آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 4 فبراير 2018

- أقوال العلماء في نجاة والدي الرسول صلى الله عليه وسلم

عدد المشاهدات:
أقوال العلماء في نجاة والدي الرسول صلى الله عليه وسلم
هذا نبي كريم ورسول عظيم إختاره الله تعالى وكرمه وأكرمه واختار له أبوين كريمين وأوجده من خلاصة ولد عدنان ومن الأصلاب الطاهرة من البشرية.. والأنساب الفاخرة ومن جواهر النطف.. وكما قال السيوطى أن كل الأحاديث تصرح في مجملها لفظاً وكلها بمعانيها أن أباء النبي صلى الله عليه وسلم وأمهاته من آدم وحواء مطهرون من دنس الشرك والكفر.. وليس فيهم كافر لأنه لا يقال في حق الكافر أنه مختار ولا طاهر ولا مصفي بل يقال عن الكافر أنه نجس.. قال تعالى: (إنما المشركون نجس) فوجب أن لا يكون في أجداد صلى الله عليه وسلم شرك بل ما زال يتنقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة وما زال يتنقل نوره من ساجد قال تعالى: (الذى يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) فهذه الآية تدل على أن جميع أبائه صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين.. وهكذا قال إبن حجر المكي أن أمهات النبي صلى الله عليه وسلم إلى آدم وأباءه كذلك مختارون كرام والأمهات طاهرات.. والكافر لا يقال طاهر.. ولا يقال في حقه مختار..وهكذا يرى كل عاقل ومحب ومؤمن بأن الآثار عندما تجمع وتحلل وينظر فيها بعمق ينتهى الأمر إلى خلاصة مهمة وهي أن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم أقل ما يقال عنهما أنهما كريمان.. ناجيان لأنهما من أهل الفترة ولم تبلغهما الرسالة وحاشا لله أن يعذب من لم تبلغه الرسالة وهو سبحانه وتعالى يقول: (وما كنا معزبين حتى نبعث رسولا).. وأبوه عبد الله مات كما جاء معنا في الكتاب الذى بين أيدينا وهو في بطن أمه.. وأمه السيدة آمنه.. ماتت وهو ابن ست سنين على أغلب الأقوال.. وهكذا فهما ناجيان بنص القرآن..
وقد عجبت لرجال يتكلفون في محاولة اثبات أن والدى الرسول صلى الله عليه وسلم في النار بغير علم ولا فهم ولا كتاب منير.. وهو خطأ وزلة قدم  خاصة عندما ينسبا إلى الشرك وليسا بمشركين وهذا من باب إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وأي أذى أعظم من أن يقال أن أبويه صلى الله عليه وسلم في النار.. كما قال القاضي بن العربى المالكى ولقد كنا نناقش هذا الموضوع مع أستاذنا الشيخ الفقيه والعالم المحدث السيد إسحاق عزوز.. وكان له منهجه في تناول هذا الموضوع بأدب.. وكان يرى أنه ليس من مصلحة العامة التعرض لهذا الموضوع حي لا تزل بهم الأقدام في متاهات أو إساءآت يؤذون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مذهبه أن يقتصر مناقشة هذا الموضوع على أهل العلم والفقه وأن تتم المناقشة بعلم وأدب وحب وتقدير وإحترام لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبه الشريف الطاهر.. وأصله الطيب.. وآباءه وأجداده الكرام.. وقد سلك السيد اسحاق عزوز جزاه الله خيراً في مسلكه للدفاع عن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم مسالك علمية.. وأول هذه المسالك ما جاء في القرآن الكريم مما يستدل به على نجاة الأبوين.. بل على طهارة أجداده وآباءه ثم اعتمد على ما جاء في الحديث النبوى الشريف فأورد الأحاديث الصحيحة ثم أورد شواهد عليها بحيث يشد بعضها بعضا.. وأعجبني أنه تجنب كل حديث فيه كذاب أو وضاع ولهذا فإني سوف ألقى الضوء على فكرته ومنهجه في الدفاع عن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه منهج معتدل وعلمى..

ففي المسلك الأول الذي يعتمد على ما جاء في القرآن الكريم من آيات تثبت نجاة الأبوين.. بل تثبت نقاء وطهارة الآباء والأجداد.. وأول هذه الأمور هو أن الأصلاب والبطون التي حملته عليه الصلاة والسلام هي المقصودة بما جاء في القرآن الكريم على لسان أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله:واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك..وفي قوله:ربنا وأبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة..وفي قوله:واجنبني وبني أن نعبد الأصنام..وفي قوله:وأجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي..
وهنا نأتي إلى النقطة المهمة وهي أن دعوة سيدنا إبراهيم عندما قال ومن ذريتنا أمة مسلمة لك أي أنه قد سأل الله أن يجعل في ذريته من ولده إسماعيل أمة مسلمة وما تناسل منهم فالمقام كان مقام الدعاء وسؤال الله أن يبقى هذا الإسلام في ذريته ثم جاء التعقيب.. وأبعث فيهم رسولاً منهم وهذا يوضح بجلاء أن المقصود ذرية إسماعيل دون سواهم من ولد إبراهيم ثم دعا أن يبعث الرسول من هذه الأمة المسلمة.. ومن هذا الفرع بالذات..
ويرى السيد إسحاق عزوز ـ رحمه الله ـ أن هذا الأمر لا يتصور أي لا سيما من تصور بعثته صلى الله عليه وسلم من الأمة المسلمة من ولد إسماعيل ألا إذا كان دين إبراهيم سوف يمثله في القرون التى بينه وبين بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأن الناس من سيدنا إسماعيل لا يخلو من قوم مسلمين منهم.. إلى البعثة المحمدية.. وأنه ظلت فئآت واقوام ولو قليلون يدينون بملة إبراهيم في التوحيد الخالص ولا يعبدون الأصنام..
وقد أخرج إبن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن ابن جرير في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام (واجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) قال لا يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله..
وحيث وجد في ذرية إسماعيل عليه السلام من عبد الأصنام فواضح أن إبراهيم قد خص بدعائه أمة من ذريته تبقى فيهم ملته ولا تندرس على تطاول القرون إلى أن يبعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم منهم..
ولما لم يكن ممكنا بعثته من جميع أعراق ذريته كان أولاهم باحتسابه منهم هم أباؤه وأجداده وأمهاته فيكون منهم نسبا قريبا وملة.. قال السيوطي في الحاوي (كل ما ذكر عن ذرية إبراهيم عليه السلام فإن أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة الذين خصوا باصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحدا بعد واحد فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليه في قوله (ربي اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي)، ولما وضح أن المخصوص بالدعاء هم آباؤه وأجداده صلى الله عليه وسلم دون عموم الذرية.. قال سفيان بن عينيه لما سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام قال لا ألم تسمع قوله تعالى (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) كما وراه إبن أبي حاتم. وكذلك أخرج بن جرير في تفسيره عن مجاهد إنه قال (إستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحدا من ولده صنما بعد دعوته).
ولا ينطبق هذا إلا على من خص بدعائه أن تبقى فيهم ملته ولا تندرس من آبائه وأجداده صلى الله عليه وسلم ومن نذر قليل خصهم الله بعنايته ممن لم يبدلوا ولم يحرفوا..
روى عيد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه) قال شهادة أن لا إله إلا الله والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها بعده.ونقل عبد الرزاق في تفسيره عن ابن معين عن قتادة في الآية قال الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده.
وأخرج إبن المنذر (قال بن جريح الآية في عقب إبراهيم لم يزل في ذريته من يوحد الله ويعبده بقوله لا إله إلا الله.
قال إبن المنذر وقول آخر (فلم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون الله حتى تقوم الساعة).

وهكذا إختار الله لنبيه آباءه وأمهاته من طاهر إلى طيب ومن طيب إلى طاهر إلى أن أوصله الله إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى رحم أمه آمنة فأخرجه إلى الدنيا وجعله سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة العالمين.
ودعونا الآن ننتقل إلى المسلك الثانى بخصوص نجاة الأبوين الكريمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. فنستعرض على ما جاء في الحديث النبوي الشريف عن نجاة الأبوين كما جاء بكتاب السيد إسحاق عزوز..
روى البخارى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت في القرن الذي كنت فيه).
وأخرج مسلم والترمذى وصححه عن وائلة بن الاسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفي من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفي من ولد إسماعيل كنانة واصطفي من كنانة قريشا، واصطفي من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم. قال ابن تيمية قضية الخبر أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم).
وفي ذخائر العقبي للمحب الطبرى من حديث وائلة بلفظ أن الله اصطفي من ولد آدم إبراهيم وانخذه خليلا واصطفي من إبراهيم إسماعيل واصطفي من مضر كنانة وقريشا ثم اصطفي من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب..
روى الترمذى وحسنه عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم ثم تخير القبائل فجعلني في خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا).
أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان).

وما إفترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما فاخرجت من بين أبوي فلم يصبني شئ من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى إنتهيت إلى أبي وامي فأنا خيركم نسبا وخيركم أبا.
وأخرج أبو نعيم عن إبن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لم يلتق أبواي قط على سفاح ولم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفي مهذبا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما..
ورى الطبراني عن إبن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى إختار خلقه منهم بني آدم ثم اختار منهم العرب فاختار منهم قريشا فاختار منهم بني هاشم ثم إختار بني هاشم فاختارني فلم أزل خيارا من خيار. ألا من أحد العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم..
وروى الطبراني وأبو نعيم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام قال قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ولم أر بني أب افضل من بني هاشم..قال إبن حجر (لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن).يريد والله أعلم أن الأحاديث الكثيرة تؤيده في أفضليته صلى الله عليه وسلم وفي أفضلية بني هاشم على سائر القبائل.
وأخرج مردويه (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قال أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح).

وقال السيوطي أورد المحب الطبرى في ذخائر العقبي والبزار مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية فقالت صفية بنت عبد المطلب منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نبتت النخلة أوالشجرة في الأرض الكساد فذكرت ذلك صفية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب فقام على المنبر فقال (يا أيها الناس من أنا؟ قالوا أنت رسول الله قال أنسبوني قالوا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال فما بال أقوام ينزلون أصلي فوالله اني لأفضلهم أصلا وخيرهم موضعا)
وأخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أقواما نالوا منه فقالوا انما مثل محمد كمثل نخلة نبتت من كناس فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين فجعلني من خير الفرقتين ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلا ثم جعلهم بيوتا فجعلنى من خيرهم بيتا ثم قال أنا خيركم قبيلا وخيركم بيتا.
وأخرج إبن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج قال ليس آزر أبا إبراهيم وإنما هو إبراهيم بن تيرخ أو تاريخ بن شاروخ بن فاخور بن فالخ.قال والعرب تطلق لفظ الأب على العم اطلاقا شائعا كما قال تعالى (أم كنتم شهدء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق).
وأخرج بن أبي حاتم بسند ضعيف عن إبن عباس رضي الله عنهما قال أن أبا ابراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما اسمه تارخ.
وأخرج إبن أبي حاتم وإبن المنذر بأسانيد من طرق بعضها صحيح عن مجاهد قال ليس آزر أبا إبراهيم.
قال السيوطي:أعلم أن الأحاديث يصرح أكثرها لفظا وكلها معنى أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأمهاته إلى آدم وحواء مطهرون من دنس الشرك والكفر ليس فيهم كافر لأنه لا يقال في حق الكافر أنه مختار ولا طاهر ولا مصفي بل يقال نجس. قال تعالى (إنما المشركون نجس) فوجب أن لا يكون في أجداده مشرك فما زال منقولا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة وما زال يتنقل نوره من ساجد إلى ساجد كما قال تعالى (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) فالآية تدل على أن جميع آبائه صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وحينئذ وجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين وإنما كان ذلك عمه) ا هـ.

قال ابن حجر الملكى الأحاديث مصرحة لفظا ومعنى أن آباءه وأمهاته صلى الله عليه وسلم إلى آدم مختارون كرام وأن أمهاته طاهرات والكافر لا يقال في حقه مختار ولا كريم ولا طاهر بل نجس. ا هـ.
وهكذا طهر الله رسوله بالحفظ في الأصلاب والأرحام وطفلا وناشئا وكهلا حتى قدسه بظهور نبوته وشرفه بالقرية وطيبه بروحه وجلله ببهائه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه.
وهكذا نرى في هذا المسلك ما يؤكد ذلك المنهج ويؤيد الفكر وينطبق مع المنطق السليم لسلامة الأبوين الكريمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا ما تعمقنا بدقة فيما مر بنا  من آيات وأحاديث وآثار نرى أن كل أصل من أصوله عليه الصلاة والسلام منذ آدم عليه السلام إلى أبيه عبد الله هو من خير قرن إلى خير قرن.. ومن أفضل أصل إلى أفضل.. ومن أطهر رحم إلى أطهره.. وقد ظلت الأرض بأرادة الله ومشيئته من سيدنا آدم لا تخلو من أناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه وبهم تحفظ الأرض.. والكون من الهلاك..
وقد أورد السيد اسحاق عزرز نصوص تدل على أن الأرض لم تخل على مر القرون من مسلم في كل القرون وأورد ـ رحمه الله ـ أحاديث وشواهد على ذلك..
منها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه بإسناده على شرط الشيخين عن ابن جريج قال قال إبن الصيب قال على بن أبي طالب (لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدا فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها).
ومثل هذا لا يقال بالرأي فله حكم المرفوع.
ومنها ما رواه الامام أحمد في الزهد والخلال من كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قال ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض وله حكم الرفع أيضا.
وقوله من بعد نوح لأنه من قبله كان الناس كلهم على الهدى.

