آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 17 نوفمبر 2016

- الجنة العاجلة ...والجنة الآجلة ...

عدد المشاهدات:
الجنة العاجلة ...والجنة الآجلة ...
أراد رجل من أهل العراق أن يحج فركب البحر مع رفقة قاموا له بالخدمة طيلة أيام سفره, ولما أوغل في الأقيانوس الهندي, عصفت الريح بالسفين فلم تبق عليها شيئا وضل الربان الطريق وتجهم الزمان واكفهر جو المكان ، وتلبدت الغيوم فارتطمت السفين بالصخور فغرقت السفين وهلك كل من فيها إلا هذا العراقي الذي كانت له دراية في السباحة وقدرة على مقاومة الموج بالصبر الجميل .

وقذفته أمواج البحر العجاج اللجاج على شاطيء جزيرة وجد عليه أقوامًا فرحين مهللين مكبرين ...جاءوا معهم بالطبول والمزامير والعيش الكثير والهوادج ذوات الأثاث الوثير .

وخرج الرجل من البحر عاريا فلا رداء عليه وجوعانا لا يقوى على المشي ، فسرعان ما ألبسوه قميصا موشى بالذهب الإبريز وجبة في أحسن تطريز, وجيء بأخزنة من الطعام عليها ما لذ وطاب ، فأكل وشرب ونام فاستيقظ والقوم بين تهليل وتكبير وفرح ومرح ما له من نظير, حتى كان اليوم السابع لقدومه عليهم فتجمع حوله القوم وألبسوه تاجًا موشى بأغلى الجواهر الحسان ’ واللآلي فوق الجمان, ونادوا به ملكا على هذه الجزيرة الأمر الذي كان لا يحلم في سالف العصر والزمان .

وفكر الرجل وقدر في ما آتاه الله من هذا الحظ الكثير والملك الكبير فاستوزر لديه بعض الحكماء من رجالات القوم المعدود برأيهم, بعد أن مكث طويلاً في تعلم لغتهم فلما تم له تعلم هذا اللسان, وأمكنه أن يخاطبهم بما في الجنان, جمعهم ذات يوم وسألهم عن هذا الحال الذي لاقاه, والحظ الذي وافاه, وهم يكتمون عنه أمرهم فيه, وحرصهم على أن يوافيه, ولكن لما تودد إليهم ووجدوا أن فضله دائما واصل لديهم, وأنه أغرقهم بنعماه, واستطابوا العيش معه قالوا له : أيها الملك العزيز والذهب الإبريز, أننا كل عام نقود ملك هذه الجزيرة إلى الهاوية ، قال : وما الهاوية ؟ قالوا : بئر أعددناه لأمثالك, سحيقة القاع, سيئة المتاع, لها في كل مكان منها أمشاط من الصلب مسنونة, إذا هوي فيها إنسان لا يصل إلى القاع, حتى يتبعثر جسمه في كل مكان, ثم بعد أن نفرغ من هذا العمل الوبيل ، نسرع إلى الشاطئ في فرح ومرح لنستقبل من يلقيه البحر إلينا ، ليكون ذلك الملك الجليل .

فلما أن أخبروه الخبر, وأراد أن يكون منه على حذر, قال لهم : وكيف إذا المفر ؟ فقال له أكبرهم سنا وأعظمهم قدرا أن الله جلت قدرته قد جعل لكل ضيق فرجا, ولكل هم مخرجا, سبحانه, جعل لكل شيء قدرا, وأرى أنه إذا طابت نفس المليك للبقاء, فما عليه إلا أن يأمر بإصلاح هذه البلقاء قال : وما هذه البلقاء ؟ قالوا : جزيرة تبعد عنا مسيرة يومين فليعمرها ويستثمرها, فتكون له مأوى أمين وحصن حصين ، بعيدا عن غوغاء هذه الجزيرة, وهوجاء هذه الفئة الشريرة, التي لا تعرف قدر الملوك ، بل هي تملك كل من جاءها من منبوذ مفلوك.

وصحت عزيمة هذا الملك على استصلاح هذه الجزيرة فأرسل إليها العمال والبناة, فشيدوا له قصرا عظيما ، وأرصد لهذا العمل الجليل أموال الدولة ، فما أن قرب انتهاء العام حتى هرول إلى هذه الجزيرة فوجدها جنة عالية, قطوفها دانية ، تجري من تحتها الأنهار, وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها العزيز الغفار .

ثم قالuفمن يكون إذا هذا الإنسان ؟ وبماذا ينطق هذا المثل ياأهل العرفان ؟ ثم قال uبعد أن سكت الجميع : أن هذا المثل ليصور لكم حياة الإنسان في دائرة هذا الإمكان, فالسفينة بطن الأم, وتحطيمها على الشاطئ حالة الوضع, والملك المولود الجديد, ألا ترى النساء يزغردن ويضربن بالدفوف والرجال من ورائهن يرقبون البشري وعلى قدم الاشتياق إلى سماعها في صفوف ؟ ثم يخرج الطفل عريانا فيكسونه بكل نفيس وغال، ويطعمونه أشهى ما يكون من الرزق الحلال ،  ثم ما زالوا يكرمونه حتى يبلغ الرشد ويتم له حسن المال, فإن كان شريراً ألقته ذنوبه وآثامه في الهاوية, وإن نشب مفطورا على الخير أنجاه الله من هذه الداهية, فحمد آخرته بعمل صالح في دنياه, ليطيب له العيش فيها ولا ينفك طول وقته ذاكرا شاكرا الله, الذي لا يسأله غير رضاه ، وحسن لقاه .

مواضع العبرة والعظة في هذه القصة

أن قصة ( الحاج العراقي ) , تكشف مسيرة الإنسان في الحياتين والنشأتين, فإن القادر الحكيم سبحانه وتعالي جعل حياة للدنيا فقط وهي حياة الحيوانات ، وحياة للدار الآخرة فقط وهي حياة الملائكة ، وحياة للدنيا والآخرة وهي حياة الإنسان فالإنسان هو المخلوق المؤهل لنيل السعادتين ، فهو يحيا حياتين ..حياة دنيوية, وحياة أخروية . وهاتان الحياتان إما أن تكونا في رغد وسعادة ( كما حدث للحاج العراقي ) ، الذي فهم حكمة إيجاده،  وسر إمداده  أو تكون إحداهما حياة سعيدة ، والأخرى حياة عناء وشقاء . أو كلا الحياتين في شقاء وعناء .

فالإنسان إذا من الله عليه, وجعل له نوراً يذوق به لذة حياة الضمير وحلاوة الحياة الروحانية ، وانكشف له قبح الملاذ الحسية, وآلام الحياة الحسية المجردة عن لذة النفس بحياتها الروحانية ، كان إنساناً كاملاً بمعناه متلذذا بنعيم الحياتين ، متنعما بخيري الدنيا والآخرة  خاصة إذا علم الإنسان أن العمر هو المسافة بينه وبين ربه, وأن الزمن هو المراحل التي ينتقل منها إلى حضرة الرب سبحانه ( أن إلى ربك الرجعي ) .
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير