سورة آل عمران
مدنية. وآياتها : مائتان ، وقيل : مائة وسبع وثمانون. وكلماتها : ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة ، ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى فى أولها : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ... إلخ ، فكأنه تتميم لقوله ، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ، وتفسير له.
ومضمنها : توجيه العتاب لثلاث طوائف : للنصارى لغلوهم فى عيسى عليه السّلام ، ولامتناعهم من الدخول فى الإسلام ، وبسببهم نزلت السورة ، أعنى نصارى نجران ، ولليهود لتفريطهم فى اتباع النبي - عليه الصلاة والسلام - وللمسلمين لما وقع لهم من الفشل يوم أحد ، ولذلك افتتح السورة بذكر الكتب الثلاثة ، إذ لو قاموا بحقوقها ما توجه لهم عتاب ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)
قلت : فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان موجبه ومقتضيه ، فيوقف عليها بالسكون ، كقولهم :
واحد ، اثنان. وإنما فتح الميم هنا فى القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي اللّه عنه : (الألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم ملكه).
قلت : ولعلّ كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجّه العتاب إليهم ، فالآلاء لمن أسلم من النصارى ، واللطف لمن أسلم من اليهود ، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - ، فقد ملكهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها. واللّه تعالى أعلم.
يقول الحق جل جلاله : أيها الملك المعظّم ، والرسول المفخم ، بلّغ قومك أن اللّه واحد فى ملكه ، ليس معه إله ، ولا يحب أن يعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم ، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم ، قائم بأمر عباده ، متصرف فيهم ، على وفق مراده ، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين ، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين ، فنزّل عَلَيْكَ الْكِتابَ منجّما فى عشرين سنة ، متلبسا بِالْحَقِّ ، حتى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل ، أو بالعدل حتى ينتفى به جور كل مائل ، مُصَدِّقاً لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار ، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار.
(1/321)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 322 وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[سورة آل عمران (3) : آية 4]
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4)
من قبله هاديا لمن كلف باتباعها من الأنام ، أو للجميع ، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام - ، ثم ختم الوحى بإنزال الْفُرْقانَ ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان ، فرّق به بين الحق والباطل ، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدّم ذكره على الكتب لعظم شرفه ، وختم به آخرا لتأخر نزوله.
واللّه تعالى أعلم.
الإشارة : لمّا أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات ، قدّم قبل ذلك رموزا وإشارات ، لا يفهمها إلا من غاص فى قاموس بحر الذات ، وغرق فى تيار الصفات ، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم ، ما تحار فيه الأذهان ، وتكلّ عنه عبارة اللسان ، فحينئذ يفهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات ، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات ، ويفهم أسرار الكتب السماوية ، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية ، والمواهب الربانية ، ويشرق فى قلبه أنوار الفرقان ، حتى يرتقى إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه.
ثم هدد من كفر بالفرقان ، بعد وضوح سواطع البرهان ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
قلت : الانتقام والنقمة : عقوبة المجرم. وفعله : نقم بكسر القاف وفتحها.
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه ، أو الآيات الدالة على وحدانيته ، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد ، فينتقم اللّه فيه من المجرمين ، ويتعطف على عباده المؤمنين ، فإن اللَّهُ عَزِيزٌ لا يغلبه غالب ، ولا يفوته هارب ، ذُو انْتِقامٍ كبير ولطف كثير. لطف اللّه بنا وبجميع المسلمين. آمين.
الإشارة : ظهور أولياء اللّه لطف من آيات اللّه ، فمن كفر بهم حرم بركتهم ، وبقي فى عذاب الحجاب وسوء الحساب ، تظهر عليه النقمة والمحنة ، حين يرفع اللّه المقربين فى أعلى عليين ، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين ، (ذلك يوم التغابن). واللّه تعالى أعلم.