ومنها: ما رواه البزار في مسنده وابن جرير وإبن المنذر وإبن أبي حاتم في تفاسيرهم والحاكم في المستدرك وصححه عن إبن عباس في قوله تعالى (كان الناس أمة واحدة) قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين.
وفي الحاوى للسيوطي قال إبن أبي حاتم في تفسيره (بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين آدم تسعة وأربعون ابا).وفي الحاوي أيضا: (إن سام إبن نوح مؤمن بالإجماع) لأنه كان مع أبيه في السفينة ولم ينج فيها إلا مؤمن، قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقون)
ثم ساق السيوطي آثارا يعلم من مجموعها أن أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم من آدم إلى زمن نمرود كانوا مؤمنين بيقين، قال ثم إستمر التوحيد في ولد إبراهيم وإسماعيل.
قال الشهرستاني في الملل والنحل كان دين إبراهيم قائما والتوحيد في صدر العرب شائعا وأول من غيره واتخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحي.
وقال إبن كثير في تاريخه كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن ولي عمرو بن عامر الخزاعي مكة فأحدث عبادة الأصنام وشرع للعرب الضلالات من السوائب وغيرها وزاد في التلبية.
وقال السهيلي في الروض الأنف كانت العرب قد جعلم عمرو بن لحي مطاعا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوه شرعه لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم. ا هـ.
فهو أول من غير دين إيراهيم ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمي الحامي وأول من أدخل في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وتبعته العرب ومع ذلك بقيت بقايا من دين إبراهيم وظلت خزاعة على الحرم إلى أن انتزع منهم قصي ولاية البيت.

وقال السيوطي وهذا يثبت أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو المذكور كلهم مؤمنين حيث لم يدخل التبديل والتغيير في شريعة إبراهيم إلا في زمن عمرو بن لحي الخزاعي.
ثم أخرج السيوطي روايات عن إبن عباس والطبري وإبن سعد في طبقاته السهيل في الروض الأنف ووكيع في كتاب الفرر من الأخبار يدل مجموعها على بقاء كل من عدنان ومعه مضر والياس وكعب بن لؤى وولده مره، وغيرهم من العرب كربيعة وخزيمة وأسد وتميما وضبة وقسا على الإيمان ونقل عن الماوردي في دلائل النبوة وابي نعيم في دلائل النبوة ان كعب بن لؤي كان يخطب قريشا يوم العروبة وهو يوم الجمعة فيذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم بإتباعه والإيمان به ويبقى بعد مرة من آبائه صلى الله عليه وسلم كلاب وقصي وعبد مناف وهاشم وعبد المطلب وعبد الله والده صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه من دعوات إبراهيم عليه السلام لذريته من إسماعيل عليه السلام (وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتى ـ وجعلها كلمة باقية في عقبه) يدل على أن من ذريته من بقى على الإيمان وأولادهم به سلسلة الأجداد والآباء الشريفة الذين خصوا بالاصطفاء وانتقل اليهم نور النبوة واحدا بعد واحد فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار اليهم في دعاء إبراهيم عليه السلام في الآيات السابقة. وقد دل ما سبق من دلائل على ايمانهم وحسبك ما رأوا من دلائل ثبوته التي نقلت عنهم.

