آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 8 يناير 2026

الاعجاز العلمى فى الاية {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}

عدد المشاهدات:

 



 {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) تشير هذه الآية الكريمة إلى عدد من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعد تنزله، منها:

أولا: أن السماء بناء محكم التشييد دقيق التماسك والترابط وليست فراغا كما كان يعتقد إلى عهد قريب. وقد ثبت علميا أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جدا من الغازات، التي يغلب عليها غاز الأيدروجين وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المتناهية في الصغر من المواد الصلبة على هيئة هباءات من غبار دقيق الحبيبات، يغلب على تركيبه ذرات من الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والتيتانيوم والحديد، بالإضافة إلى جزئيات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهيد وغيرها من المركبات الكيميائية، وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم، فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لتربط بينها في بناء محكم التشييد متناسق الأطراف. وهذه حقيقة لم يدركها

(1/105)


العلماء إلا في القرن العشرين بل في العقود المتأخرة منه، وعلى الرغم من قلة كثافة المادة في المسافات بين النجوم، والتي تصل إلى ذرة واحدة من الغاز في كل سنتيمتر مكعب تقريبا، وإلى أقل من ذلك بالنسبة للمواد الصلبة كالغبار الكوني، إذا ما قورن بحوالي مليون مليون مليون أي عشر جزيء في كل سنتيمتر مكعب من الهواء عند سطح الأرض، فإن كمية المادة في المسافات بين النجوم تبلغ قدرا مذهلا للغاية، فهي تقدر في مجرتنا سكة التبانة وحدها بعشرة بلايين ضعف ما في شمسنا من مادة، مما يمثل حوالي 5% من مجموع كتلة تلك المجرة.

ثانيًا: إن في الإشارة القرآنية الكريمة {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} (الذاريات: 47) أي بقوة وحكمة واقتدار تلميحا إلى ضخامة الكون المذهلة وإحكام صنعه، وانضباط حركاته ودقة كل أمر من أموره، وثبات سننه وتماسك أجزائه وحفظه من التصدع أو الانهيار، فالسماء لغة هي كل ما علاك فأظلك ومضمونا هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة السماء التي لا يدرك العلم الكسبي إلا جزءا يسيرا منها، ويحصي العلماء أن بهذا الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي بليون مجرة على أقل تقدير، بعضها أكبر كثيرا من مجرتنا درب التبانة أو سكة التبانة، وبعضها أصغر قليلا منها، وتتراوح أعداد النجوم في المجرات بين المليون والعشرة ملايين وملايين الملايين. وتمر هذه النجوم في مراحل من النمو مختلفة من الميلاد إلى الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ثم الوفاة، ولما كان لأقرب النجوم إلينا وهي شمسنا توابع من الكواكب والكويكبات والأقمار وغيرها فإن القياس يقتضي أن يكون للنجوم الأخرى توابع، قد اكتشف عدد منها بالفعل ويبقى الكثير منها ما لم يتم اكتشافه بعد.

ثالثًا: تشير هذه الآية الكريمة إلى أن الكون الشاسع الاتساع الدقيق البناء المحكم الحركة والمنضبط في كل أمر من أموره، والثابت في سننه وقوانينه قد خلقه الله

(1/106)


تعالى بعلمه وحكمته وقدرته، وهو سبحانه الذي يحفظه من الزوال والانهيار، وهو القادر على كل شيء، والجزء المدرك لنا من هذا الكون شاسع الاتساع بصورة لا يكاد عقل الإنسان إدراكها؛ إذ المسافات فيه تقدر ببلايين السنين الضوئية، وهو مستمر في الاتساع اليوم وإلى ما شاء الله. والتعبير القرآني {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} يشير إلى تلك السعة المذهلة. كما يشير إلى حقيقة توسع هذا الكون باستمرار إلى ما شاء الله، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، حيث ثبت لعلماء كل من الفيزياء النظرية والفلك أن المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات تتزايد بتزايد بعدها عن مجرتنا، وتقترب أحيانا من سرعة الضوء المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، والمجرات من حولنا تتراجع متباعدة عنا، وقد أدرك العلماء تلك الحقيقة من ظاهرة انزياح الموجات الطيفية للضوء الصادر عن نجوم المجرات الخارجة عنا في اتجاه الطيف الأحمر، وقد أمكن قياس سرعة تحرك تلك المجرات في تراجعها عنا من خلال قياس خطوط الطيف لعدد من النجوم في تلك المجرات، وثبت أنها تتراوح ما بين 60 ألف كيلو متر في الثانية و 272 ألف كيلو متر في الثانية. وقد وجد العلماء أن مقدار الحيود في أطياف النجوم إلى الطيف الأحمر يعبر عن سرعة ابتعاد تلك النجوم عنا، وأن هذه السرعة ذاتها يمكن استخدامها مقياسا لأبعاد تلك النجوم عنا.

رابعًا: تشير ظاهرة توسع الكون إلى تخلق كل من المادة والطاقة لتملأ المساحات الناتجة عن هذا التوسع، وذلك لأن كوننا تنتشر المادة فيه بكثافات متفاوتة ولكنها متصلة بغير انقطاع، فلا يوجد فيه مكان بلا زمان كما لا يوجد فيه مكان وزمان بغير مادة وطاقة، ولا يستطيع العلم حتى يومنا هذا أن يحدد مصدر كل من المادة والطاقة اللتين تملآن المساحات الناتجة عن تمدد الكون بتلك السرعات المذهلة، ولا تفسير لها إلا الخلق من العدم.

(1/107)


خامسًا: أدى إثبات توسع الكون إلى التصور الصحيح بأننا إذا عدنا بهذا التوسع إلى الوراء مع الزمن، فلابد وأن تلتقي كل صور المادة والطاقة كما يلتقي كل من المكان والزمان في نقطة واحدة. وأدى ذلك إلى الاستنتاج الصحيح بأن الكون قد بدأ من هذه النقطة الواحدة بعملية انفجار عظيم، وهو مما يؤكد أن الكون مخلوق له بداية، وكل ما له بداية فلابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، كما يؤكد حقيقة الخلق من العدم لأن عملية تمدد الكون تقتضي خلق كل من المادة والطاقة بطريقة مستمرة من حيث لا يدرك العلماء، وذلك ليملأ في التو والحال المسافات الناشئة عن تباعد المجرات بسرعات مذهلة، وذلك لكي يحتفظ الكون بمستوى متوسط لكثافته التي نراه بها اليوم، وقد أجبرت هذه الملاحظات علماء الغرب على هجر معتقداتهم الخاطئة عن ثبات الكون، والتي دافعوا عنها طويلا انطلاقا من ظنهم الباطل بأزلية الكون وأبديته لكي يبالغوا في كفرهم بالخلق وجحودهم للخالق.

هذه الاستنتاجات الكلية المهمة عن أصل الكون وكيفية خلقه وإبداع صنعه وحتمية نهايته؛ أمكن الوصول إليها من ملاحظة توسع الكون، وهي حقيقة من أهم حقائق علم الفلك لم يتمكن الإنسان من إدراكها إلا في الثلث الأول من القرن العشرين، ودار حولها الجدل حتى سلم بها أهل العلم أخيرا، وقد سبق القرآن الكريم بإقرارها قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لتلك الإشارة القرآنية الباهرة غير الله الخالق سبحانه، فسبحان خالق الكون الذي أبدعه بعلمه وحكمته وقدرته، والذي أنزل لنا في خاتم كتبه وعلى خاتم أنبيائه ورسله عددا من حقائق الكون الثابتة، ومنها تمدد الكون وتوسعه فقال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) لتبقى هذه الومضة القرآنية الباهرة مع غيرها من الآيات القرآنية شهادة صدق بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن سيدنا ونبينا محمدا -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم أنبياء الله ورسله

(1/108)


وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان موصولا بالوحي ومعلما من قِبل خالق السموات والأرض، وأن القرآن الكريم هو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة.

