آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 7 يناير 2026

تفسير إبن عجيبه سورة البينة

عدد المشاهدات:
سورة البينة 

يقول الحق جلّ جلاله : {لم يكن الذين كفروا} أي : بالرسول وبما أنزل عليه {من أهل الكتاب} اليهود والنصارى ، {والمشركين} ؛ عبَدة الأصنام {منفكِّين} منفصلين عن الكفر ، وحذف لأنَّ صلة " الذين " يدل عليه ، {حتى تأتِيَهم البَيِّنَةُ} الحجة الواضحة ، وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم. يقول : لم يتركوا كفرهم حتى بُعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فلمّا بُعِثَ أسلم بعض ، وثبت على الكفر بعض. أو : لم يكونوا منفكين ، أي : زائلين عن دينهم حتى تأتيَهم البَينة ببطلان ما هم عليه ، فتقوم الحجة عليهم. أو : لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بَعَثَ اللهُ محمداً فقامت عليهم الحجة ، وإلاّ لقالوا : {لَوْلاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً...} [طه : 134] الآية.
وتلك البينة هي {رسولٌ من الله} أي : محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من " البينة " {يتلو} يقرأ عليهم {صُحفاً} كتباً {مُطَهَّرةً} من الباطل والزور والكذب ، والمراد : يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف ، وهو القرآن ، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه ، ولم يكن يقرأ مكتوباً ؛ لأنه كان أُميًّا لا يكتب ولا يقرأ الصحف ، ولكنه لَمَّا كان تالياً معنى ما في الصُحف فكأنه قد تلى الصُحف. ثم بيّن ما في الصُحف ، فقال : {فيها} أي : في الصُحف {كُتب قَيِّمةٌ} مستقيمة ناطقةٌ بالحق والعدل. ولَمّا كان القرآن جامعاً لِما في الكتب المتقدمة صدق أنَّ فيه كُتباً قيمة. 

{وما تَفَرَّقَ الذين أُوتوا الكتاب إِلاَّ مِن بعد ما جاءتهم البينةٌ} أي : وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ مِن بعد ما عَلِموا أنه حق ، فمنهم مَن أنكر حسداً ، ومنهم مَن آمن. وإنّما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولاً بينهم وبين المشركين ؛ لأنهم كانوا على علمٍ به ؛ لوجوده في كتبهم ، فإذا وُصفوا بالتفرُّق عنه كان مَن لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل : المعنى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ، أي : منفصلين عن معرفة نبوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى بعثه الله.
{وما أُمروا إِلاَّ ليعبدوا اللهَ} أي : ما أُمروا في التوراة والإنجيل إلاّ لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق ، ولكنهم حرّفوا وبدّلوا. وقيل : اللام بمعنى " أن " أي : إلاّ بأن يعبدوا الله {مخلصين له الدينَ} أي : جاعلين دينَهم خالصاً له تعالى ، أو : جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جُزي : استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء ، وهو بعيد ؛ لأنَّ الإخلاص هنا يُراد به التوحيد وترك الشرك ، أو ترك الرياء. انظر كلامه ، وسيأتي بعضه في الإشارة. {حنفاءَ} مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام ، {ويُقيموا الصلاةَ ويُؤتوا الزكاةَ} إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة ، فالأمر ظاهر ، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا ، {وذلك دِينُ القيِّمة} أي : الملة المستقيمة. والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعُلو رتبته وبُعد منزلته.
الإشارة : لم يكن الذين جحدوا وجودَ أهل الخصوصية من العلماء والجهّال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحُجة القائمة عليهم ، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول ، يتلو كتابَ الله العزيز على ما ينبغي ، وما تَفَرَّقوا في التصديق إلاّ بعد ظهوره. وما أُمروا إلاّ بالإخلاص وتطهير سرائرهم ، وهو لا يتأتى إلاّ بصُحبته. وتكلم ابنُ جزي هنا على الإخلاص ، فقال : اعلم أنَّ الأعمال على ثلاثة أنواع : مأمورات ومنهيات ومباحات ؛ فأمّا المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن : خلوص النية لوجه الله ، بحيث لا يشوبها أُخرى ، فإن كانت كذلك فالعمل خالص ، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك ، فالعمل رياء محض مردود ، وإن كانت النية مشتركة ؛ ففي ذلك تفصيل ، فيه نظر واحتمال. قلت : وقد تقدّم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة : 198] ، وحاصله : أنَّ الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه.
ثم قال ابن جزي : وأمَّا المنهيات فإنْ تَرَكها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها ، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأُجر. وأمَّا المباحات ، كلأكل والشرب ، والنوم والجماع وغير ذلك ، فإن فَعَلَها بغير نية لم يكن له فيها أجر ، وإن فَعَلَها 

بنية وجه الله فله فيها أجر ، فإنَّ كُلَّ مباح يمكن أن يصير قُربة إذا قصد به وجه الله ، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ، ويقصد بالجِمَاع التعفُّف عن الحرام ، وشبه ذلك. هـ.
ودرجات الإخلاص ثلاث : الأولى : أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق ، والثانية : أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط ، والثالثة : أن يعبد الله عبودية ومحبة. 

يقول الحق جلّ جلاله : {إِنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} المتقدمين في أول السورة ، {في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شَرُّ البريَّةِ} أي : الخليقة ؛ لأنّ الله بَراهم ، أي : أوجدهم. قُرىء بالهمزة ، وهو الأصل ، ويعدمه مع الإدغام ، وهو الأكثر.
{إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خيرُ البريَّةِ} لا غيرهم ، {جزاؤُهم عند ربهم جناتُ عدنٍ} إقامة ، {تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورَضُوا عنه} حيث بلغوا من الأماني قاصيها ، وملكوا من المآرب ناصيتها ، وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. {ذلك لِمَنْ خَشِيَ ربَّه} ، فإنَّ الخشية التي هي مِن خصائص العلماء به مناطاة بجميع الكمالات العلمية والعملية ، المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. والتعرُّض لعنوان الربوبية ، المعربة عن المالكية والتربية ؛ للإشعار بعلو الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. قاله ابو السعود.
وقوله : {خير البرية} يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. وفيه تفصيل تقدّم ذكره في النساء. قال القشيري : قوله تعالى : {خير البرية} يدل على أنهم أفضل من الملائكة. هـ. قال في الحاشية : أي : في الجملة ، ثم ذكر حكاية الرجل الذي أحياه الله بعد موته بدعوة عيسى ، فقال : إنه كان في الجنة ، وأنه مرّ بملأ من الملائكة ، وهم يقولون : إنَّ من بني آدم لَمَنْ هو أكرم على الله من الملائكة. ثم ذكر عن نوادر الأصول : أنَّ المؤمن أكرم على الله من الملائكة المقربين ، فانظره. وقال بعضهم : الملائكة عقل بلا شهوة ، والبهائم شهوة بلا عقل ، والآدمي فيه عقل وشهوة ، فمَن غلب 

عقلُه على شهوته كان كالملائكة أو أفضل ، ومَن غلبت شهوتُه على عقله كان كالبهائم أو أضلّ. هـ.
الإشارة : مَن كفر بأهل الخصوصية مِن أهل العلم وغيرهم لهم نار الحجاب والقطيعة ، ومَن آمن بهم ، ودخل تحت تربيتهم ، له جنات المعارف خالداً فيها ، رضي الله عنهم حيث قرَّبهم إليه ، ورَضُوا عنه حيث سلّموا الأمر إليه ، وخشوا بعُده وطرده. قال الإمام الفخر : اعلم أنَّ العبد مُركَّب من جسد وروح ، فجَنّة الجسد هي الموصوفة في القرآن ، وجنة الروح هي رضا الرب. والأُولى مبدأ أمره ، والثانية منتهى أمره. 

وقال الورتجبي : عن الواسطي : الرضا والسخط نعتان قديمان ، يجريان على الأبد بما جرى في الأزل ، يظهران الوسْم على المقبولين والمطرودين. فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم ، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. ثم قال عن سهل : الخشية سر والخشوع ظاهر. هـ. فالخشية محلها البواطن ، والخشوع ظهور أثر الخشية في الظاهر. وبالله التوفيق ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.


التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

جاري التحميل...

موضوعات مهمة