آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 1 نوفمبر 2017

- Muslims and money


Muslims and money:
Muslims think that money which is the foundation of economy is in fact Allah's possession and we are only substitutes in it, although we earn it by our knowledge and labor to pave the way for our energy, we know that Allah will question us where we got it from and where we spent it, He watches us and He can pass it to other people if He wills. Sharia determined the relationship between Muslims and money, so they won't become oppressive if they are rich or try to get it illegally if they are poor, they keep to their ethics whenever they have much or less money, if it comes to them, they thank Allah and got His rewards, and if it goes away, they are patient and also deserve Allah's rewards.
Every Muslim knows that this life as a whole is integrated with death, resurrection and questioning that follow it and all the deeds of getting or spending money are related to this. A Muslim works in this life as if he is going to live forever; he also works for the hereafter as if he is going to die tomorrow. In both, a Muslim's constitution is the same Qur'an, his teacher is only one prophet, his morals are indivisible. There is not a Muslim for the mosque, another one for the shop, another one for the factory or another one for the house.
A Muslim is always the same everywhere and at all times, his deeds are for satisfying Allah and following the way of the prophet.

الاثنين، 30 أكتوبر 2017

- Greatness of Islam

Greatness of Islam:
What a great religion that asks its followers : 
-Not to perform pilgrimage unless they have extra money not needed by themselves or their families.
- Not to borrow money for performing pilgrimage.
- Not to perform pilgrimage and leave their adult sons without marriage, they should marry their grown-up sons first or find job opportunities for those who are unemployed by preparing them projects, for instance.
If you want to perform pilgrimage, you should leave your family all their needs that suffice them until you come back. But we see now some of our brothers borrow to perform Omra, if pilgrimage which is an obligatory duty mustn't be performed in debt, should I borrow to perform Omra? What's Omra? I can perform Omra and pilgrimage while I'm here, how? I can perform Omra and pilgrimage twice a day, the prophet (peace and blessings of Allah be upon him) said:
"Whoever performs dawn prayer in Jama'a (congregation) and sits remembering Allah until sunrise, then prays two prostrations, he has the reward of a pilgrimage and an Omra completed, completed." 
Whoever insists on that after this Hadeeth, it's his own desire, not for Allah's sake. Our religion asks believers to start by themselves as said by our righteous ancestors:
"Start by yourself, earn your and your family's living, then worship Allah"
This is for optional worship (Nawafel).

الأحد، 29 أكتوبر 2017

- الإنسانَ المثاليّ وقت المِحَن

أجل، حتى لو أصابت الإنسانَ المثاليّ أشدُّ المِحَن قسوة وفتكًا، وأحدقت به أكبرُ الدوامات رهبة وعتوًّا، فلسوف يرى نفسه سائرًا في ممرّ طويل من الامتحانات، ينتهي به إلى ألوان شتى من التوفيق المؤكد والفوز المبين، ولسوف يحس -في أسوء خطوبه وعند أصعب لحظاته- بنسمات من الأنس والسكينة القادمة من وراء الحُجُب تطوف في أرجاء روحه بِرقّة ونعومة، فيركع بين يدي الله تعالى خاضعًا منكسرًا وقد امتلأت نفسه بمشاعر الحمد والعرفان، وفاضت بأحاسيس الشكر والامتنان.

الإنسان المثالي، يمتلك ثقة لا حدّ لها، وطمأنينة لا غاية بعدها، لأنه يؤمن إيمانًا لا يخالجه شكّ بعناية القدرة المطلقة، ويوقن بأن الله قادر على كل شيء، وأن حكمه نافذ في كل شيء. وإنّ ذلكم الإيمان الصافي الرقراق المتجذّر في أعمق أعماق قلبه، وكذلك تصوّرُه ورؤيتُه وعقيدتُه التي أكسبت عالم روحه أبعادًا جديدة تتجاوز جميع مقاييس العقل.. كلُّ ذلك يرقى به إلى قمة تسمو على كلّ إحساس، وتتفوق على كلّ شعور. فلو تَمكّن في تلك اللحظة من أن يُنصت إلى ذاته بأذُن تعي تلك الأعماق، فلسوف يسمع همسات (أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(فصلت:30)، أو (سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النحل:32)، ولسوف يَسبح في متعة أكرِم بها من متعة، ويغوص في نشوة ما بعدها نشوة.

- أ بطال الإيثار والتضحية والفداء

هؤلاء  الأسطوريون تشبَّعوا بروح الإيثار والتضحية والفداء التي امتاز بها الصحب الكرام، يحثّون الخطى دومًا ليصلوا بالنور إلى كل ركن من أركان العالم.

إننا نؤمن يقينًا بأن وجه العالم كله سيتغير بألوانه وزخارفه يومًا بفضل الجهود التي يبذلها أولئك الأبطال الذين تشع قلوبهم محبة، والذين نذروا أنفسهم لإقامة صرح القيم الإنسانية، وتلتقط البشرية أنفاس الطمأنينة والسلام. ومن يدري، لعل الفكر الإنساني في عالم المستقبل يتوهج معهم سطوعًا وإشراقًا للمرة الأخيرة، وتجد الآمال الإنسانية طريقها إلى الواقع، وتتحقق جُلّ أحلامنا بهم رغم أنف ما رُسم في كتب اليوتوبيا من مثاليات. أجل، سيتحقق هذا يومًا لا محالة، وعندما يحلّ الموسمُ، سوف يجثو ذوو القلوب الخاوية والحظوظ النكدة على ركبهم بين يدي تلك الأرواح المشرقة، يطلبون العفو منهم والغفران، نادمين على ما أجرموا، ساكبين الدمع على ما اقترفوا.

ولكن هيهات أن يتداركوا الفرص التي أضاعوها. ليت تلك الأرواح الغليظة المتسربلة بمشاعر خسيسة وأفكار متمردة وتصرفات رعناء خشنة، رجعوا إلى أنفسهم؛ وقفوا عند الحق، وقدّروا المعروف، وتحلّوا بالإنصاف قبل أن يحلّ اليوم الذي يتقلبون فيه بعذاب الضمير دون أن يجدوا لأنفسهم مخرجًا ولا حيلة.. ليتهم أنصفوا بعض الشيء ولم يدمِّروا مستقبلهم.

هؤلاء الأبطال الأسطوريون تشبَّعوا بروح الإيثار والتضحية والفداء التي امتاز بها الصحب الكرام، يحثّون الخطى دومًا ليصلوا بالنور إلى كل ركن من أركان العالم، يكبحون جماح أنفسهم في حب الاستمتاع بملذات الحياة، ممتلئين بمشاعر البذل والعطاء لمنح الحياة للآخرين. إننا نؤمن يقينًا بأن وجه العالم كله سيتغير بألوانه وزخارفه يومًا بفضل الجهود التي يبذلها أولئك الأبطال الذين تشع قلوبهم محبة.

وإذ يفعلون ذلك لا تلمح أثرًا للفخر أو العجب في سلوكهم، بل تفيض أطوارهم تواضعًا وانمحاء؛ يضربون أمثلة في النبل والشهامة قلّ في التاريخ نظيرها، بما يُبدونه من حماس لا يخمد، وإقدام لا يعرف التراجع، وأشواق لا تخبو، واندفاع خارق في خدمة الإنسانية، رغم كل أسباب التثبيط التي تعوقهم؛ يهمسون في وجدان كل من يمرون به ألحانًا من بيان قلوبهم؛ يغرسون فسائل في كل مكان فيحولونه إلى جنات زاهرة؛ يشرحون أفكارهم ويرسمون أحلامهم ويبثّون همومهم بحيويّة عجيبة وسرعة باهرة وجهد منقطع النظير، ويهتفون بالناس أن “حيّ على الخلود”، بقلوب ملؤها إيمان وعزم وتصميم وأمل بالمستقبل عظيم.

قد يبدو الطريق الذي يسلكونه عصيًّا متمردًا، بيد أنهم يعرفون ذلك منذ البداية. أجل، يعرفون أن الطريق سيتوعر يومًا ويستعصي على السير وتنهار الجسور. يعلمون أن غيلانًا ستظهر لهم وتعترض طريقهم في بعض المنعطفات، وأعاصير من الحقد والكراهية والعداء ستثور حولهم. إن إيمانهم بصحة الطريق الذي يسلكونه راسخ لا يتزعزع، لكنهم لم ينسوا أبدًا أن عقبات لا تخطر على البال سوف تفاجئهم.

لذا نظروا إلى ما ألمّ بهم من ابتلاءات وما قد يلمّ بهم لاحقًا؛ على أنها من سنن سبيل الحق ومحنه الخاصة، فلم يفقدوا شيئًا من حماسهم، بل ظلوا يسعون في دربهم لا يلوون على شيء؛ وإذا ما اعتراهم شيء من القلق أقبلوا على الله مستسلمين، واعتصموا بحصن الإيمان الحصين، وحاولوا قراءة العصر الذي يعيشون فيه، وما يحوم حولهم من أحداث قراءة صحيحة، وتابعوا السير -وسيتابعون- نحو “أفق الرضى” واثقين بوعد الله لهم بالسداد والتوفيق.

- فرسان النبل والشهامة

إن فرسان النبل والشهامة هؤلاء قد نأوا بأنفسهم عن بريق الشهرة ووهج الجاه، وأغلقوا أبوابهم أمام كافة ألوان التفاخر والتباهي، وسموا بجناحي التواضع والانمحاء، وتزيّوا برداء الأمن والصدق والوفاء، وصمدوا أمام رغبات النفس وأهوائها صمود الأبطال، وصاروا حواريي تعريفِ العالم بقيمنا الدينية والوطنية مشحونين بوعي تاريخي ورثوه عن آبائهم، وهتفوا هتاف الأوائل قائلين “سلكنا دروب الحب، لا نبتغي شرفًا هناك ولا غرورًا” فاختاروا التعب على الراحة وسجّلوا أحد أهم إنجازات هذا القرن.

إن الورود التي بدأت تزدهر في كافة أنحاء العالم اليوم، استمدت ألوانها من ذوي الوجوه القمرية هؤلاء ومن المعاني التي يحملونها في وجدانهم؛ وبدأت الجغرافيا الاجتماعية على مستوى العالم تنتسج وفق منسوجاتهم الفكرية انتساج قماش مطرّز بديع، والبشرية كلها تترنم بألحانهم الأصيلة التي لا تَهرَم ولا تبلى. إن مشاعرهم الطاهرة وأفكارهم النقية تلك قد تبدو لدى الناظر إلى بداياتها قطرات صغيرة، ولكن من يدرك روح الموضوع ومعناه، يعلم أنها تتضمن بحارًا واسعة تموج بهِبات جميلة ومفاجآت شتى في كل حين.

إن فرسان النور هؤلاء عملوا على إضاءة ما حولهم فقط في حقبة معينة وفقًا لطبيعة الأشياء. أما الآن فقد أطلقوا قواهم الحقيقية الكامنة وطاقاتهم الروحية، وغدوا فرحة وبسمة وأملاً ومحبة، وانهمروا على كل مكان انهمار السحب المثقلة بالغيث، واندفعوا بحماس متَّقد يحوِّلون قلوبًا قاحلة ظامئة للحب والتسامح إلى جنات فردوسية.