وإذا كان صدق القرآن الكريم جليا في إشاراته إلى بعض أشياء الكون وظواهره؛ فلابد وأن يكون صدقه في رسالته الأساسية؛ وهي الدين بركائزه الأربع: العقيدة العبادة الأخلاق المعاملات جليا كذلك، وهنا يتضح جانب من أهم جوانب الإعجاز في كتاب الله وما أكثر جوانبه المعجزة، ألا وهو الإعجاز العلمي، وهو خطاب العصر ومنطقه وما أحوج الأمة الإسلامية بل ما أحوج الإنسانية كلها إلى هذا الخطاب في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه، وزمن العولمة الذي تحاول فيه القوى الكبرى على ضلالها فرض قيمها الدينية والأخلاقية والاجتماعية المنهارة على دول العالم الثالث، وفي زمرتها الدول الإسلامية بحكم غلبتها العلمية والتقنية وهيمنتها الاقتصادية والعسكرية، وقد عانت الدول الغربية ذاتها ولا تزال من الإغراق المادي الذي دمر مجتمعاتها، وأدى إلى تحللها الأسري والاجتماعي والأخلاقي والسلوكي والديني، وإلى ارتفاع معدلات كل من الجريمة والإدمان والانتحار، وإلى الحيود عن كل قوانين الفطرة السوية التي فطر الله سبحانه خلقه عليها، وإلى العديد من المشاكل والأزمات النفسية، والمظالم الاجتماعية والسياسية على المستويين المحلي والدولي لا يتسع المقام لسردها.

وما أحوج علماء المسلمين إلى إدراك قيمة الآيات الكونية في كتاب الله، فيقبلوا عليها بالتحقيق العلمي المنهجي الدقيق بعد فهم عميق لدلالة اللغة وضوابطها وقواعدها، ولأساليب التعبير فيها وفهم لأسباب النزول ومعرفة بالمأثور من تفسير الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجهود السابقين من المفسرين، ثم تقديم ذلك الإعجاز العلمي إلى الناس كافة مسلمين وغير مسلمين، مما يعد دليلا ماديا ملموسا على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وعلى أن سيدنا ونبينا محمدا -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم أنبيائه ورسله في غير تكلف ولا اعتساف؛ لأن القرآن الكريم غني عن ذلك وهو

(1/109)


أعز علينا وأكرم من أن نتكلف له. وهذا المنهج في الاهتمام بالآيات الكونية في كتاب الله وشرح الإشارات العلمية فيها من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه، هو من أكثر وسائل الدعوة إلى دين الله قبولا في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه". إذن الآية قررت بوضوح اتساع الكون وهذا ما كان ينكره الباحثون الغربيون، إلا أنهم أمام الحقائق العلمية التي تم اكتشافها منهم أقروا بأن الكون متمدد ومتسع، وهذا ما نطق به القرآن الكريم: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) وهذا يدل دلالة صادقة على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صادق في كل ما قاله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3، 4).

وهذا الذي أقر به علماء الغرب يشهد للقرآن بأنه لا يمكن إلا أن يكون كلام الله الخالق، كما يشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- بأنه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السموات والأرض، حيث إنه لم يكن لأحد من الخلق علم بهذه الحقائق الكونية في زمن الوحي ولا لقرون جاءت من بعد نزوله وتشهد هذه الآية {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) بدقة الإشارات الكونية الواردة في كتاب الله وشمولها وكمالها وصياغتها صياغة معجزة، يفهم منها أهل كل عصر معنى من المعاني يتناسب مع المستوى العلمي للعصر، وتظل هذه المعاني تتسع باستمرار مع توسع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وهو من أبلغ صور الإعجاز العلمي في كتاب الله. وقول الله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) يشهد بأن هذا الكون من صنع الله -سبحانه وتعالى- وأن حكمة الله -سبحانه وتعالى- دائمة ومستمرة وستظل معروفة للموحدين المؤمنين وستظل برهانا للكافرين المشككين، حتى يهديهم الله -سبحانه وتعالى- كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

جاري التحميل...

موضوعات مهمة