قال أبو الحسن الماوردي في كتابه أعلام النبوة (إن الله استخلص رسوله صلى الله عليه وسلم من أطيب المناكح وحماه من دنس الفواحش ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) أى تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيا فكان نور النبوة ظاهرا في آبائه ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية ولتفرده نهاية فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل فيه فلذلك مات عنه أبواه في صغره فأما أبوه فمات وهو حمل وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت انه سلالة آباء كرام ليس في آبائه مسترذل ولا مغمور مستبدل بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة. ا هـ.

إيمان أمهات الرسول صلى الله عليه وسلم

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتز بأمهاته وجداته ويقول كما جاء معنا أنا إبن العوائل والفواطم ولكن الأمر المهم الذي نناقشه في هذا الفصل هو قضية إيمان أمهاته صلى الله عليه وسلم فقد عقد استاذنا السيد اسحاق باب خاص لذلك وأثبت أن أمهاته قد سلمن من الشرك.. وأنهن طاهرات من السفاح..
قال السيوطي في حاوية استقرأت امهام الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات فأم إسحاق وموسى وهارون وعيسى وحواء، أم شيث مذكورات في القرآن بل قيل بنبوتهن.
ووردت الأحاديث بايمان هاجر أم إسماعيل وأم يعقوب وامهات أولاده وأم داود وسليمان وزكريا ويحى وشمويل وشمعون وذي الكفل.
ونص بعض المفسرين على ايمان أم نوح وأم إبراهيم ورجحه أبو حيان في تفسيره.
وقد تقدم عن ابن عباس انه لم يكن بين نوح وآدم والد كافر ولهذا قال نوح (رب اغفر لي ولوالدى ولمن دخل بيتي مؤمنا) وقال إبراهيم (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) ولم يعتذر من استغفار إبراهيم في القرآن إلا لأبيه خاصة دون أمه تدل على أنها كانت مؤمنة، وقد دلت الأخبار السابقة على أن آزر الذى استغفر له لم يكن إلا عمه، وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال كانت الأنبياء من بني اسرائيل إلا عشرة (نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد عليهم السلام).
وبنوا إسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى أن بعص عيسى فكفر به من كفر، فأمهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلهن مؤمنات وأيضا فغالب أنبياء بني إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم فإن النبوة كانت تكون في سبط منهم بتناسلون كما هو معروف في أخبارهم.
وأما العشرة المذكورن من غير بني إسرائيل فقد ثبت إيمان أم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبقي أم هود وصالح ولوط وشعيب، فالظاهر إن شاء الله إيمانهن (أي أسوة بالآخرين) فكذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكأن السر في ذلك ما يرينه من النور كما ورد في حديث أحمد والبزار والطبرائي والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إني عبد الله وخاتم النبيين وأن آدم لمجندل في طينته وسأخبركم عن ذلك دعوة أبي إيراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمى التىي رأت) وكذلك أمهات النبيين يرين، وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام ولا شك أن الذى رأته أم النبي صلى الله عليه وسلم في حال حملها وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمهات الأنبياء كما سبق في كتب السيرة.
وقال السيوطي أيضا (أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهرى عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في علتها التى ماتت فيها ومحمد غلام يقع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت:
بارك فيـك الله من غـلام يابن الذى من حومه الحمـام
نجا بعون الملـك المنعـام فودي غذاه الضرب بالهــام
بمائـة من ابـل ســوام ان صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعـوث إلى الأنـام من عند ذى الجلال والاكـرام
تبعث في الحل وفي الحرام تبعث بالتحقيق والإسلام
دين أبيــك أبراهـــام فا الله نهـاك عن الأصــنام
                         أن لاتواليها مع الأقـوام

ثم قالت كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكرى باق وقد تركت خيرا وولدت ظهرا.
قال السيوطي وما أحسن قول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي.
تنقـل أحمـد نورا عظيما تلالأ في جباه السـاجديـن
تقلب فيهم قـرنا فقـرنـا إلى أن جاء خير المرسلينا

وقال أيضا:
حفـظ الله كرامـة لمحمــدا اباءه الأمجاد صوتا لاسمه
تركوا السفاح فلم يصبهم عاره من آدم حتى ابيه وأمــه

وقال الشرف البوصيرى صاحب البردة:لم تتنزل في ضمـائـر الغيــب تختار لك الأمهات والآبـــأء
مامضـت فترة من الرســل إلا بشـرت قومهـا بك الأنبيـاء
تتباهـى بك العصـور وتسـمو بك عليـا، بعدهـا عليــاء
وبدا للوجــود منـك كريــم من كريــم آباؤه  كـرمـا
نسـب تحـب الملا بحـــلاه قلدتها نجومهـا الجــوزاء

