آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

- الوطن الأول فى حياة الانسان

☝الوطن الأول !!
🏆...أهل الإصطفاء هم الذين تفضل عليهم المتفضل في الأزل القديم بقلب سليم وروح من نور الحبيب الأعظم الذي هو من نور الله عز وجل .
فهم الذين أكرمهم الله عز وجل قبل التكوين وقبل إيجاد الجسم في عالم الدنيا بروحانيات عالية ومقامات راقية وأسرار غالية ، فكانوا بالحق للحق مشاهدون ، وبسمع من اسمه السميع لحضرته سبحانه مستمعون ، وبسر المتكلم الذي انبلج على ألسنتهم لحضرته مخاطبون ..

👀 أهل الإصطفاء شـاهدوا قبل التكوين وقبل إيجاد الجسم في عالم الدنيا كل النبيين والمرسلين ، والملائكة المقربين وأهل عالين وعليين ، والأرواح النورانية التي ستظهر في الحياة إلى يوم الدين .

💕 كل الأولياء والصالحين والصادقين رأوا من الأنوار وكوشفوا من الحق عز وجل بالأسرار بما لا يستطيع اي إنسان ان يبيحه في هذه الدار ، إلا لقلوب صفت ووفت وارتقت وسمت إلى آفاق يقول فيها الفتاح عز وجل : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد ٌ – 37 ق )
وجاء التحقيق بعد خلق الأجسام .. وبعد خلق الجسم وظهور الحقائق العالية فيه ، يحدث للإنسان لبس مما يراه بعين الحس ، ويسمعه بأذن الرأس ، ويلمسه بحاسة اللمس !! وفي ذلك يقول الحق عز وجل : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) 15 - ق..

💝إذا انشغل الإنسان بالأمور الجسمانية ، انتاب القلب اليقظ غفوة أو غفلة أو رقدة أو نومة أو جهالة ، فيغيب عن المشاهد والأحوال العالية !!
وحالة المريد الذي اصطفاه الله عز وجل يشعر بحنين إلى المشاهد والأحوال العالية ، وشوق شديد في الرجوع إليها إذا غاب عنها..

🌷إذا فالمقصد والغاية هو الرجوع إلى الحال الأول الذي كان عليه العبد في مواجهة حضرة الأول ..
وكل مايفعله العارفون والحكماء الربانيون والأفراد الروحانيون هو تطييب القلوب حتى يزيلوا هذه الغشاوة من عين القلوب فتنظر بنظر الله وتسمع بسمع الله وترجع للحالة الأولى التي كانت عليها في البداية بين يدي الله ..

👈فبدايتك هي أن تريد الرجوع لوطنك الأول الذي كانت فيه الروح في موطن الجمال والكمال ، وأن يكون الحنين لهذا المقام والشوق لهذا الجمال الذي رأته الروح ورآه القلب بعين البصيرة المضية ..
ويكون الحنين للمنزل الأول الذي كانت تحيا فيه الروح وتنال ماتشتهيه من الحياة الروحانية والحياة القلبية الهنية مع الله ومع رسل الله وأنبياء وأصفياء الله والمقربين من حضرة الله ..

💖💖فحنين العارفين وشوق الصالحين هو للجمال الذي لاح لهم وللوصال الذي ذاقوه ولم ينسوه ، وللعطاء الذي أخذوه وجعله الله مدخرا لهم في قلوبهم وأرواحهم ، ولم يحجبهم عنه إلا هبوط الحواس الكونية إلى الممارسات الدنيوية وإلى العناصر الطينية والشهوات الدنيوية .

🌹وجهاد النفس للرجوع إلى الأصل النوراني الأول والوطن الأول ، أساسه هو جهاد السالك ليتخلص من عادات الأصل الطيني وحكم النفس وطبائعها ، ويجمل نفسه بعادات سيد الأولين والآخرين ، وهذا هو الجهاد الشديد .
============================
🌾 قطوف من الحكمة من كتاب النفس وصفها وتزكيتها
👑 لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبو زيد 👑

الاثنين، 15 مايو 2017

- نفحات الله

السؤال: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزوجل فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا " ما هذه النفحات؟ وكيف نتعرض لها؟
التعرض لنفحات الله هو التعرض لعطاءات الله، وعطاءات الله غير خيرات الله، فخيرات الله نأخذها بالحواس ويستفيد بها الجسم كالطعام والشراب، لكن عطاءات الله تنزل على القلب الذي صلح وانصلح وأصبح جاهزاً لنزول العطاءات من الله جل في علاه.
ففي هذه الليالي تنزل عطاءات من الله، ومن هذه العطاءات أن يتنزل الله في قلب المؤمن بالسكينة:
( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) (4الفتح)
أن يُنزل الله في قلبه الطمأنينة:
أن يجعل الله عزوجل في قلبه نوراً يمشي به في الناس:
) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (122الأنعام).
أن يجعل الله له ميزاناً في قلبه يكشف به الطيب من الخبيث، والحسن من السيء والحق من الباطل:
( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ) (29الأنفال)
أو أن يأخذه الله عزوجل ويرفع عنه حجاب الران ويجعله ينظر بعين قلبه في ملكوت حضرة الرحمن،
( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (75الأنعام)
أن يكرمه الله عزوجل فيجعله من أهل مقام الإحسان فيعبد الله عبادة فيها لذة وفيها خشية، يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادات الخاشين الخاشعين لله عزوجل.
أو يُكرمه الله عزوجل فيفتح له في قلبه عين يتلقى منها الإلهام المباشر من الله، فتجده مسدداً في القول، لا يقول قولاً إلا وهذا القول تجده صحيحاً فيما يحكيه ويرويه وفيما يتحدث فيه لأن الله عزوجل يلهمه بهذا الحديث من عنده:
( وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) (65الكهف).
أو يكرمه الله عزوجل فيقربه قرب قرابة من حبيب الله ومصطفاه، ويجعل سره متصلاً بأصله فيرى السر سر الوصول وهو حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، وقد يكرمه الله عزوجل فيفتح له آذان فؤاده فيسمع تسبيح الكائنات:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (44الإسراء).
فعطايا الله عزوجل لا تُعد ولا تُحد أشرنا إلى ذرة من هذه العطايا الإلهية التي يتعرض لها الصالحون، وذكر هذه العطايا لا يسعه وقت ولا تتحمله العقول، وإنما ينزل من المحبوب الأعظم عزوجل إلى قلوب الأحبة مباشرة بدون واسطة، نسأل الله عزوجل أن نكون من أهل هذه العطاءات أجمعين.
ونتعرض لهذه العطاءات بتجهيز القلب:)( إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )(89الشعراء) ، لا بد أن يكون القلب سليماً من الحظوظ والأهواء، ومن الميل إلى الفاني وإلى الشهوات وإلى كل المستلذات والمستحسنات، ويكون له ميل واحد في الله ولله عزوجل،
-----------------------------------

🌹 اشراقة من كتاب شرف شهر شعبان
🌹 لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- القلب النورانى.

- إن الله عز وجل أخذ العهد على جميع الخلق - وهم أرواح نورانية، أو نفوس ظلمانية ظهرت في صورة روحانية - فكان منهم الأرواح النورانية؛ وهي أرواح المؤمنين والمسلمين، والمحسنين والمتقين، والموقنين.

وهناك نفوس ظلمانية؛ وهي نفوس الكافرين والجاحدين، والمشركين والبعيدين عن رب العالمين.

جمع الله أرواح ونفوس الجميع، حيث لا حيث ولا أين، ولا تسأل أين، لأن الأين للمكان، وهم كانوا في حضرة قبل خلق المكان وقبل خلق الزمان - في حضرة الربوبية للواحد الديان.

- والكافر يا إخواني ليس له روح ولا قلب، وإنما له نفس، لكن الأرواح والقلوب للمؤمنين والمتقين، والبيان في قول الله، وفي كلامه سبحانه يقول:

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (٣٧:ق)

أي: لمن له قلب، إذاً ليس كل إنسان له قلب، ونقصد بالقلب القلب الذي يعقل عن الله، وليس القلب الموجود في هذا الجسم - أي قطعة اللحم الصنوبرية.

لكن القلب المقصود هو: الحقيقة الغيبية النورانية التي تعقل عن الله، وتتلقى كلام الله، وتفقه حديث حبيب الله ومصطفاه ...
-----------------------------------
🌹 الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