إن الكرة الأرضية اليوم -من أولها حتى آخرها- حامل بربيع جديد، فرحة جَذْلى بولادة مباركة قريبة نتيجة البذور التي نثرها هؤلاء الأخيار في كل أطرافها. البشرية كلها مبتهجة نشوى ببشائر حملتها نسائم إرهاصات هذه الولادة المرتقبة. المعنى الذي ينبض في القلوب واحد، وإن اختلفت الأصوات والنغمات، والنسمات التي تهب في ساعات السَّحر تحمل إلى أيوب خريرًا عذبًا من نهر ماء الحياة، وإلى يعقوب رائحة إبراهيمية من ثوب يوسف.

إن هذا يعني عودتنا إلى مسرح التاريخ مرة أخرى، وإقبالَنا نحو موقعنا الحقيقي من جديد، كما يعني رسالة انبعاث بديلة للإنسانية جمعاء. علمًا بأن الأمم التي كانت -ولا زالت- تضطرب وتئن في دوامة من أزمات مختلفة، كانت تترقب هبوب نسمات كهذه تحمل بشائر الأمل إليها. طوبى لأهل السعد من الأبطال الذين يتولون الريادة في هذا البعث فيحركون تلك النسمات! طوبى لمن فتحوا قلوبهم لنفحات البعث تلك مترقبين وصولها!

الجمعة، 27 أكتوبر 2017

- لماذا يجب أن تتصوف ؟

لماذا يجب أن تتصوف ؟
ونقدم عشره أجوبه على السؤال فيما يلي :
أولا : لإحراز حقيقة الإسلام كما بينها القران العظيم في قوله تعالى (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )
فإسلام الوجه لله تعالى هو كما قال الإمام الالوسى المفسر إخلاص النفس والقصد لله تعالى بحيث لا يشرك به غيره ولم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات باعتباره اشرف الأعضاء وأما مجاز عن القصد ، لان القاصد للشئ مواجه له فلا يتم الإسلام إلا بتمام إخلاص النفس وصدق التوجه إلى الله تعالى وهو محور التصوف .ثم في التفسير الصوفي الإشارى للأيه الكريمة : يقول قدس الله سره : ( من اسلم وجهه وخلص ذاته من جميع لوازمها وعوارضها لله تعالى بالتوحيد الذاتي عند المحو الكلى وهو مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء مشاهد ربه في أعماله راجع من الشهود الذاتي إلى الإحسان الصفاتى –الذي هو المشاهدة للوجود الحقاني ( فله آجره عند ربه ).
وثانيا : لاستكمال أركان الدين بالتحقق بمقام (الإحسان). يقول العارف بالله تعالى سيدي احمد بن عجيبة الحسنى رضي الله تعالى عنه مقام التصوف هو مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فانه يراك ) وذلك لا يصح بدون ما تقع به العبودية والتعبد من عقائد الإيمان وأعمال الإسلام فهما ظاهره وهو باطنهما ، فلا قيام لهما إلا به ولاصحه له بدونهما ،فهو كالروح وهما كالجسد ومن ثم نقول أن التصوف هو روح الإسلام.
وثالثا : يجب التصوف لتحقيق القوّامية لله على النفس وذلك امتثالا لأمر الله تعالى في قوله عز وجل ( يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ).
يقول حجه الإسلام الإمام الغزالي رضي الله عنه في تعريف (الصوفي )
وقيل : الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا يزال يصفى الأوقات عن شوائب الاكدار بتصفية القلب عن شوائب النفس، ومعينه على هذه : دوام افتقاره إلى مولاه فبدوام الافتقار يفطن للكدر كلما تحركت النفس وظهرت بصفه من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفترقته وكدره فهو قائم بربه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه قال الله تعالى :( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ).
وهذه لله على النفس وهو تحقق بالتصوف.
رابعا : يجب التصوف لتحقيق كمال العبودية لله تعالى : وللتحقق الفعلي بقوله تعالى :( إياك نعبد وإياك نستعين ) فقد قال الإمام الغزالي في تعريف التصوف : ( التصوف طرح النفس في العبودية وتعلق القلب بالربو بيه) وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه ( التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبيه )
وفى معنى العبودية يقول رضوان الله عليه :( العبودية هي امتثال الأمر واجتناب النهى ورفض الشهوات أي المحرمة والمكروهة والمشيئات على الشهود والعيان )
والتصوف يسمو بالعبد في مدارج السلوك إلى الله تعالى بدءا من العبادة التي هي أقصى مراتب الخضوع والتذلل ومرورا بمرتبه العبودية التي يعبد فيها العبد ربه تشرفا بعبادته والانتساب إليه تعالى ليصل إلى قمة ( العبودية ) وهى عبادته تعالى لاستحقاقه الذاتي وهى التي تسمى عباده الأحرار !! أليس ذلك حقا لله تعالى على العبد ؟ وواجبا يجب على العبد تحقيقه ليحظى بكنه ( إياك نعبد ) ؟؟
وخامسا : يجب التصوف للتحرر من عبودية ما سوى الله تبارك وتعالى كالنفس والشيطان والدنيا والهوى فالحرية من ثمار التحقق بالعبودية لله تعالى .
قال الإمام القشيرى في الرسالة ( واعلم أن حقيقة الحرية – أي مما سوى الله تعالى – في كمال العبودية – أي لله تعالى - فإذا صدقت لله عبودية خلصت عن رقه الأغيار حريته ) ويقول في معنى الحرية ( الحرية : أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات ولا يجرى عليه سلطان المكونات.
وهنا أقول : إن كثيرا من الناس اخطأ في فهم حقيقة الحرية فاخذ أصحاب المذاهب الأرضية كالوجودية والعلمانية والليبرالية ينشدون الحرية في التخلص من الدين والمبادئ الآخلاقية فوقعوا في شرك عبودية النفس والشهوات والشيطان حيث ضلوا عن تحقيق العبودية لله تعالى ، ولم يظفر بحقيقة الحرية إلا السادة الصوفية .
سادسا : انه يجب التصوف لإصلاح القلب وتصفيته لله تعالى من الشوائب والكدورات فقد قدمنا في تعريفات التصوف : تعريف الإمام أبى يزيد البسطامى قدس الله سره له بلسان الشريعة انه ( تصفيه القلب من المدورة واستعمال الخلق مع الخليقة وإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الشريعة فالصوفية هو ساده أطباء القلوب العارفين بعللها وأمراضها ومسالك الشيطان فيها وهم أصحاب المناهج السلوكية في معالجتها ( انظر على سبيل المثال كتاب شرح عجائب القلب من موسوعة الأحياء للإمام الغزالي وهم القائمون بكشف حجب القلوب لمطالعه أنوار الغيوب ومن ثم كان وجوب التصوف لتحقيق سلامه القلب ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) فلما كانت سلامه القلب من الواجبات كانت الوسيلة إلى ذلك واجبه وجوبا عينيا.
سابعا : إنما كان التصوف فريضة شرعيه لتحقيق ( الربانية ) المنشودة التي صدر الأمر الألهى بالتحقق بها في قوله تعالى ( ولكن كونوا ربانيين ، بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) فالرباني هو المنسوب إلى الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته والمعنى كما في تفسير ( البحر المديد ): ( كونوا ربانيين : عارفين بالله ) والربانية هي المصطلح المرادف للتصوف والدال عليه كما صرح العلامة أبو الحسن الندوى في كتابه (ربانية لارهبانية ).
ثامنا : يجب أن نتصوف للوصول إلى معرفه الله وولايته ، لأن معرفة الحق تعالى لا تنال إلا بالسلوك الصوفي ومجاهده النفس كما قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ  ) ومعرفه الحق تعالى لا تتحقق إلا لأوليائه الذين جاهدوا في الله حق جهاده فقهورا نفوسهم وأهواءهم . وهذه المعرفة هي ( حياه القلب مع الله تعالى ) هي للعارف مراه إذا نظر فيها تجلى له مولاه وناهيك بعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ! والأولياء هم حزب الله المفلحون الذين اصطفاهم لمعرفته ومشاهدته وجعلهم ورثه نبيه صلى الله عليه وسلم وكتابه وحمله أسراره ومحل أنواره ولاريب أن طلب هذا الكمال الأعلى مما يجب الحرص عليه لتحقيق الخلافة عن الله في الأرض !
تاسعا : ثم انه يجب التصوف للاستغراق في معية الله تعالى وهو القائل سبحانه (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وللتحقق بكنه المحبة لله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) وذلك بسبق حبه تعالى لهم اذا اصطفاهم أولياءه ففي حديث الولاية القدسي الصحيح المُصَدّر بقول الله عز وجل :( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) بين سبحانه منهج صفوه أوليائه بقوله :(ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) الخ انه الفناء عن النفس والبقاء بالحق تعالى وتلك حقيقة الولاية والتصوف التي دعانا الحق تعالى إلى التحقق بها .
وعاشرا : يجب أن نتصوف لنتحقق بوراثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعيش في باطنه ( أي في أنواره الباطنه ) فقد روى صاحب الحلية عن سيدنا الإمام جعفر الصاق رضوان الله تعالى عليه انه قال: (من عاش في ظاهر الرسول فهو سني ومن عاش في باطن الرسول فهو صوفي) اللهم حققنا بهذا العطاء بحقه صلى الله عليه وسلم .