ولمّا وصف الحق جلّ جلاله نفسه بالوحدانية والحياة والقيومية المقتضية للغنى المطلق ، وصف نفسه أيضا بالعلم المحيط والقدرة النافذة ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى 6]
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
(1/322)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 323
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ من أمر خلقه ، إيمانا أو كفرانا ، طاعة أو عصيانا ، أحاط علمه بما فى السموات العلى وما فى الأرضين السفلى ، كليا كان أو جزئيا ، حسيا أو معنويا ، يعلم عدد الحصى والرمال ، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال ، ويعلم حوادث الضمائر ، وهواجس الخواطر ، بعلم قديم أزلى ، وله قدرة نافذة ، وحكمة بالغة ، فبقدرته صوّر النّطف فى الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام ، وأتقنها بحكمته ، وأبرزها إلى ما يسّر لها من رزقه ، سبحانه من مدبر عليم ، عزيز حكيم ، لا يعجزه شىء ، ولا يخرج عن دائرة علمه شىء ، لا موجود سواه ، ولا نعبد إلا إياه ، وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الإشارة : من تحقق أن اللّه واحد فى ملكه ، لا شريك له فى ذاته ولا فى صفاته ولا أفعاله ، وأنه أحاط به علما وسمعا وبصرا ، وأن أمره بين الكاف والنون ، (إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما ، وسيده من خيره لا ينساه؟ من دبرك فى ظلمة الأحشاء ، وصوّرك فى الأرحام كيف يشاء ، وآتاك كل ما تسأل وتشاء ، كيف ينساك من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفى ذلك يقول لسان الحقيقة :
تذكّر جميلى فيك إذ كنت نطفة ولا تنس تصويرى لشخصك فى الحشا
وكن واثقا بي فى أمورك كلّها سأكفيك منها ما يخاف ويختشى
وسلّم لى الأمر واعلم بأننى أصرّف أحكامى وأفعل ما أشا
ثم وصف كتابه الفرقان بأنه مشتمل على ما هو محكم واضح البيان ، وعلى ما هو متشابه لا يعلمه إلا اللّه ، والراسخون من أهل العرفان ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 7 الى 9]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9)
(1/323)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 324
قلت : (منه) : خبر مقدم ، و(آيات) : مبتدأ ، فيوقف على (الكتاب) ، وقيل : (منه) : نعت لكتاب ، وهو بعيد.
قال ابن السبكى : المحكم : المتضح المعنى ، والمتشابه : ما استأثر اللّه بعلمه ، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه.
و(هن أم الكتاب) : جملة ، وحق الخبر المطابقة فيقول : أمهات ، وإنما أفرده على تأويل كل واحدة ، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ : الميل عن الحق. و(الراسخون فى العلم) : معطوف على (اللّه) ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر اللّه بعلمه ، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة ، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و(إذ هديتنا) : ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر ، أي : بعد هدايتك إيانا.
يقول الحق جل جلاله : إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية ، ولا يخفى عليه شىء فى العالم العلوي والسفلى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ المبين ، فمنه ما هو آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات المعنى ، لا اشتباه فيها ولا إجمال ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي : أصله ، يرد إليها غيرها ، وَمنه آيات أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي :
محتملات ، لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر ، ليظهر فضل العلماء النقاد ، ويزداد حرصهم على الاجتهاد فى تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها ، فينال بها ، وبإتعاب القرائح فى استخراج معانيها ، والتوفيق بينها وبين المحكمات ، أعلى الدرجات وأرفع المقامات.
قال فى نوادر الأصول : لمّا تكلم على المتشابه قسّمه على قسمين منه ما طوى علمه إلّا على الخواص كعلم فواتح السور ، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم ، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية ، ولو كشف لفسدت العبودية ، فطواه عن الرسل والملائكة لأنهم فى العبودية ، فإذا زالت العبودية احتملوها أي : أسرار القدر. ه. ولمثل هذا يشير قول سهل : للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة ، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم ، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. ه.
قلت : فتحصّل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه : أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ ، وقوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً معناه : أنه يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى وجزالة اللفظ.
ثم إن الناس فى شأن المتشابه على قسمين : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ : أي : شك ، أو ميل عن الحق ، كالمبتدعة وأشباههم ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ، فيتعلقون بظاهره ، أو بتأويل باطل ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي : طلبا لفتنة الناس عن دينهم : بالتشكيك والتلبيس ، ومناقضة المحكم بالمتشابه ، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ على ما يشتهون ليوافق بدعتهم.
