آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 8 يناير 2026

تفسير البحر المديد سورة النساء

عدد المشاهدات:

سورة النّساء
مدنية ، وهى ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا. وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة. ومائة وستون آية. قاله الثعلبي. وقال البيضاوي : مائة وخمس وسبعون آية.
ومضمنها : الأمر بحفظ ستة أمور : حفظ الأموال ، وحفظ الأنساب ، وحفظ الأبدان ، وحفظ الأديان ، وحفظ اللسان ، وحفظ الإيمان. بعد أن قدّم الأمر بالتقوى ، التي هى ملاك ذلك كله ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)
قلت : من قرأ : (و الأرحام) بالنصب ، فعطف على لفظ الجلالة ، أي : اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وقرأ حمزة بالخفض على الضمير من (به) كقول الشاعر :
فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيّام من عجب «1»
وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار ، فيقولون : مررت به وبزيد. وقال ابن مالك :
وليس عندى لازما إذ قد أتى فى النّظم والنّثر الصّحيح مثبتا.
والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة ، وهذا هو التوجيه الصحيح ، وأما من جعل الواو للقسم فبعيد.
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي : جميع الخلق ، اتقوا ربكم فيما كلفكم به ، ثم بيّن موجب التقوى فقال : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعنى حواء ، من ضلع من أضلاعه ، وَبَثَّ أي : نشر مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي : نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات. قال البيضاوي : واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء ، إذ الحكمة تقتضى أن يكنّ أكثر ، وذكر : كَثِيراً
___________
(1) البيت أنشده سيبويه ، انظر : شرح ابن عقيل على الألفية ، باب عطف النسق.
(1/459)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 460
حملا على الجمع ، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها. ه.
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي : يسأل بعضكم بعضا فيقول : أسألك بالله العظيم ، وَالْأَرْحامَ أي :
واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ، فمن قطعها قطعه الله ، ومن وصلها وصله اللّه ، كما فى الحديث. أو تساءلون به وبالأرحام ، فيقول بعضكم لبعض : أسألك بالرحم التي بينى وبينك ، أو بالقرابة التي بينى وبينك. ثم هددهم على ترك ما أمروا به فقال : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً حافظا مطلعا شهيدا عليكم فى كل حال.
الإشارة : درجهم فى آخر السورة فى مدارج السلوك حتى زجّهم فى حضرة ملك الملوك ، وأمرهم أن يتقوا ما يخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية ، ثم دلاهم فى أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية ، فى النشأة الأولية ، ليعلّمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة ، أو بين الفناء والبقاء.
وقد تكلم ابن جزى هنا على أحكام المراقبة ، فقال : إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها ، استفاد مقام المراقبة ، وهو مقام شريف أصله علم وحال ، ثم يثمر حالين. أما العلم : فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه ، ناظر إليه فى جميع أعماله ، ويسمع جميع أقواله ، ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال : فهو ملازمة هذا العلم بالقلب ، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا يكفى العلم دون هذه الحال ، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين :
الحياء من الله ، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد فى الطاعات ، وكانت ثمرتهما عند المقربين :
المشاهدة ، التي توجب التعظيم والإجلال لذى الجلال.
وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك» ، فقوله :
«أن تعبد الله كأنك تراه» إشارة إلى الثمرة الثانية ، وهى الموجبة للتعظيم ، كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة ، وقوله : «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إشارة إلى الثمرة الأولى ، ومعناه : إن لم تكن من أهل المشاهدة - التي هى مقام المقربين - فاعلم أنه يراك ، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين ، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى ، ورأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه ، تنزل منه إلى المقام الآخر.
واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة ، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاتبة ، فأما المشارطة فهى اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة ، وترك المعاصي ، وأما المرابطة فهى معاهدة العبد لربه على ذلك ، ثم بعد المشارطة والمرابطة فى أول الأمر تكون المراقبة ... إلخ.
(1/460)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 461
وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه ، فإن وجد نفسه قد وفّى بما عاهد عليه الله يحمد الله ، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة ونقض عهد المراقبة ، عاقب النفس عقابا شديدا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك ، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة ، وحافظ على المراقبة ، ثم اختبر بالمحاسبة ، وهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. انتهى كلامه ، وهو مقتبس من الإحياء. والله تعالى أعلم.
ثم شرع تعالى فى الكلام على حفظ الأموال ، وبدأ بأموال اليتامى ، اعتناء بهم لضعفهم ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 2]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2)
قلت : اليتيم : من فقد أباه ، ولا يقال فيه اليتيم عرفا إلا قبل البلوغ ، وهو هنا مجاز ، أي : من كان يتيما ، والحوب :
الإثم ، ويقال فيه : حوبا ، بالضم والفتح ، مع الواو والألف ، مصدر حاب حوبا وحوبا وحابا.
يقول الحق جل جلاله : وَآتُوا أي : أعطوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إذا بلغوا ، وأنس منهم الرشد ، وسمّاهم يتامى بعد البلوغ اتساعا لقرب عهدهم بالصغر ، حثا على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم ، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إذا أنس فيهم الرشد ، ويدل على هذا ما قيل فى سبب نزول الآية ، وهو أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له ، فلما بلغ طلب مال أبيه ، فمنعه ، فنزلت الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله ورسوله ، ونعوذ بالله من الحوب الكبير. وقيل : إن العرب كانت لا تورّث الصغار مع الكبار ، فأمروا أن يورثوهم ، وعلى هذا يكون اليتيم على حقيقته ، فعلى الأول : الخطاب للأوصياء ، وعلى الثاني : للعرب التي كانت لا تورث الصغار.
ثم قال : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي : لا تتبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم ، أو : لا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخبيث مكانها من أموالكم. كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله ، والدرهم الطيب بالزائف. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ مضموما إِلى أَمْوالِكُمْ فتنفقونها معا ، مع أن اليتيم لا يأكل كالكبير ، إلا إذا كان المنفق قدّر أكله ، أو لمصلحة. إِنَّهُ أي : الأكل ، كانَ حُوباً كَبِيراً أي : إثما عظيما.
الإشارة : أمر الحق جل جلاله أغنياء القلوب ، وهم أكابر الأولياء الراسخون فى علم الغيوب ، أن يمنحوا من تعلق بهم من الفقراء والضعفاء ، من الغنى بالله الذي منحهم الله ، حتى لا يلتفتوا إلى سواه ، وأن يقبلوا كل من أتى إليهم من العباد ، سواء كان من أهل المحبة والوداد ، أو من أهل المخالفة والعناد ، ولا يتبدلوا الخبيث بالطيب ، بحيث
(1/461)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 462
يقبلون من وجدوه طيب الأخلاق ، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق ، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية النبوية ، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية ، ويقلبوا فيهم الأعيان ، فيقلبون العاصي طائعا ، والكافر مؤمنا ، والغافل ذاكرا ، والشحيح سخيا ، والخبيث طيبا ، والمسيء محسنا ، والجاهل عارفا ، وهكذا لما عندهم من الإكسير ، وهى الخمرة الأزلية ، أي : التي من شأنها أن تقلب الأعيان ، كما قال ابن الفارض رضي اللّه عنه فى وصفها :
تهذب أخلاق النّدامى فيهتدى بها لطريق العزم من لا له عزم
ويكرم من لم يعرف الجود كفّه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم
وقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعنى : حتى تتحققوا بوصول الغنى إلى قلوبهم ، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم. والله تعالى أعلم.
ولمّا كان الأولياء ، إذا كانت تحتهم يتيمة لها مال ، وخافوا أن يدخل معهم أجنبى ، تزوجها أو زوجوها من أبنائهم ، حرصا على أكل مالها ، ولا يقسطون لها فى صداقها ، وربما أساءوا عشرتها انتظارا لموتها ، فنهاهم الله عن ذلك بقوله :
[سورة النساء (4) : آية 3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3)
قلت : «ما» من شأنها أن تقع على ما لا يعقل ، وهنا وقعت على النساء لقلة عقلهن حتى التحقن بمن لا يعقل «1» و(مثنى وثلاث ورباع) أحوال من (ما) ممنوعة من الصرف للوصف والعدل ، أي : اثنتين اثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا.
يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ خِفْتُمْ يا معشر الأولياء ألّا تعدلوا فِي الْيَتامى التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبا لمالهن ، مع قلة جمالهن ، فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن ، فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من غيرهن ، أو : وإن خفتم ألا تقسطوا فى صداقهن إذا أعجبنكم لمالهنّ - الذي بيدكم - وجمالهن ، فانكحوا غيرهن ، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن.
___________
(1) قوله : (من شأنها أن تقع على ما لا يعقل) ، فيه نظر ، فإن (ما) تقع على العاقل وغير العاقل ، قال تعالى عن الصالحين : «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم» (سورة ص آية 24) وغير ذلك من آيات كثيرة ، بل إن قول الله تعالى : «فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، نص فى أن «ما» تقع على العاقل.
أما قوله : [حتى التحقن بمن لا يعقل ] فينقضه الكثير من الآيات والأحاديث ، قال تعالى : «لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض» (آل عمران 195) وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «النساء شقائق الرجال» وللمفسرين فى الآية توجيهات أخر ، أولى من توجيه شيخنا ابن عجيبة ، منها : أن «ما» فى الآية موصولة أو موصوفة. راجع (تفسير : القرطبي - ابن عطيه - الآلولسى).
(1/462)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 463
قالت عائشة - رضى الله عنها - : (هى اليتيمة تكون فى حجر وليها ، فيرغب فى مالها وجمالها ، ويريد أن ينكحها بأدنى صداقها ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فى إكمال الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء.). رواه البخاري.
وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : - (إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة وأكثر - يعنى قبل التحريم - فإذا ضاق ماله أخذ من مال يتيمه) ، فقال لهم : إن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى - أي : فى أموالهن - فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي : اثنتين اثنتين لكل واحد ، أو ثلاثا ثلاثا ، أو أربعا أربعا ، ولا تزيدوا ، فمنع ما كان فى الجاهلية من الزيادة على الأربع ، وهو مجمع عليه بنص الآية ، ولا عبرة بمن جوّز تسعا لظاهر الآية لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد ، لا الجمع ، ولو أراد الجمع لقال تسعا ، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانا.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع ، فاقتصروا على واحدة ، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير إذ لا يجب العدل بينهن ، ذلِكَ الاقتصار على الواحدة أَدْنى أي : أقرب أَلَّا تَعُولُوا أي :
تجوروا أو تميلوا ، أو ألا تجاوزوا ما فرض عليكم من العدل ، أو أدنى ألا يكثر عيالكم فتفتقروا ، وهى لغة حمير. والله تعالى أعلم.
الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل أولياءه أصنافا عديدة فمنهم من غلب عليه فيض العلوم ، ومنهم من غلب عليه هجوم الأحوال ، ومنهم من غلب عليه تحقيق المقامات. قال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : كان الجنيد رضي اللّه عنه قطبا فى العلوم ، وكان أبو يزيد رضي اللّه عنه قطبا فى الأحوال ، وكان سهل بن عبد الله قطبا فى المقامات. ه. أي : كل واحد غلب عليه واحد من ذلك ، مع مشاركته للآخر فى الباقي ، فينبغى لكل واحد أن يخوض فى فنّه الذي خصّه الله به ولا يتصدى لغيره. فقال لهم الحق - جل جلاله - من طريق الإشارة : فإن خفتم يا من غلبت عليهم الأحوال أو المقامات ، ألّا تقسطوا فى يتامى العلوم التي اختص بها غيركم ، فانكحوا ما طاب لكم من ثيبات الأحوال وأبكار الحقائق ، كثيرة أو قليلة ، فإن خفتم أن تغلبكم الأحوال ، أو التنزل فى المقامات ، ولا تعدلوا فيها ، فالزموا حالة واحدة ومقاما واحدا ، وهو المقام الذي ملكه وتحقق به ، فإنه أقرب ألا ينحرف عن الاعتدال لأن كثرة الأحوال تضر بالمريد كما هو مقرر فى فنه. والله تعالى أعلم.
ولمّا أمر بالنكاح أمر ببذل الصداق ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)
(1/463)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 464
قلت : نِحْلَةً : مصدر من آتوهن ، لأنها فى معنى الإيتاء ، يقال : نحله كذا نحلة ونحلا إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم ، والضمير فى «منه» يعود على الصداق أو على «الإيتاء» ، و(نفسا) تمييز ، و(هنيئا مريئا) : صفتان لمصدر محذوف ، أي : أكلا هنيئا ، وهو من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل الهنيء : ما يلذه الإنسان ، والمريء : ما تحمد عاقبته.
يقول الحق جل جلاله للأزواج : وَآتُوا النِّساءَ التي تزوجتموهن صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي : عطية مبتلة «1» ، لا مطل فيها ولا ظلم ، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ من الصداق ، وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن فَكُلُوهُ هَنِيئاً لاتبعة عليكم فيه ، مَرِيئاً : سائغا حلالا لا شبهة فيه ، روى أن ناسا كانوا يتحرّجون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ، فنزلت. وقيل : الخطاب للأولياء ، لأن بعضهم كان يأكل صداق محجورته ، فأمروا أن يعطوهن صداقهن ، إلا إن أعطينهم شيئا عن طيب أنفسهن ، والله تعالى أعلم.
الإشارة : وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية ، نحلة ، ولا تكلفوها فوق طاقتها ، فإن طبن لكم عن شىء من الأعمال أو الأحوال ، بانشراح صدر ونشاط ، فكلوه هنيئا مريئا ، فإنّ العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم وأقرب للدوام ، وهذا فى حق النفوس المطمئنة ، وأما النفوس الأمارة فلا يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة لئلا تمل ، أو تقول : من أقامه الحق تعالى فى حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه ، وليقم حيث أقامه الحق ، ويعطيه حقه ، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئا مريئا. فالفقير ابن وقته ، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه ، فكل ما وجد فيه قلبه فهو رزقه ، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ثم نهى الأوصياء عن تمكين اليتامى من أموالهم قبل الرشد ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 5]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5)
قلت : «قيما» : «2» مصدر قام قياما وقيما ، وأصله : قواما ، قلبت الواو ياء.
___________
(1) البتل : القطع
(2) قرأ نافع وابن عامر «قيما» وقرأ الجمهور «قياما».
(1/464)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 465
يقول الحق جل جلاله للأوصياء : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ التي تحت حضانتكم أَمْوالَكُمُ أي : أموالهم التي فى أيديكم ، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثا على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم ، أي : ولا تمكنوا السفهاء من أموالهم التي جعلها الله فى أيديكم قِياماً لمعاشهم ، تقومون بها عليهم ، ولكن احفظوها ، واتجروا فيها ، واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة ، فإن طلبوها منكم فعدوهم وعدا جميلا ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي : كلاما لينا بأن يقول له : حتى تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها. وشبه ذلك. وإنما قال : (و ارزقوهم فيها) دون «منها» لأن «فيها» يقتضى بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلا للرزق والكسوة دون «منها» ، وقيل :
الخطاب للأزواج ، نهاهم أن يعمدوا إلى ما خولهم اللّه من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم ، ثم ينظرون إلى أيديهم. وإنما سمّاهن سفهاء استخفافا بعقلهن ، كما عبر عنهن ب - «ما» التي لغير العاقل «1».
وروى أبو أمامة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : «إنما خلقت النار للسفهاء - قالها ثلاثا - ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها «2»». وقالت امرأة : يا رسول الله : سميتنا السفهاء! فقال : «الله تعالى سماكن فى كتابه» «3» ، يشير إلى هذه الآية. وقال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها «4» ، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه ، ورجل أعطى سفيها ماله ، وقد قال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ.) قلت : إنما منعوا من إجابة الدعاء لتفريطهم فى مراسم الشريعة. والله تعالى أعلم.
الإشارة : لا ينبغى للشيخ أن يطلع المريد على أسرار التوحيد ، وهى أسرار المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء ، حتى يكمل عقله ، ويتحقق أدبه ، ويظهر صدقه ، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدا قريبا ، وليقل له قولا معروفا ، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه ، وكم من مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطرد أو قتل ، ووقتها هو حين تبرز معه فتأخذه الحيرة ، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلا لحملها لرجحان عقله وكمال صدقه ، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه ، ثم يربيه فيها ، وهذا الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم - رضى الله عنهم وأرضاهم - ورزقنا حسن الأدب معهم ، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني ، وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئا فشيئا بالتدريب والتدريج ، وأن يكسوهم بالشرائع ، ويحتمل أن تبقى الأموال
___________
(1) راجع التعليق على تفسير الآية الثالثة من سورة النساء.
(2) ذكره بنحوه ابن كثير فى تفسيره ، وعزاه لابن أبى حاتم.
(3) ذكره الآلوسى فى تفسيره من رواية مجاهد وابن عمر عن أنس. وقال الطبرسي : (لى فى صحته شك). [.....]
(4) يحمل سوء الخلق هنا على ما يطعن فى العفة والحياء. وإلّا فظاهر هذا الكلام مخالف لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضى منها آخر»
(1/465)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 466
على ظاهرها ، ويكون أمر الشيوخ أن يمنعوا المريدين من أخذ الأموال قبل التمكين. أشار إلى هذا الورتجبي ، فانظره.
ثم ذكر الحق تعالى وقت دفع أموال اليتامى لهم ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 6]
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6)
قلت : الابتلاء : الاختبار ، و«آنس : » أبصر. والرشد هو كمال العقل بحيث يعرف مصالح نفسه وتدبير ماله من غير تبذير ولا إفساد. وإِسْرافاً وَبِداراً : حالان من «الواو» ، أو مفعولان لأجله ، و(أن يكبروا) مفعول ببدارا.
يقول الحق جل جلاله للأوصياء : واختبروا الْيَتامى قبل البلوغ بتتبع أحوالهم فى تصرفاتهم ، بأن يدفع لهم الدرهم والدرهمان ، فإن ظهر عليهم حسن التصرف زادهم قليلا قليلا ، وإن ظهر عليهم التبذير كفّ عنهم المال ، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، وهو البلوغ بعلامته ، فَإِنْ آنَسْتُمْ أي : أبصرتم مِنْهُمْ رُشْداً ، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله ، وإن لم يكن من أهل الدين - واشترطه قوم ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ حينئذ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا أي : لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فتزول من يدكم ، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم ، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ عن أكلها فى أجرة قيامه بها ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر حاجته وأجر سعيه ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلم : أنّ رجلا قال له : إنّ فى حجرى يتيما أفآكل من ماله؟
قال : «بالمعروف ، غير متأثّل «1» مالا ولا واق مالك بماله».
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا فى قبضها منكم عَلَيْهِمْ ، فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة ، وهو ندب ، وقيل : فرض ، فلا يصدق فى الدفع إلا ببينة ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي : محاسبا ، فلا تخالفوا ما أمرتم به ، ولا تجاوزوا ما حدّ لكم.
وإنما قال : «حسيبا» ولم يقل : «شهيدا» ، مع مناسبته ، تهديدا للأوصياء لئلا يكتموا شيئا من مال اليتامى ، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير والقطمير ، ويعاقبهم عليه ، انزجروا عن الكتمان. والله تعالى أعلم.
___________
(1) أي : غير جامع.
(1/466)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 467
الإشارة : ينبغى للشيخ أن يختبر المريد فى معرفته وتحقيق بغيته ، فإذا بلغ مبلغ الرجال وتحققت فيه أوصاف الكمال ، بحيث تحقق فناؤه ، وكمل بقاؤه ، وتمت معرفته ، فيكون تصرفه كله بالله ومن الله وإلى الله ، يفهم عن الله فى كل شىء ، ويأخذ النصيب من كل شىء ، ولا يأخذ من نصيبه شيئا ، قد تحلّى بحلية الورع ، وزال عنه الجزع والطمع ، وزال عن قلبه خوف الخلق وهمّ الرزق ، واكتفى بنظر الملك الحق ، يأخذ الحقيقة من معدنها ، والشريعة من موضعها ، فإذا تحققت فيه هذه الأمور ، وأنس رشده ، فليطلق له التصرف فى نفسه ، وليأمره بتربية غيره ، إن رآه أهلا لذلك ، ولا ينبغى أن يحجر عليه بعد ظهور رشده ، ولا يسرف عليه فى الخدمة قبل رشده ، مخافة أن يزول من يده.
فإن كان غنيا عن خدمته فليستعفف عنه ، وليجعل تربيته لله اقتداء بأنبياء الله. قال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، وإن كان محتاجا إليها فليستخدمه بالمعروف ، ولا يكلفه ما يشق عليه ، فإذا دفع إليه السر ، وتمكن منه ، وأمره بالتربية أو التذكير فليشهد له بذلك ، ويوصى بخلافته عنه ، كى تطمئن القلوب بالأخذ عنه ، (و كفى بالله وليا وكفى به نصيرا).
ولما أمر الحق تعالى بحفظ أموال اليتامى أمر بحفظ أموال النساء ، وذكرهن بعدهم لمشاركتّهن لهم فى الضعف ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 7]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)
قلت : جملة مِمَّا قَلَّ .. إلخ ، بدل (مما ترك) ، و«نصيبا» : مصدر مؤكد كقوله : فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي :
نصب لهم نصيبا مقطوعا ، أو حال ، أو على الاختصاص ، أعنى : نصيبا مقطوعا.
يقول الحق جل جلاله : وإذا مات ميت وترك مالا فللرجال نصيب مما ترك آباؤهم وأقاربهم ، وللنساء نصيب مما ترك والدهن وأقاربهن كالإخوة والأخوات ، مما ترك ذلك الميت قل أو كثر ، (نصيبا مفروضا) واجبا محتما.
روى أنّ أوس بن ثابت الأنصارىّ توفّى ، وترك امرأة يقال لها : (أم كحّة) وثلاث بنات ، فأخذ ابنا عمّ الميت المال ، ولم يعطيا المرأة ولا بناته شيئا ، وكان أهل الجاهليّة لا يورّثون النّساء ولا الصغير ولو كان ذكرا ، ويقولون :
إنما يرث من يحارب ويذب عن الموروث ، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو فى مسجد الفضيخ ، فقالت :
(1/467)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 468
يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات ، وترك بنات ثلاثا ، وأنا امرأته ، وليس عندى ما أنفقه عليهنّ ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، فدعاهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالا : يا رسول اللّه ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل سلاحا ، لا ينكأ عدوّا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «انصرفوا حتى أرى ما يحدث اللّه تعالى» ، فانصرفوا. فنزلت الآية. فأثبت الله لهن فى الآية حقا ، ولم يبيّن كم هو - فأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى سويد وعرفجة : «لا تفرقا من مال أوس شيئا ، فإنّ اللّه تعالى جعل لبناته نصيبا ، ولم يبيّن كم هو حتى أنظر ما ينزل اللّه تعالى» ، فأنزل الله تعالى بعد : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .. إلى قوله ... الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فأرسل إليهما : «أن ادفعا إلى أم كحة الثّمن ، وإلى بناته الثّلثين ، ولكما باقى المال».
الإشارة : كما جعل الله للنساء نصيبا من الميراث الحسى جعل لهن نصيبا من الميراث المعنوي ، وهو السر ، إن صحبت أهل السر ، وكان لها أبو الروحانية ، وهو الشيخ ، فللرجال نصيب مما ترك لهم أشياخهم من سر الولاية ، وللنساء كذلك على قدر ما سبق فى القسمة الأزلية ، قليلة كانت أو كثيرة ، نصيبا مفروضا معينا فى علم الله وقدره ، وقد سواهن الله تعالى مع الرجال فى آية السير ، فقال : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية ، فمن صار منهن مع الرجال أدرك ما أدركوا. وبالله التوفيق.
ثم أمر الورثة بالإحسان إلى من حضر معهم القسمة ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 8]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)
قلت : الضمير فى (منه) : يعود على المقسوم المفهوم من القسمة.
يقول الحق جل جلاله : وَإِذا حَضَرَ معكم فى قسمة التركة ذوو القرابة ممّن لا يرث ، كالأخوال والخالات والعمات ، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ ، فَارْزُقُوهُمْ أي : فأعطوهم شيئا من المال المقسوم تطييبا لقلوبهم.
فإن كان المال لغيركم ، أو كان الورثة غير بالغين ، فقولوا لهم قَوْلًا مَعْرُوفاً ، بأن تعلموهم أن المال لغيرنا ، ولو كان لنا لأعطيناكم ، والله يرزقنا وإياكم.
واختلف فى هذا الأمر ، هل للندب - وهو المشهور - أو للوجوب ونسخ بآية المواريث؟ وقيل : لم ينسخ ، وهى مما تهاون الناس بها. والله تعالى أعلم.
(1/468)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 469
الإشارة : يقول الحق جل جلاله لخواص أحبابه : إذا دارت الكؤوس بخمرة الملك القدوس ، وتعاطيتم قسمتها بين أرواحكم حتى امتلأت جميع أشباحكم ، وروت منها عروقكم ، وحضر معكم من ليس من أبناء جنسكم ، ممن لا يحل شرب خمرتكم ، فإن كان من أهل المحبة والوداد ، أو من له بكم قرابة واستناد ، فلا تحرموه من شراب خمرتكم ، ولا من نفحات نسمتكم ، فإنكم قوم لا يشقى جليسكم ، فارزقوه من ثمار علومكم ، واسقوه من شراب خمرتكم ، وذكّروه بالله ، وقولوا له ما يدله على الله ، ويوصله إلى حضرة الله ، وهذا هو القول المعروف ، الذي هو بال

التعليقات
0 التعليقات

0 comments:

جاري التحميل...

موضوعات مهمة