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

- الحكمة الموفية تمام الأربعين بعد المئة :المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثْنَى عليه بوصف لا يشهده من نفسه

الحكمة الموفية تمام الأربعين بعد المئة :
المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثْنَى عليه بوصف لا يشهده من نفسه

المراد هنا بالمؤمن، من كان إيمانه بالله هو القائد له في حياته وسلوكه، لا الذي يصدق عليه في الحكم القضائي أنه مؤمن.

فهذا المؤمن الذي يعنيه ابن عطاء الله، يرى الفضل في كل مكرمة يتصف بها أو طاعة يتقرب بها إلى الله، عائداً إلى من هو مصدر كل نعمة وإلى من بيده كل مكرمة وتوفيق، ألا وهو المنعم المتفضل جل جلاله. ولا ينسب من ذلك كله إلى نفسه إلا الشعور بثقل المنة الإلهية عليه.

فإذا تلقى المؤمن مدحاً من زيدٍ من الناس له، وعاد بهذا الذي مُدِحَ به إلى نفسه وواقع حاله، فهو إما أن يرى الوصف الذي مُدح به موجوداً لديه مطابقاً لواقع حاله، وإما أن يرى نفسه عارية عما وصفت به فقيرة إلى هذا الذي نسب إليه.

ففي الحالة الأولى لا بدّ أن يستبدّ به الخجل والحياء من الله تعالى، إذ مدحه المادحون بشيء تفضل الله به عليه دون أن يكون له في ذلك سعي ولا جهد ولا حول ولا قوة. فهو يرى نفسه أشبه ما يكون بفقير لا يملك شيئاً، أعطاه أحد الأغنياء مالاً وكلفه أن ينوب عنه فيقيم به وليمة يدعو إليها أمثاله من المحتاجين، فأثنوا عليه بذلك ومدحوه بالسخاء والكرم والبذل، جاهلين الحقيقة. والغني الذي أعطاه المال، وكلفه بهذا الذي قام به، يسمع مدحهم له وشكرهم على بذله وإكرامه. إن مما لا ريب فيه أن مشاعر الحياء تتلبس هذا الفقير المسكين من فرقه إلى قدمه. إذ يرى نفسه ممدوحاً بما ليس له أي فضل فيه ويعلم أن الذي يستحق كل ذلك الثناء والحمد إنما هو ذلك الذي أعطاه المال وكلفه بالدعوة والإطعام.

فهذا هو شأن المؤمن الصادق في إيمانه، إذ يمدحه المادحون بما يعلم أن المتفضل عليه بذلك هو الله.. هذا في الحالة الأولى.

أما في الحالة الثانية، وهي أن ينظر هذا الممدوح فيجد أن واقع حاله وخفيّ أمره على نقيض ما يظنه المادحون، فلا بدّ أن يكون حياؤه من الله أشد. إذ هو يعلم أنه مبتلىً بنقيض ما يمدحونه به، ولكن الله تفضل عليه فستر عن الناس هذا الذي ابتلي به، فغابت عنهم حقيقة أمره، وخفيت عنهم نقائصه وعيوبه، فلم يجدوا في ظاهر حاله إلا نقيض تلك النقائص والعيوب التي يعاني منها. فكيف لا يشتد حياؤه من الله تعالى إذ يمدحه الناس وقد كان الأحرى به أن يُذَمّ، وهو يعلم أن الله يراقبه ويعلم خفايا أمره وحقيقة حاله؟

إذن فالمؤمن الحق يرى في الحالتين أنه ليس أهلاً للمدح أو الثناء، إذ إن الفضائل التي يمدح لسببها إما أن تكون مفقودة في الحقيقة، وإنما ستر الله سوء حاله عن الناس فأثنوا عليه لما حسبوا أنه موجود فيه، وإما أن تكون موجودة ولكن المتفضل عليه بها إنما هو الله عز وجل، فليس في تمتعه بها جهد ولا حول ولا قوة، فهو في كلا الحالين يشعر بالخجل والحياء من الله عز وجل.

أما الذي يمدحه الناس فيزهى بمدحهم له، فهو غير مؤمن بالله حق الإيمان، إذ لو آمن به لعلم أن المتفضل عليه في كل شيء هو الله، وأن لا حول ولا قوة له إلّا به، ولعلم أن الناس إن كانوا محجوبين عن معرفة حقيقة حاله وخفايا أمره، فإن الله يرى خفاياه هذه، وصدق الله القائل: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13/67-14]، ففيم يُزهَى إذن بشيء إن وجد ليس هو مالكه، وإن فقد فهو ليس أهلاً لما مدح من أجله، غير أن غيابه عن معرفة الله ومراقبته، يغريه بتصديق ما يقال عنه، ويحمله على التشبع بما ليسي فيه، وأنى له -وهو تائه عن مراقبة الله له- أن يتوجس خيفة من أن يحيق به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المتشبع بما ليس فيه، كلابس ثوبي زور)) [الحديث متفق عليه من حديث أسماء، ومن حديث عائشة رضي الله عنهما، وفي كثير من الروايات: ((المتشبع بما لم يُعط.. ))]؟.

- الحكمة الحادية والأربعون بعد المئة :أجهل الناس من ترك يقين ما عنده ، لظنّ ما عند الناس

الحكمة الحادية والأربعون بعد المئة :
أجهل الناس من ترك يقين ما عنده ، لظنّ ما عند الناس
وهذه أيضاً من ذيول الحكمة التي فصلت القول في شرحها من قبل.
وقد عالج ابن عطاء الله هذا الموضوع بسلسلة من أربع حكم متوالية رُتِّبَ اللاحقُ من كل منها على السابق منها. وذلك نظرً إلى أهمية الموضوع وعلاقته المباشرة بالتوحيد.
والشيء الذي يضيفه ابن عطاء الله هنا، يتمثل في بيان الحقيقة التالية:
ما يعلمه الإنسان من نفسه وأحوالها، يرقى إلى درجة اليقين، ولا تخضع هذه الحقيقة التي يعلمها كل منا لأي نقاش. ومن ثم فإنها لا تحتاج إلى رسم أي دليل.
أمّا ما يراه أو يفهمه من واقع الآخرين وأحوالهم، فلا يتجاوز، في أرقى درجاته، الظن. ذلك لأن معارف الإنسان عن غيره من الناس، لا تتجاوز ما قد تبصّره به عيناه، أو ما قد يتسرب إلى سمعه، وإنما يدرك كل من السمع والبصر، من شؤون الآخرين وأحوالهم، الظاهر المرئي أو المسموع فقط.
والظاهر ليس دائماً عنواناً للباطن، بل كثيراً ما يكون مخالفاً أو مناقضاً له. ومن ثم فقد كانت معارف الإنسان عما تنطوي عليه أحوال الآخرين وشؤونهم، لا تتجاوز في أرقى ما تستند إليه من الدلائل، الظن.
فإذا سمعت ثناء شخص ما عليك، فهو إنما يعتمد في ثنائه هذا على الظاهر الذي تبدّى له منك، وهو كما قلت لك لا يورث صاحبه أكثر من الظن. ولا ريب أنك عندما تعود إلى سريرتك وخبيئة نفسك، وتتبين بمعرفتك اليقينية ما يخالف الصفات التي يثني بها ذلك الشخص عليك، تدرك جهله بحالك، وانخداعه بظاهر ما تجلّى له منك، والمفروض عندئذ ألا تقيم لكلامه، أي لثنائه الذي يثني به عليك أي وزن، ولو أنك حفلت بكلامه، ووضعت حديثه عنك موضع اليقين من عقلك أو نفسك، ناسياً أو متجاهلاً نقيضه الذي تعلمه يقيناً من نفسك، فإن ذلك من الجهالة بل من السفاهة والحمق بمكان.
فإن الجاهل بالرياضيات مثلاً، لا يتحول إلى عالم بها، لمجرد وهم سرى إلى بعض من رآه فأثنى عليه بمعرفته لها وتضلعه فيها. ولو أن هذا الجاهل سمع ثناء هذا المتوهم، فصدّقه وأيقن في نفسه أنه خبير في هذا الفن، ذاهلاً عن جهالته التي يتيقنها من نفسه، فلا ريب أنه من الحمق أو السذاجة بمكان.
كذلكم الشأن فيمن يثني عليك بالصلاح والتقوى، أو الورع والزهد، أو الإخلاص لله في التوجه والسلوك، وأنت تعلم، بالرجوع إلى ما تنطوي عليه نفسك أنك مبتلى بكثير من الشوائب التي تفسد عليك هذه الصفات التي ينعتك بها الناعتون، فإن مقتضى التعامل مع العقل وميزانه، أن تشفق على جهل هؤلاء الناس بك، واغترارهم بظاهر أمرك، وأن تعود إلى نفسك بالتقريع والتأنيب للسوء الذي تنطوي عليه، والذي لو كشف الله عنه سجاف ستره لتحول مدح المادحين لك إلى ازدراء واشمئزاز.
فانظر كم هو جهول ذاك الذي يذهله المديح الباطل عن عيوبه ونقائصه فيصدق وهم الجاهلين به، وينكر علمه اليقيني بواقع حاله.
وإنه ليذكرني هذا بما رووه عن أشعب أنه أراد أن يردّ عنه جمعاً من الفضوليين والسفهاء أحدقوا به، يحاورونه ويمازحونه، فأخبرهم أن في تلك الدار التي تلوح لهم عن بُعدٍ وليمة مفتوحة، بُسط فيها ما لذّ وطاب من الطعام والحلوى، فلم يرتابوا في صدقه، واتجهوا يؤمّون الدار التي أشار لهم إليها، وما إن ابتعدوا عنه وغابوا عن بصره، حتى داخله الوهم بأن ما قد أخبرهم به حقيقة،فأسرع يشدّ نفسه لحاقاً بهم، قبل أن يتناهبوا الطعام فلا يبقى له منه شيء!..
ومهما يكن، فإن في الناس أشخاصاً تكامل نسيج شخصية كل منهم، مما قد تلقاه من ثناء الناس عليه ومدحهم له.. سمعهم يتحدثون عن غزير علمه وسعة معارفه، فلم يشك أنه كذلك، وسمعهم يعجبون بتواضعه، فوقر في نفسه أنهم لم يخطئوا الصواب، وبلغهم أنهم يثنون على صلاحه وتقواه، فعاد إلى نفسه ليكتشف فيها عن طريقهم هذه الصفة، وتناهى إليه ثناؤهم على زهده وسخائه، فتأكد لديه أنه كما يقولون!..
فكان من عاقبة ذلك أنّ من لم يعرف فيه هذه الصفات، أو ارتاب في اتصافه بها، كان مسيئاً إليه في يقينه إذ أنكر جميل مآثره، وحميد صفاته.
وهو لو حجب نفسه عن حديث الناس عنه ومدحهم له، وعاد إلى ما يعرفه من ذاته وواقع حاله، لما كوّن شخصيته من نسيج أوهامهم التي امتدحوه على أساسها.
بقي أنك قد تقول: كما أن في الناس من يخطئون في المدح والثناء، ففيهم أيضاً من يخطئ في القدح والاتهام، فلماذا أفرد ابن عطاء الله الحالة الأولى بالتنبيه والمعالجة؟
والجواب أن انتقاد الناقدين لك، أو انتقاص المنتقصين لك، ينطوي في كل الأحوال على ما هو خير لك، وإذا صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: رحم الله امرأً أهدى إلى عمر عيوبه، فإن كلاً منا أولى منه بهذا الكلام.
ومن كان على بينة من نقائصه وعيوبه والشوائب النفسية التي تهيمن عليه، لم يشك في صدق المنتقدين أو المنتقصين له، بل لعله يشكرهم على ذلك قائلاً: عرفتَ شيئاً وغابت عنك أشياء.

الحكم العطائية 42 :إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل، فأثن عليه بما هو أهله


الحكمة الثانية والأربعون بعد المئة :
إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل، فأثن عليه بما هو أهله
هذه تتمة الحكم الأربع التي يتناول من خلالها ابن عطاء الله، ثناء الناس عليك، ويبين فيها الموقف الذي ينبغي أن تقفه من ذلك، والمعنى الذي يجب أن تدركه من هذا الثناء، والسبل التي ينبغي أن تتخذها لتتقي بها مغبة ثنائهم عليك.

والمعنى الجديد الذي تضيفه هذه الحكمة إلى المعاني الثلاثة التي قبلها، هو أنك إذا رأيت أن الله قد أطلق ألسنة الناس بالثناء عليك، وأنت لست أهلاً لذلك، كما قد علمت، فما عليك إلا أن تتجه بالثناء على الله الذي هو أهل للمحامد كلها.

ذلك لأنه لم يطلق ألسنة الناس بالثناء عليك، على الرغم من أنك لست أهلاً لذلك، إلّا لأنه عز وجلّ أحب أن يستر قبائحك ويخفيها عنهم، وأن ينشر فيهم ما قد يتصورونه مزايا لك.

وهذا من مقتضى صفات لطفه وصفحه وكرمه، إذن فالفضل ليس للناس الذين خفيت عنهم قبائحك وعيوبك، فأثنوا عليك بما رأوه أو حسبوه فيك من المزايا والمكرمات، وإنما الفضل كله لمن ستر عن الناس قبائحك وعيوبك وهي كثيرة، وأبرز لهم في مكانها مزاياك، وهي، إن صدقت، قليلة..

إذن، فلتغيبك هذه الحقيقة عن الناس الذين يمدحونك ويثنون عليك، ولتشهد بدلاً عنهم مولاك الذي تفضل عليك، فأخفى عن الناس معايبك وأطلق ألسنتهم بالثناء عليك. وهذا معنى من معاني ثنائه جل جلاله عليك.

وعندئذ لا بدّ أن ينطلق لسانك بالثناء على الله بما هو أهل له، إذ ستر قبائحك ثم أثنى عليك بما لست أهلاً له.

فتأمل فرق ما بين إنسان يراقب الله تعالى ويعلم أنه المسير والمحرك والملهم، وإنسان غافل عن الله تعالى يرى الصور والمظاهر فيقف عندها ويُسجن في أقطارها.. ذاك يغيب عن نفسه وعن حديث الناس عنه وعن ثنائهم عليه، مستغرقاً في شهود الله تعالى، فينسب كل شيء إليه ويخصه هو بالشكر له والثناء عليه. وهذا يزداد بما يسمع ويرى غفلة عن الله وغياباً عنه، ويعود إلى نفسه مزهوّاً بها، ولا يساوره الشك في أنه، كما يقولون عنه، يتمتع بما يجعله أهلاً للثناء الذي يتلقاه.

ذاك يزيده الثناء عبودية لله، واعترافاً بتقصيره وعجزه وسوء حاله، ومن ثم يزيده الثناء توحيداً لله وقرباً منه. وهذا يزيده الثناء اعتداداً بنفسه وذهولاً عن قبائحه، وإعراضاً عن ربه، ومن ثم يزيده الثناء وقوعاً في براثن الشرك، وقد علمت أن الشرك أنواع كثيرة، يجمعها كلها وصف واحد، وهو أنها تحيل الإيمان بالله إلى مظاهر يتجمل بها اللسان وتزدهي بها الأعضاء، ثم لا حَظَّ للمشاعر والفؤاد منه، وصدق الله القائل: {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106/12].

_ الحكمة الثالثة والأربعون بعد المئة :الزهاد إذا مُدحوا انقبضوا،

الحكمة الثالثة والأربعون بعد المئة :
الزهاد إذا مُدحوا انقبضوا، لشهودهم الثناء من الخلق، والعارفون إذا مُدحوا انبسطوا، لشهودهم ذلك من الملك الحق

أبدأ فأذكرك بما قلته لك في تعريف ((العارف)) في شرحي للحكمة الخامسة والسبعين، قلت: ((العارف من بلغ من توحيده لله وتوكله على الله وتفويضه إلى الله، درجة تفنى فيها إرادته فيما يريده الله، وتنطوي فيها الأسباب تحت سلطان الله، وتذوب فيها المشهودات في وهج من شهود الله)).

والزاهد من عزفت نفسه عن الدنيا، كما قال ذلك عن نفسه الحارث بن مالك، في الحديث الذي مرّ بك في شرح الحكمة الثانية والخمسين.

ومن خلال النظر في هذين التعريفين تدرك أن بين الزاهد والعارف عموماً وخصوصاً مطلقاً، ذلك لأن كل عارف زاهد، ولكن ليس كل زاهد عارفاً بالضرورة، فالزاهد إذناً عام دائماً إذ هو يشمل العرف وغيره ممن تحقق فيه معنى الزهد، والعارف خاص دائماً إذ هو لا يكون إلّا زاهداً.

إذا تبين لك هذا، فاعلم أن مراد ابن عطاء الله بالزهاد هنا من لم يصلوا إلى درجة العرفان، حسب التعريف الذي ذكرته لك.

أي مراده بالزهاد هنا من عزفت نفوسهم عن الدنيا، ولكنهم لم يبلغوا تلك الدرجة التي فنيت فيها إرادتهم وطويت فيما يريده الله، وغابت عنهم الأسباب تحت سلطان المسبب الذي لم يعودوا يشهدوا سواه.

فهؤلاء الزهاد إذا مُدحوا انقبضوا، أي ضاقوا ذرعاً بمدح الناس لهم. ذلك لأن علاقتهم بعالم الأسباب قائمة ومستمرة، ومن ثم فإن إرادتهم ورغباتهم هي التي تقودهم إلى السلوك، وعزوف أنفسهم عن الدنيا لا يعني غيابهم أو انصرافهم عن التعامل معها.

ورب زاهد في الدنيا يظل يمارس تخوفه منها، ويستديم عزوفه عنها عن طريق الحذر من مغرياتها ومكائدها، والشأن فيه أن يقيم علاقاته مع الناس ويمدّ جسور التعامل والتعاون معهم، يحسب لتصرفاتهم حساباً ويقيم لأفكارهم وأحكامهم وزناً، مع الحذر منهم على نفسه والحيطة لدينه.

فإذا تلقى أحدهم من الناس ثناء عليه لما قد رأوه من حسن سيرته أو دلائل عفته وزهده، أو لغير ذلك من المزايا المحببة، غاب عن شعوره الملهِمُ الذي أوحى إلى عباده بأن يتوجهوا إليه بهذا الثناء، إذ إن شعوره لا يزال محاطاً بعالم الأسباب وصورها، فيرى أن هذا الثناء الذي يتلقاه من الناس إنما هو فتنة له، وأنهم إنما يثنون عليه لما يرون من ظاهر أمره، ويجهلونه من خفي أحواله، فينقبض لذلك ويستوحش من هذا الذي يتحدث به الناس عنه.

أما العارفون -وقد عرفت صفاتهم- فإنهم لا يتلقون ثناء الناس عليهم، على أنه صادر من رؤاهم وأفكارهم، وإنما يتلقونه ثناء آتياً إليهم من الله عز وجل. إذ إن الأسباب الكونية كلها مطوية عن شهودهم. ومن ثم فإنهم لا يشعرون بما قد يبعث في نفوسهم ضيقاً أو انزعاجاً من ذلك، كيف وهم لا يرون ذلك آتياً إلا من عند الله عز وجل؟
والسؤال الذي ينبعث من هذا الذي يقرره ابن عطاء الله، هو: أليس الرضا عن ثناء الناس ومدحهم مصدر زهو وإعجاب أو أثراً من آثارهما؟
وكيف يتفق هذا مع ما قاله من قبل: ((المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه))، ومع قوله: ((أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس)).

والجواب عن الشطر الأول من السؤال: إن الإعجاب أو الزهوّ بالثناء إنما هو شأن من غاب عن شهود الله، بملاحظة ذاته والاهتمام بنفسه وتخيّل أنها ذات فاعلية، وأن إليها الفضل فيما قد يصدر عنها من صالح الأعمال. وقد علمت أن العارف هو ذاك الذي غاب عن نفسه وفنيت إرادته فيما يريده الله عز وجل، فمن أين يتسرب إليه الإعجاب بنفسه لثناء الناس عليه، وهو ذاهل بل غافل عن نفسه بشهود الله؟
إن مصدر أنسه أو انبساطه بالثناء الذي يتلقاه، إنما هو سروره بما دل على رضا الله بقطع النظر عن نفسه أو حاله التي هو غائب عنها.

أما الجواب عن الشطرالثاني من هذا السؤال، فهو أن حياء العارف من الله تعالى أن يُثنى عليه بما لا يراه أهلاً له، لا يتنافى مع سروره بهذا الثناء، عندما يغيب شخص المثني عليه ويرى الثناء آتياً إليه من الله عز وجل.

فالسرور إنما هو لما دل على رضا الله عنه، بقطع النظر عن كونه أهلاً له أم لا، والحياء إنما هو لما يعلم من تقصيره في القيام بحقوق ربه، والعارفون أكثر الناس يقيناً بتقصيرهم في النهوض بحقوق الله عليهم.

ولقد تلقى العشرة المبشرون بالجنة، من تلك البشارة ما أبهجهم وأدخل إلى أفئدتهم السرور، ولكن ذلك لم يكن ليحجبهم عن شعورهم بعظيم تقصيرهم في القيام بحقوق الله وفي أن الله إنما تجاوز عنهم ذلك كله تفضلاً منه وإحساناً. ولا ريب أن من شأن ذلك أن يملأ أفئدتهم إلى جانب السرور بمغفرته وكرمه، بالحياء الشديد منه، بل بالخوف أيضاً من أن يصدر عنهم من السوء والتقصير ما يحيل صفح الله عنهم وعفوه إلى عقوبة ونكال.

وأما أن ((أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس)) فذلك ينطبق على الزهاد الذين يرون أن الثناء آت إليهم من الخلق لا من الخالق. فالشأن فيهم أن يعودوا إلى اليقين الذي يعرفونه من أنفسهم، وألّا يخدعوا بالظنون التي يعتمد عليها المادحون لهم.

أما أولئك الذين يرون فاعلية واحدة في الكون كله، تذوب وتنمحي فيها صور الأسباب وعلاقة ما بينها وبين المسببات، ألا وهي فاعلية الله وسلطانه، فقد علمت أنهم إذا سمعوا الثناء عليهم، لا يتلقونه من الناس، وإن بدا أنه كذلك، وإنما يتلقونه من الله إذ أنطق عباده بما ألهمهم إياه، ولا بدَّ أن يثقوا عندئذ بالثناء الذي يتلقونه أكثر من ثقتهم بما يعرفونه من أنفسهم.

ومن أوضح الأدلة على هذا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض... )) [رواه مسلم من حديث أو هريرة].

ثم إن لهذا الكلام بسطاً لا بدَّ من عرضه بالقدر الذي يزيل عنه اللبس.

إن مما لا ريب فيه أنك لا تتلقى ثناء من أحدٍ عليك، إلا بإلهام من الله له أن يثني عليك، ولو داخلتك ريبة في ذلك لما كنت متشبعاً بعقيدة التوحيد التي هي الدعامة الأولى للإيمان.

ولكن ربما كان هذا الإلهام الآتي من الله عز وجل، فتنة لك، أي منزلقاً إلى هاوية العجب والاستكبار والاعتداد بالنفس، وربما كان تحبباً إليك وثمرة حبه لك.

والمؤشر الذي يفَرِّق بين كلا هذين الاحتمالين اللذين قد تتعرض لهما، يتمثل في الرجوع إلى نفسك وحالك.

فإن كنت صاحب اعتداد بنفسك وإعجاب بشأنك، وكانت لك زلّات وانحرافات عن صراط الله وتعاليمه، فاعلم أن ما تلقيته من الثناء فتنة لك، فكن على حذر منه، وإياك أن تستسلم له فتزلّ منك القدم، وتهوي إلى وادي الضيعة والهلاك.

وإن كنت بحمد الله وتوفيقه لا ترى لنفسك حولاً ولا قوة، ولا قدرة على نفع ولا عصمة من ضعف، موقناً أنك في قبضة الله وحكمه هو المتصرف بك وهو الموفق لك. فلك أن تستبشر بالثناء الذي تتلقاه، موقناً أنه من مؤشرات حب الله لك وتحببه إليك.

ولن يكون في استبشارك هذا أي خطر عليك، لأنك موقن بأن المتفضل عليك بالثناء وأسبابه هو الله، ليس لك في شيء من ذلك أي جهد ذاتي أو فضل شخصي. هو الذي وفقك، وهو الذي أثنى عليك بما قد وفقك إليه، فلا جرم أن هذا يزيدك استغراقاً في شكره ويزيدك محواً عن نفسك.

فانظر، من أي الفريقين أنت. وعندئذ تستطيع أن تنسب نفسك إلى من سماهم ابن عطاء الله بالزهاد، أو أن تنسب نفسك إلى من سماهم العارفين، وأعيذك بالله أن تكون من أي فريق ثالث.

ولكن لا تنس أن عنوان كونك من العارفين أن تعلم أنك لا شيء، ومن ثم فأنت لا تملك شيئاً، ولا يتأتى منك شيء ولا تنسب إلى نفسك أي شيء، وبكلمة موجزة: أن تغيب عن نفسك في شهود الله عز وجل، وأن تنمحي إرادتك في سلطان حكمه وإرادته.

وعندما تكون كذلك، تكون من العارفين، دون أن تشعر أنك منهم.
جاري التحميل...