عدد المشاهدات:
في تاريخ السيرة النبوية العطرة تبرز شخصيات لم تكن من سادات قريش ولا من زعماء الأنصار لكن حياتها ومواقفها شكلت منعطفات حاسمة في التشريع الإسلامي. من هؤلاء تطل علينا "بَريرة" تلك المرأة الحبشية التي دخلت بيت النبوة مملوكة وخرجت منه حرة تاركة خلفها إرثاً فقهياً يدرس إلى يومنا هذا في أبواب العتق والنكاح والولاء والصدقات.
1. التعريف بها ودخولها بيت النبوة
هي بريرة بنت صفوان (وقيل غير ذلك في اسم أبيها) حبشية الأصل. كانت في بداية أمرها جارية مملوكة لبعض بني هلال (وقيل لأسرة من الأنصار). لم يكن لها ذكر في مكة وإنما ظهرت قصتها في المدينة المنورة بعد الهجرة.
بدأت علاقتها ببيت النبوة عندما جاءت إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تستعينها في فكاك رقبتها فقد كاتبت أهلها (أي اتفقت معهم على دفع مبلغ منجم مقابل حريتها) ولكنها عجزت عن السداد.
2. قضية الولاء الكبرى: تأسيس قاعدة شرعية
تعتبر قصة عتق بريرة واحدة من أهم القضايا الفقهية في العهد النبوي، حيث أسست لقاعدة "الولاء".
عندما جاءت بريرة إلى عائشة تطلب المساعدة وافقت عائشة على دفع المبلغ كاملاً (قيل تسع أواقٍ من الفضة) بشرط أن يكون ولاء بريرة لها. لكن أسياد بريرة اشترطوا شرطاً غريباً: أن يأخذوا المال من عائشة ويبقى ولاء بريرة لهم (أي حق الإرث والنصرة بعد العتق).
ترددت عائشة فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فكان رده حاسماً وتأسيسياً. قال لها: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». (متفق عليه).
لم يكتفِ النبي ﷺ بذلك بل قام خطيباً في الناس ليرسخ هذا المبدأ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وهكذا أصبحت بريرة حرة وصار ولاؤها لعائشة وللمسلمين وأبطل الإسلام الشروط الجائرة التي تخالف أصول الشريعة.
3. المأساة الإنسانية: بريرة ومُغيث (خيار العتق)
لم تكن قصة بريرة مجرد مسألة قانونية بل كانت دراما إنسانية مؤثرة هزت مشاعر أهل المدينة.
قبل عتقها كانت بريرة متزوجة من عبد يُدعى "مُغيثاً" (وقيل كان حراً لكن الراجح عند المحققين كابن تيمية وابن القيم أنه كان عبداً حين عتقت وهذا سبب تخييرها). وكان مغيث يحبها حباً شديداً بينما كانت هي لا تبادله نفس الشعور.
من أحكام الإسلام أن الأمة إذا عتقت وزوجها لا يزال عبداً فإن لها "الخيار" في البقاء معه أو فسخ النكاح؛ لأنها أصبحت أعلى منه رتبة بالحرية. فاختارت بريرة نفسها وقررت الانفصال عنه.
هنا تجلت المأساة فقد هام مغيث على وجهه في طرقات المدينة يبكي خلفها ودموعه تسيل على لحيته يستعطفها أن ترجع إليه.
رقّ قلب النبي ﷺ لحال مغيث فقال لعمه العباس بن عبد المطلب: «يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟».
ثم تدخل النبي ﷺ شفيعاً لا آمراً، فقال لبريرة: «لَوْ رَاجَعْتِيهِ؟» (أي: هلا عدت إليه؟). فقالت بريرة بوعي وفقه: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟». قال: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قالت: «لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ». (رواه البخاري).
في هذا الموقف درس عظيم في احترام النبي ﷺ لاستقلالية قرار المرأة في زواجها والتفريق الدقيق بين أمره التشريعي الملزم وبين شفاعته الإنسانية.
4. تحول الصدقة إلى هدية: حكم شرعي آخر
ارتبط اسم بريرة بحكم فقهي ثالث بالغ الأهمية يتعلق بأحكام الصدقات وآل البيت.
من المعلوم أن الصدقة (الزكاة) محرمة على النبي ﷺ وآل بيته، لكن الهدية جائزة. ذات يوم دخل النبي ﷺ بيته والبرمة (قِدر اللحم) تفور على النار فقُدم له خبز وأدم من غير اللحم. فسأل: «أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ تَفُورُ بِاللَّحْمِ؟».
قالوا: «بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تُصدِّق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة».
فقال النبي ﷺ مصححاً هذا المفهوم بقاعدة فقهية: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ». (متفق عليه).
لقد رسخ هذا الموقف قاعدة أن العين (الشيء المادي) تتغير صفتها بتغير طريقة تملكها؛ فقد قبضته بريرة كصدقة مستحقة لها وعندما قدمته لبيت النبي ﷺ قدمته كهدية والهدية حلال لهم.
5. حياتها بعد النبي ﷺ ووفاتها
ظلت بريرة وفية لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تخدمها وتلازمها. وقد روت عن النبي ﷺ بعض الأحاديث القليلة وروى عنها بعض التابعين مثل عبد الملك بن مروان في صغره.
كانت بريرة تتمتع بمكانة خاصة عند عائشة حتى أن عائشة كانت ترغب أن تُدفن في بيتها، وأوصت بريرة بذلك وقالت لها: "يا بريرة، إذا أنا مت فلا تدعن أحداً يليه غيرك" ولكن عائشة عدلت عن ذلك لاحقاً وأوصت بدفنها في البقيع مع صواحبها.
عمرت بريرة طويلاً بعد وفاة النبي ﷺ وعائشة. ويشير المحققون من المؤرخين مثل الذهبي في "سير أعلام النبلاء" إلى أنها بقيت حية حتى خلافة يزيد بن معاوية، وتوفيت في تلك الفترة، أي بعد سنة 60 للهجرة بوقت قصير.
المصادر والمراجع الرئيسية للبحث:
1. صحيح البخاري: كتاب العتق، كتاب النكاح، كتاب الأطعمة.
2. صحيح مسلم: كتاب العتق (باب إنما الولاء لمن أعتق).
3. الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني (ترجمة بريرة).
4. سير أعلام النبلاء: الإمام الذهبي (ترجمة بريرة مولاة عائشة).
5. زاد المعاد في هدي خير العباد: ابن القيم الجوزية (فصل في أقضية النبي ﷺ في قصة بريرة).
قصة بريرة رضي الله عنها ليست مجرد سرد لأحداث ماضية بل هي مرآة تعكس عظمة التشريع الإسلامي ورقيه الإنساني. لقد وقفت هذه المرأة التي كانت أمة مستضعفة أمام رسول الله ﷺ تسأله بوعي: "أتأمرني أم تشفع؟"، فيحترم قرارها ويفرّق بين مقام النبوة ومقام الشفاعة الإنسانية

0 التعليقات