آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 3 فبراير 2017

- وسائل الإعداد الروحى للطفل

عدد المشاهدات:
يقصد بالإعداد الروحي أن يكون الطفل جياش العواطف، ينبسط للخير ويفرح به ويحرص عليه، وينقبض عن الشرِّ ويضيق به ويفرُّ منه. ويوجِّه الإسلام عناية خاصة لتربية الرُّوح لأنها في نظره مركز الكيان البشرى ونقطة ارتكازه، والمهيمن الأكبر على حياة الإنسان، لأنها صلة الإنسان بالله:
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [29- الحجر]
فالرُّوح تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها ولا طريقة عملها، هي وسيلتنا للإتصال بالله ....
وهى الطاقة التي يتصل بها الإنسان بالمجهول، بالغيب المحجوب عن الحواس، فالاستشفاف عملية من عملية الرُّوح، والحلم التنبؤي عملية من عمليات الروح، والتخاطر عن بعد ( التلباثي) كحادثة عمر الشهيرة مع سارية، حين ناداه على بعد ألوف الأميال: يا سارية الجبل!! فسمعه سارية ونجا من الكمين وانتصر، هذا التخاطر عملية من عمليات الروح. وهي كلها عمليات جليلة عظيمة باهرة معجزة. يقف الإنسان حائرًا أمامها، مبهورًا من العجب والإعجاب.
ومهمة العقيدة هى مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها. مهمتها أن تساعد الفطرة في الاهتداء إلى الله، الاهتداء الذي هو كامن في كيانها ولو حجبتها عنه الأمراض. مهمتها أن تطلق الرُّوح من إسارها لكي ترى الله.
فيعتقد الطفل أن الله الذي خلقه معه ويراه، وهو مطلع على سرِّه وعلانيته، وأنه سوف يحاسبه في يوم لا شفيع فيه ولا نصير. وأن جوارحه سوف تشهد عليه، وأن الله قد فرض عليه فرائض فلا يضيعها كالصلاة والصيام والزكاة، وإكرام الوالدين، والإحسان إلى الجيران، وصلة الرحم.... وغيرها، .... فطريقة الإسلام في تربية الروح هي :
أن يعقد صلة دائمة بينها وبين الله، في كل لحظة وكل عمل وكل فكرة وكل شعور، ويستخدم لذلك وسائل شتى:
- فهو من ناحية يثير حساسية القلب بيد الله المبدعة في صفحة الكون، لتحس دائما بوجود الله، وقدرته المطلقة التي ليست لها حدود.
- ومن ناحية يثير حساسية القلب برقابة الله الدائمة عليه. فهو مع الإنسان أينما كان، وهو مطَّلعٌ على فؤاده، عالم بكل أسراره، وبما هو أخفى من الأسرار.
- ومن ناحية يثير في القلب وجدان التقوى والخشية الدائمة لله، ومراقبته في كل عمل وكل فكرة وكل شعور.
-ومن ناحية يثير فيه الحب لله، والتطلع الدائم إلى رضاه.
- ومن ناحية يبعث فيه الطمأنينة إلى الله في السَّرَّاء والضَّرَّاء، وتقبُّل قدره بالتسليم والرضاء. والهدف في النهاية واحد: هو وصل القلب البشري بالله.
- وحين يحسُّ بمراقبة الله الدائمة له في كل تصرف، وكل فكرة، وكل شعور، وكل هاجسة في النفس مستورة، وكل خائنة في العين خافية: ... يهتز ويرتعش، ويخِرُّ خاشعًا ويراقب الله في الصغيرة والكبيرة وفي الجهر وفي الخفاء ويراقبه وهو يعمل، يراقبه وهو يفكِّر، يراقبه وهو يحسُّ، فلا يعمل شيئًا بغير إخلاص، ولا يعمل شيئًا بقصد الشرِّ ولا يعمل شيئًا دون تمعن وتفكر، ولا يعمل مستهترًا ولا مستهينًا بالعواقب، ولا يعمل شيئًا لغير الله.
يمكن أن نلخص وسائل الإعداد الروحي فيما يلى:
1. العناية بالفضائل
وذلك بإبراز قيمة الفضائل وآثارها الفردية والإجتماعية وأبرزها: العدل، والصدق، وبر الوالدين، والشجاعة والصبر، والرحمة والعفو، والأمانة والعفة، والتواضع والحلم، والصمت وكفالة اليتيم، وبرُّ الجار والإجارة، والوفاء للصديق والوفاء بالعهد، وغيرها.
وإظهار مساوئ الرذائل كالكبر، والظلم والحسد، والكذب والنفاق، والنميمة والغيبة، والبخل والبغي، والغرور والسخط، وحب الدنيا واللعن، وصحبة الأشرار وشهادة الزور، والغدر وخلف الوعد، والجدال والمراء، والرياء والعجب، والغش والتجسس، والهمز واللمز والشماتة، والزنا واللواط، وعقوق الوالدين واتباع الهوى، وقطيعة الأرحام والربا، وغيرها.
وبيان آثارها أمام الطفل بقدر ما يتسع له فهمه، وذلك بمراقبته وتعويده على الحياء والاحتشام، وأن يحبب إليه الإيثار، ويحفظه عن الصبيان الذين عُودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالطة كل من يُسمعه ما يُرغبه فيه، ويمنع من لغو الكلام وفحشه، من اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شئ من ذلك، فإن ذلك يسرى لا محالة من قرناء السوء.
ولذلك فإنَّ من الضروري أن يحبب الآباء أبناءهم في اختيار الأصدقاء الأخيار، ومزاولة أصحاب الخلق الفاضل، لأن الأطفال يحاكي بعضهم بعضاً ويتشبه كلٌّ بالآخر.
والصورة المثلى للتربية الحسنة هي ما يرويه القرآن الكريم في حديث لقمان وهو يعظ ابنه إذ يقول:{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
(13_ لقمان)
ففي هذه الآيات نرى تدرج الدعوة وأخذها بالأهم فالمهم في خطوات أو مراحل متتابعة ومتكاملة لا انفصال بينها وهي:
أولا: جانب العقيدة: متمثلا في قوله:{ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}[16_19- لقمان].
بعد تثبيت العقيدة واستقرارها في الضمير بعد الإيمان بالله وحده لا شريك له، واليقين بالآخرة لا ريب فيه، والثقة بعدالة الجزاء لا يفلت منه مثقال حبة من خردل. بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية وهى تطبيق العقيدة متمثلاً في التوجه إلى الله بالصلاة وإلى الناس بالدعوة إلى الله والصبر على تكاليف الدعوة ومتابعتها التي لا بد أن تكون: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [17- لقمان].
ـ الجانب الأخلاقي والتربوي:
ثم ينتقل إلى أدب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير، ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [18، 19- لقمان].
ويوضح الإمام الغزالي كيفية العناية بهذا الجانب [ في كتابه (إحياء علوم الدين) جـ 3 ص73] فيقول:
(مهما ظهر من الصبي خُلُقٌ جميل، وفِعْلٌ محمود، فينبغي أن يُكَرَّم عليه ويُجازى عليه بما يفرح به، ويُمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشفه، ولا يظهر له أن يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة. فعند ذلك إن عاد ثانية فينبغي أن يعاتب سرًّا ويعظم الأمر فيه. ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين، فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح، ويُسقط وَقْعَ الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظًا هيبة الكلام معه، فلا يوبخه إلا أحياناً، والأم تخوِّفُهُ بالأب وتزجره عن القبائح).
==========================================
منقول من كتاب( تربية القرآن لجيل الإيمان)لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير