آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 28 فبراير 2018

- كيف تتخلص من شواغل الدنيا ؟

عدد المشاهدات:
 من المعلوم أن هذه الحياة الدنيا, مليئة بالمغريات والملهيات والمنسيات التي من شأنها أن تقطع العبد عن الله عز وجل. وصدق الله جل جلاله إذ يقول: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ )) [أل عمران:3\14].

ومهما حاول الإنسان أن ينتقي لنفسه حياة صافية نظيفة من هذه الشواغل، فلن يعثر عليها، مادام يتقلب في فجاج هذه الحياة الدنيا.

إذ إن هذه الشواغل هي المادة الامتحانية التي شاء الله تعالى أن يبتلي بها عباده، فإذا ترفعوا فوقها وتغلبوا على آفاتها، استجابة لأمر الله عز وجل، وفّى لهم وعده، وأجزل لهم المثوبة والأجر، وأكرمهم بنعيم مقيم وسعادة خالدة، وإن ركنوا إليها وتركوها تتغلب على الوظيفة التي أقامهم الله عليها، فنسوا في سبيلها الله ووصاياه وأحكامه، نفذ فيهم وعيده، وقضى عليهم بشقاء لا نهاية له.

إذن فلا مطمع في أن يتخلص الإنسان، مادام في هذه الحياة الدنيا، من هذه الشواغل التي عبر عنها ابن عطاء الله بالأغيار، بل المطلوبنه أن يعيش في غمارها، وأن يصارعها حتى يتغلب عليها، فيسخرها لأوامر الله ومرضاته، ولا يتركها تسخره للانزلاق في حمأة الشهوات والأهواء. وهذا معنى قول العلماء الربانيين ((الخلوة في الجلوة)) أي ليست الخلوة التي يطلبها الله منك أن تفرّ من نظام الحياة الدنيا ومجتمعها الإنساني، إلى كهف قصي لا يراك فيه أحد ولا تراه، وإنما الخلوة التي يحبها ويشرعها الله لك، أن تكون داخلاً في معترك هذه الحياة ومترفعاً في الوقت ذاته فوق أوضارها، تجابه تيارات متعها ومغرياتها متحكماً بها، لا متحكمة بك.

غير أن في الناس من يجهل هذا القانون الرباني والحكمة منه، فيستسلم لشواغل الحياة وآفاتها، محدثاً نفسه أنه إنما يستقبل منها شواغل عابرة، وأنها تمرَّ به وتتجاوزه عما قريب، ولسوف يفرغ عندئذ لشأنه الذي أمره الله به.

فإن كان يمرّ بمرحلة الشباب، حدث نفسه أن الاستسلام لنزوات الشباب شرّ لا بدّ منه، ولا محيص عنه، ولكن الشباب سينقضي عما قريب فتفرغ عندئذ حياته من عقابيله ونزواته، ومن شأن هذا التصور أن يدفعه إلى مزيد من الاستسلام لها، ومن ثم إلى الغفلة عن مراقبة الله عز وجل.

وإن كان مقيماً في أحد أصقاع أوربا أو أمريكا، لدراسة أو تجارة أو لشأن ما من شؤونه، حدثته نفسه أن لا مناص من الاستسلام لذلك الجو الخانق والموبوء الذي هو فيه. وأن ليس أمامه إلا خيار واحد، هو أن ينتظر مرور هذه الحال وانقضاءها، حيث تزول الشواغل ويتحرر عندئذ من سلطانها.. ومن شأن هذا التصور أن يزداد استسلاماً لذلك الجو الموبوء، دون أن يشعر بأي حاجة إلى مراقبة الله عز وجل والاستعانة به.

وكذلك شأن كثير من الناس تجاه الشواغل الأخرى التي قضى الله أن تفور بها هذه الحياة الدنيا.

فما العلاج؟

العلاج ما يقوله ابن عطاء الله!.. يجب أن يعلم كل منا أن انتظار التخلص من الشواغل الدنيوية جهل بحقيقة الدنيا وانتظار في غير طائل. إذ الشواغل التي من شأنها أن تقطع الإنسان عن الله موجودة، وستظل موجودة إلاّ أنها متنوعة حسب مقتضيات تبدل الأزمنة والأمكنة.. للشباب شواغله وآفاته.. وللكهولة أيضاً شواغلها وآفاتها.. وللشيخوخة أيضاً آفاتها ونزواتها.

وشواغل الإقامة في ديار الغرب، لن تنتهي إلى غير بديل، بل ستسلمك تلك الشواغل لدى عودتك إلى دار إقامتك، إلى شواغل أخرى من نوع آخر.

وشواغل السوق ليست شراً من شواغل الأهل والزوجة والدار..

إن الدنيا كلها، كيفما تقلبت في جنباتها، وأنى شرّقت أو غربت منها، مليئة بالشواغل والأغيار الملهية والمنسية، إذن فكيف الخلاص منها؟

إن الخلاص لا يكون بالفرار منها، على أن الفرار منها، مع البقاء في هذه الحياة غير ممكن. لأن الشواغل التي عبر عنها ابن عطاء الله بالأغيار، ليست محصورةً بما تراه عيناك من زينة الحياة الدنيا وزخارفها ومغرياتها، وفتنة الناس بعضهم ببعض، حتى تقول لنفسك: سأنجو منها بالابتعاد عنها واللجوء إلى العزلة والخلوات.

إن نفسك التي بين جنبيك مليئة بالشواغل والأغيار، بل إنها لشواغل أسوأ وأخطر من تلك التي تطوف بك أو تجابهك في الأسواق والملتقيات والمجتمعات!..

إن حديث نفسك لك عن المزايا التي تتمتع بها، والقربات التي لم يرتفع إلى شأوها غيرك، وأنت قابع في خلوتك من أخطر الشواغل المهلكة لك، وإن انشغال قلبك بأولئك الذين ينتقدون حالك، وينتقصون شأنك، وشعورك بالألم منهم أو الحقد عليهم، من أسوء الأغيار التي تحجبك عن الله عز وجل وتنسيك شأنك الذي يجب أن تعنى به وتنصرف إليه.

وإن انصراف فكرك إلى الدار الجميلة التي تتمنى لو أبدلها الله بدارك البسيطة الضيقة التي تقيم فيها، أو إلى الشهوات التي حرمت كيانك منها ظاهراً وشغلت بها سرّك باطناً، كل ذلك من الشواغل المخيفة التي قد تحجبك عن الله عز وجل، وعن مهامّك التي أقامك الله فيها وألزمك بها.

فقل لي إذن: هب أنك فررت من شواغل الأسواق والمجتمعات والملتقيات، فإلى أين تفرّ من هذه الشواغل التي تفيض بها نفسك التي بين جنبيك؟

إن الفرار من الأغيار أياً كانت وأينما وجدت، إنما يكون بالالتجاء إلى الله عز وجل. وهذا من معاني قول الله تعالى: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } { الذاريات: 51/50 }

ومعنى الفرار إليه كثرة الالتجاء إليه بالدعاء والشكوى من حال النفس وضعف الكيان، مع مراقبته الدائمة بواسطة كثرة ذكره ودوام تذكره.

وما من ريب أن الإنسان إن أخذ نفسه بهذا الدواء الذي يعبر عنه البيان الإلهي بالفرار إلى الله وداوم عليه، فإن الله يجعل له من ذلك ما يشبه قارب النجاة لمن تلاطمت من حوله الأمواج.

قد تكون الظروف ألجأته إلى الإقامة في ديار غربة وكفر، أو تكون أعماله التجارية أو الصناعية اضطرته إلى الاندماج في مجتمعات أو مجموعات من الناس، يبثون من سلوكهم وأنفسهم وباء مهلكاً في كل ماحولهم، أو تكون ضروراته الدراسية زجته بين أقران تائهين عن الله منغمسين في الموبقات..ومع ذلك فإنّ بوسعه أن يرى قوارب النجاة أمامه مهيّأة في انتظاره، فإن هو فرّ ملتجئاً إلى واحد منها، فلسوف يرى فيها سلامته وأمنه من كل تلك المهالك والأخطار. وقد علمت أن هذه القوارب، إنما تتمثل في صدق الالتجاء إلى الله والدوام عليه، مع كثرة ذكر الله ومراقبته.

ولم يكن فرار أصحاب رسول الله ومن جاء بعدهم من السلف الصالح، إلا إلى هذا الملاذ.

إنك لتعلم أن رسالة الدعوة إلى الله زجتهم في مخاضة الدنيا، بكل مافيها من ألوان المغريات والعواصف المهلكة، ووباء الفسوق، وفتنة المال والحضارات.. فما الذي عصمهم من موبقاتها وآفاتها؟.

إنهم لم يتراجعوا، لينكمشوا عنها إلى سابق عزلتهم وخلواتهم داخل أقطار الجزيرة العربية، بل خاضوا غمار الدنيا التي انفتحت عليهم، متوكلين على الله توكلاً حقيقياً، لا لفظياً كشأننا اليوم، مقبلين على زاد دائم من مراقبة الله وذكره وكثرة الالتجاء إليه والانكسار بين يديه، داعين متضرعين أن يحميهم الله عز وجل من تلك التيارات المهلكة التي لا قبل لهم بها وأن لا يكلهم إلى نفوسهم الأمارة وكياناتهم الضعيفة.. فأسعفهم الله عز وجل واستجاب لهم، وأكرمهم بوقاية كوقايته عز وجل للوليد في المهد.

وليس خبر عبد الرحمن الداخل وأصحابه القلة عنك ببعيد!..

ألم يغامروا في سبيل نشر رسالة الله، ويتجهوا بها إلى عالم جديد لا علم لهم به، ولاخبر لديهم عنه، لقد كان ذلك العالم الجديد الذي وفدوا إليه مليئاً بالأخطار المتجهة إلى معاشهم وحياتهم الدنيوية، وبالأخطار والشواغل المتجهة إلى دينهم وعلاقتهم بالله عز وجل.

فكيف وقاهم الله شر تلك الأخطار كلها؟ وكيف أخضع الله لهم تلك المجتمعات، وأنار أمامهم ومن حولهم تلك الليالي الحالكات؟

لو أنهم استسلموا للواقع، وانتظروا، أو ترقبوا، فراغهم من تلك الأغيار، على حد تعبير ابن عطاء الله، متصورين أنها ستمرّ بهم وتجتازهم، إذن لاختنقوا في حمأتها، وأصبحوا أثراً بعد عين، وبقيت تلك المجتمعات تخب في ظلامها.

لقد كان سبيلهم إلى تلك الوقاية الإلهية العجيبة، فرارهم إلى الله.

وكان معنى فرارهم إليه شدّة التجائهم إليه.. كانوا إذا دعوه، دعوه دعاء المضطر الواجف، وكانوا يراقبونه في كل حركاتهم وسكناتهم وأطوارهم، كانت جسومهم وظواهرهم تتقلب في غمار تلك العواصف والتيارات والمغريات والأخطار، غير أن قلوبهم وأفكارهم كانت منصرفة بالذكر والرجاء إلى مدبر الكائنات جل جلاله.

ولو اعتبر المسلمون اليوم بهذه الحكمة التي اعتصرها ابن عطاء الله من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح، واتخذوها لأنفسهم منهجاً، إذن لكتب الله لهم من التأييد ماكتبه لعبد الرحمن الداخل وصحبه.

وصدق الله القائل: { وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ } { إبراهيم: 14/13ـ14 }
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير