آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 8 يناير 2017

- الإمام النووي

عدد المشاهدات:
الإمام النووي
أبو زكريا يحيى بن شرف الحزامي النووي الشافعي (631هـ-1233م / 676هـ-1277م) المشهور باسم "النووي" هو مُحدّث وفقيه ولغوي مسلم، اشتهر بكتبه وتصانيفه العديدة في الفقه والحديث واللغة والتراجم، كرياض الصالحين والأربعين النووية وو غيرها ، ويوصف بأنه محرِّر المذهب الشافعي ومهذّبه، ومنقّحه ومرتبه، حيث استقر العمل بين فقهاء الشافعية على ما يرجحه النووي. ويُلقب النووي بشيخ الشافعية، فإذا أُطلق لفظ "الشيخين" عند الشافعية أُريد بهما النووي وأبو القاسم الرافعي القزويني.

كان النووي كغالبية علماء الشافعية يعتقد بعقيدة الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، إذ إن كتابه "شرح صحيح مسلم" فيه الكثير من العقائد على أصول أهل السنة الأشاعرة، وقد صرح اليافعي وتاج الدين السبكي أنه أشعري، وقال الذهبي في تاريخه: «إن مذهبه في الصفات السمعية السكوت، وإمرارها كما جاءت، وربما تأول قليلاً في شرح مسلم كذا»، قال: «والتأويل كثير في كلامه». وللإمام النووي مؤلف في التوحيد، وهي رسالة سماها المقاصد.

وقد بين النووي في كتابه "المقاصد" سبعة مقاصد وخاتمة، المقصد الأول: في بيان عقائد الإسلام وأصول الأحكام ومما ذكر فيه قوله: «أول واجب على المكلف معرفة الله تعالى وهي: أن تؤمن بأن الله تعالى موجود ليس بمعدوم، قديم ليس بحادث، باقٍ لا يطرأ عليه العدم، مخالف للحوادث لا شيء يُماثله، قائم بنفسه، لا يحتاج إلى محل ولا مخصص، واحد لا مشارك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، له القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، فهو القادر المريد العالم الحي السميع البصير المتكلم.

حياته و نشأته 

ولد النووي في نوى سنة 631هـ، ولما بلغ عشر سنين جعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن تعلم القرآن الكريم وحفظه، حتى ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام، ومكث في بلده نوى حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، ثم ارتحل إلى دمشق. قدم النووي دمشق سنة 649هـ، فلازم مفتي الشام عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري وتعلم منه، وبقي النووي في دمشق نحواً من ثمان وعشرين سنة، أمضاها كلها في بيت صغير في المدرسة الرواحية، يتعلّم ويُعلّم ويُؤلف الكتب، وتولى رئاسة دار الحديث الأشرفية، إلى أن وافته المنية سنة 676هـ.

تميزت حياته العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور: الأول: الجدّ في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه. والثاني: سعَة علمه وثقافته، وقد جمع إلى جانب الجدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، فقد كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا. الثالث: غزارة إنتاجه، فقد بدأ به عام 660 هـ، أي في الثلاثين من عمره، وقد بارك اللّه له في وقته، وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةَ العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار. وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم.

حج الإمام النووي 

بعد نحو سنتين من قدوم النووي إلى دمشق، صحبه أبوه إلى الحج، يقول النووي: «فلما كانت سنة إحدى وخمسين (أي 651هـ) حججت مع والدي، وكانت وقفة جمعة، وكان رحيلنا من أول رجب»، قال: «فأقمت بمدينة رسول الله نحواً من شهر ونصف».

وقال ابن العطار: قال لي والده رحمه الله: «لما توجهنا من نوى للرحيل أخذته الحُمى فلم تفارقه إلى يوم عرفة»، قال: «ولم يتأوّه قط، فلما قضينا المناسك ووصلنا إلى نوى، ونزل إلى دمشق، صبّ الله عليه العلم صباً، ولم يزل يشتغل بالعلم ويقتفي آثار شيخه المذكور (يقصد الشيخ المراكشي) في العبادة من الصلاة وصيام الدهر والزهد والورع وعدم إضاعة شيء من أوقاته إلى أن توفي رحمه الله».

علمه و فقه

حين استقر النووي في المدرسة الرواحية واطمأنت نفسه في مسجده أقبل على طلب العلم بكل ما يعتلج بقلبه وعقله من شغف وجد واستعداد، ولقد كان ذلك منه مضرب المثل، ومثار العجب، قال النووي: «وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض». ويقول الذهبي: «وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً، وهجره النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد على الشيوخ». وذكر قطب الدين اليونيني أنه كان لا يضيع له وقت في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة أو مطالعة، وإنه بقي على التحصيل على هذا الوجه ست سنين.

وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار -على لسان النووي- عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا، درسين في الوسيط، وثالثًا في المهذب، ودرسًا في الجمع بين الصحيحين، وخامسًا في صحيح مسلم، ودرسًا في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرسًا في إصلاح المنطق لابن السكيت في اللغة، ودرسًا في الصرف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة. وسمع منه خلق كثير من الفقهاء، وسار علمه وفتاويه في الآفاق، وانتفع الناس في سائر البلاد الإسلامية بتصانيفه، وأكبوا على تحصيل مؤلفاته.

حكى بدر الدين بن جماعة أنه سأله عن نومه، فقال: «إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه». ويقول النووي في مقدمة كتابه روضة الطالبين وعمدة المفتين: «فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجل الطاعات، وأهم أنواع الخير وآكد العبادات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، وشمَّر في إدراكه والتمكن فيه أصحاب الأنفس الزكيات، وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى المكرمات، وسارع إلى التحلي به مستبقو الخيرات، وقد تظاهر على ما ذكرته جمل من آيات القرآن الكريمات، والأحاديث الصحيحة النبوية المشهورات، ولا ضرورة إلى الإطناب بذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات.».

يقول ابن العطار: "كان حافظًا للمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من ذلك جميعه وما هجر، سالكًا في كلها طريقة السلف".

ويروي ابن العطار أن النووي سمع الصحيحين (البخاري ومسلم.) وسنن أبي داود والترمذي ، والنسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي، وأبي عوانة الإسفراييني، وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وشرح السنة للبغوي، ومعالم التنزيل له في التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب، وأجزاء كثيرة غير ذلك.. نقلت ذلك جميعه من خط الشيخ رحمه الله".

وصفه تلميذ النووي علاء الدين بن العطار بقوله: «الشيخ الزاهد الورع ولي الله»، وقال الذهبي: «وكان شيخاً مباركاً»، ولما مات سنة 685هـ صُلّي عليه صلاة الغائب، وهذا يدل على شهرة صلاحه، وقد عاش بعد وفاة ابنه تسع سنين وقد جاوز السبعين.

شيوخ الإمام النووي

سمع النووي أبا الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر، ومحمد بن أحمد المقدسي وهو أجل شيوخه، وأبا إسماعيل بن أبى إسحاق إبراهيم ابن أبى اليسر وأبا العباس أحمد بن عبد الدائم، وأبو البقاء خالد النابلسي، وأبا محمد عبد العزيز بن عبد الله محمد بن عبد المحسن الأنصاري، والضياء بن تمام الحيصي، والحافظ أبا الفضل محمد بن محمد البكري، وأبا الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد خطيب دمشق، وأبا محمد عبد الرحمن بن سالم ين يحيى الأبناري، وأبا زكريا يحيى بن الفتح الصيرفي الحراني، وأبا إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فاضل الواسطي وغيرهم.

مؤلفاته

عاش الإمام النووي (46 سنة) فقط، ورغم هذا فقد ترك من المؤلفات ما لو قسم على سني حياته لكان نصيب كل يوم كراستين ؛ فإذا علمنا أنه لم يبدأ العلم إلا في سن (18 سنة)، فأي مضاء وأي عزيمة وقدرة وبركة في العمر آتاه الله إياها!!

- شرح مسلم: يبحث السند، واللغة وتسمية ما يجهل اسمه، وشرح المعنى، وما يستنبط من الحديث، ومن قال بظاهر الحديث ومن خالف وما حجته، مع فوائد كثيرة أخرى.

- الروضة "روضة الطالبين": والروضة من الكتب الكبيرة المعتمدة في المذهب الشافعي، اختصرها النووي من كتاب الإمام الرافعي "الشرح الكبير"، وأثنى عليها الأئمة. - المنهاج: من أكثر كتب النووي تداولاً، اختصره من "المحرَّر" للرافعي، وله فيه تصحيحات واختيارات.

- رياض الصالحين: لم يبلغ كتاب من كتب الحديث والوعظ من الانتشار والثقة ما بلغه هذا الكتاب، وشرحه العلامة محمد بن علي الصديقي الشافعي في كتاب "دليل الفالحين لطريق رياض الصالحين".

- الأذكار: ذكر فيه عمل اليوم والليلة، وزاد عليها أذكار المناسبات مع كثير من الأحكام المتناسبة مع الذكر. كتب أخرى للنووي: التبيان، تحرير التنبيه، تصحيح التنبيه، الإيضاح في المناسك، الإرشاد، التقريب، الأربعين النووية، بستان العارفين، مناقب الشافعي، مختصر أسد الغابة، الفتاوى، أدب المفتي والمستفتي، مختصر آداب الاستسقاء، رؤوس المسائل، تحفة طلاب الفضائل، الترخيص في الإكرام والقيام، مسألة تخميس الغنائم، مختصر التذنيب، مسألة نية الاغتراف، دقائق المنهاج والروضة، التقريب والتيسير.

وفاة الإمام النووي

في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء في الرابع والعشرين من رجب، سنة ست وسبعين وستمائة، توفي الإمام النووي، يقول التاج السبكي: «لما مات النووي بنوى ارتجت دمشق وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وأحيوا ليالي كثيرة لسنته».

وقال ابن العطار: «... فسار إلى نوى وزار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته لها في بيت والده، فبلغني مرضه فذهبت من دمشق لعيادته، ففرح رحمه الله بذلك، ثم قال لي: «ارجع إلى أهلك»، وودعته وقد أشرف على العافية يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ثم توفي في ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، فبينا أنا نائم تلك الليلة إذا منادٍ ينادي على سدة جامع دمشق في يوم جمعة: «الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع»، فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فقلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فلم يكن إلا ليلة الجمعة عشية الخميس إذ جاء الخبر بموته رحمه الله، فنودي يوم الجمعة عقب الصلاة بموته، وصلي عليه بجامع دمشق، فتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً، الخاص والعام، والمادح والذام».

ودُفن الإمام النووي في قريته نوى، وقبره ظاهر يُزار. ومما أُثر من خبره أنه لما دنا أجله ردّ الكتب المستعارة عنده من الأوقاف جميعها. قال قطب الدين اليونيني: «ولما وصل الخبر بوفاته لدمشق، توجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة على قبره»، قال: «وكان يسأل أن يموت بأرض فلسطين، فاستجاب الله تعالى منه».

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:




شارك فى نشر الخير