أنت الذي جلبت هذا لنفسك, فابك في يومك على أمسك .
ناصر: ( بكى وانتحب وخشع بين يدي الفقير ولزم الأدب وقال ) : ياسيدي ما الرأي والحيلة ؟ وما العمل والوسيلة ؟

أبو تراب: اخلع ثياب ترفك ( وخلع أبو تراب ثيابه ووقف عريانًا ) والبس حلة كفنك فإن الموت عز يدوم والراغب في الحياة ذليل محروم، ثم تناول بوصة طويلة فركب عليها يجرها وراءه وقبض على سيف من خشب كالصبي الذي يلعب وهجم عليه قائلاً :لا يرد الكلام مجداً ولا يؤيد قصدا وعدوك أقوى منك خدعة وسياسة, أحرص منك على المال والرياسة، ثم وقف يكرر مخاطبًا بطنه:

يَا بَطْنُ أَنْتِ عَدُوَّتِي    جُوعِي أَنَلْ أُمْنِيَّتِي
ثم ضربها بالسيف وخاطب ذكره قائلاً

أَنْتَ الْعَدُوُّ تَقُودُنِي  لِلنَّارِ حَالَ الْغَفْلَةِ
ثم ضربه بالسيف وخاطب لسانه
نَعَمْ لِسَانِي قَادَنِي     لِلذُّلِّ بَعْدَ الْعِزَّةِ

وأخرجه وضربه بالسيف ثم نظر وقال :يا ناصر إذا قهرت أعداءك فيك بسيف الشريعة بلغت الدرجة الرفيعة, وعاد لك المجد القديم ، وذل لك العدو الرجيم .

ناصر: فهمت إشارته, وأدركت عبارته, ودنوت منه ففر مني وقال : إليك عني, فرجعت إلى بيتي وقد وضح لي السبيل ، وقام الدليل .

مواضع العبرة والعظة في هذه القصة
في قصة ( المجذوب والسياسي ) .. استطاع الإمام المجدد أبو العزائم uأن يقدم للأمة الإجابة على سؤال هام دائمًا ما يثور ويتردد في كل عصر وجيل وهذا السؤال الهام هو : من الأقدر على قيادة الأمة الإسلامية, والإمساك بدفة السفينة الإسلامية ؟ !

هل هم أهل القداسة ؟! أم أهل السياسة ؟!
أيهما أقدر على الفهم والوعي وحراسة العقيدة وسدانة الرسالة ؟!

( فناصر ) ،في قصة المجذوب والسياسي, هو رمز لأهل السياسة, الذين اعتمدوا على مهارتهم العلمية والعقلية وأساليبهم الماكرة, وطرقهم الدبلوماسية ,ومناهجهم الميكافيلية التي تجعلهم متسلطين على أبناء الأمة ولو بالحديد والنار والسجون والمعتقلات وقوانين الطواريء والدساتير الوضعية ..الخ

( والمجذوب أبو تراب ), يرمز إلى أهل الله من العلماء الربانيين أهل الخشية من الله تعالى والأدب معه, الذين منحهم الله الفقه في دينه, وأعطاهم الحكمة وفصل الخطاب, فكانوا أهل القداسة . وهم الأحق بطهرهم وصفائهم بقيادة الأمة ..  ..  كما قال الإمام على بن أبي طالب u: ﴿ نَحْنُ ٱلشِّعَارُ وَٱلأَصْحَابُ وَٱلْخَزَنَةُ وَٱلأَبْوَابُ وَلاَ تُؤْتَى ٱلْبُيُوتُ إِلاَّ مِنْ أَبْوَابِهَا, وَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقًا﴾ .

والأزمة القائمة في الأمة تكمن في غرور أهل السياسة, وابتعادهم عن أهل القداسة, وظنهم الخاطيء أنهم سيحلون مشكلات الأمة بالطرق الدبلوماسية, والمهارة السياسية, في حين أن الطرق الدبلوماسية لم تقهر عدوًا, ولم تعز وطنًا ولم تطرد أبدًا  غاصبًا ولا  محتلاً !!

والإمام المجدد أبو العزائمu يقدم الحل للأمة في قصة المجذوب والسياسي . والحل في نظره يكمن في تسليم أهل السياسة لأهل القداسة, كما كان الخلفاء يفعلون في عهود السلف الصالح . ولذا نجد أن ( ناصر السياسي ) .. في نهاية القصة يعترف بعجزه, ويشهده الله قيمة أهل القداسة فيقول :

( إنا نظن في أنفسنا الحكمة والسياسة, ونحتقر النساك, وإذا بهم هم الرجال).
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير