عدد المشاهدات:
يقول الحق جلّ جلاله : {إِذا زُلزلت الأرضُ} أي : حُركت تحريكاً عنيفاً مكرراً متداركاً ، {زِلزالها} أي : الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية ، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه ، أو : زلزالها العجيب الذي لا يُقادر قدره. قال ابن عرفة : المراد : الأرض الأولى ؛ لأنّ الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجِّمين متلاصقة بعضها مع بعض ، وكذلك الأرضون ، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلُّل ، وهو ظاهر حديث الإسراء. هـ.
وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى : {وأخرجت الأرضُ أثقالها}
أي : ما في جوفها من الأموات والدفائن ، جمع : ثِقُل ، وهو : متاع البيت ، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير ، أو : للإيماء إلى تبدُّل الأرض غير الأرض. {وقال الإنسانُ} أي : كل فرد مِن أفراده ، لِما يدهمهم من الطامة التامة ، ويبهرهم من الداهية العامة : {ما لها} زُلزلت هذه الزلزلة الشديدة ، وأخرجت ما فيها من الأثقال ، استعظاماً لِما شهدوه من الأمر الهائل ، وقد سُيرت الجبال وفي الجو فصارت هباءً. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام ، والكافر بطريق التعجًّب.
{يومئذٍ تُحَدِّثُ أخبارَها} يوم إذا زلزلت الأرض تُحَدِّث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها ، قيل : يُنطقها اللهُ وتُحدِّث بما وقع عليها خيرٍ وشر ، رُوي عنه صلى الله عليه وسلم : " أنها تشهد على كل أحدٍ بما عمل على ظهرها " {بأنّ ربك أوْحى لها} أي : بسبب أنَّ ربك أوحى لها بأن تُحَدِّث ، أي : أَمَرَها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها ، يقال : حدثت كذا وبكذا ، و " أوحى " يتعدى باللام وبـ " إلى ".
{يومئذٍ} أي : يوم إذ يقع ما ذكر {يَصْدُر الناسُ} من قبورهم إلى موقف الحساب {أشتاتاً} متفرقين طبقات ، منهم بِيض الوجوه آمنين ، ومنهم سُود الوجوه فزعين ، كما في قوله تعالى : {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} [النبأ : 18] وقيل : يصدرون غن الموقف أشتاتاً ، ذات اليمين إلى الجنة ، وذات الشمال إلى النار ، {لِيُرَوا أعمالَهم} أي : جزاء أعمالهم ، خيراً أو شراً.
{فمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يَرَهُ} ، والذرة : النملة الصغيرة. وقيل : ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و " خيراً " : تمييز ، {ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يَرَهُ} قيل : هذا في الكافر ، والأُولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه : ليس مؤمن ولا كافر ، عَمِلَ خيراً ولا شرًّا في الدنيا إلاّ يراه في الآخرة ، فأمّا المؤمن فيرى حسناته وسيئاته ، فيغفر اللهُ سيئاته ويُثيبه بحسناته ، وأمّا الكافر فيَرُدُّ اللهُ حسناته ويُعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب : الكافر يرى ثوابه في الدنيا ، في أهله وماله وولده ، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير ، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا ، في نفسه وأهله وماله ، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. وفي الحديث : " إذا تاب العبدُ عن ذنبه أَنْسَى الله الحفظةَ ذنوبه ، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض ، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ". قال ابن جُزي : هو على عمومه في الكافر ، وأمّا المؤمنون فلا يُجْزَون بذنوبهم إلاَّ بستة شروط ؛ أن تكون ذنوبهم كِبار ، وأن يموتوا قبل التوبة منها ، وألاَّ يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها ، وألاّ يُشفع فيهم ، وألاّ يكونوا ممن استحق المغفرة بعملٍ ، كأهل بدر ، وإلاّ يعفو الله عنهم ، فإنّ المؤمن العاصي في مشيئة الله ، إن شاء عذَّبه ، وإن شاء غفر له. هـ.
الإشارة : إذا زُلزلت أرضُ النفوس زلزالها اللائق بها ، وحُركت بالواردات والأحوال ، وتحققت الغيبة عنها بالكلية ، أشرقت شمس العرفان ، فغطّت وجودَ الأكوان ، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه مُنشِداً :
فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت
أرض النفوس ودُكت الأجبال
لرأيتَ شمس الحق يسطع نورها
يوم التزلزل والرجال رجال
وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم ، يومئذ تُحَدِّث أخبارها : أخبار الأسرار الكامنة فيها ، بأنّ ربك أوحى لها إلهاماً. يومئذ يَصْدُر الناسُ من الفناء إلى البقاء ، أشتاتاً ، فمنهم الغالب حقيقته ، ومنهم الغالب شريعته ، ومنهم المعتدل. أو : فمنهم الغالب عليه القبض والقوة ، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة ، وهذا أعم نفعاً. والله أعلم. وذلك لِيُروا أعمال مجاهدتهم بالتنعُّم في مشاهدتهم ، فمَن يعمل مثقال ذرة خيراً ـ بأن ينقص من نفسه عادةً في سيره ـ يرَ جزاء ذلك ، ومَن يعمل مثقال ذرة شرًّا ـ بأن يزيد من الحس شيئاً في الظاهر ـ يره ، فإنه ينقص من معناه في الباطن ، إلاّ إذا تمكّن من الشهود. وبالله التوفيق وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

0 التعليقات