موضوع أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة

ونأتي الآن إلى موضوع أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة وماتوا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ومنهم أبويه المكرمين وبعض أجداده.. وأهله ودعونا ننظر في هذه المسألة فالحقيقة أن أكثر العرب كانوا يقولون بأنتسابهم إلى ملة إبراهيم عليه السلام.. إلى أن ظهر الفساد على يد عمرو بن لحي الذى جلب الأصنام إلى مكة.. وأستغل مركزه وإطعامه وأنفاقه وأغرى الناس.. بل أمرهم بعبادة الأصنام التي أحضرها وزينها له الشيطان من شواطئ جدة واستغل غلبة الجهل وخلو الزمان من مبلغ ولهذا فان العرب عامة ما بين بعثة سيدنا عيسى عليه السلام وبعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هم على مراتب:

1. منهم من بقي على شريعة إيراهيم عليه السلام فوحد الله ولم يعبد الأصنام كأبائه صلى الله عليه وسلم وقيس بن ساعدة وغيره فهؤلاء مؤمنون ناجون.
2. منهم من دخل في شريعة حق قائمة كمن تهود وتنصر فحكمه حكم أهل الدين الذي دخل فيه مالم يلحق الإسلام الناسخ لكل دين فانه سيعذب إذا لم يؤمن.
3. ومنهم من لم تبلغه دعوة لأي نبي كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى فهؤلاء أهل فترة.
4. ومنهم من كان في زمن جاهلية ملأ الجهل الأرض وفقدت الشرائع من آل يعقوب ولم تبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرا يسيرا من أهل الكتاب متفرقين في أقطار الأرض والشام وغيرها ولم يعهد للجاهل تقلب في الأسفار إلى مواطنهم ولم يعمر عمرا طويلا يمكنه من التنقيب فهؤلاء أهل فترة أيضا اذا لم يشركوا بالله.

5. ومنهم من لم يشرك ولا دخل في شريعة  ولا أبتكر لنفسه شريعة بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله فهؤلاء أهل فترة أيضا وفي الجاهلية من كان كذلك.
6. ومنهم من بدل وغير وأشرك ولم يؤمن وشرع لنفسه وحلل وحرم وهم أكثر العرب اتبعوا عمرو بن لحي أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع لهم الضلالات وأدخل في التلبية ماليس منها وزاد بعضهم عليه من بعده ضلالا من عبادة الجن والملائكة ووأد البنات واتخاذ بيوت جعلوا لها سدنة وحجاجا يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة، وعلى هؤلاء يحمل من صح تعذيبه لكفرهم بما لا يعذرون به.
7. ومنهم من بلغته دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثم أصر على كفره فهو في النار قطعا بلا نزاع.

والذي يهمنا مناقشته هنا هو قضية أهل الفترة وهل يعذبون أم لا.. وقد قال السيوطي في حاويه (أطبقت أئمتنا من أهل الكلام والأصول على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا من العذاب وذلك لأنه لا تعذيب قبل البعثة ومن الأثباتات التي ساقوها من القرآن الكريم..
قوله تعالى (وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا)، أخرج إبن أبي حاتم في تفسيره في الآية عن قتاة قال إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق اليه من الله تعالى خبرا أو تأتيه من الله بينة.
وقوله تعالى (وماكان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا).
وقوله تعالى (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقلوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى).
وقوله تعالى (ولو أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين).
وقوله تعالى (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرين ذكرى وماكنا ظالمين).
وقوله تعالى (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ان تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين).
وأعلم انه مع اتفاقهم على أن لاتعذيب لقوم قبل بعثة نبي إليهم، قال قوم المراد به أنه لا تعذيب في الدنيا بالهلاك والقذف والمسخ ونحوه إلا بعد بعثة نبي لقوله تعالى (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا). ونحوها وقال آخرون المراد أنه لا تعذيب لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد دعوة نبي لهم لاحتجاج الله عليهم بأنه لم يعذبهم إلا لكفرهم بمن أرسل إليهم ومن لم تبلغه الدعوة يعامل في الدنيا كالمسلم فيضمن بالكفارة والدية ولا يقاتل ولكن لا يجب القصاص على قاتله.
ودلت بعض الأحاديث على أن أهل الفترة يمتحنون في الآخرة فمن أطاع منهم أدخل الجنة ومن عصى أدخل النار ومن ذلك ما رواه أحمد في مسنده والبيهقي في كتاب الإعتقاد وصححه عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أربعة يمتحنون يوم القيامة رجل أصم لايسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعته فيرسل إليهم (أدخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها سحب إليها).
وأضف إلى ذلك روايات أخرى الأبكم ومن مات صغيرا هذا وقد صحت أحاديث بتعذيب أشخاص من أهل الفترة ذكروا بأسمائهم ممن بدل وغير الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به كعمرو بن لحي وغيره.
أما أهل الفترة فانه يراد بهم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الاول ولا أدركوا الثاني ولم تبلغهم أي دعوة حق أصلا كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى عليه السلام ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أهل الفترة من أرسل اليهم نبي ولكن اندرست شريعته كلية. فإن لم تندرس شريعته بالكلية ولو طرأ عليها التحريف والفساد فليس أهلها أصحاب فترة كاليهود والنصارى فإنهم ليسوا أهل فترة رغم تحريفهم وتبديلهم، أما العرب من ذرية إسماعيل عليه السلام فإنهم كانوا خارجين عن دعوة عيسى عليه السلام.
والخلاصة أن أهل الفترة بنص القرآن لا يعذبون لأن الدعوة لم تبلغهم.. ولكن على أي حال.. فإن في المسلكين السابقين من القرآن والأحاديث النبوية الشريفة ما يغنى عن كل ذلك وأنهما طاهرين فما إفترقت فرقتين منذ آدم عليه السلام إلا كان في خيرهما.. ويكفينا.. (وتقلبك في الساجدين) وأنه دعو أبوه إبراهيم الذى دعا له.. (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك).

موضوع أحياء الأبويين وإيمانهما برسول الله صلى الله عليه وسلم

ذهب بعض الدارسين إلى تعقب حديث ضعيف يروى عن السيدة عائشة رضى الله عنها.. أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر لها بأن الله سبحانه وتعالى قد علم حزنه وألمه لوفات أمه وأبيه قبل أن يبعث وأنه قد قد خشى عليهما ولهذا فقد دعا الله لهما وأكرمه الله بأن أحياهما فامنا به ثم ماتا بعد ذلك..
ونبتت نبتة في هذه الأيام تكثر من الطعن واللمز في أبوي المصطفي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك ركن لايتم الإسلام إلا به رددوا عن أب المصطفي ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال قال يارسول الله أين أبي قال في النار فلما قفي دعاه قال إن أبي وأباك في النار.
قال السيوطي لفظ أبي وأباك في النار لم يتفق على ذكرها الرواة وانما ذكرها حماد بن سلمه عن ثابت عن أنس وهي الطريق التى رواه مسلم بها.
وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذرك (أن أبي وأباك في النار) ولكن قال له (إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار) وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة وهو أثبت من حيث الرواية لأن معمرا أثبت من حماد فإن حمادا تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبة دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا ولا خرج له مسلم للأصول إلا من روايته عن ثابت، قال الحاكم في المدخل ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا مع حديثه عن ثابت وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيئا من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت.
ثم وجدنا الحديث ورد عن حديث سعد بن أبي وقاص مثل لفظ (رواية معمر عن ثابت عن أنس) فأخرج البزار والطبرانى والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبي قال في النار قال فأين أبوك قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين الإعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره وقد زاد الطبرانى والبيهقي في آخره قال فأسلم الأعرابي بعد ذلك فقال كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
وقد أخرج إبن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه قال جاء أعرابيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله أن أبي كان يصل الرحم وكان. فأين هو قال في النار فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار قال فأسلم الأعرابي بعد قال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للإمتثال فلم يسعه إلا إمتثاله.
ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشئ البتة فعلم أن هذا اللفظ من تصرف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه.
ونعود إلى حديث مسلم في عدم الأذن بالإستغفار لها فمعلوم أن الإستغفار ليس مخصوصا بالمشرك والكافر بل هو شامل للمؤمن والكافر والطائع والعاصي والولي والنبي كما قال تعالى (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) وقال تعالى (واستغفروه انه كان توابا).