(1/324)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 325
روى عن عائشة - رضي اللّه عنها - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال : «إذا رأيتم الذين يسألون عن المتشابه منه ، ويجادلون فيه ، فهم الذين عنا اللّه تعالى ، فاحذروهم ، ولا تجالسوهم».
(و ما يعلم تأويله) على الحقيقة (إلا اللّه) تعالى ، وقد يطلع عليه بعض خواص أوليائه ، وهم (الراسخون) أي : الثابتون فى العلم ، وهم العارفون باللّه أهل الفناء والبقاء ، وهم أهل التوحيد الخاص ... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه ، فلم يبق عندهم متشابه فى الكتاب ولا فى السنة ، حال كونهم (يقولون آمنا به) ، وصدقنا أنه من كلامه ، (كلّ من عند ربنا) المحكم والمتشابه ، وقد فهمنا مراده فى القسمين ، وهم أولو الألباب ، ولذلك مدحهم فقال :
(و ما يذكّر إلا أولوا الألباب) أي : القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغبش الحس.
سئل عليه الصلاة والسلام : من الراسخون فى العلم؟ فقال : «من برّ يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، وعفّ بطنه وفرجه ، فذلك الراسخ فى العلم». وقال نافع بن يزيد : الراسخون فى العلم : المتواضعون لله ، المتذللون فى طلب مرضات اللّه ، لا يتعظمون على من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم. ه. وقيل : الراسخ فى العلم : من وجد فيه أربعة أشياء : التقوى بينه وبين اللّه ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه. ه. قلت : ويجمع هذه الأوصاف العارف باللّه ، فهو الراسخ فى العلم كما تقدم.
ويقولون أيضا فى تضرعهم إلى اللّه : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى طريق الوصول إلى حضرتك ، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تجمع قلوبنا بك ، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ الجزاء الذي لا رَيْبَ فِيهِ ، فاجمعنا مع المقربين إنك لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ، فأنجز لنا ما وعدتنا فى ذلك اليوم. وخلف الوعد فى حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال ، وأما الوعيد بالشر ، فإن كان فى معيّن فلا يخلفه ، وإن كان فى الجملة فيخلفه بالعفو. واللّه تعالى أعلم.
وقال فى النوادر أيضا : لمّا ردّ الراسخون فى العلم علم المتشابه إلى عالمه ، حيث قالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ، خافوا شره النفوس لطلبها فإنّ العلم لذيذ ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب ، ففزعوا إلى ربهم فقالوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ... الآية. سكنوا نفوسهم لمجىء ذلك اليوم الذي تبطن فيه الحكمة ، وتظهر فيه القدرة. ه. بالمعنى.
الإشارة : إذا صفت القلوب ، وسكنت فى حضرة علام الغيوب ، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية ، والمواهب القدسية ، فمنها ما تكون محكمات المبنى ، واضحات المعنى ، ومنها ما تكون مجملة فى حال ورودها ،
(1/325)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 326
وبعد الوعى يكون البيان ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
.
وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتبعون المتشابه من تلك الواردات ، ابتغاء فتنة العامة ، وصرفهم عن طريق الخاصة ، وابتغاء تأويله ، ليقيم عليه حجة الشريعة ، (و ما يعلم تأويله إلا اللّه) ، أو من تحقق فناؤه فى اللّه ، وهم الراسخون فى معرفة اللّه ، يقولون : (آمنا به كل من عند ربنا) إذ القلوب المطهرة من الهوى لا تنطق عن الهوى ، وهم أرباب القلوب يقولون : (ربنا لا تزغ قلوبنا) عن حضرة قدسك (بعد إذ هديتنا) إلى الوصول إليها ، (و هب لنا من لدنك رحمة) تعصمنا من النظر إلى سواك ، (إنك أنت الوهاب) ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب فى الوصول إليه ، وهو يوم اللقاء ، (إنك لا تخلف الميعاد) فاجمع بيننا وبينك ، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك (إنك على كل شىء قدير).
ثم هدد أهل الزيغ والفساد ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 10 الى 11]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11)
قلت : (الوقود) بالفتح : الحطب ، وبالضم : المصدر ، (كذأب آل فرعون) خبر ، أي : دأبهم كدأب آل فرعون.
والدأب : مصدر دأب ، إذا دام ، ثم نقل إلى الشأن والعادة ، و(كذبوا) : حال بإضمار «قد» ، أو مستأنف ، تفسير حالهم ، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم.
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزلته ، على نبينا محمد - عليه الصلاة السلام - ، إذا عاينوا العذاب لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ ، أي : بدلا من رحمته أو طاعته ، أو بدلا من عذابه ، شَيْئاً ، وأولئك هم حطب جهنم ، فشأنهم كشأن آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، قد كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي : أهلكهم ، وشدد العقوبة عليهم ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن أعرض عنه وركن إلى غيره.
الإشارة : كل من جحد أهل الخصوصية ، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية ، حتى حصل له الطرد والبعاد ، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد ، لن تغنى عنه - بدلا مما فاته - أموال ولا أولاد ، واتصلت به الأحزان والأنكاد كما قال الشاعر :
من فاته منك وصل حظّه الندم ومن تكن همّه تسمو به الهمم
(1/326)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 327
وقال آخر :
من فاته طلب الوصول ونيله منه ، فقل : ما الذي هو يطلب!
حسب المحبّ فناؤه عما سوى محبوبه إن حاضر ومغيّب
وقال آخر :
لكلّ شىء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض
وفى الحكم : «ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضى دونك بدلا ، ولقد خسر من بغى عنك متحولا». فكل من وقف مع شىء من السّوى ، وفاته التوجه إلى معرفة المولى ، فهو فى نار القطيعة والهوى ، مع النفوس الفرعونية ، وأهل الهمم الدنية. نسأل اللّه تعالى العافية.
ثم بدأ بعتاب اليهود ، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من المحكم والمتشابه ، توطئة للكلام معهم ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 13]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13)
قلت : لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من غزوة بدر غالبا منصورا بالغنائم والأسارى ، جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع ، وقال لهم : يا معشر اليهود ، اتقوا اللّه وأسلموا ، فإنكم تعلمون أنى رسول اللّه حقا ، واحذروا أن ينزل اللّه بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر ، فقالوا : يا محمد ، لا يغرّنّك لا أنك لقيت أغمارا لا علم لهم بالحرب ، لئن قاتلتنا لتعلمنّ أنّا نحن الناس. فأنزل اللّه فيهم هذه الآية.
يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد لِلَّذِينَ كَفَرُوا من بنى إسرائيل ، أو مطلقا : سَتُغْلَبُونَ إن قاتلتم المسلمين ، وَتُحْشَرُونَ بعد الموت والهزيمة إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ما مهدتم لأنفسكم من العذاب ، وقد صدق وعده بقتل قريظة ، وإجلاء بنى النضير ، وفتح خيبر ، وضرب الجزية على من عداهم. فقد غلبوا أينما ثقفوا ، وحشروا إلى جهنم ، إلا من أسلم منهم.
ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم : قَدْ كانَ لَكُمْ يا معشر اليهود ، آيَةٌ أي :
عبرة ظاهرة ، ودلالة على صدق ما أقول لكم : إنكم ستغلبون ، فِي فِئَتَيْنِ أي : جماعتين الْتَقَتا يوم بدر ، وهم
(1/327)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 328
المسلمون ، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر ، والمشركون كانوا زهاء ألف ، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم المؤمنون ، وَأُخْرى كافِرَةٌ ، وهم المشركون ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ أي : ترون ، يا معشر اليهود ، الكفار مثلى عدد المسلمين رأى تحقيق ، ومع ذلك أيدهم اللّه بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم ، وكذلك يفعل بهم معكم.
والرؤية ، على هذا ، علمية. ومن قرأ (بالياء) يكون الضمير راجعا للكفار ، أي : يرى الكفار المسلمين مثليهم ، وذلك بعد أن قللهم اللّه فى أعينهم حتى اجترءوا عليهم ، وتوجهوا إليهم ، فلما لاقوهم كثروا فى أعينهم حتى غلبوا ، مددا من اللّه للمؤمنين.
أو : يرى المؤمنون المشركين مثلى المؤمنين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ، ليثبتوا لهم ، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم اللّه بقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... الآية. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أي : يقوى بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره ، كما أيد أهل بدر ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ المفتوحة. وذلك حين نصر اللّه قوما لا عدد لهم ولا عدة ، على قوم لهم عدد وعدة ، فلم تغن عنهم من اللّه شيئا.
الإشارة : إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان ، أحدهما : جند الأنوار ، وهو جند القلب ، والثاني : جند الأغيار ، وهو جند النفس ، فيلتحم بينهما القتال ، فجند الأنوار يريد أن يرتقى بالروح إلى وطنها وهو حضرة الأسرار ، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات ، فيحبسها فى سجن الأكوان ، فإذا أراد اللّه تعالى سعادة عبد ، قوى له جند الأنوار ، وضعّف عنه جند الأغيار ، فينهزم عنه جند الأغيار ، ويستولى على قلبه جند الأنوار ، فلا تزال الأنوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة ، فيدخل حضرة الأسرار ، وهى حضرة الشهود ، ويتحصن فى جوار الملك الودود ، وتناديه ألسنة الهواتف : أيها العارف ، قل للذين كفروا ، وهم جند الأغيار : ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد اللّه خذلان عبده ، بعدله ، قطع عنه مدد الأنوار ، وقوى لديه جند الأغيار ، فتستولى ظلمة النفس على نور القلب ، فتحبسه فى سجن الأكوان ، وتسجنه فى ظلمة هيكل الإنسان ، (و اللّه يويد بنصره من يشاء). ففى التقاء جندى الأنوار والأغيار عبرة لأولى الأبصار.
ثم بيّن الحق تعالى مدد جند الأغيار ، والذي منع الأبصار من الاعتبار ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : آية 14]
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
(1/328)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 329
قلت : (زين) : بحذف الفاعل ، وهو اللّه ، حقيقة إذ لا فاعل سواه ، أو الشيطان ، شريعة إذ هو منديل لمسح أوساخ الأقذار. والقنطار : المال الكثير ، وقيل : مائة ألف دينار ، وقيل : ملء مسك الثور. وروى عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : «القنطار : ألف دينار» ، وفى رواية : «ألفا دينار» ، وفى عرفنا اليوم : ألف مثقال.
والمقنطرة : المنضدة بعضها فوق بعض ، وسمى الذهب ذهبا لذهابه وفنائه ، أو لذهابه بالقلوب عن حضرة الغيوب ، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض أي : تنفرق ، أو تفرق القلوب لمن اشتغل بها. والمسوّمة : المعلمة أو الراعية أو المطهمة الحسان.
يقول الحق جل جلاله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ والركون إلى المألوفات ، حتى صرفهم ذلك عن النظر والاعتبار ، أو الشهود والاستبصار ، وذلك لمن وقف مع متعتها ، وغرته شهوة لذتها ، وأما من ذكرته نعيم الجنان ، وأعانته على طاعة الملك الديان ، فلم يقف مع متعتها ، ولا التفت إلى عاجل شهوتها ، بل نزل إليها بالإذن والتمكين ، والرسوخ فى اليقين ، فلا يشمله تحذير الآية لقوله - عليه الصلاة والسلام - : «حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث ...» الحديث.
وقال بعض الأولياء : [كل شهوة تحجب القلب عن اللّه ، إلا شهوة الجماع ] يعنى الحلال ، وقال الورتجبي :
ابتلاهم حتى يظهر الصادق بترك هذه الشهوات ، من الكاذب بالشروع فى طلبها ، قيل : من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن طريق الحق ، ومن استصغرها وأعرض عنها ، عوض عليها السلامة منها ، وفتح له الطريق إلى الحقائق. ه.
ثم بدأ برأس الشهوات فقال : مِنَ النِّساءِ وذلك لمن شغف بهن فصرف عن ذكر اللّه ، أو تناولهن على وجه الحرام. وفى الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام - : «ما تركت فى الناس بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء».
وفى خبر آخر : «النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس». ومن ثمّ جعلن فى القرآن عين الشهوات ، قال تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ.
وقال بعض العارفين : ما أي الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء. وقال على رضى اللّه عنه : أيها الناس ، لا تطيعوا للنساء أمرا ، ولا تدعوهنّ يدبرن أمر عيش ، فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك ، وعصين المالك ، وجدناهن لا دين لهن فى خلواتهن ، ولا ورع لهن عند شهواتهن ، اللذة بهن يسيرة ، والحيرة بهن كثيرة ، فأما صوالحهن ففاجرات ، وأما طوالحهن فعاهرات - أي : زانيات - ، وأما المعصومات فهن المعدومات ، يتظلمن وهن
(1/329)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 330
الظالمات ، ويتمنعن وهن الراغبات ، ويحلفن وهن الكاذبات ، فاستعيذوا باللّه من شرارهن ، وكونوا على وجل من خيارهن ، والسلام. ه. «1»
وَالْبَنِينَ : قال - عليه الصلاة والسلام - : «إنهم لثمرة القلوب ، وقرّة الأعين ، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة». وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ : أي : المجموعة المنضدة ، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي : المعلمة : وهى البلق ، أو غيرها ، وفى الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، الأجر والمغنم». وعن أنس قال : (لم يكن شىء أحب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد النساء ، من الخيل). وعن أبى وهب الجشمي قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «ارتبطوا الخيل ، وامسحوا بنواصيها ، وقلّدوها ، ولا تقلدوها الأوتار ، وعليكم بكل كميت «2» أغر محجّل ، أو أشقر أغر محجل ، أو أدهم أغر محجّل». وعن خباب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
«الخيل ثلاثة : فرس للرحمن ، وفرس للإنسان ، وفرس للشيطان ، فأما فرس الرحمن فما اتخذ لله فى سبيل اللّه ، وقوتل عليه أعداء اللّه ، وأما فرس الإنسان فما استطرق عليه - أي : ركب عليه فى طريق حوائجه ، وأما فرس الشيطان فما روهن عليه ، وقومر عليه». وفى البخاري ما يشهد لهذا.
ومما زين للناس أيضا : حب الْأَنْعامِ ، وهى الإبل والبقر والغنم ، إن شغلته عن ذكر اللّه ، ومنع منها حق اللّه ، وَالْحَرْثِ أي : الزراعة والغراسة ، ذلِكَ الذي ذكرت مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية الزائلة ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، أي : المرجع فى دار البقاء التي لا يفنى نعيمها ، ولا تنقطع حياتها إلى أبد الأبد.
الإشارة : كل ما يقطع القلب عن الشهود ، أو يفتّره عن السير إلى الملك المعبود ، فهو شهوة ، كائنا ما كان ، أغيارا أو أنوارا ، أو علوما أو أحوالا ، أو غير ذلك ، فالنساء الأغيار ، والبنون الأنوار ، والقناطير المقنطرة من الذهب علوم الطريقة ، والفضة علوم الشريعة ، والخيل المسومة هى الأحوال ، والأنعام الأذكار ، والحرث استعمال الفكرة.
فكل من وقف مع حلاوة شىء من هذا ، ولم يفض إلى راحة الشهود والعيان ، فهى فى حقه شهوة.
وبعد أن ذكر الحق تعالى أنواعا من الشهوات ، زهّد فيها فقال : ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قال أبو هاشم الزاهد رضي اللّه عنه : وسم اللّه الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريد بربه دونها ، وليقبل المطيعون بالإعراض عنها ، وأهل المعرفة باللّه من الدنيا مستوحشون ، وإلى اللّه مشتاقون. ه.
___________
(1) هذا الكلام مشكوك فى نسبته لسيدنا «على» كرم الله وجهه. ومن يستطلع تاريخ السلف الصالح يقف على أمثلة كثيرة وعديدة لنساء صالحات تفوقن على كثير من الرجال فى الصلاح.
(2) الكميت : مالونه بين السواد والحمرة.
(1/330)
البحر المديد ، ج 1 ، ص : 331
وقد تعوذ النبي صلّى اللّ&غ
تفسير البحر المديد سورة آل عمران
عدد المشاهدات:

0 التعليقات