الثلاثاء، 28 مارس 2017

- تعريف النفس

تعريف النفس
وقف العقل الكامل عن إدراك حقيقة النفس، ورسمها بحد، لأنها من أمر ربنا سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: () سورة الاسراء آية 85 ولا يزال الإنسان من لدن نشأته الأولى والنفس محل بحثه ونظره، حتى أن أكثر الحكماء المتقدمين والحكماء المسلمين، رأوا أنها ليست بجسم ولا بعرض، لأنهم أثبتوا وجودها لما لها من الأفعال الخاصة بها، والأحوال القاصرة عليها، التى تغاير بالمرة أعمال الأجسام، وخواص الأعراض، وتضاد أيضاً أجزاء الأجسام وخواصها، حتى لا تشاركه فى حال من الأحوال، وتباين الأعراض وتضادها كلها غاية المباينة، من حيث أن الأجسام أجسام، والأعراض أعراض، لأنه ثبت أن النفس لا تتحيز ولا تتغير، وتدرك جميع الأشياء بالسوية بدون أن يلحقها فتور ولا ملل ولا كلال.
وشرح ذلك أن أى جسم من الأجسام له صورة فإنه لا يمكن أن يقبل صورة أخرى من نوع صورته الأولى، إلا بعد أن يفارق صورته الأولى مفارقة حقيقية، فإنا لو فرضنا أن جسما ما على شكل مربع أو مثلث، وأردنا أن نجعله مستطيلا أو أسطوانيا، فلا يمكننا ذلك إلا بعد مفارقته شكله الأول، وكذلك إذا نقش فى جسم ما صورة من الصور، فلا يمكن أن ننقش فيه صورة أخرى، إلا بعد مفارقة الأولى، حتى لو بقى فيه بعض الصورة الأولى لما قبل الصورة الثانية على التمام، بل تختلط به الصورتان، والمُثل بيِّنة.
والحال أننا نجد أنفسنا نقبل صور الأشياء كلها على تباينها وكثرة أنواعها من المحسوسات والمعقولات بغير نقص ولا تفاوت، ولا مفارقة للأولى، ولا تعاقب ولا زوال رسم، بل تبقى الصورة الأولى تامة، وتقبل الرسم الثانى، ثم لا تزال تقبل الصور المختلفة، صورة بعد صورة دائماً أبداً، بدون أن تضعف، أو تفتر فى وقت من الأوقات عن قبول ما يرد عليها، ويتجدد لها من الصور، بل تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى، وهذه خاصة من خواصها تباين بها الأجسام، ولهذه الخاصة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض، وتكمل بالعلوم والآداب.
ينتج من هذه المقدمات أن النفس ليس جسما، وتقرر أنها ليست عرضا، لأن العرض لا يحمل عرضا، ولأن العرض فى نفسه محمول أبداً موجود فى غيره، لا قوام له بذاته، وجوهر النفس قابل أبدا حامل ما هو أتم وأكمل من حمل الأجسام للأعراض.
لهذا يظهر أن النفس ليست جسما ولا جزءاً من جسم، ولا عرضا، هذا والطول والعرض والعمق من المعانى التى صار الجسم بها جسما، تحصل فى قوة النفس الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة وتزداد فيها تلك المعانى أبدا بلا نهاية، فلا تغيرها عن حقيقتها ولا تتغير إذا تصورت كيفيات الجسم من الألوان والطعوم والروائح، ولا يمنع بعضها قبول بعض من أضدادها كما يمنع فى الجسم، وكذلك حالها فى المعقولات، فإنها تقوى بقبول بعض المعقولات على قبول غيرها أبدا بلا نهاية، وتلك الخواص فى غاية البعد عن الأجسام، والجسم لا يعرف العلوم إلا من الحواس، فيشتاق إليها بالملامسة كالشهوات البدنية ومحبة الانتقام، فإن الجسم يشتاق إلى تلك الأشياء، ويزداد بها قوة ويستفيد منها كمالا، ويفرح بها لأنها تتمم وجوده وتمده.
وأما النفس فإنها كلما تباعدت عن الشهوات البدنية وخلت بذاتها، ازدادت قوة وكمالا، وتجملت بالعلوم الحقة، والآراء الصحيحة، بذلك يثبت أن طباعها وجوهرها تباين طباع الجسم والبدن، وأنها أكرم جوهر، هذا مع شوقها إلى معرفة حقائق الأمور الكونية، ولهفها لفهم المعانى الإلهية وإيثارها لها، ولا يمنع من ذلك أنها أخذت كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس، لأن لها من نفسها علوما أخرى، وأفعالا لا تأخذها عن الحواس أبدا، وذلك ثابت بديهى خصوصا فى علوم النظر، وما تكاشف به من أسرار الملكوت والفقه فى دين الله تعالى، وهى التى تحكم على الحس بالصدق أو الكذب فكثيرا ما يشهد الحس الأمور على غير حقيقتها وهى ترده إلى الحق، كما ترى العين الشمس صغيرة، ويرى العامود الموضوع فى الماء معوجا، ويرى الراكب فى السفينة أنه ساكن، ويرى الأشجار حوله تمشى، كل تلك العلوم من نفسها. وقد يخطئ فيما يراه من بعد أو قرب، وكل الحواس تخطئ وتردها النفس، فقد تذوق حاسة الذوق الحلو مرا عند انحراف المزاج، وكل تلك المعلومات ليست من الحس، بل هى من ذات النفس.
من هذا حكموا أن النفس ليست جسما، ولا جزء منه، ولا عرضا، والمراد بالنفس إذا أطلقت النفس الملكية التى تسمى بالناطقة، وإذا أردت أن أعرِّفها فإنما تعرف بما يقرب حقيقتها لا حقيقتها، فأقول: هى جوهرة سماوية روحانية نورانية من أمر ربنا سبحانه وتعالى، ومما قلته فيها:
نفسى هى الكنزُ فيها سرُّ معناه بغير كيف وفيها نورُ مجلاه
جهلى بها الحجبُ عن علمى بمبدعِها وعلمُها كشفُ حجبى فهمُ معناه
نفسى مثال ترا آى لى به وضحت آياتُه وبه أُعِطيتُ جدواه
نفسى له صورةُ تنبى مشاهدَها إذا تحققَ أن المبدعَ الله
جهلى بها اللبسُ والتشكيكُ أجمعُه وعلمُها الكشفُ عن غيبٍ وأخفاه
جهلى بها التيهُ بل والبعدُ عن نسب بها يلوح جمالُ الوجهِ أجلاه
لو أنها أشرقت نفساً لعالمِها فُكت طلاسمُه ورقى لعلياه
يا نفسُ ما أنت؟ نورُ أنت أم عرضُ؟ أم كوكبُ مشرقُ بضياء؟ مبناه
وهل بك الجسم قد قامت معالمه؟ أو قُمْتِ فيه فهذا السرُّ أهواه
حيرتِ أفكارَ أهلِ العقلِ لم يصلوا إلى يقينٍ وفيكِى ضلَّ أهداه
العقلُ يعقلُ محسوساً ونسبتَه لا يدركا رتبتى والمنعمُ الله
سرى خفىّ عن الألبابِ يحجبها عنه نظائره فيه وأشباه
من أمر ربى ومن يطلبه يعرفه فيعرف الله ربَّ العرش مولاه
ونفخةٌ منه تجلى للمراد له فتشهدُ الوجهَ بالتنزيهِ عيناه
من كان يعرفنى بالفضلِ يعرفهُ أنا المثالُ له أفقٌ لمرآه
النفس واحدة وقواها ثلاث
قوة تسمى النفس الملكية أو الناطقة، وهى أعلى النفوس وأكملها، وقوة تسمى النفس السبعية أو الغضبية وهى أدنى من النفس الملكية، وقوة تسمى النفس البهيمية أو الشهوانية، وهى أدنى النفوس.
والإنسان لا يكون إنساناً حقيقية كاملاً إلا بالنفس الملكية، لأنه بها يشارك الملائكة، وبها يمتاز عن البهائم، فأكمل الناس وأشرفهم من كملت فيه تلك النفس وانصرف إليها، وأما من غلبت عليه إحدى النفسين انحط عن رتبة الإنسانية بقدر غلبتها عليه، فتدبر أيها السالك فى نفسك، أين تحب أن تكون من المنازل؟ ومن تحب أن تشارك؟ ومع من تكون؟ () سورة القيامة آية 14 وشتان بين من يرضى أن يكون بهيميا أو سبعياً، ومن لا يرضى إلا أن يكون ملكاً كريماً.
وبين تلك المقامات والمنازل مراتب شتى، بقدر أنواع الحيوانات ومقامات الملائكة () سورة الحديد آية 29.
وقد نرى من الناس من هم أقل من البهائم، ومنهم من تتولى خدمتهم الملائكة، ومنهم من هم شر من إبليس () سورة الشمس آية 9– 10 ومن زكى نفسه وطهرها، بلغ من المقامات إلى رتبة فيها تسبح نفسه فى عوالم الملكوت مشابهة للملائكة، وأن يكون جسمه مجملا بالأخلاق الطاهرة، والأعمال الصالحة.
ومنهم من ينحط حتى تنحصر آمالهم فى شهواتهم فحسب، كالمأكول والمشروب والملبوس والوطء، وهؤلاء هم الذين تجذبهم الشهوات لقوة نفوسهم البهيمية، فيرتكبوها ولا يرتدعوا عنها، ولكن تبقى فيهم بقية ضئيلة من النفس الملكية، فيستترون حياءً عند فعل القبائح والرذائل فى البيوت، حتى إذا اضمحلت النفس الملكية واختفت فى ظلمات طبعهم انتفى الحياء عنهم، فجاهروا بالقبائح كما تفعل البهائم، وتركوا أوامر الله وارتكبوا نواهيه بدون خوف منه سبحانه ولا حياء من خلقه، ولو أنك سألت المعظمين للذة والشهوات الذين يتسترون عند عملها، هل ما تستحسنونه من الملاذ فضيلة أم رذيلة؟ فإن كان فضيلة فلم تتسترون عند عمله؟ وإن كان رذيلة فلم عمله؟ والله سبحانه وتعالى يجملنا بالنفس الملكية إنه مجيب الدعاء.


لامام محمد ماضى ابو العزائم 

الخميس، 23 فبراير 2017

- حقيقة الإنسان


حقيقة الإنسان
الإنسان في الأصل نور قبل عالم الظهور، ولذلك رأينا كل عوالم النور :
( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) (172الأعراف)
ليس سمعنا ولكن "شهدنا" ماذا شهدنا؟ جمال الحضرة العلية وكل العوالم العلوية والملكوتية المندرجة في هذه الحضرة العلية، فلما نزل الإنسان إلي عالم الجسم في الدنيا حصل اللبس فأصبح الإنسان ثنائي بعد أن كان واحداً، فأصبح جسم وقلب، أو جسم وروح، أو جزء مكون من عناصر الأرض والجزء الثاني من نور الله.
الجزء الظاهر من الدنيا والجزء الآخر من الآخرة،
أو الجزء الظاهر من العالم الذي نحن فيه واسمه عالم الملك، والجزء الآخر من عالم الملكوت، الملك يقول فيه الله :( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ )(1 الملك)
والملكوت يقول فيه الله : ( بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (83 يس)
ويقول عن الإنسان "خلقتك بيدي" أي فيك الملك وفيك الملكوت.
الجزء الظاهر من عالم الظاهر والذي يرعاه اسم الله الظاهر الذي يتجلى في هذه المظاهر،
والجزء الباطن يتجلى عليه اسم الله الباطن ويرعاه من عالم البطون ومن كل البواطن.
الجزء الظاهر نراه بالعين الحسية ولذلك يسمي عالم الشهادة،
والجزء الباطن لا نراه إلا بالعين القلبية ولذلك يسمي عالم الغيب.
فالإنسان فيه غيب وفيه شهادة، فيه من عالم الشهادة الجسم ومن عالم الغيب القلب والروح والسر والخفا وكل الحقائق.فإذا استطاع الإنسان أن يجاهد ظاهره إلي أن يصفيه
لأن الجسم من كثافة وكثافته كثافة طينية لأنه من عناصر الأرض من تراب وماء وهواء ونار وهذه عناصر أي شيء علي وجه الأرض، فهو أولاً من ماء :﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (سورة المرسلات)
وثانيا ( خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ )(20 الروم) فعندما نضيف الماء إلي التراب يصير طيناً ... :
( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ )(الصافات)وعندما نضيف إلي الطين النار والهواء ماذا يصير؟ فخار (خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن)
ففيه العناصر الأربعة، وكل من علي ظهر البسيطة من العناصر الأربعة ولكن بنسب متفاوتة لا يعلمها إلا من يقول للشيء كن فيكون، ومادام فيه هذه العناصر الأربعة فهو كثيف أي لا تري من وراءه ولا تري من بداخله ويحجب من خلفه وهكذا جسم الإنسان.
أما الجزء الآخر في الإنسان فهو لطيف لا يُري إلا لمن كشف الله عز وجل عنه الحجاب
فأصبح بنور الله يري، لكنه لا يُري بعين الحس ولكن يُري بعين البصيرة وبعين السريرة وبعين القلب وبعين السويداء
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيذ

الأربعاء، 8 فبراير 2017

- المعانى الغيبية وحقيقة الإنسان

المعانى الغيبية فى الإنسان 
معناه غيبٌ ومبناه مشاهدة   والفرد معنى وليس الفرد تكوينا
كل إنسان يا إخوانى له معنى وله مبنى، وله ظاهر وله باطن، وله غيب وله شهادة، وله سر وله جسم ... كل إنسان ..
والمعانى الغيبية الموجودة فىَّ وفيك هى الأسرار التى حيرت الأولين والآخرين ولم يَكشف عنها السِتار إلا سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ..
والعلماء بأجهزتهم ومعاملهم حاولوا أن يعرفوا سر القلب الذى فيه الحب والكره، والذى فيه البغض والود، والذى فيه الكرم والبخل، والذى فيه الإيمان والقرآن، أو والعياذ بالله     ( الكفر والشرك ).. فلم يعرفوا. وأين هو العقل؟ الذى فيه الذاكرة، والذى فيه عالم الخيال، والذى فيه عالم الوهم، والذى فيه عالم التصور، والذى فيه عالم الإدراك.. أيضا لم يعرفوا أين هو العقل لأنه لا يدريه إلا خالق العقل والقلب. وأين هى النفس؟ وشحها ونزعاتها ونزغاتها وميولها وشهواتها وحظوظها وأهواءها.. كل هذا من أسرار الغيب الذى فيك من خالقك وباريك عزوجل.
فهم كَشَف الله لهم الظاهر فعرفوه ...، وإن كانوا لم يصلوا إلى المدى الذى من أجله ركب الله عزوجل الأعضاء وطورها وصاغها ... !!، لكنهم يحاولون على قدرهم أن يعرفوا الخصائص ... أو المميزات ... أو القدرات ... التى من أجلها أوجد الله عزوجل هذه الأعضاء الظاهرة
ســعة القلـب
فالقلب الخاص بى وبك ما مدى سعته؟
إنه أكبر من السموات السبع ومن الأرضين السبع مجتمعة.. هذا هو القلب!
أما أين هو؟ أو ما شكله؟ أو ما حقيقته؟
هذه الأشياء لا تكيف بالعبارات، ولا ترمز إليها الإشارات، حتى أنهم لما سألوا الشيخ أبا يزيد البسطامى عزوجل وأرضاه عن بعض علوم المعرفة-وهذه من علوم المعرفة الخاصة التى تفاض من الله عزوجل على قلوب العارفين، ومن أين لنا أن نعرف هذه الأشياء إلا من العارفين لأنها ليست موجودة فى كتاب ولا يستطيع أحد أن يصل إليها إلا إن كان من أهل القلوب لأنها تحتاج الناس السياحين الذين لديهم أجنحة من ملكوت رب العالمين فيطيروا ويأتون على قدر وصولهم !!!
وهذه يسمونها السياحة الروحانية، يسوح بروحه وهو جالس هنا بجسمه-سألوه نريد أن نعرف مدى سعة قلب العارف؟ فقال لهم:
قلب العارف فيه ثلاثمائة وستون زاوية ... السموات السبع والأراضون السبع فى زاوية من هذه الزوايا الثلاثة مائة والستين، إذاً فما مقدار سعته هو؟!
هذه حاجة لا تكيف يا إخوانى ولذلك كل الذى يستطيع الإنسان أن يقوله كما قال الصالحون:
يا صورة الرحمن والنور العلى
يا سدرة الأوصاف والغيب الجلى
     
فيك العوالم كلها طويت فهل  أدركت سراً فيك من معنى الولى؟
         
فالعوالم كلها موجودة فيك، فى جزء منك وأنت لا تدرى لأنك مشغول بالظاهر وتارك الحقيقة التى أنت بها إنسان.

حقيقة الإنسان
بماذا أنت إنسان؟
بالجسم؟ أبداً الجسم يذهب كما نعرف جميعاً، فالجسم يتحلل ويذهب إلى  عناصر الأرض، إذاً فأنت إنسان بماذا؟ بمعناك ... فالمعنى هو حقيقة الإنسان يا إخوانى، وهذه هى حقيقة الإنسان التى يقولون عنها قلب الإنسان، مرة يقولون عنها روح الإنسان، ومرة يقولون سر الإنسان، ومرة يقولون عنها العوالم الخفية الموجودة فى الإنسان، كل هذه تعبيرات عن حالات الإتصال التى تتم بين الإنسان وبين العوالم الخفية التى فيك، ولذلك لو استطاع الإنسان أن يربط ظاهره بباطنه مثلما يفعل بعض الأفراد أو الصالحون فيحصل له الحاجات التى نراها هذه، لماذا هى تحصل؟ لأنه أصبح كما قال القائل:
رقَّ الزجاج وراقت الخمر
فتشابها فتشـاكل الأمـر

يعنى أن الطين الذى منه الجسم ... هو الذى يحجبنى عن هذه العوالم الغيبية، قال الله تعالى:
 [بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ55ق]
الخلق الجديد، أما ذاك فما هو اسمه؟
 [أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ15 ق]
الخلق الأول الذى هو على صورة حضرة الأول عزوجل، صورة الرحمن عندما ينزل فى الأكوان ... مقتضى عالم أسباب الله فيه لا بد أن يحصل تسبب بين الرجل وبين المرأة، ويحصل اختلاط عوالم الأسباب فيه الماء والتراب والطين والهواء وغيره حتى ينشأ الإنسان ويتعامل مع هذه الأسباب.
منقول من كتاب طريق الصديقين
لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

الأحد، 22 يناير 2017

- فن النفوس الطاهرة

كثيرة هي نماذج العطاء فيما بيننا , كثيرون هم الذين يضربون نماذج متفردة في تقديم جهدهم وأوقاتهم وأموالهم من أجل إسعاد الآخرين .
هذا العطاء هو ماسميته فيما قبل ب" فن النفوس الطاهرة " , يعني كيفية إدخال السرور على الناس , وكيفية تجفيف دموعهم , وكيفية رسم الابتسامة على وجوههم بدلا من تجاعيد الألم ..
هذا العطاء لا مثيل له في الأعمال الصالحة , فهو كما في الحديث :" أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم " البيهقي وحسنه الألباني ..
إنها مشاعر سامية تلك التي يستشعرها المرء عندما يسعد الآخرين أو يشارك في إسعادهم أو تخفيف آلامهم ..سعادة لا تحس بها إلا النفوس الطاهرة النقية , التي رجاؤها دوما وجه ربها وسعيها دوما هو في طرقات الخير المضيئة ..

والناس جميعهم يحتاجون يدا حانية , تربت على أكتافهم في أوقات الشدة , وتقوم انكسارهم في أوقات الآلام , وتبلل ريقهم بماء رقراق عند جفاف الحلوق , وتجفف دمعهم عند البكاء ..
إن أعلى الناس قدرا في هذه الحياة هم الحاملون للخير لغيرهم , المعطاؤون بلا مقابل , الناصحون لغيرهم بالعلم النافع والمفرجون كرب الناس والميسرون على المعسرين والباذلون جهدهم لإسعاد غيرهم ..

لكن كثيرا من هؤلاء المعطائين الكرماء , يبذلون أنفسهم وجهدهم لغيرهم دون أن ينظروا لأنفسهم , ودون أن يراعوا مطالبهم وحاجاتهم الذاتية , ودون أن ينتبهوا إلى أنهم هم أنفسهم بحاجة لمن يهديهم السعادة ويقدم لهم السرور ..

إن أشد المشاهد على النفس هو مشهد الشمعة المحترقة التي لطالما تغنى بها الشعراء وتألموا ..

ومن اهل البذل والعطاء من هم مثل تلك الشموع التي تحترق لتضىء للآخرين طريقهم , وتهديهم السعادة , بينما هم يتساقطون ألما ووهنا وضعفا ..
من هنا فيجب أن يهتموا بأنفسهم حتى يستطيعون إكمال المسيرة , وحتى يقدرون على البقاء على الطريق , طريق إسعاد الناس ..
إن فاقد الشىء لايعطيه , وفاقد السعادة يصعب أن يقدمها وهو مكبوت مكروب مهموم , فيلزم أن يهتم بإسعاد نفسه لينجح في إسعاد الناس ..
فيجب أن نحاول أن نسعد انفسنا كما نسعد الآخرين , يجب أن نعطي حق أنفسنا من إسعادها بما أحله الله ..

وللأسف فالبعض يريدوننا دائما أن نعيش لأجلهم , ولأجلهم فقط , ربما يكون ذلك لأنهم تعودوا منا على العطاء , قد نعذرهم في بعض الأحيان لنواياهم الطيبة , وربما لأنهم لم يروننا يوما نتألم أو نطلب منهم شيئا ..!
لكن يجب أن نحادث من حولنا بأننا أيضا نحتاج لأوقات للسعادة , ونحتاج لراحة , ونحتاج لهدوء وطمأنينة وأمان ودعم نفسي وعملي لنستطيع مواصلة الطريق ونستمر في العطاء

يجب أن نبحث عن لحظات السعادة لأنفسنا , ونأخذ هذا القرار , لمصلحة أنفسنا وايضا لمصلحة من نحب ..

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

- صور الاعمال الروحانية

إن اعمال المؤمن تخرج منه ولها صورة روحانية مدركة وعاقله مثلها صلى الله عليه و سلمفي الحديث المروي عن سيدنا رسول الله :من توضأ ؛ فأحسن الوضوء ، ثم صلَّى ، فلم يحدِّث نفسه بشيء ؛ خرجت وهي بيضاء مسفرة هذه الصلاة ....: يخلق الله منها صورة روحانية ، نورانية ، بيضاء مسفرة – حتى تصل إلى عنان السماء ؛ فتفتح لها أبواب السماء وهذا الحديث يفصل كيفية دخول الأعمال إلى السماء :
فتفتح لها أبواب السماء ستدخل إذاً ، وسيغلق الباب بين الملكوت وعالم الأرض ، فتودِّع صاحبها ، قال فيها – فتلتفت إلى صاحبهابمعنى أن فيها حركة وفيها حياة وترى وتتكلم وتقول له : حفظك الله كما حفظتني . .. فقد خلق منها إذاً صورة روحانية تصعد إلى عالم الملكوت الأعلى ...!!.، تعبد الله عز و جل بجميع الحركات ، ؛و قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه الإمام الترمذي رضي الله عنه :إن ما تذكرون الله تعالى به ، من التسبيحات ، والتهليلات ، والتكبيرات ؛ يخرجن ولهن دويٌّ كدوي النحل – أزيز أوصوت كصوت النحل – حتى يصلن إلى العرش ؛ فيطفـن حوله ‘ يذكّـِرن بصاحبهن إلى يـــــــوم القيامة وفى رواية أخرى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الذين يذكرون من جلال الله ، من تسبيحه ، وتحميده ، وتكبيره ، وتهليله ؛ يتعاطفن حول العرش ، لهن دويٌّ كدوي النحل ؛ يذكِّرون بصاحبهن ، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به ؟
والأقوال ، والأفعال ، والدعوات التي قالها المؤمن لله وهو في الصـلاة ،يذكرون بصاحبهن إلى يوم الدينوكل ذلك يبقى في صحيفة هذا العبد !فهذه صورة ملكوتية تخرج من أعمال المؤمنين والمؤمنات .والسماء ملأى بهذه الصور ..!!وهذه الصور ، مطبوع عليها صورة صاحبها ،ولذلك ؛ وعندما بكرم الله العبد ، ويفتح له عين القلب يرى الجنان ،و يرى صورالاعمال الروحانية في عوالم الملكوت الأعلى .

الخميس، 27 أكتوبر 2016

- ما الذى يموت فى الانسان الروح أم النفس؟

إن الله عندما ذكر الوفاة لم يذكر الروح بل ذكر النفس:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [185آل عمران ] {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [42 الزمر] وهنا نبسط فى عجالة كيفيات قبض الأنفس كما ورد فى كتاب الله: فهناك أنفس يتولى قبضها ملائكة العذاب: {وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}93 الأنعام) وهناك أنفس يتلقاها ويتوفاها ملائكة الرحمن {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ}32النحل وهناك أنفس يتوفاها ملك الموت لقول الله{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }[11السجدة]وهناك أنفس وهى أعلاها وهى قلة يتوفاها الحق بنفسه:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[ 42 الزمر] وهذا ما يقصده الحبيب بدعائه: وتولَّ قبض روحى بيمناك مع شدة الشوق إلى لقائك يا رحمن.
فالذى يتوفاه هو الله وليس ملك الموت وليس الملائكة ولكن الله بذاته هو الذى يتوفى الأنفس لعلو قدرها وارتفاع شأنها عند ربها فهو عز شأنه هو الذى يقول فى الحديث القدسى:{ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأكْرَهُ مَسَاءَتَهُ} عن أبي هريرة صحيح البخارى
موسى عليه السلام وملك الموت
كان ملك الموت يأتى الناس عياناً قبل رسول الله وعندما ذهب إلى سيدنا موسى والأنبياء يخيرون وهذه خصوصية لهم واستمعوا له ماذا قال :{ جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَىٰ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ. قَالَ فَلَطَمَ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا. قَالَ فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللّهِ تَعَالَىٰ فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَىٰ عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ. وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي. قَالَ فَرَدَّ اللّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَىٰ عَبْدِي فَقُلِ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَىٰ مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ. فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. رَبِّ أَمِتْنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ : وَاللّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَىٰ جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ} عن أبي هُرَيْرَةَ صحيح البخارى ومسلم
لكن الله يحب إكرام عبده فلا يريده أن يموت على ضيق، فرأى سيدنا موسى نفراً يحفرون قبراً لرجل، فسألهم ماذا يفعلون؟ فقالوا نحفر قبرا لرجل كريم على الله، فقال: أتأذنون لي أن أرقد فيه؟ فأذنوا له فنام فيه فقبضت روحه، فلا يعرف قبره إلا رسول الله الذي زاره في الإسراء، والقبر في سيناء ولكن لا أحد يعرف في أى مكان بها.

الروح فى عالم البرزخ

ظن البعض أن الموت هو نهاية الحياة فى حين أن الحقيقة التى ذكرها كتاب الله وبينها سيدنا رسول الله أن الموت يكون للجسم أما الروح فلا تموت ولا تفوت وإنما تنتقل إلى دار تسمى(دار البرزخ)يقول الله تعالى فيها ففى الآية ( 100المؤمنون){وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } كلمة (البرزخ) أى الحاجز بين شيئين وهو هنا والحاجز بين الدنيا والآخرة يسمى البرزخ أو يسمى القبر لأنه يستر الإنسان لكن الإنسان بمجرد أن تخرج روحه من جسده يخرج إلى عالم فسيح عالم الإطلاق فالروح عند الموت لها شأن آخر فى عالم البرزخ فإن كانت من الشهداء فالله يقول في الشهداء {بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 وإن كانت من أهل درجة من درجات اليمين من المؤمنين فهي في عليين: [إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ{18} وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ{19} كِتَابٌ مَّرْقُومٌ{20} يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ{21}] [المطففين] فهى على كل حال في حضرات إلهية فيها صفاء وفيها نقاء وهناء لا يستطيع الإنسان أن يصفه أو حتى يشير إليه لأن العقول لا تتحمله في هذه الحياة الدنيا وهذا سر قول النبى : {لَوْ تَعْلَمُون مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَليلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ولخرجتم إلى الصعداء تجئرون }عن أنسٍ صحيح البخارى ومسلم
فالروح لاتموت ولا تفوت ولذا ورد أن الإمام الغزالى عندما حانت وفاته جلس تلاميذه حوله يبكون فقال لهم:
قل لإخوانٍ يـرونى ميتا
ليس والله بالميت أنــا
أنا عصفور وهذا قفصى
طرت منه إلى دار الهنـا
فوصف الجسم فى تقييده للروح كالقفص الذى يحبس فيه الطائر فالجسم يحبس الروح عن الحركة فإذا خرجت الروح من الجسم سرحت فى عالم الإطلاق ما شاءت لأنها تكون مطلقة وغير مقيدة.
لاترعكم هجمة الـموت
فما هو إلا نقلة من ها هنا
إنتقال من دار إلى دار ليس أكثر ويبين هذه الحقيقة فقد ورد فى الأثر أن نسبة البرزخ إلى دار الدنيا كنسبة الدنيا إلى بطن الأم، فالإنسان عندما يكون جنيناً فى بطن أمه يظن أنه الحياة التى فيها كل المنى، فهى حياة واسعة وفيها كل ما يبتغيه وعندما يهبط من بطن أمه يبكى على مفارقته هذه الحياة التى كان فيها وبعد أن يعقل يجد الدنيا واسعةً جداً ليس هناك نسبة بينها وبين بطن أمه وهذه مثل نسبة البرزخ إلى عالم الدنيا ولتقريب الحقيقة أقول أن عالم البرزخ فيه كل السابقين أجمعين حاضرين فكم يكون النسبة بينه وبين عالم الدنيا؟ ففيه من أول أدم وكلهم أحياء عند ربهم يرزقون وأياك أن تخص الحياة ببعض دون البعض لأن الله ذكر أن حياة البرزخ لكل الخلائق لأن البرزخ أما يكون روضة من رياض الجنة وأما حفرة من حفر النار أى أن الإنسان فيه أما أن ينعم وأما أن يعذب، ولكى ينعم أو يعذب لابد أن يكون فيه حسٌ وأحساس يدرك النعيم ويشعر بالألم والعذاب وضرب الله مثلا للكافرين فقال تعالى عن فرعون وقومه:{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} فأين ذهبوا؟ {فَأُدْخِلُوا نَاراً} (25نوح) بعد الغرق مباشرة أدخلوا النار وحتى لا يلتبس الأمر على البعض ويظن أن النار نار الآخرة بين الله الحقيقة فقال فى سورة غافر:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }فالنار التى يعرضون عليها غدوا وعشياً هى نار البرزخ لأن الآخرة ليس فيها غدو ولا عشى ولا يوم ولا شهر ثم يبين بعد ذلك أنهم يذوقون أشد العذاب فى الآخرة لنعلم يقيناً أن هذه النار هى نار الحياة البرزخية التى يعذب فيها قوم فرعون والنبى بيّن هذه الحقيقة عندما دفن قتلى الكفار فى غزوة بدر وكانوا حوالى سبعين، فأتى فقامَ عليهمْ ونادى وقال: { يا أبا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يا أُمَيَّةُ بنَ خَلَفٍ، يا عُتْبَةَ يا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقَّاً، فإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقَّاً؟ قالَ: فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ، فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُونَ قَوْلَكَ، أَوْ يُجِيبُونَ وقد جَيَّفْوا؟ فقالَ: والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ، ما أَنْتُم بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، ولكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا} عن أنسِ بنِ مالكٍ، صحيح ابن حبان، وفى البخارى ومسلم
فبين أن الإنسان الذى يغادر هذه الدنيا يسمع ويحس ويشعر ولكن الكافر يكون فى سجن إنفرادي لا يستطيع أن يتحرك أو يجيب، أما المؤمن فيكون فى حياة مطلقة يذهب إلى الجنة كيف يشاء، بل ويذهب إلى الأماكن التى يحبها فى الدنيا ويزور الأحباء الذين كان يحبهم ويودهم فى الدنيا له حرية مطلقة فى الحركة لأنه كما قال الله فى شأنه فى [34 الزمر]:{لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ } فكل الذى يشاءه ويختاره يعطيه له الله فى هذه الحياة البرزخية ومن فضل الله علينا معشر المؤمنين في البرزخ أن المؤمن لا يخرج منه إلا وقد طاب أمره وصلح شأنه وأصبح صالحاً لدخول الجنة إلا أقل القليل وهم من ماتوا مسرفين على أنفسهم فى الكبائر ولم يتوبوا قبل الموت لكن أى مسلم لم يرتكب الكبائر فإن الله يمحصه ويغفر له ويعفو عنه فى الحياة البرزخية حتى يخرج منها صالحا لدخول جنة النعيم، فهذه الحياة البرزخية أكرم الله بها الأمة المحمدية وجعلها إكراما لنا جماعة المسلمين وهو سر قول رسول الله :{ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مُتَابٌ عَلَيْهَا تَدْخُلُ قُبُورَهَا بِذُنُوبِهَا وتَخْرُجُ مِنْ قُبُورِهَا لاذُنُوبَ عَلَيْهَا يُمَحَّصُ عَنْهَا باسْتِغْفَارِالمُؤْمِنِين َ لَها}عن أنس السيوطى فى شرح الصدور والطبرانى فى الأوسط
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

- ما حياة رسول الله البرزخية؟

-الحياة البرزخية حياة حقيقية وهذا ما دلت عليه الآيات البينات والأحاديث المشهورة الصحيحة وهذه الحياة الحقيقية لا تعُارض وصفهم بالموت كما جاء ذلك في كتاب الله العزيز إذ يقول {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّفَهُمُ الْخَالِدُونَ }الأنبياء34ويقول {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }الزمر30 أن معنى قولنا عن الحياة البرزخية بأنها حقيقية أي ليست خيالية أو مثالية  كما يتصورها بعض الملاحدة ممن لا تتسع عقولهم للإيمان إلا بالمُشاهد المحسوس دون الغيب الذي لا يطيق العقل البشرى تصوره ولا تسليم كيفيته لقدرة الله جل جلاله إن وقفة تأمل قصيرة عند قولنا عن الحياة البرزخية بأنها حقيقة لا تبقى من الأشكال أدنى
ذرة حتى عند من يقصر فهمه وذوقه عن تعقل المعاني  فكلمة (حقيقية) ليست إلا لنفى الباطل وطرد الوهم ونفى الخيال الذي قد يقع  في ذهن الإنسان المتشكك المرتاب في أحوال عالم البرزخ وغيرها من العوالم الأخرى كالنشر والبعث والحشر والحساب وهذا المعنى يدركه الإنسان العربي البسيط الذي يعرف أن كلمة (حقيقية) تعنى حقيقة وهى مايقابل الوهم والخيال والمثال فحقيقية أي ليست بوهيمية وهذا هو المقصود
بعينه وهذا هو مفهومنا وتصورنا لهذه القضية ولقد تضافرت الأحاديث والآثار التي تثبت أن الميت يسمع  ويحس ويعرف سواء كان مؤمنا أم كافرا  فمنها حديث القليب وهو ثابت في الصحيحين من وجوه متعددة

 عن أبى طلحة وعمر وابنه عبد الله : أن النبي أمر بأربعة وعشرين رجلا  من صناديد قريش فألقوا في طوي من أطواء بدر فناداهم رسول الله  وسماهم( ياأبا جهل بن هشام ي أمية بن خلف يا عتيبةبن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا فلان بن فلان أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ماوعدني ربى حقا ) فقال عمر يا رسول الله ما تُكلم من أجساد لا أرواح فيها  فقال عليه الصلاة والسلام ( والذي نفسي بيده ما انتم بأسمع لما أقول منهمولكنهم لا يجيبون ) وهكذا رواه الشيخان من حديث ابن عمر والبخاري من

 حديث أنس عن أبى طلحة ومسلم من حديث أنس عن عمر ورواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوهوفيه : قالوا: يا رسول الله وهل يسمعون ؟ قال ( يسمعون كما تسمعون ولكن لايجيبون ) ومنها ما رواه البزار وصححه ابن حبان من طريق إسماعيل بن

 عبد الرحمن السدى عن أبيه عن أبى هريرة : عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين )  واخرج ابن حبان أيضا من طريق محمد بن عمرو عن أبى

 سلمة عن أبى هريرة عن النبي نحوه في حديث طويل . وقال البخاري في صحيحه باب الميت يسمع خفق النعال ثم روى عن انس عن النبي قال ( العبد إذا وُضع في قبره وتولّى وذهب أصحابه حتى انه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه ) وذكر الحديث في سؤال القبر ورواه مسلم أيضا

 وسماع الميت خفق النعال وارد في عدة أحاديث ومنها الأحاديث الواردة في سؤال القبر وهى كثيرة منتشرة وفيها التصريح بسؤال الملكين  له وجوابه بما يطابق حاله من سعادة أو شقاء ومنها ما

 شرعه النبي لأمته من السلام على أهل القبور ومخاطبتهم بلفظ السلام عليكم دار قوم مؤمنين قال ابن القيم : وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد

 والسلف مجموعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به ثم ذكر جملة منها في كتاب الروح . فليراجع .

قلت : وقد روى عبد الرازق في هذا الباب حديثا عن زيد بن أسلم قال : مر أبو هريرة وصاحب له على قبر فقال أبو هريرة سلم فقال الرجل : أسلم على القبر فقال أبو هريرة إن كان رآك في الدنيا يوما قط إنه ليعرفك الآن .رواه عبد الرازق في المصنف (ج3 ص 577 )

 وهذا الذي قلناه هو عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وهم أهل السنة والجماعة فلا أدرى كيف يغفل هؤلاء الذين يدعون أنهم على مذهب السلف عن هذه الحقيقة وقد أفاض الشيخ ابن القيم في كتاب

 الروح بما يشفى ويكفى وننقل هنا فتوى عظيمة لشيخ الإسلامالإمام ابن تيمية في هذا الموضوع كما جاء في الفتاوى الكبرى سُئل الشيخ عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم ؟ هل يعلمون بالميت إذا مات من

 قرابتهمأو غيره ؟ فأجاب : الحمد لله نعم جاءت الآثار بتلاقيهموتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات , كما روى ابن المبارك عن أبى أيوب الانصارى قال :( إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يلتقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض ,

 انظروا أخاكم ليستريح فإنه كان في كَرْب شديد , قال : فيُقْبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت ) الحديث .

وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

( ما من احد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام ) قال ابن المبارك ثبت ذلك عن النبي وصححه عبد الحق صاحب الأحكام

( ا.ھ مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية ) ( ج24 ص 331 )وجاء في موضع آخر أيضا سُئل الشيخ ابن تيمية : هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه ؟ وهل تُعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت أم

 تكون ترفرف على قبره ؟ في ذلك الوقت وغيره ؟وهل تُجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . نعم ! يسمع في الجملة

 كما ثبت في الصحيحين عن النبي انه قال ( يسمع خفق نعالهم حين يُولْون عنه ) ثم ساق أحاديث متعددة في هذاالمعنى ثم قال : فهذه النصوص وأمثالها  تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا ينبغي أن يكون السمع له دائما بل قد يسمع في حال دون حال كما يُعرض للحى فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه وقد لا يسمع لعارض يعرض له وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفى بقوله ({إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى }النمل80
 فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى . فالميت وان سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكن إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونُهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهى وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهى وان سمع الخطاب وفهم المعنى كما قال تعالى ({وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ  }الأنفال23
 وأما رؤية الميت فقد روى في ذلك آثار عن عائشة وغيرها . وأما قول القائل هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك

 الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ . فإن روحه تُعاد إلى البدن في ذلك الوقت كما جاء في الحديث وتُعاد أيضا في غير ذلك . ومع ذلك  فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم . وهذا جاء في عدة آثار أن الأرواح تكون في أفنية القبور قال مجاهد : الأرواح تكون في أفنيةالقبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه فهذا يكون أحيانا وقال مالك بن انس

 بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله اعلم . ا.ﻫ مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية (ج24 ص 362 ) وقال الشيخ ابن تيمية في موضع آخر : أما ما اخبر الله من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهبت طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصا بالشهيد كما دلت على ذلك النصوصالثابتة ويختص الشهيد بالذكر لكون الظانّ يظن انه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وان كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق . (ا.ﻫ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

 ج24ص332) .
رأى رسول الله رجلا قد اتكأ على قبر فقال له ( لا تؤذ صاحب القبر) ذكره المجد ابن تيمية في

 المنتقى (ج2ص104) وعزاه لأحمد في المسند وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح (ج3ص178) وقال إسناده صحيح وأخرجه الطحاوى في معاني الآثار(ج1ص296) من حديثابن عمرو بن حزم بلفظ رآني رسول الله على قبر فقال ( انزل عن القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك ) (ا.ﻫ مجمع الزوائد ج3ص61) .
وينبغي أن نبين للناس معنى تلك الحياة وإنها حياة برزخية وإنها ليست كحياتنا هذه بل هي حياة خاصة لائقة بهم وبالعالم الذي هم فيه لكن لا بد أن نبين لهم أيضا أنها ليست كحياتنا لان حياتنا اقل وأحقر وأضيق واضعف فالإنسان فيها بين عبادة وعادة وطاعة ومعصية وواجبات مختلفة لنفسه وأهله ولربه وانه تارة يكون طاهرا وتارة يكون على ضد ذلك , تارة يكون في المسجد وتارة يكون في الحمام وانه لا يدرى بما يُختم له . فقد يكون بينه وبين الجنة ذراع ثم ينقلب الأمر رأسا على عقب فيصير من أهل النار وبالنقيض أما في البرزخ فانه إن كان من أهل الإيمان فإنه قد جاوز قنطرة الامتحان التي لا يثبت عندها إلاأهل السعادة . ثم انه قد انقطع عنه التكليف وأصبح روحا مشرقة طاهرة مفكرة سياحة سباحة جوالة في ملكوت اللهوملكه سبحانه وتعالى لا هم ولا حزن ولا بأس ولا قلق لأنه لا دنيا ولا عقار ولا ذهب ولا فضة فلا حسد ولا بغى ولا حقد . وان كان غير ذلك ففي نقيض ذلك . وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام في البرزخ خصائص انفردوا بها دون غيرهم من البشر ولو شاركهم غيرهم في بعضها فهو على وجه الإلحاق النسبي وتبقى الخصوصية للأنبياء من جهتين .

الأولى : من جهة الأصالة

الثانية : من جهة الكمال

وذكرنا فيما تقدم أن الحياة البرزخية حياة حقيقية وان الميت يسمع ويحس ويعرف سواء أكان مؤمنا أم كان كافرا وان الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصا بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة . وهذا هو الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة ومن هنا فإن القول بحياة الأنبياء من فضول القول وهو أمر ظاهر كالشمس لا يحتاج إلى إثبات بل إن الصواب هو أن نُقرر أن حياتهم أكمل واجل وأتم وأعظم وهكذا حياة الناس على ظهر الأرض في الدنيا فإنها درجات ومقامات ومراتب متفاوتة . فمنهم أموات في صورة أحياء قال فيهم المولى جل شأنه ({لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179ومنهمالذين قال فيهم {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }يونس62 ومنهم من قال فيهم {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } إلى قوله {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ }المؤمنون 10 ومنهم من قال فيهم (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ{16} كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ{17} وَبِالْأَسْحَارِ هُم يَسْتَغْفِرُونَ{18} الذاريات وهكذا الحياة البرزخية درجات

 ومراتب ومقامات متفاوتة  {وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً }الإسراء72 أما الأنبياء  عليهم الصلاة والسلام فإن حياتهم ورزقهم ومعرفتهم وسماعهموإدراكهم وشعورهم وإحساسهم أكمل وأتم وارفع من غيرهم والدليل هو قوله تعالى في حق الشهداء {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169

 وإذا كانت الحياة معناها هو بقاء الروح فلا تفنى ولا تبلى فلا مزية للشهيد يستحق أن تُذكر وتشهر إذ

 أرواح جميع بني ادم باقية لا تفنى ولا تبلى وهو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم كما حققه الشيخ ابن القيم في كتاب الروح فلابد من وجود مزية ظاهرة يزيد بها الشهداء على من سواهم  وإلا كان ذكر حياتهم عبثا لا فائدةمنه خصوصا وان الله تعالى نهى أن نقول عنهم أموات فقال {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154 وحينئذ نقول انه لا بد أن تكون حياتهم أكمل من غيرهم واشرف وهذا ما يؤيده ظاهر النصوص فأرواحهم مرزوقة تردانهار الجنة وتأكل ثمارها كما قال  تعالى : (عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ثم إحساسهم بذلك الطعام والشراب والنعيم إحساس كامل بشعور تام وتلذذ تام وتمتع حقيقي كما جاء في الحديث : فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا :

 يا ليت إخواننا يعلمونما صنع الله بنا ( قال ابن كثيررواه احمد) وأرواحهم لها تصرف اكبر من غيرها وأوسع فهي تتجول وتسرح في الجنة حيث تشاء ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش (كذا في الصحيح)  وهم يسمعون الكلام ويفهمون الخطاب فقد جاء في الصحيح أن الله تعالى يقول لهم ما تشتهون ؟ فيقولون كذا وكذا ويعود السؤال ويعود الجواب . ثم يطلبون أن يعودوا إلى الدنيا للجهاد ثميطلبون أن يُبلغ الله

 عنهم رسالة منهم إلى إخوانهم بالدنيا فيها بيان ما أكرمهم الله به فيقول الله : أنا ابلغعنكم . فإذا ثبت هذا في حق الشهداء ثبت في حق الأنبياء من وجهين :

الأول : أن هذه رتبة شريفة أعطيت للشهيد كرامة له ولا رتبة أعلى من رتبة الأنبياء  . ولا شك أن حال الأنبياء أعلى وأكمل من حال جميع الشهداء . فيستحيل أن يحصل كمال للشهداء ولا يحصل للأنبياء لا سيما أن هذا الكمال الذي يوجب زيادة القربى والزلفى والنعيم والأنس بالعلي الأعلى .

الثاني  : أن هذه الرتبة حصلت للشهيد أجرا على جهادهم وبذلهم أنفسهم لله تعالى . والنبي هو الذي سن لنا ذلك ودعانا إليه وهدانا له بإذن الله  تعالى وتوفيقه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من سن سنة حسنة

 فله أجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة )  وقال أيضا ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا  ينقصه ذلك من أجورهم شيئا , ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم  مثل آثام من يتبعه لا ينقصه ذلك من آثامهم شيئا ) والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة فكل اجرحصل للشهيد حصل للنبي صلى الله عليه وسلم لسعيه مثله والحياة اجر فيحصل للنبي صلى  الله عليه وسلم مثلها  إن حياة الأنبياء البرزخية الحقيقية وخصوصا  نبينا محمد هي ارفع وأكمل من أن يتصور جاهل أو أحمق  أننا نعنى بها  أن يعيشوا كما نعيش فيأكلوا ويشربوا محتاجين إلى الأكل  والشرب ويبولوا ويتغوطوا مضطرين إلى ذلك ويخرجون من قبورهم لحضور مجالس الذكر ومجامع القرآن ولمشاركة الأمة في أفراحها

 وأحزانها وأعيادها ومواسمها . ثم يرجعون إلى قبورهم تحت الأرض في تلك الحفرة الضيقة وفوقهم التراب . ليس في هذا أدنى كرامة أو منقبة بل هو عين الإهانة التي لا يرضاها الإنسان لتابع أو خادم له فضلا عن  يمن الله تعالى بذلك على خير خلقه واجل عبيده حاشا وكلا وألف حاشا وكلا. إن الحياة البرزخية الحقيقية هي الشعور التام والإدراك  الكامل والمعرفة الصادقة . إنها حياة طيبة صالحة : دعاء وتسبيح وتهليل  وتحميد وصلاة. ومن ثمرات تلك الحياة البرزخية صلاتهم في قبورهم صلاة حقيقية ليست خيالية ولا مثالية وقد جاءت أحاديث في هذا الموضوع فمنها عن انس بن مالك قال : قال رسول الله

 (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) . رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبى يعلى ثقات  كذا في مجمع الزوائد (ج8ص211) قال الإمام الحافظ البيهقى في الجزء الخاص بهذه المسألة . وفى رواية عن  انس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الأنبياء لا يُتْركون في قبورهم بعد أربعين ليلة, ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى يُنفخ في الصور) قال البيهقى إن صح بهذا اللفظ

 فالمراد به- والله اعلم- لا يُتركون لا يُصلون إلا هذا المقدار, ثم يكونون  مصلين بين يدي الله تعالى, قال البيهقى : ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة. ثم ذكر البيهقى بأسانيده حديث (مررت

 بموسى وهو قائم يصلى في قبره). وحديث (قد رأيتني في جماعة من الأنبياء, فإذا موسى قائم يصلى وإذا رجل ضَرْب جَعْد كأنه من رجال  شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلى اقرب الناس به شبها عروة ابن

 مسعود الثقفي, وإذا إبراهيم  قائم يصلى أشبه الناس به صاحبكم- يعنى  نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت الصلاة قال لي قائل : يا محمد, هذا مَالِك صاحب النار فسلّم عليه فالتفتُّ إليه  فبدأني بالسلام ) .

 قلت أخرجه مسلم عن انس (ج2ص268) وأخرجه عبد الرازق في المصنف (ج3ص577) وقوله ضَرْب : أي خفيف اللحم الممشوق المستقد. وقال البيهقى في دلائل النبوة : وفى الحديث الصحيح عن سليمان التيمى وثابت البنان عن انس بن مالك أن رسول الله قال ( أتيتُ على موسى ليلة اسري بى عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلى في قبره ). قلت وهو صحيح أخرجه مسلم (ج2ص268)

وقد ثبت بما لا يقبل الشك أن السبب في تخفيف الصلاة علينا من خمسين إلى خمس صلوات هو موسى عليه السلام وهو ميت قد أدى رسالة ربه وانتقل إلى جواره في الرفيق الأعلى  ولكنه هو السبب في إيصال أعظم خير إلى الأمة المحمدية حينما طلب من نبينا محمد مراجعة ربه وقال له سَلْ ربك التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فهل هذه المراجعة حقيقية أو خيالية وهل في اليقظة أو في المنام وهل هي صحيحة أم مكذوبة وهل موسى مات أم لا يزال حيا حتى وقت تلك المراجعة ؟أخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي مر على ثَنّية فقال : ما هذه قالوا ثنية كذا وكذا, قال لأني انظر إلى يونس على ناقة خطامها ليف وعليه جبّة من صوف وهو يقول لبيك اللهم لبيك ) ا.ﻫ الدر المنثور (ج4ص334). وفى حديث آخر (أراني ليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راءمن الرجال من آدم الرجال, له لمة

 كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجّلها فهي تقطر ماء متكئا على رجلين أو على عواتق رجلين بالبيت فسألت من هذا ؟ فقيل هذا المسيح بن مريم ). وفى حديث آخر ( أن رسول الله مر بوادي الأزرق فقال : كأني انظر إلى موسى هابطا من الثنيّة وله جؤار إلى الله بالتلبية ثم أتى على ثنية هرشي فقال : كأني انظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعده عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبى ) وفى حديث أخر ( كأني انظر إلى موسى واضعا إصبعيه فيأذنيه) وهذه الأحاديث كلها في الصحيح وقد تقدم في موسى وعيسى, وكذلك صلاتهم قياما وإمام النبي  بهم ولا يقال إن ذلك رؤيا منام وإن قوله أراني فيه إشارة إلى النوم لأن  الإسراء وما اتفق فيه كان يقظة على الصحيح الذي عليه جمهور السلف والخلف ولو قيل بأنه نوم فرؤيا الأنبياء حق, وقوله أراني لا  دلالة فيه على المنام بدليل قوله رأيتني في الحجر وكان ذلك في اليقظة كما يدل عليه بقية الكلام . جاء في الحديث عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله : (أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم. وفيه قبض. وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علىَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علىَّ, قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت- يقولون بليت- فقال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) هذا الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة واحمد في مسنده وابن عاصم  في الصلاة له وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم والطبراني في

 معجمه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم البيهقى في حياة  الأنبياء وشعب الإيمان وغيرهما من تصانيفه .

 واعلم بأن حديث أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ورد من طرق كثيرةجمعها الحافظ المنذرى في جزء مخصوصوقال في الترغيب والترهيب رواه ابن ماجه بإسناد جيد ورواه احمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه
وقال ابن القيم في كتاب الروح نقلا عن أبى عبد الله القرطبي : صح عن النبي أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وانه اجتمع مع الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفى السماء خصوصا موسى وقد اخبر : (ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)إلى غير ذلك ما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غُيّبواعنا بحيث لا ندركهم وان كانموجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودين ولا نراهم .وقد نقل كلام القرطبي واقره أيضا الشيخ محمد السفارينى الحنبلي في شرح عقيدة أهل السنة ونصه :

قال أبو عبد الله القرطبي قال شيخنا احد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم والذي يزيح هذا الإشكال أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد موتهم وقتلهم أحياء عند ربهم يرزقونفرحين. وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء

 كان الأنبياء أحق بذلكوأولى . وذكر القرطبي أن أجساد الشهداء لا تبلى, وقد صح عن جابر أن أباه وعمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنهم وهما ممن استشهدا بأحد ودفنا في قبر واحد حفر السيل قبرهما فوجدا لم يتغيرا. وكان احدهما قد جُرح فوضع يده على جرحه فدفن وهوكذلك , فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين ذلك وبين احد ست وأربعون سنة ولما أجرى معاوية العين التي استنبطها بالمدينة وذلك بعد احد بنحو من خمسين سنة ونقل الموتى وأصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فسال منه الدم ووجد عبد الله بن حرام كأنما دُفن بالأمس . وروى جميع أهل المدينة أن جدار النبي لما انهدم أيام الوليد بدت لهم قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد قتل شهيدا . وقد ذكر الشيخ ابن تيمية انه لما حصل الهدم بدت لهم قدم بساق وركبة ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال
 هذه ساق عمر وركبته فسُرى عن عمر بن عبد العزيز .ا.ﻫ اقتضاء الصراط المستقيم 365.
وقد ألف في هذا الموضوع الإمام الحجة أبو بكر بن الحسين البيهقى رسالة خاصة جمع فيها جملة من الأحاديث التي تدل على حياة الأنبياء وبقاء أجسادهم. وكذلك ألف الحافظ جلال الدين السيوطي

 رسالة خاصة بذلك.وقد ثبت لنبينا محمد حياة برزخية أكمل وأعظم من غيره تحدث عنها بنفسه تثبت اتصاله بالأمةالمحمدية ومعرفته بأحوالها واطلاعه على أعمالها وسماعه لكلامهم ورده لسلامهم والأحاديث في هذا  الباب كثيرة. فمنها عن عبد الله بن مسعود عن النبي انه قال (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام ) قال المنذر رواه النسائي وابن حبان في صحيحه. ا. ﻫ . من الترغيب

 والترهيب(ج2ص498) . قلت رواه إسماعيل القاضي وغيره من طرق مختلفة بأسانيد صحيحة لا ريب فيها إلى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود وصرح الثوري

 بالسماع فقال : حدثني عبد الله بن السائب هكذا في كتاب القاضي إسماعيل وعبد الله بن السائب وزاذان روى لهما مسلم. ووثقهما ابن معينفالإسناد إذن صحيح . ومنها : عن عبد الله بن مسعود عن النبي قال : (حياتي خير لكم تحدْثون ويُحْدث لكم ووفاتي خير لكم تُعرض أعمالكم على فإن رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم) قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من طرح التثريب في شرح التقريب : إسناده جيد وقال الحافظ الهيثمى في مجمع الزوائد ج9ص24 رواه البزار ورجاله رجال الصحيح , وصححه الحافظ السيوطي في المعجزات والخصائص وكذا القسطلانى شارح البخاري ونص المناوى في فيض القدير ج3ص401 بأنه صحيح وكذا الزرقانى في شرح المواهب للقسطلانى وكذا الشهاب الخفاجى في شرح الشفا ج1ص102 وكذا الملا على قاري في شرح الشفا ج1ص102 وقال رواه أيضا الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح . وذكره ابن حجر في المطالب العالية ج4ص22 وجاء هذا

 الحديث من طريق آخر مرسلا عن بكر بن عبد الله المزني ورواه الحافظ إسماعيل القاضي في جزء الصلاة على النبي , قال فيه الشيخ الألباني  مرسل صحيح وصححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وتشدده في كتابه الصارم المكي.فالحديث صحيح لا مطعن فيه وهو يدل على أن النبي يعلم أعمالنا بعرضها

 عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سئوقبيح وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا التوسل به إلى الله ونستشفع به لديه لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا وهو الشفيع المشفع وقد اخبر الله في القرآن أن النبي شهيد

 على أمته وذلك يقتضى أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم

 . قال ابن المبارك اخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمروانه سمع سعيد بن المسيب يقول :ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي أمته غدوة وعشيا فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً }النساء41 ومنها : عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله ( إن الله وكل بقبري ملكاأعطاه الله أسماع الخلائق فلا يصلى على احد إلى يوم القيامة إلا ابلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك ) رواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان ولفظه قال رسول
 الله ( إن الله تبارك وتعالى وكل ملكا أعطاه أسماءالخلائق فهو قائم على قبري إذا مت فليس أحدا يصلى على صلاة إلا قال : يامحمد صلى عليك فلان بن فلان قال : فيصلى الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل

 بكل واحدة عشرا ) رواه الطبراني في الكبير بنحوه أ.ﻫ من الترغيب ج2ص500 ومنها عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن زيد ابن أيمن عن عبادة بن يسىّ عن أبى الدرداء قال : قال رسول الله : ( أكثروا الصلاة علىّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وان أحدا لن يصلى على : إلا عرضت علىّ صلاته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت ؟ قال : وبعد الموت إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق) رواه ابن ماجه في السنن. وفى الزوائد هذا الحديث صحيح إلا انه منقطع في موضعين عبادة روايته عن أبى الدرداء مرسلة قاله العلاء وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة

 قاله البخاري. انتهى من سنن ابن ماجه ص524 . ومنها عن أبى هريرة أن رسول الله قال( ما من مسلم يسلم علىّ إلا ردَ الله علىّ روحي حتى أرد عليه السلام) رواه أبو داود كذا في الترغيب ج2ص499

قال الشيخ ابن تيمية هذا الحديث على شرط مسلموقال : قال رسول الله( من صلى علىّ سمعته ومن صلى علىّ نائيا بُلِّغته) رواه الدارقطنى .
وفى النسائي وغيره أن رسول الله قال( إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام)

 إلى أحاديث أخرى فيهذا الباب متعددة أ.ﻫ اقتضاء الصراط المستقيم ص324 وفى حديث هريرة عند أبى يعلى في ذكر عيسى( ولئن قام على قبري فقال : يا محمد لأجيبنه ) ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية 4/ ص23 بعنوان حياته صلى الله عليه وسلم في قبره . عن يزيد المهدي قال لنا ودّعت عمر بن عبد العزيز قال : إن لي إليك حاجة قلت يا أمير المؤمنين كيف ترى حاجتك عندي ؟ قال أنى أراك إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي فأقرئه منى السلام. وعن حاتم بن وردان قال : كان عمر بن عبد العزيز يُوجّه البريد قاصدا من الشام إلى المدينة ليُقرئ عنه النبي السلام ذكره القاضي عياض في الشفاء في باب الزيارة ج2ص83

 وذكر الخفاجى كان من دأب السلف أنهم يرسلون السلام إلى رسول الله وكان ابن عمر يفعله ويرسل له عليه الصلاة والسلام ولأبى بكر وعمر رضي الله عنهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان يبلغه سلام من سلم عليه وان كان بعيدا عنه لكن في هذا فضيلة خطابه عنده ورده عليه السلام بنفسه . أ. ﻫ . من نسيم الرياض للخفاجى ج3ص516 وذكرهالفيروزابادى في الصلاة والبشر ص153.
روى الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله الدرامي في كتابه السنن الذي يعتبر من كتب الأصول الحديثية الستة قال اخبرنا مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز قال لما كان أيامالحرّة لم يؤذّن في مسجد النبي

 ثلاثا ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي فذكر معناه .أ.ﻫ من سنن الدرامي ج1ص44. ونقل هذه الرواية الإمام مجد الدين الفيروزابادى صاحب القاموس في الصلاة والبشر ص154 وقال :

قال إبراهيم بن شيبان حججت فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر النبي فسلمت عليه فسمعت من داخل الحجرة وعليك السلام . ذكر الشيخ ابن تيمية هذه الوقائع في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجدا أو وثنا يعبد , ثم قال ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوما سمعوا

 رد السلام من قبر النبي أو قبور غيره من الصالحين وان سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرّة ونحو ذلكأ.ﻫ اقتضاء الصراط المستقيم 373 وقد ذكر الإمام الشيخ لمحمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه أحكام الموت نصا يؤيد بعض هذه الوقائع . قال اخرج ابن سعد عن ابن المسيب انه كان يلازم المسجد أيام الحرّة والناس يقتتلون قال فكنت اسمع أذانا يخرج من قبل القبر النبوي .

كذا في مجموع المؤلفات 3/47. وقال الشيخ ابن تيمية في موضع آخر وكذلك كل ما يذكر من الكرامات

 وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقى الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب الاندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاببمن استهان بها فجنس هذا حق ليس ما نحن فيه وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمةوالكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق لكن ليس هذاموضع تفصيل ذلك . أ.ﻫ. اقتضاء الصراط المستقيم ص374

 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

الأحد، 23 أكتوبر 2016

- ما اللطيفة والسريرة والحظ والهوى والوهم؟

اللطائف 
واللطائف جمع لطيفة، وهى ما دق وخفي جداً من المعاني الروحانية مثل الحب والشوق، والوله والعشق، والفناء والإخلاص، والورع والزهد، واليقين والخشوع، والذل والنوايا، والقصود والهمم، والإرادات والإنابة، والتوكل على الله والتفويض. ومثل الرحمة والشفقة، والمودة والعفو والإحسان وغير ذلك من اللطائف المتعلقة بالسريرة.
 السريرة 
والسريرة هي القلب والفؤاد والروح، وهى ما خفي واستتر من الجوانح والمشاعر الباطنة، وأنوار السريرة هي أنوار معنوية، وليست نوراً حسياً يشهد بعين الرأس، وهذه الأنوار تشرق بالهداية والعلم، والبيان والرشاد حتى يتبين الواصل كل شيء على حقيقته، فينمحي الوهم والخيال، والظن والحدس والتخمين والشك والريب،ويعيش الواصل في مقامات حق اليقين واليقين الحق، حتى أنه لو كشف الحجاب عن الغيب، فرأته عيون الرأس، ما ازداد العبد يقينا، لأن الغيب كشف له في نفسه وفي الآفاق على ما هو عليه في الواقع ونفس الأمر، لأن عيون السريرة إذا أبصرت لا يصيبها رمد ولا مرض ولا عمى، ولا يحجبها زمان أو مكان، لأنها ترى بنور الله الذي لا حد له ولا منتهى.


الحظ والهوى
وأفياء الحظ والهوى هي الميول، بل مجرد الميول، ومجرد الخواطر والرغبات في الحظوظ والأهواء. والحظوظ هي نوال الشهوات المادية والحسية واللذات الجسمانية. والأهواء هي الشهوات النفسية، والميول والرغبات الباطنية ولم يتم الحصول عليها ونوالها بالجسم والجوارح.
الوهم
والوهم هو الشيء الذي ليس له وجود ولا حقيقة، وإنما يتوهمه الإنسان بقوة خياله. ومعنى ذلك أن الوهم لا يحوم حول قلوب المقربين، لأنهم في مقامات اليقين الحق من كل شيء، وكل أمر واضح لديهم، ظاهر أمام أعينهم لقوة بصائرهم، ولأنهم يحيون في نور من الله، ويعيشون في بينة من أمرهم فليس هناك مجال للوهم عندهم.
والظلال هي الحجب والكثافات التي تجعل الرؤيا غير واضحة، أو تحجبها بالكلية لكثافتها، والمقربون إلى الله ليس بينهم وبين الله حجاب، لقربهم منه جلَّ جلاله، فسلبت ومحت أنوار سرائرهم المشرقة على هياكلهم رضي الله عنهم  ظلال الأوهام. و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. [21، الحديد].

 لفضيلة العارف بالله 
الشيخ محمد على سلامة

السبت، 22 أكتوبر 2016

- من هم أهل القرب من الله؟

أهل القرب من الله، هم الذين ظهرت لهم معاني الوصول في أنفسهم حتى صارت نفوسهم مرآة صافية، فانكشفت فيها هذه الحقائق، وارتسمت فيها تلك المعاني، وانتقشت فيها الأخلاق الإلهية، وأصبحت سجية لها وفطرة وطبيعة لأهل القرب من الله عزَّ وجلَّ.
والقرب هو تفضل الله سبحانه على أهله، بكشف صفاته ومعاني أسمائه جلَّ جلاله لهم، والإقبال منه عزَّ وجلَّ عليهم، ظاهراً لهم بمعانى أسمائه وصفاته، وبهائه وجماله وجلاله، بعد كمال معرفتهم بربهم جل جلاله حتى تأتنس قلوبهم ببرد هذه التنزلات ونعيم تلك المواجهات.
والقرب هو كشف هذه المقامات الإلهية للمقربين في أنفسهم وفي السموات والأرض، وفي كل شيء لهم، حتى يتراءى لهم الحق جلياً في الملك والملكوت وذلك معنى قول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.[53، فصلت].
والله هو الحق المبين، ومعنى قوله عز شأنه: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾.
وفي هذا يقول قائلهم:
يا من يراني أنى أراه     انظر بعين الرضا لحالي
ويقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
جمال الوجه قد لاحــا     وداعى الوصل قد صاحا
وشمس الذات قد ظهرت     وفضلاً ناول الراحــا
ويقول قائلهم:(لو غبت عنه طرفة عين لاحترقت من ألم البعد والبين).
ويقول الإمام أبو العزائم في دعائه رضي الله عنه: (اللهم ارزقنا قرباً يمحق ما بيننا وبينك من البين حتى تقع العين على العين).
والقرب إنما يكون بالمعاني والحقائق، لا بالمباني والأركان، فمن كان قربه بالقلب لا يبعد أبداً، ولا يملك، ولا يستطيع أحد أن يبعده عن القلب لأن القلب لا يقدر مخلوق أن يتحكم فيه أو يتسلط عليه، فقد يحب الإنسان شيئا ما، بعيداً عنه، والحس لا يقوى على الوصول إليه أو رؤيته، ولكن هذا الشيء المحبوب قريب من القلب، بل وفي سويداء القلب.
وخذ هذا المثال توضيحا للبيان إنسان جالس بجوارك، ليس له مكان في قلبك، ولا تحبه، وإنسان في آخر الدنيا، بعيد عنك جداً في المكان، تحبه وتعلق به قلبك، قل لي بربك من القريب إليك منهما؟ ومن البعيد عنك؟. إن القريب منك قطعاً، هو الإنسان المحبوب الذي انشغل به القلب، واستحضر صورته ومعناه في النفس، ولو كان بعيد الدار والنسب، وإن البعيد عنك هو الذي يجلس بجوارك وليس في نفسك اهتمام به ولا ود له. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. [43، العنكبوب].
ومن كان قربه بالجسم، فبعده يكون بمجرد مفارقتك له، بل هو بعيد في الحقيقة وإن كان يجلس بجوارك، تحدثه ويحدثك. ويقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
خوف بعدى في القرب نار جحيمي     شيب الرأس سره أعياني
وهذه أمور عجيبة، وشئون غريبة، لا ينكشف الغطاء عنها إلا لأهلها فكن لبيباً المعياً من أهل الذكرى. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. [55، الذاريات].
قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
فالقرب منه جنتي ومحاسني     والبعد عنه ناره ولهيبهــا
يا لائمين محمداً رفقاً بـه     فهو الذي ذاق الجحيم وحرها
وهذا نسيم من معاني القرب، أوردناه على سمعك، لعله يجد إلى ذوقك طريقاً يسلكه، وبابا يدخل منه إليك، وإن رذاذ هذه الحقائق إذا أصاب قلبك، وجدت الروح والريحان، والرضي والرضوان والمسرة والإحسان. كم من قريب إلى الله سبحانه يتمنى الملأ الأعلى أن يحظى بلحظة واحدة من نعيم القرب الذي يتهنى فيه، لأن المقام فوق الأرواح العالية، بل فوق عمار الملأ الأعلى، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ما سر سجود الملائكة لآدم ؟ وما سر تعليم آدم عليه السلام للملائكة ؟ ما سر خلافة آدم في الأرض عن الرب عزَّ وجلَّ؟ ما سر ترشيح الملائكة أنفسهم لهذا المركز وتقديم أنفسهم وتزكيتها بين يدي الله؟ ما سر اتهامهم لآدم عليه السلام بالإفساد في الأرض وسفك الدماء؟ قبل أن يروا آدم ويعرفوه؟ ما سر رد الله عليهم بقوله جل شأنه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.[30، البقرة].
كلها أمور وأسرار، تنكشف للمقربين، وتبين مرتبة الإنسان بين العوالم العالية، ومكانته في الوجود.
يا إنسان فيك جمال الله، فيك كمال الله، فيك علم الله، فيك سر الله، فيك نور الله، فيك صفات الله، فيك معاني أسماء الله، فيك الملك والملكوت، فيك ما ورائهما من حقائق تسكر الأرواح العالية. فلم تملك الملائكة إلا أن تسجد لك يا إنسان، خضوعاً وتسليماً، وحفظاً لرتبتك ومقامك الكريم، وطاعة لأمر الله عزَّ وجلَّ، وذلك بعد انبلاج ما فيك من أسرار باريك للملائكة. وإبليس لما عمى عن شهود تلك الأنوار، ضل وغوى، واستكبر وكفر، فطرد من رحمة الله وكان فيها، وحقت عليه اللعنة والغضب، والشقاوة والنكد، وهى ألوان من عذاب الله، أشد وأقوى من عذاب النار أو الزمهرير.
ولقد كوشف أهل القرب بهذه المعاني، فدامت لهم الأفراح، ودارت عليهم الأقداح، سر قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. [64، يونس].
والمعاني التي انكشفت لهم في أنفسهم وفي السموات والأرض، إنما هي معاني أسماء الله وصفاته، وأسرار الله وأنواره، وآيات الله الكبرى وبيناته، فإذا نظرت أعينهم إلى شيء ما، رأت بصائرهم وعين سرائرهم، ما في هذا الشيء من معاني الخالق الباريء المصور، والمبدع والصانع والمكون، ورأوا في هذا الشيء حكمة إيجاده، وسر إمداده، وكيفية خلقه، وحقيقة تسخيره وتذليله للإنسان ورأوا قيام هذا الشيء بالله، وإيجاده من الله، ونهايته إلى الله، وأن هذا الشيء لا وجود له من نفسه، ولا بقاء له في نفسه،ولا حياة له من نفسه.
تحققوا بعد معرفة الأشياء أن الله هو الحق اليقين، وأن كل شيء هالك وفان إلا الله، وشهدوا في أنفسهم بدايتها ونهايتها، وقيامها بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنهم عبيد مقهورون، وعباد مربوبون لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا من الدنيا والآخرة، إلا إذا تفضل المتفضل عليهم فوهبهم شيئاً من فضله وإحسانه، وبره وعطائه، فيأخذونه شاكرين، ويتناولونه من الله سبحانه وتعالى ذاكرين حامدين لله سبحانه وتعالى على نعمه وفضله عليهم، قائمين بحق العبودية لله عزَّ وجلَّ، لا يشغلهم عن ذلك شيء، لأن العبد لا شغل له إلا بسيده والقيام بطاعته، سر قوله جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. [56، الذاريات].

وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. [5، البينة].

فضيلة العارف بالله الشيخ محمد على سلامة
مدير اوقاف بور سعيد سابقا
جاري التحميل...