ومعلوم أيضا أن النهي عن الإستغفار للمشركين وعن القيام على قبر مشرك كان من قبل حجة الوداع التى حصل فيها الاستئذان، كما قال تعالى (ماكان للنبي والذين آمنوا معه أن ستغفروا للمشركين) وكما قال تعالى (ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره أنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطلب الأمر الذي نهى عنه ولا يرتكب ما نهاه عنه ربه وهو طلب استئذانه للإستغفار لها واستئذانه لزيارتها إنما هو لأنه صحت طهارتها عن دنس التلوث بالشرك ودليل على إسلامها وعدم موتها على الشرك وعدم الاذن له في الإستغفار لها لا يدل على أن الإستغفار لها غير مقبول أبدا إذ يجوز أن يؤذن في وقت ولا يؤذن في وقت فيؤخر إلى مجئ الوقت المعين فيستجاب عند مجيئه كما قالت عائشة أنه صلى الله عليه وسلم نزل إلى الحجون ثم عاد مسروا.
كما أن عدم الاذن بالإستغفار لها لا يقتضى أنها من أهل النار أو يقتضي شركها لأن هذا الإحتمال معارض بما هو أرجح منه وهو ما سبق في المسلكين من أدلة قرآنية وأحاديث على أن كل أصل من أصوله صلى الله عليه وسلم كان متدينا بالملة الإبراهيمية إستجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام ـ وأن أولى الناس من ذريته من إسماعيل عليه السلام بإستجابة دعائه فيهم هم سلسلة أصوله الشريفة الذين دعا أن يبعث الرسول منهم حيث خصوا بالإصطفاء ونقل نور النبوة إليهم واحدا بعد واحد، ولما دلت عليه الأحاديث أن كل أصل من أصوله كان خير أهل قرنه.
فتعين لهذا تأويل الحديث بأنه كان يطلب إحياءهما ليتشرفا بصحبته صلى الله عليه وسلم بالإيمان به فلم يؤذن له لأنه مأمور بدعوة الأحياء إلى الإيمان لا بدعوة الأموات أو لأنه طلب الإذن بالإستغفار من غير وحي إلهي فلم يؤذن له لأن الأولى به صلى الله عليه وسلم أن يقف عند وحى ربه أو أن الغاية من طلبه الإستغفار لهما هو الدعاء برفع درجاتهما ولم يكن الوقت قد جاء بعد.
وما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال ليست شعري ما فعل أبواي فنزلت ولا تسأل عن أصحاب الجحيم فهذا لم يخرج في شئ من كتب الحديث وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتاج به ولا يعول عليه والثابت في الصحيحين إنها نزلت في أبي طالب ثم أن هذا السبب لا يعول عليه أيضا. وذلك أن الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها كلها في اليهود قوله تعالى (يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وافوا بعهدى أوف بعهدكم واياى فارهبون) إلى قوله (وإذ إبتلى ابراهيم ربه) ولهذا اختتمت القصة بمثل ما صدرت به وهو قوله تعالى (يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم) الآيتين فتبين أن المراد بأصحاب الجحيم كفار مكة وقد ورد ذلك مصرحا به في أثر اخرجه عيد بن حميد والقرياني وإبن جرير وإبن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وثلاث عشر آية في نعت المنافقين ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل إسناده صحيح ومما يؤكد ذلك أن السورة مدنية وأكثر ما خوطب فيها اليهود ويرشح ذلك من حيث المناسبة أن الجحيم إسم لما عظم من النار كما هو مقتضى اللغة والآثار فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره وعائد عند الدعوة وبدل وحرف وجحد بعد علم لا من هو بمطنة التخفيف وإذا كان قد صح في أبي طالب انه أهون أهل النار عذابا فإن هذه مما يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ليسا في النار لأنهما لو كانا فيها لكانا أهون عذابا من أبي طالب لأنهما أشد منه قربا وأبسط عذرا إذ لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب.
والحقيقة أن لا حاجة لمثل هذا الحديث.. لأن البعض يقولم قد أحيا الله له أمه السيدة آمنة عندما كان في الحجون.. والبعض يقول أحيا له أمه وأبيه.. وقد أعجبت بمذهب السيد إسحاق عزوز الذى ذهب إليه في أنه لا حاجة إلى الإحتجاج به لثبوته فقد إتضح لنا من الدراسة التي تقدمت أنهما وكل أجداده قد ظلوا على الحنفية.. أي على دين جدهم إبراهيم عليه السلام.

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير