آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

- ازمة الامة الاخلاقية


خلل كبير نعاني منه في حياتنا الإسلامية المعاصرة أيما معاناة، ذلك هو النقص في الأخلاق الأساسية التي يجب أن تتوافر في كل مسلم؛ لأنها إن ضعفت أو نقصت فلن تقوم للأمة قائمة، هذه الأخلاق كانت موجودة أو كثير منها عند العرب عندما جاءهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالنبوة والهداية. كان خلق الوفاء والصدق والشجاعة والتذمم للصديق والجار شائعاً، وكان العربي يجد غضاضة في أن يوصم بالكذب أو الغدر، ولذلك لم يُتعب الرسول _صلى الله عليه وسلم_ نفسه في تأديب هؤلاء وتربيتهم على هذه الأخلاق والدعوة إلى ممارستها، فالإشارة منه لهذه الأخلاق كانت تكفي؛ لأنها ارتبطت بالتوحيد الذي جاءهم به، وهو الذي كان ينقصهم فلما تمثلوا به وأصبحت العبودية تامة لله _سبحانه_ كملت هداية الفطرة وهداية الوحي فكانوا كما قال _تعالى_: "نُورٌ عَلَى نُورٍ" (النور: من الآية35).

وفي هذه الأيام ابتلي المسلمون وابتليت الدعوة بمن تجرد من هذه الأخلاق، فالكذب – وهو أسوأ الأخلاق الرديئة – يقع فيه هؤلاء، سواء في أحاديثهم العادية أم في تجريح إخوانهم من الدعاة، ولا أدري بم يعللون هذه الفعلة الشنيعة، هل بمصلحة الدعوة؟! أما الحقيقة فهي أن معادنهم رخيصة، وليس عندهم أخلاق الفطرة؛ لأنها فسدت بسبب البيئة التي عاشوا فيها، ولا أخلاق الإسلام؛ لأنهم تربوا على الأنانية والحزبية الضيقة، ويتبع هذه الخصلة السيئة قلة الإنصاف في الحكم على الآخرين، فالتهم تكال كيلاً دون أدنى تحر للعدل والإنصاف، ويتناقل هذه التهم المغفلون والسذج دون أي تحرج أو تأثُّم، فكيف تستقيم حياتنا الإسلامية وفينا هذه الأخلاق، انظر إلى هذا الذي يقول عن إخوانه الذين يتصدون للظلم والقهر والإرهاب السافر، يقول عنهم في لقائه مع رئيس مجلس الدولة: "جئنا لتهدئة الأوضاع والخروج من الأزمة التي سالت فيها الدماء، فأصبح المقتول لا يعرف لماذا قُتِل، والقاتل لا يعرف لماذا قَتَل؟".
أهكذا أيها الداعية؟! المقتول لا يعرف لماذا قتل؟ الذين يجاهدون الظلم ويدفعون عن أنفسهم العدوان لا يعرفون لماذا يجاهدون؟ هل هذه أخلاق رجال؟ هل الذي يشمت بما يفعل بإخوانه يملك الأخلاق الأساسية التي هي من مقومات نهضة الأمة، وكان قد أظهر شماتته في أحداث سبقت وأيد نزول الجيش لإنهاء ما سماه (الفتنة).
إنها مصيبة – والله – أن يكون بعض من لا يتبنى الإسلام عنده من الجرأة والرجولة أكثر من هذا الذي يملك نفساً أنانية ولا يريد إلا التسلق على حساب مصائب إخوانه، ولذلك نقول: إن أزمتنا في بعض جوانبها أزمة أخلاقية.
أزمتنا الأخلاقية(2)
كم هو مؤلم للنفس أن يشكو إليك أخ مسلم حال بعض المنتسبين للدعوة، فيذكر من جفائهم وبعدهم عن تطبيق ما يأمر به الإسلام من الرفق واللين والكلمة الطيبة، والسؤال عن الحوائج وتفقد الأحوال، والزيارة الأخوية، ويتابع هذا الشاكي فيقول: "دخلت المستشفى فلم يزرني الإخوة الذين أعرفهم، وزارني زملاء العمل الذين هم أقرب لأن يكونوا من عوام المسلمين، وبعضهم يعرض عليَّ المساعدة المالية، أو أي خدمة يمكن أن يؤديها".
ونحن نسمع ونرى كيف يخدم أهل الباطل بعضهم، أو من يريدون وقوعه في شباكهم، مع أن المسلمين هم أوْلى الناس بكل مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ولا يجوز أن يسبقهم سابق في هذا المضمار، وإننا نذكِّر المسلم بحديث: "اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب"، وحديث العاهر التي سقت كلباً في يوم قائظ فغفر الله لها، وحديث المرأة التي عُذِّبت في هرة لها حبستها، وحديث الذي كان يقام عليه حد الخمر فلعنه أحدهم، فقال له رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "لا تلعنه إنه يحب الله ورسوله" كما نذكِّرهم بقصة الإمام أبي حنيفة مع جاره السكِّير الذي دخل السجن فشفع له أبو حنيفة، ثم تاب وأناب.
إن من أسباب هذا الجفاء والجفاف عند بعض المنتسبين إلى الدعوة هو ضيق عطنهم، وجهلهم بحال المدعو وبطريقة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وحاله في تأليف الناس، وطريقة العلماء الربانيين من هذه الأمة، ولذلك تجدهم إذا رأوا من هو مقصر في بعض السنن عاملوه بازدراء واستخفاف، وقد لا يسلمون عليه إلا بصوت منخفض، ولا يهتمون به ولا يحاولون استمالته بالكلمة الطيبة أو بصنع المعروف حتى يميل قلبه إلى محبة السنة وأهلها.
وهذا الذي ينظر إلى المقصرين بعين الازدراء وقع في داء أشد وهو العجب بالنفس والاستطالة على الخلق، وهؤلاء غالباً ما يقعون في الغيبة باسم النقد والتقويم، وهذا المرض أصبح فاشياً، فتُذكر معايب المسلم وقد لا تكون فيه، وأكثرها من الأوهام والظنون، ولا تسأل كذلك عن المكر الذي يستعمله بعضهم مع إخوانه ويعد هذا من الذكاء والكياسة، وينظر للمسلم الذي لا يستعمل هذا المكر على أنه مغفل مسكين.
وبعد هذا كله، ألا يحق لنا أن نصف بعض جوانب أزمتنا بأنها أخلاقية، وهي فرع ولا شك من تخلفنا العام الذي طال مكثه فينا، ونحن نحاول من هنا وهناك الخروج من هذا المأزق؟!


الاثنين، 8 أغسطس 2016

- فضل الله على الشرق

الخلق كلهم عبيدُ لله قهراً، ومظاهر لجريان أقداره، والعبد عبدُ وإن علا، والربًّ ربُّ وإن أكرم وتفضل وتنزل، فهو سبحانه خلق الجن والإنس ليعبدوه، وخلق كل شيء للإنسان، وهو الغني عن كل شيء، والخلق كلهم فقراء إلى الله مضطرون إلى فضله، وفضله سبحانه إنما ينال بإحسانه، فإنه لم يخلق الخلق احتياجاً إليهم، بل خلقهم لأنه حكيم قادر متفضل، ولم يتفضل على أحد بفضل لأنه يستحقه لقرابة من الله أو لنسب، بل كل ما تفضل به على العالم من محض                  الفضل لا لعلة ولا لغرض، وإن كان ثم سبب اقتضى ذلك فلأنه سبحانه وتعالى  خلَّا ق كريم، ولو أنه سبحانه تجلى باسم العدل لم يبق على ظهرها دابة، ولكن الإنسان خُلق عجولاً ينسى فضل ربه، ويجهل نفسه، فيعامله الله بالعدل، أعاذني الله وإخواني من الغفلة والنسيان .

تفضل الله تعالى على الشرق من أول النشأة، فأجرى أنهاره، وأخصب أرضه  وأحسن جوه، وجعله مهبط الرسالة ومنبع الحكمة، وطالب الناس فيهم سبحانه بشكر نعماه، وبالعمل بالوصايا أنبيائه، وذكرهم آلاءه فلم يخل الشرق من أول  إنسان وجد في آخر الزمان من نبي كريم يعظ وينصح، أو برسول يبين  حجج الله ويوضح محجته، أو ولي عامل يذكر الناس بالله تعالى وبأيامه  وبأحكامه، فغر الشيطان رجالا منهم وأنساهم ذكر الله تعالى، والله تعالى يقول : )إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ((1). كان الشرق شرقاً والغرب     غرباً في ظلمات الجهالة لا دين له يدان به، ولا علم يعمل به، حتى اختلط  الشرق بالغرب اختلاط الآمر على المأمور، والحاكم على المحكوم، خصوصاً عند إشراق نوار الإسلام حينما كان المسلم مسلماً حقاً، يسارع إلى نشر الرحمة والعطف  بين العالم أجمع، ويدعو إلى الحق بالحق، وحينما كان الله ورسوله مع المسلمين،    فانتشرت تلك الأنوار الإسلامية بحقيقة الإيمان أو بسر الرحمة والحنان في أفريقيا     وآسيا و الأوقيانوسية، وشرق أوربا وجنوبها الغربي، فلم تبق جزيرة معروفة ولا أرض يسهل الوصول إليها إلا وأشرقت فيها أنوار الإسلام، أو انتشرت فيها الرحمة  والحنان، ومكث المسلمون يسارعون إلى نشر الرحمة بين العالم ومحو الظلم والتظالم، فمحوا ظلم الظالمين المستعبدين للعالم، وأبدلوه بالعدل والرحمة، حتى أصبحوا بنو الإنسان كأنهم عائلة واحدة، متمتعين بالحرية لا فرق بين المسلم والذمى في المنافع    العمومية والخصوصية وحرية الأديان .

بقى الشرق مصدر تلك الخيرات وأفقاً لشموس الهدى، حتى تركوا العمل  بوصايا نبينا صلى الله عليه وسلم، وتشبهوا بأوروبا من حب الفانية، وعظمت  الدنيا في أعينهم فسارعوا إليها وتنافسوها. ولقد خوفنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم هذا الأمر فقال صلى الله عليه وسلم: ( أخوفُ ما أخافُ عليكم الشرك من بعدي، فقالوا: أنعبد أصناماً أو حجراً ؟ قال: لا، ولكن تُُفتحُ عليكم الدنيا   فتنافسوها كما تنافَسَها مَنْ قَبلكُم ) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فإن الدنيا فتحت كنوزها فعظمت في عين المسلمين وتنافسوها، وتفرقت الكلمة      وصاروا شيعاً، وكان ملكهم وعزهم ومجدهم فضلاً من الله تعالى بتعظيم شعائره، والمحافظة على العمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنسوا سبب هذا الخير العظيم، فغير الله ما بهم، وسلط عليهم عدوهم، وقد نظر إلينا إكراماً لحبيبه صلى الله عليه وسلم فأيقظنا .



- ما الحكمة وكيف تحافظ عليها

لا عصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يأتمَّ به هلك وأهلك. ومع أنه صلى الله عليه وسلم كانت أحواله وأقواله وأعماله هى خالص المحبة الروحانية والسكينة الإلهية، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يسير بالمسلمين على قدر ضعفائهم ليبين لنا سبل السير إلى الله سبحانه وتعالى، فكان صلى الله عليه وسلم يجلس المجلس العام لبيان الأحكام والمعاملات والإسلام، ثم يجلس المجلس الخاص مع جميع أهل الصُّـفـَّـةِ لبيان الأحوال والأخلاق وتزكية النفوس، ثم يجلس المجلس الأخص مع أفرادٍ اصطفاهم له صلى الله عليه وسلم ممن أمره الله سبحانه وتعالى بأن يصبر نفسه صلى الله عليه وسلم معهم فيتكلم معهم فى مقامات التوحيد ومنازلات اليقين ولذلك فإنك ترى الأمة أجمعت على النظر فى أسانيد كلامه صلى الله عليه وسلم، واشترط الرجال شروطاً للسنن ولم يقبلوا أحاديث كثيرة لم تصح عندهم بطريق مطابق لشروطهم مع صحة المتن حقاً وصحة السند وإن لم يقبل عندهم، وأكثر الأحاديث الإفرادية التى وردت عما لا شهرة لهم بين الصحابة ممن اقتطفتهم المحبة واختطفهم الشوق إلى الله تعالى. ولرجال الحديث العذر فيما أنكروه لأنه لا ينبغى أن يباح للعامة حفظاً للقوى العقلية. ومن تصفح الكتب الست يظهر له تفاوت منزلتها بين الأمة بقدر حيطة أصحابها رضى الله عنهم والتشديد فى الشروط. وأكثر الأحاديث المتضمنة لغوامض التوحيد مما أخذ به الرجال لا شهرة لها بين أهل الحديث حفظاً لأسرار الحق أن تذاع، ولذلك كان الرجال رضى الله عنهم فى بدايتهم وقوة أحوالهم عليهم قد يقهرهم الوجد إلى أن يظهروا أحوالهم أمام من ليسوا أهلاً لها مع حسن النية وسلامة السريرة وحسن الظن بالخلق، فإذا ترقوْا عن مقاماتهم إلى مقامات العين أو الحق فى اليقين والتحقيق فى التمكين ظهر لهم سوء عملهم فندموا وتابوا إلى الله، ثم تلوح لهم من لوامع سر القدر ما أجراه الله تعالى بسابق حكمته على أيدى رسله مما أضل به كثيراً وهدى به كثيراً فيرجعون إلى الله فى الأمر كله. وفى هذا أمر الإشارة فى قول موسى عليه السلام أن يضل بها من شاء ويهدى بها من شاء. ويحتاطون للحكمة ضنا بها أن تكون مشرعة للسالكين أو طوية للواردين وحفظاً لها أن تتـناولها أيدى الجهلاء المغرورين، ولكنى بعد هذا وهى سنة ماضية ولا عصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق فى الأزل أن يتلقى الحكمة غير أهلها ليكونوا أبواباً للهاوية يهوى بهم فى نار البعد من سجل عليهم القضاء بالضلالة.. أعوذ بوجهه الكريم لا عذر لهم حقاً فى إباحتها ولو قهرهم حالهم، والواجب على كل مسلم أن يردهم عن إباحة الحكمة لغير أهلها، ولكن الرجال فى بدايتهم اختطفتهم يد العناية وجذبهم الحق حتى جمعهم عليه فكان معالم بين أعينهم والناس فى غفلة وإنما يتبعهم أهل التسليم ممن لم تحجبهم حظوظ ولا أهواء. وأصل هؤلاء الذين يجتمعون على أهل المقامات العلية منهم المضرة على غيرهم لأنهم يجعلون الحكمة سبيلاً إلى ظهورهم بين الخلق فيبيحونها لغير أهلها طمعاً فيما لا مطمع فيه وبهم المضرة. وقد قدر الله ذلك فى ذات رسله، فإن موسى السامرى قبض قبضة من أثر الرسول فاستعمل مشاهد الأرواح للأشباح حتى ضل وأضل ونسى التنزيه وجذب قلوب أمة معهم رسول من أولى العزم ورسول كريم فمالوا معه وعبدوا العجل وخالفوا سيدنا هارون عليه السلام، وكذلك بلعام بن باعوراى الذى آتاه الله آيات الحكمة فكفر واستعملها فى إضلال الناس وأخلد إلى الأرض - وقد شرح القرآن الكريم أخبارهما. وكم أفسد جماعات من المسلمين بما تلقوه من الحكمة عمن تلقوها، ذلك لأن العلماء والربانيين يهب الله لهم نوراً تلوح به سيماً الخلق فلا يبيحون سراً من أسرار الحكمة إلا لأهله، أما غيرهم ممن جهلوا قدر الحكمة وجهلوا قدر النفوس وتفاوتها لا يبالى أحدهم أن يبيح من أسرار الحكمة لغير أهلها مهما بلغ ذلك، وذلك لأنه لو كوشف بحقائق تلك الأسرار لبخل بها أن تسمعها أذناه، ولا ينتفع أحد بتلك الأسرار العلية إلا من سمعها من فم العالم الربانى، فإن أنوار الحق تـشرق على القلب قبل نطق العارف لأنها تصدر من قلبه محملة بالإخلاص لوجه الله ونجاة الخلق وجمعهم على الحق، ومن أين لغيره ونفسه تعسة وحظه وبىء وهواه قاهره أن يبيح للحكمة ولو لأهلها؟ فإنه إن أباحها ولو لأهلها سبقت ظلمات حظه ونيران هواه إلى قلب السامع، فإن قبل فسد القلب وإن أنكر أنكر الحق، ولذلك فعشاق العلم بالله سواحون فى الأرض يلتمسون العالم الربانى أين كان، فإذا أنسوا منه بالمعرفة حقاً والإقتباس من مشكاة الأنوار كانوا معه كما قال الصحابى رضى الله عنه: من حفظنى آية من كتاب الله أو روى لى حديثاً من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت له عبداً.



أكرر التنبيه على إخوانى أن من سمع منهم الحكمة يجتهد أن يكمل بها نفسه ويبخل بها أن يبيحها لأحد ما دام الرجل حياً بين ظهرانيهم حتى ينتفع الناس بالحكمة حقاً، فإذا مات الرجل يجب عليهم أن يطووا هذا البساط إلا ما سمعوه منه أو ما رأوه عنه خشية من أن يتكلم فى العلم الإلهى بلا كشف وبيان فإنه مزالق الأقدام. ولا أحظر عليهم أن يديموا مذاكرة الحكمة وأن يكثروا من مطالعة كتبها حتى تنفجر ينابيعها من القلوب بفضل الله، والله ذو الفضل العظيم.



والشريعة حصن السالكين وروض الواصلين وجمال الأفـراد المحبوبين، فليلزم كل أخ ظاهر الشرح وليعلمه، فإنه أمان من الله وسبيل القرب منه جـل جلاله. وقد جهل كثير من السالكين سبيل الوصول إلى الله تعالى فأهملوا الأعمال البدنية وظنوا أنهم يحسنون صنعاً، وهى الهاوية التى قادهم إليها الشيطان الرجيم، لأن الصراط المضروب بين الحق والخلق هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمله صلوات الله وسلامه عليه، وحــاله صلى الله عليه وسلم: يقول (الشريعة أقوالى والطريقة أعمالى والحقيقة أحوالى) فمن لم يسمع قوله ويعمل بعمله صلى الله عليه وسلم ويتحلى بحاله فهو ناكب عن الصراط المستقيم ســالك وراء الشيطان الرجيم، لأنه صلى الله عليه وسلم الرحمة العامة ونعمة الله العظمى. وقد أمرنا الله تعالى فى كل يوم أن نسأله حسن اتباعه أربعا وثلاثين مرة، فإن الله فرض علينا ســبع عــشرة ركعة فى اليوم، وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبع عشر ركعة نقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب فنقول (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) سورة الفاتحة آية 7. فـلـو أن الله تعالى استجاب لنا وقبل منا لهدانا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ولكنا إذا أهملنا الأعمال البدنية كان ذلك دليلاً على سخط الله وغضبه وأنه لم أهمل الأعمال البدنية صراطه المستقيم وكيف لا وقد كـره أن يواجهه بوجهه الجميل فى مقام الصلاة، وكره سبحانه وتعالى أن يوفقه لما وفق له أئمة الهدى.. نعوذ بالله من لمة الشيطان الرجيم.



والأعمال البدنية نتائج الأعمال القلبية، فمتى واجه الـقلب إلهاً عظيماً كبيراً ورباً منعماً قهاراً.. تحقق بأنه عبد له سبحانه وتعالى فسارع إلى التـلذذ بالقيام بحقوق العبودية، فإذا رده الله تعالى أدى حرمه المعونة سر قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) سورة الفاتحة آية 5. وقد تقدم لى أن الإستعانة وسيلة والعبادة مقصد والوسيلة تقدم على المقصد، ولكنه جل جلاله قدم المقصد على الوسيلة فقال: (إياك نعبد) لينبه القلوب لسر ما خلقهم لأجله وإلى الحكمة التى أبدعهم لأجلها.



هذا ولا أزال أقول أن مقام الإصطلام الماحق والوجد الصادق والجمع على الحقيقة الذى يهدم أركان البشرية ويطفىء نار الآدمية .. لا يلام صاحبه، فإنه غاب عن نفـسـه وحـسـه، إنما أتـكلم مع المتكلفين الأدعياء الذين يميزون بين الحار والبارد وبين الفضة والذهب وبين الطعام الشهى وغيره ثم يهملون أعمال الأبدان. إن هؤلاء شياطين مردة، وهم أضر على المسلمين من إبليس الرجيم، لا لوم على من اقتطعته واختطفته أنوار بوارق العزة فاستوى معه الموت والحياة والعافية والسقم وصارت المرأة الحسنة والحجر سواء، هذا مخطوف العناية لا يأنس بغير ربه ففر من نفسه، فكيف يأنس بغيره؟! ليس هذا فى نظر الرجال بكامل، فإن فوق هذه المشاهد مشاهد مقامات القرب ومكاشفات منازلات القريب وإشراق أنوار إله عظيم كبير على قلب عبد ذليل منكسر خاشع، وموارد هنية من طهور يسقيه الرب جل جلاله سر قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) سورة الانسان آية 21، وحـلل علية من ميراث خير البرية وهو مقام الفرد الكامل العبد المتحقق بالعبودية محل نظر الله من خلق الله المتجمل بكل معانى أهل معية رسول الله صلى الله عليه وسلم:. وقد أطلت الكلام فى السماع لمساس الحاجة إليه ..والله أسأل أن يلهم إخوتى المؤمنين الصواب فى القول والعمل والحال والإعتقاد إنه مجيب الدعاء رب العالمين.



وإن من الناس طائفة يعبدون الله بألسنتهم ويعبدون الدنيا بقلوبهم وهم المراءون، وهؤلاء أضل ممن سبق ذكرهم، لأن السالك قد يقلد مرشداً مصطلحاً يحمل قلبه بأنوار الشوق، ولكن هؤلاء الذين يعبدون الله بألسنتهم ويعبدون الدنيا بقلوبهم عظموا الخلق وحقروا الحق ولا عذر لهم، وقد شنع الله عليه فى القرآن فى أعظم آياته وجعلهم أنواعاً، وهؤلاء يفضحهم الله تعالى فى الدنيا - أعاذنى الله تعالى من شرورهم - فترى الرجل منهم كثير العبادة كثير الذكر كثير الصيام كثير الخلوة ينتسب إلى ولى من أولياء الله لينال غرضاً فانياً، فإن ظفر بغرضه لازم العبادة، وإن لم يظفر انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وهو الذى شنع الله عليه بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) سورة الحج آية 11.

- مقام التسليم وأنواعه عند الصوفية

قال الله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) سورة ال عمران سورة 20، وقال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) سورة لقمان آية  22، (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) سورة الزمر آية 54، وقال سبحانه مخبراً عن خليلة عليه السلام: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام آية 79.


ومن دعاء النبى صلى الله صلى عليه: (اللهم أنت ربى لا إله إلا انت..خلقتنى وأنا عبدك، وعلى عهدك وعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبى، فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).



والتسليم والإسلام بمعنى واحد، ولذلك ورد فى بعض الروايات: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) البقرة آية 128، بالتشديد، لأن مدلول اللفظين الاستسلام لحكم الله وقضائه سبحانه، فالإستسلام للحكم شأن المؤمنين العارفين، بدليل قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء آية 65، فوصفهم الله بصفات ثلاثة: بأن يرجعوا فى أمورهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبأن يشرح الله صدورهم لما يحكم به، وبأن يسلموا تسليماً ينبىء عن الرضا الحقيقى، لا تسليماً مشوباً بكراهة ولا قبض صدر، فإن كثيراً من الناس يسلم مكرها، وليس هذا بالتسليم عندنا.



والتسليم لقضاء الله فيما يجريه الله تعالى من الشئون، هو الميدان الذى تتسابق فيه همم المؤمنين، لأن العبد بين حالتين: شدة ورخاء، فالمؤمن الكامل يرضى عن الله سبحانه وتعالى فى الشدائد رضا عن انشراح صدر، لعلمه بحكمة ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى له فى كل شأن حكماً تطمئن بها قلوب المؤمنين.



والمؤمن الكامل يشكر الله سبحانه وتعالى عند الرخاء، شكراً ينبىء عن حقيقة التوحيد التى كشفت له أنه عدم، لولا فضل الله عليه، وأنه لا يستحق شيئاً إلا بفضل الله ورحمته، فيكون شكره خالصاً ورضاه حقيقياً، ومنهم من يعتقد سرعة إغاثة الله تعالى، وينتظر فضله فيصبر، ومنهم ... ومنهم، قال الله تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) سورة آل عمران آية 163، وقال سبحانه وتعالى: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) سورة الصافات آية 164.



والتسليم لقضاء الله تعالى يتصل بالتسليم بحكم الله، فإن المؤمن إذا عرف نفسه عرف ربه، ومتى عرف ربه جمله بالتسليم له سبحانه وتعالى، ويعرف أن الحكم لله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)سورة الأنعام آية 57، فكذلك جريان الشئون إنما هو بقضاء وقدر من الله تعالى، فالمسلم للحكم يسلم للقضاء بلا معارضة ظاهرة، إنما التسليم إرجاع الأمور كلها إلى الله تعالى، واعتقاد أنها منه سبحانه، وأنه لا يحصل شأن من الشئون إلا بتقديره.



وهنا لطيفة تخفى على كثيرين من أهل التسليم، فإن الإنسان إنما يسلم لحكم الله فيما يتعلق بالمعاملات والعبادات والأخلاق والعقيدة، ولا يسلم فى الحكم بما جاء يخالف صريح الشرع، بل يلزمه أن يعارض فيه، ويدفعه ما استطاع، ويكرهه حتى يغلب على أمره، وكذلك فى القضاء بصفته عبداً لله يجب عليه أن يسلم لله جل جلاله، فيما يتعلق بالشئون بعد بذل ما فى وسعه لدفع المضرة عن نفسه وجلب الخير لها، ثم بعد ذلك يسلم له مسارعاً إلى العمل بأمره سبحانه، فإن الواجب علينا أن نسعى لطلب ما لابد لنا منه كما أمر، ونرضى عنه سبحانه فيما قدر.



وهناك تسليم للجهلاء ليس من الدين فى شىء، فترى الجاهل يعصى الله جل جلاله، فإذا سألته يقول لك: مقدر على، وأنا راض بما قدره الله على، وقد جهل، فإن الله جل جلاله قدر ما يحبه وما يكرهه، والعبد مطالب أن يكره ما يكرهه الله، وأن يحب ما يحبه الله، ومطالب أن ينسب إلى نفسه ما يكرهه الله أدبا مع الله، وأن ينسب إلى الله ما يحبه الله تحقيقاً لكمال التوحيد، ومن قال تلك الكلمة ارتكب إثمين عظيمين: مخالفة لحكم الله تعالى، وسوء الأدب مع الله تعالى، فالأدب مع الله شريعة، والتحقق بالتوحيد بأن الله قدر كل شىء حقيقة، ومن ترك الشريعة كيف يتفضل الله عليه بالحقيقة، والحقيقة روح الشريعة؟!



ولا يكون التسليم تسليماً حقاً إلا إذا تجرد من العلل، فمن شهد نفسه مسلماً، وسكنت نفسه إلى التسليم، لم يكن مسلماً عند العلماء حتى يفنى عن تسليمه، ويرى أن الله تعالى هو الذى من عليه بالتسليم، وأنه أسلم به إليه سبحانه، فإن التسليم من أعلى مقامات اليقين ومنازل المقربين، قال الله تعالى: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) سورة الشعراء آية 89.



التسليم عند السالكين

رجوع ما تقف دون دركه العقول، بما لا ينكشف للأوهام من الغيب للمدبر القادر، ثم الإذعان لما يخالف ترتيب العقول، ويضاد تجارب النفوس من تداول الدول تصديقاً لقوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) سورة آل عمران آية 140، مع الرضا بما قسم معتقداً أنه بتقدير أزلى، ثم المسارعة ببذل المجهود إلى ما يتجمل به المريد من الأحول السنية، فإن أسرار الغيب تزاحم العقول مزاحمة، إن استرسل المريد معها حجبته عن مشاهدة حكمة الوجود، وإن لم يخضع لمقتضيات القدر فى سير الدول حجب عن التصديق بالقدر، وإن لم يسارع إلى بذل الجهد لنيل ما به رقيه وقف دون الغاية التى تسارع إليها نفوس المريدين الطاهرين.



التسليم عند الواصلين

هو تسليم العلم إلى الحال، بمعنى أن العلم سير مخصوص فى الأحكام، فمن حكمه لم يفز بالرضوان الأكبر، لأن علم الأحكام فرقان ما بين المنزلتين، أو رد، فمن حكمه على الحال، إما أن يقف بين المنزلتين، أو يرد إلى البعد، والحال داع لبذل قصارى المجهود، لينتقل من الأعراف إلى التعريف، ومن التعريف إلى التعرف، ومن التعرف إلى المعروف سبحانه وتعالى، بمجاهدة لا يتحملها إلا أهل الأحوال السنية، الناتجة عن بذل ما فى الوسع للتمسك بالأعمال السنية، وليس المراد بتحكيم الحال على العلم ما يفهمه من لا معرفة لهم، من أن الأحوال خروج عن النمط والأوسط، ومفارقة للصراط المستقيم، فإن هذا ليس هو الحال، وإنما هو استدراج- نعوذ بالله منه إنما الأحوال عندهم أن تنكشف لك الجنة وما فيها، فترى مهانة الدنيا وما فيها، وترى أن نفساً تصرفه فى طلب الدنيا قد يحجبك عن تلك الدار المنجلية لك، ويتتج لك خيبة وندامة، فتبخل بأنفاسك وتجود بما سواها فراغاً لقلبك، وأحوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هى الأحوال العلية، فإنهم بذلوا أوطانهم ففارقوها فرارا بدينهم، وبذلوا أموالهم ثقة بربهم جل جلاله، وبذلوا أنفسهم فرحين راضين عن ربهم، لا لعلة دعت ولا لغرض بعث، إلا وجه الله الكريم، وتلك الأحوال هى موازين أهل الأحوال العلية، وكل من ظن أنه من أهل الأحوال، ولم تكن أحواله مطابقة لأحوالهم فهو مستدرج مخدوع، إذ الحال مقتضى الوقت ولازمه، فإن اقتضى الوقت الهجرة من الوطن هاجر، وإن يقدم نفسه قدمها لله راضياً عنه مرضياً منه، ومن كان حاله يقتضى جمع أموال الناس واستخدمهم، والشهرة بينهم، فحاله حال مستدرج.



إذا علمت من أجمالى هذا ما لابد لك منه من علم الحال، فهذا هو الحال الذى يحكم على العلم، ويجب أن نسلم له العلم يفعل فيه ما يشاء، والرجل ذو الحال العلية ينوع الله به أفكار الخلق إلى منازل القرب والحب، وللحال تأثير روحانى على قلوب المريدين، ربما أخرجهم من الملك إلى الملكوت فى نفس، بل ومن أنفسهم إلى منفسها سبحانه، ثم يسلم القصد إلى الكشف، وليس بتسليم القصد إلى الكشف أنه عند الكشف لا يكون قصد، وذلك ما لا يقول به عارف بالله، ولكن المراد من تسليم القصد إلى الكشف أن المريد قد يقصد فى بدايته مقصوداً بقدر علمه، فإذا من الله عليه بالمشاهدة جهل فحكم القصد فى الكشف، وقد يكون مقصده الجنة، فتلوح عليه أنوار قدس العزة، فيقف قصده عند الجنة، فيكون شهوده فوق قصده، بل الواجب عليه أن يسلم قصده إلى كشفه، فيكون مقصوده فوق الكشف، فإن الكشف يظهر له ما فوق علمه، قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) سورة البقرة آية 282، وقال تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) سورة لأنفال آية 29، وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة الحديد آية 28.



ومن يسلم القصد إلى الكشف يدوم رقيه، وينمو القصد عنده، ومن أنساه الكشف القصد، وقد سلم القصد إلى الكشف، ومن فهم أن تسليم القصد إلى الكشف أن الكشف لا يجعل للواصل قصداً، فقد جهل طريقنا، فإن الكشف ينمو به وجد الأوراح المحرق، وتشتد له الحيرة، ويقوى به الشوق المزعج إلى القصد الأعظم الذى شهدت الأرواح آياته، وواجه السر تجلياته، فالكشف يقوى به المقصد، ثم يسلم الرسم للحقيقة، وقد جهل بعض من لا علم لهم بطريقنا، فظن أن المراد بالرسم الأحكام الشرعية، وتسليمها للحقيقة ترك العلم بها، وهو الجهل الذى أوقع كثيرين من الأدعياء فى مهاوى الضلالة والكفر نعوذ بالله من الجهل بطريقنا هذا، ومن السير بغير المرشد الكامل وكيف يصل من لا دليل له، أو يفهم من مفقه له؟!.



ومعالم الطريق خفية، والمقصود عظيم كبير متعال، والمرشد  الكامل كبريت أحمر، فمن لم يبذل نفائس أنفاسه فى البحث عنه، وكرائم أمواله فى الحصول عليه، ونفسه ليرضيه ويقتدى به، فهو طالب لحظه وشهوته ومغرور، ولنا فى اصطلاحنا إشارات تومى إلى حقائق، إن لم يتلقها السالك أو الواصل من المرشد الكامل حقاً، ضل فى سيره ووصوله، فالرسم عندنا هو الواصل بنفسه لأنه فى الحقيقة رسم وصورة، وتسليم الرسم إلى الحقيقة تسليم معانى الإلهية للإلهية، وصفات الربوبية إلى الربوبية، حتى يكون متجملاً بحقيقته، متحلياً بحلل رتبته، فلا يرى له سمعاً ولا بصراً، ولا حولاً ولا قوة، ولا علماً ولا ظلاً، ولا نفعاً ولا ضراً، وبذلك يكون سلم الرسم للحقيقة، وتخلى عن الدعاوى الباطلة والنسب الكاذبة، مع القيام بما فرض الله سبحانه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع المسارعة إلى نوافل البر، بما قام به الأئمة، مسلماً تلك الرسوم إلى الحقيقة، منها وبها ولها، بحسب مشهده، وقد ادعى بعض أهل الباطل والضلال، أن قولهم هدم الرسوم، هو ترك العمل بالشريعة، وقولهم تسليم الرسم للحقيقة، أى: ترك أحكام الشريعة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، وليست الأحكام الشرعية رسوماً ولكنها حقيقة، فيجب على الواصل، أن يرد الرسوم: وهى أوهامه، وخيالاته، وظنونه الناتجة من حظوظه، وشواته، إلى الحقيقة لتى هى الأحكام الشرعية، وهذا الظن السىء جعل كثيراً ممن وقفوا عند قشور الشريعة من العلماء أهل الظاهر، يؤولون كلامنا إلى غير ما نريد، بحسب ما وصل إليه مبلغهم من العلم، فأنكروا على الرجال حالهم وكشفهم، لما فهموه وما رأوه من أهل الضلال الجهال، ولولا أنى أكره أن أشغل الواصلين بما لا فائدة فيه، لكشفت لهم الحقيقة فى هذا الموضوع، ولكنى أكل نفسى وأكلهم إلى الولى الذى يتولانا بولايته، وأنبه إخوانى إلى نظر هذا الموضوع بفكر وروية، وأن يتذوقوا من كلامى ذوقاً لا يخرجهم عن مرادى إلى ما يخالف الشرع الشريف، أسأل الله أن يحفظنى وإخوانى والمؤمنين جميعاً من السير فى طريق الله على غير هدى، وأن يمن علينا جميعاً بسوابع إنعامه، ومزيد فضله، إنه مجيب الدعاء رب العالمين.



التسليم عند أهل التمكين

تسليم ما سوى الحق إلى الحق، فالتسليم عند الواصلين تسليم ما للحق للحق بتبرئة من الحول والقوة، والتسليم عند المتمكنين تسليم تمليك له سبحانه، قال تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فى السَّمَاوَاتِ وَمَا فى الْأَرْضِ) سورة آل عمران آية 129، فهم قد شهدوا معانيهم الحقية التى هى عين ما هم عليه فى الحقيقة، ثم كاشفهم الحق بأنه مبدعهم وموجدهم، وأنهم له وليسوا لهم، فسلموا ما له ملكاً، وأقبلوا عليه عبيداً مملوكين، حتى حصلت المواجهة بين العبد والسيد، فكان أقرب إليهم من أنفسهم، وأولى بهم منها، وأحب إليهم منها، ثم بلغوا من القرب مبلغاً تركوا فيه التسليم، لأنه أشهدهم أنه سبحانه أسلمهم به إليه، وليس لهم فى الحقيقة عمل، فخلصوا من وحلة التوحيد، ومن اللبس من خلق جديد، وفازوا بحقيقة التنزيه والجريد، فهم العبيد حقاً، الذين أقامهم الله سبحانه عمالاً له، وأكرمهم بأن جعلهم أولياءه، فهم أولياؤه وهو وليهم أسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يكرمنا بسرهم، إنه مجيب الدعاء.. آمين.

- مقام التهذيب وانواعه


التهذيب عند السالكين
التهذيب عند السالكين هو تهذيب الخدمة، بأن تكون خدمة السالك مطابقة للعلم، مجردة عن الجهالة، لا تكون عن عادة ولا تقف عند همة، فإن كانت الخدمة قد خالطتها الجهالة، ومازجتها العادة، ووقفت عندها الهمة، كان السالك كحمار الرحى، لا ينتقل من منزله الذى هو فيه إلى غيره، هذا هو السبب الذى جعل السالكين لا تنبلج لهم أنوار الآيات ولا تلوح عليهم احوال المناجاة، ولا يتذوقون للإيمان حلاوة، ولا للتقوى لذة، وأنهم كالآلة المحركة بغيرها، وبذلك يكون السالك مردوداً عليه علمه لجهله بصحة العمل، مشركاً لنسبة عمله لنفسه، واقفاً لتقليده فى العمل غيره.

التهذيب عند الواصلين

أما التهذيب عند الواصلين فهو تهذيب الحال، بتخلية الهمة فى الحال عن أن يتجمل به، تقليداً لصاحبه، أو بعد العلم بأسرار أهل الأحوال، وألا ينقاد لهم برسوم، فإن كان عن علم بالحال فتكلفه، أو خضوع لصحاب الحال، فليس بحال صادق، إذا الحال بوادة من الحق تصول على أهله قهراً، فيظهر منهم ما بينته لك فى الحال قبل ذلك، ولا يلتفت صاحب الحال إلى حظ عاجل أو آجل، فإن التفت صحاب الحال إلى الحظ، كان حاله معللاً، ومتى كان الحال معللاً، أدى إلى ضلال صاحبه، والإضلال به، إذ الأحوال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثت، وبالسير على صراطه المستقيم نيلت، وبالقهر على التحلى به ظهرت، فقد يلقى بنفسه إلى النار، وقد يعلو على السبع، وقد يلقى بنفسه من شاهق جبل، أو يلقى نفسه فى اليم، وقد ترك الطعام والشراب الأيام الكثرة، وقد ينفتق نور لسانه، فيبين من أسرار الحكمة وغوامضها بلا قصد ما لا يمكن أن يبين إلا بورح الإلهام، فكيف يكون هذا الحال مشوباً بحظ؟! فيجب على الواصل أن يجرد حاله من تلك المعانى الثلاث، فإن ألم بنفسه لمة من تلك المعانى، خاف من الله أن يتجمل لخلقه بما ليس له حقيقة فى قلبه، قال صلى الله عليه وسلم: (من جمل باطنه لله جمل الله باطنه وعلانيته، ومن جمل علانيته للخلق قبح الله باطنه وعلانيته)، فمن تجمل للخلق كشف الله ستره عنه وأذله أمام عباده، وإنما الضلال يأتى من الضلال، يجملون ظاهرهم لعباد الله المسلمين، المشتاقين إلى الحكمة، فتميل إليهم نفوسهم، فيضلونهم عن الحق قال الله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) سورة يونس آية 32.



التهذيب عن أهل التمكين

هو تهذيب القصد، والإشارة فيه أولى من العبارة، لأن مشاهدهم فى التهذيب فوق أن يصرح بها، والأمر ثلاثة: قاصد، وقصد، ومقصود.



ولما كانت منزلة التهذيب تتعلق بالقصد دون القاصد والمقصود، وإن كان المقصود ملحوظاً فيها بالنسبة، لأن القصد به ينال المقصود، إذا كان على الوجه المناسب، والتهذيب لابد أن يراعى فى هذا المقام بوجه أكمل، لأن مقام التمكين يبسط فيه بساط المؤانسة، وتجلى فيه أنوار المواجهة، وتلوح فيه أسرار المنازلة، والأدب فيه أولى بأن يتبع، وهفوة فيه سقوط من عالين، أعوذ بالله من سوء الأدب فى مقام البسط فى نزل التهذيب، فالمتمكن يصفى القصد من أن يشوبه شائبة إكراه، لأن الشعور بالإكراه فى مقام القصد فى التمكين برهان على التفات المقصود عن القاصد.

والإلتفاتات فى المقامات العلية لا تتدارك، قال صلى الله عليه وسلم: (شيبتنى هود وأخوتها) ومراده صلى الله عليه وسلم بهذا والله أعلم بمراده، أن الله تعالى ذرك البعد فى مقام البعد، فقال تعالى: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) سورة هود آية 95، وذكر البعد فى مقام البعد يشيب الحبيب القريب فى مقام القرب، لأنه يعلم أن من صفة حبيبه أن يبعد، فكان ذكر البعد فى مقام البعد موجب لشيب السيد الشفيع، الحبيب القريب، الذى لأجله أكرم الله الخلق أجمعين، من الملائكة والإنس والجن، وهى أكمل إشارة لأهل مقام التمكين، يحفظهم الله بها من الأمن فى مقام البسط.



فإذا صفى القصد من شوب الإكراه، قام بجهاد أكبر، مستعيناً بالله تعالى أن يحفظ القصد من أن يعتروه فتور، فإن الفتور فى منزلة التهذيب فى مقام القصد لأهل التهذيب دليل على حرمان الإمداد الروحانى، والتفات الوجه الجميل، نعوذ بالله والمطلوب للقرب تدوم بهجته، وتعلو همته، وتسمو عزيمته، وأهل العزائم من المرادين للحضرة وصفهم الله تعالى: فقال جل جلاله: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ  وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ  وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ  وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ  وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) سورة الذاريات آية 17-22، وقد جعل الله تعالى الليل لباساً، فلبسوا فيه حلل الهمة، وفارقوا فيه مضاجعهم، وخالفوا فيه هجوعهم، يقظة قلوبهم، ولذتهم بالقيام بين يدى حبيبهم، وما ساقهم من طهوره الصافى فأسكرهم به، غيبهم عن حظوظهم، فهم مع الله والله معهم، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) سورة النحل آية 128، وقال صلى الله عليه وسلم: (كن مع الله تر الله معك)، وهل لمن رأى الله تعالى معه غاية سواه؟! أو بغية إلا رضاه، أو لذة إلا فى ذكره؟! أو حظ إلا فى المسارعة للقيام بأمره؟ أحبهم جل جلاله فأحبوه، وواجههم بوجه الجميل ففروا منهم إليه، فلم يسر بهم وطر إلا إليه، ولا تلم بهم همة إلا له، صغرت والله فى قلوبهم الدنيا والآخرة، عندما وقع بهم العلم على عين اليقين، وكبرت نفوسهم عليهم أن تذل لغيره، وهو العلى العزيز العظيم، وهم كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة المنافقون آية 8، كيف يعتور هممهم العلية فتور وقد أمدهم بروح منه؟ أو يشوب قصدهم إكراه وقد تولاهم جل جلاله؟ قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) سورة البقرة آية 257، فإذا حفظ الله القصد من أن يمازجه الفتور، ورقى المتمكن من تلك المنزلة، نازعه العلم فقام مجاهداً الجهاد الأكبر، حتى يتخلى قصده من منازعات العلم.



وقد سبق لى بيان أن العلم له منازعات، ربما أوقفت المتمكن فى سيره، لما ينكشف له بالعلم فى المقامات من أنوار الأسماء والصفات، الحاجبة للآيات والكائنات، وقد بينها الله فى صريح الكتاب، فتحصل المنازعة بين العلم والقصد، فإن القصد كما قررت لك، لابد وأن يكون بين قاصد ومقصود، والعلم إذا وقع بالمتمكن على عين اليقين، أو حقه سترت أنوار الأسماء ما سوى الحق، قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فى الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) سورة فصلت آية 53.



فإذا أسلبت تلك الستارة بصولة الحق على الروح الملكية، حصلت المنازعة الكبرى بين العلم والقصد، فإذا حصلت المجاهدة الكبرى حتى يظهر القصد من منازعات العلم، أمده الله بروح منه، فشهد الحضرتين، وتميز فى عين سره المكانتين، فكان عبد عبودة لذات الله، وصفاً له نزله، وطاب له وقته، وخلا حاله، وصح مقامه، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) سورة آل عمران آية 101، والله تعالى أسأل أن يمدنا بروح منه، وأن يهب لنا مشاهد المقربين، وموارد المحبوبين، ومنازل المرادين لحضرته، الذين أخبر الله تعالى عنهم يقوله: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) سورة الزخرف آية 68.

وقد بينت لك فى تراجم الرجال نبذاً من أنواع التهذيب، لتعلم أنها سنة أئمة الطرق الماضية، ولا أحظر عليك أيها المسترشد أن تجاهد نفسك بنوع من التهذيب، لا تتعدى بها الحد الوسط، ما دمت لم تجد المرشد الكامل، الجامع بين روح الشريعة وظاهرها، والعالم بطرق تزكية النفوس وتهذيبها، فتأدب له، واعرض عليه أحوالك جميعها، وأمراضك خفيها وعلنها، فإنه هو الطبيب الرفيق، العالم بالسبل التى توصلك إلى الحق جل جلاله.

- من المضنون فى القرآن

الجنة الآجلة ثمان درجات ومفاتيحها جوارحك المجترحة: القلب وجنوده، ولما كان آدم هو المخلوق الذى تجلى فيه الحق لخلقه كما ورد، أدخله فى الجنة التى فيها مسرات الحس ونعيم الجسم، وغذاء الروح من الحكمة، ومحبة الله تعالى، ليشتاق إليها بعد رده-وتلك الجنة هى طبقة من الفردوس-بدليل قوله تعالى: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) سورة التين آية 5، ومعلوم أن الجنة لا تقع فيها المعصية، فقدر الله المعصية على آدم فى الجنة ليرده عنها عدلاً، بعد أن أدخله فضلاً، وليعلمه أنه أخرجه منها بذنب فكيف يدخل فيها من عصاه فى الدنيا؟! وليشجع خلقه على التوبة عند وقوع المعصية.


وقد بينت لك أن الله غرس الإنسان بيده فى جنة عدنه، فالإِنسان شجرة ربه، وهو السدرة التى رأسها مغروس فى العرش وأطرافها مدلاه على الجنة، وتلك الشجرة التى هى صورة الحق لها ثمر هو جمالها الذى يجب أن يحفظ لزارعها سبحانه، فإذا تجاوز الإنسان حد العبودية وتناول ما هو خاص بربه، عصى وغوى لحكمة بينت لك بعضها، فرد إلى الأرض ليرتقى إلى مقامات القرب وليتجمل بجمال الخلافة، فيكون مرآة لظهور معانى صفات ربه، وحقيقة هى مظهر لظهور صفات نفسه وهى العبودية، واسمع وسلم إن لم تذق، فإن من حرم التسليم والذوق حرم الخير كله.


أودع الله أمانته فى آدم فنسى آدم ونسب لنفسه ما ليس له فكان ما كان من ظهور سوءته ومن شدة وجله، والله غالب على أمره، قال سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) سورةالأنبياء آية 35 وإن ما أكل آدم ما فيه من أمانة باريه، منحنا الله الذوق، وجملنا بالشوق، وحفظنا من الإنكار، إنه مجيب الدعاء.

من المضنون فى القرآن:

القرآن المجيد مورد آل العزائم الروى، وروضهم الجنى وحوضهم المورود، وكوثرهم المشهود، وميزان أحوالهم، ومرجع مقاماتهم، يسألونه قبل العلم، فإن أذن سارعوا، وإن منع تركوا واستغفروا، فهو الإمام الناطق وإن صمت، لأنهم يسمعونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسمعه آذان قلوبهم حضوراً ووجوداً، وإن كان التالى له إنساناً آخر.


وقفت بهم همتهم العلية على القرآن فأحلو حلاله وحرموا حرامه، لو أمرهم بقتل أنفسهم لقتلوها، أو مفارقة أموالهم وأولادهم لفارقوها فرحين بالسمع والطاعة، تجلت لهم حقائق القرآن جلية، وانبلجت لهم أنواره العلية ظاهرة، فلم تبق بهم همة إلا فى القرآن، ولا رغبة إلا فيه.



أحبوا القرآن حبا ينبئ عن كمال حبهم للمتكلم سبحانه، كاشفهم الله بمراده فى كلامه، وبحكمته فى أحكامه، فكان سبحانه وتعالى أقرب إليهم من أنفسهم، وتجلى لهم سبحانه فى كلامه العزيز حتى كان الرجل منهم إذا سئل لم تعمل هذا؟ يقول: أمرنى القرآن، ولم تترك هذا؟ يقول: نهانى القرآن، وإذا طلب منه أمر يقول: مه حتى أستشير القرآن، فيقرأ القرآن المرة والمرتين، حتى تتضح له حقيقة حاله، وسر قصده، فيسارع إلى التنفيذ أو إلى الترك.



فالقرآن طهور الحب، وحلل القرب، ولا يوفق للعمل بالقرآن إلا من جذبته العناية، واقتطعته المشيئة، واختطفته محبة الله السابقة له.



واعلم أنه لا يجد فهم القرآن عبد فيه أدنى بدعة، أو مصر على ذنب، أو فى قلبه كبر، أو مقارف لهوى قد استكن فى قلبه، أو محب للدنيا، أو عبد غير متحقق بالإيمان، ولا مَن هو واقف عند مبناه غافل عن معناه، ولا ناظر إلى قول مفسر ساكن إلى علمه الظاهر، ولا راجع إلى معقوله. فهؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم، مردودون إلى ما يقرر فى علومهم،موقوفون مع ما تقرر فى عقولهم.



أما العبد الذى يجد حلاوة القرآن، ويكاشف بمشاهدته فهو من قرأ ملقياً السمع بين يدى سميعه، مصغياً إلى سر كلامه، شهيد القلب لمعانى صفات شهيده، ناظراً إلى قدرته، تاركاً لمعقوله، متبرئاً من حوله وقوته، معظماً للمتكلم، واقفاً على حدوده، مفتقراً إلى الفهم بحالٍ مستقيم، وقلب سليمٍ، وصفاء يقينٍ، وقوة علم وتمكين، سمع فصل الخطاب، وشهد علم غيب الجواب.



قبس من المضنون فى القرآن:

رتل القرآن فى الاتحاد، واتل كتاب ربك فى الاصطناع وأصغ بأذن روحك لقراءة القرآن من مُنزله، ثم اتبع قرآنه ترتيلاً ولا تعجل، فإنك فى مقام بقاء بعد فناء، فالترتيل للقرآن شهود معانى صفات المتكلم فى كلامه، وانبلاج أنوار حقائق الغيب المصون من الأسماء والصفات، والغيب المضنون من مجلى الذات. وإنما يرتل القرآن ويتلو الكتاب ويقرأ القرآن السامع له من المتكلم سبحانه.



فالقرآن: إشارة إلى الكمال الذاتى، وسورة الإخلاص ثلث القرآن، وآية الكرسى ربع القرآن، لبيانها للغيب المصون. والكتاب المرتل: أحكام وحكم. والذكر: أخبار وعبر. والنور تبيان للوصول والفرقان. بيان للحجة، واتضاح للمحجة. وإنما يرتل القرآن من منح العيان بعد البيان.


الإبدال والصديقون:

شهود الوجود بعد وجود الشهود تلوين، ومحو وجود الشهود تسليماً للقرآن تمكين، وإتباع الحبيب فى التمكين برهان على محبة الله للمتمكن الأواه المنيب.



ومتى أحب الله العبد اقتطعه، أو اصطنعه، أو اختطفه فاصطفاه، فجمله بجمال ظهور العبد وظهور الرب سبحانه، فيكون محباً لله لأنه طلبة الله، ويكون محبوباً لله لأنه صورة استجلاء معانى صفاته العلية، وهذا هو الفرد الأكمل والإِنسان الكلى سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم.



ويفوز بقسط من ميراثه الصديقون الذين ضين الله بهم عن أن يشهد غيرهم جلية ما نالوا من عنده، وما حفظوا به من لدنه، وهم سراج الدنيا ومصابيح الآخرة، والأنجم المضيئة فى ظلمات الشبه، قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) سورة ض آية 24 يظهر الله منهم من يظهر، ومع إظهاره، فهو لدنه أو عنده، ويخفى  الله من يخفى، ومع إخفائه فهو يمشى بما جعله الله له من النور فى الناس، ومن ظفر بالخفى منهم مسلماً، صار بنفسه عالماً، ومن ظفر بمن أظهره الله صار عالماً بالله، وهو فرد من الأفراد الذين عند ربك، قال سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) سورة الحج آية 75 وهؤلاء هم الذين انطوت النبوة بين جوانبهم إلا أنه لا يوحى إليهم، أعاننا الله على شكره، وأقامنا عمالاً بالإِخلاص، متمتعين بالحضور فى ذكره.

كتاب أحسن القول

نظراً لظهور كثير من الأدعياء الذين ينتسبون إلى التصوف وهم أبعد الناس عن منهجه الذكى، وكذلك بسبب ما يثور هذه الأيام عن الدعوة والدعاة وتطوير الخطاب الدينى كان هذا الكتاب الذى أسميناه (أحسن القول) اقتباساً من قوله تعالى  فى الآية الكريمة:
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )[فصلت]
وجعلناه فى بابين كبيرين، أما الباب الأول فيتحدث عن أحوال الصوفية الصادقين،  حيث يبين حقيقة الصوفى الصادق ويدعو إلى صحبة الصادقين ويبين أوصافهم، كما يوضح أثر هذه الصحبة والأُخُوة وكيف أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صحبه المباركين! ويكشف عن المنهج الصحيح للسلوك الصوفى والذى يتمثل أعظم ما يتمثل فى إخلاص العمل لله تعالى والمحبة الصادقة لرسول الله ، ويأتى بعد ذلك خدمة الصالحين.
أما الباب الثانى فقد ركزنا فيه على المنهج النبوى فى الدعوة إلى الله تعالى، وأن القصد من الدعوة اجتماعياً هو إصلاح أحوال المجتمعات وإصلاح أحوال الأفراد وتأسيس المدينة الفاضلة كنموذج يُحتذى فى كل قرية وفى كل مدينة، وشخصياً ودينياً هو تنفيذ شرع الله والعمل الصالح لإرضاء الله تعالى، ثم بينا أوصاف الداعى الحكيم التى يكون بها مؤثراً فيمن حوله، وألمحنا إلى الكيفية التى يدعو بها الداعى أهله وذووه أولاً، والطريقة الحكيمة التى يدعو بها الخلق إلى الله، والسبيل الذى يتخذه لإصلاح أحوال الأفراد والمجتمعات.


العارف باللَّه
الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- إصلاح الافراد والمجتمعات فى الاسلام


إن الأمر الجامع لشتات الأمة، وبزوغ أنوارها، وإظهار فتوة وبطولة شبابها،وانتصارها على أعدائها، وتحطيمها لكل من يريد كيدها - لا يحدث إلا على أيدي رجال تربُّوا على منهج الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالأمة معهم على ذلك النهج.فالأمر الفصل هو في التربية الإيمانية اليقينية التى رسَّخ بذورها ووضع أحكامها ومبادئها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلمومن بعده ساروا على هديه في ذلك،
هذه التربية التى بدأها صلى الله عليه وسلم مع صحبه الأجلة وتدور
أولاً: على القيم الإيمانية والمكارم الأخلاقية التي أثنى عليها الله وامتدحها في كتابه، والتى كان عليها في سلوكه وفعاله وكل أحواله رسوله صلى الله عليه وسلم.
- فالتربية الإيمانية اليقينية لا تعتمد على المال! ولا على قوة التكنولوجيا! ولا خيرات الأرض! ولا قوة العِدَد والآلات! ولا صلابة الأجسام! ولا القوة العددية.
- ولكن تعتمد على صلابة النفس في التخلق بأخلاق الله والتمسك بقيم كتابه، والتشبه في كل حالٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وقيمه،
وأهمها وأبرزها الوصول إلى درجة اليقين الذى يصحبه الزهد في الدنيا والعمل لإرضاء رب العالمين عزَّ وجلَّ،
فإن المسلمين ما أُخذوا ولا غُلبوا في زمان من الأزمنة إلا بالتنافس في الدنيا
والتحلل والتفسخ من الأخلاق الكريمة التي أمر بها الله والقيم التي جاءنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعلى هذه الأسس الفعَّالة ربّى النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه الأجلاء بإتقان محكم،
ففجّر فيهم هذه الطاقات الربانية التي استودعها فيهم رب البرية،
وكل إنسان فيه طاقات لايعلمها إلا الكريم الخلاق،
لكن أغلب الخلق يتكاسل ويتخاذل ويظلّ حتى يأتيه الموت ولم يستغل عُشر معشار الطاقات التى أودعها فيه الخلاق عزَّ وجلَّ،
بل ويسلِّمها كما هي لله عزَّ وجلَّ!!! سلَّم الأجهزة عند وفاته كما هي لم يستخدمها .
فالداعى صاحب البصيرة هو الذى يُفجر هذه الطاقات فيمن حوله حتى يصير الرجل العادى من أصحابه بعشر:
(إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ)(65 - الأنفال)
فيكون الرجل بكم؟!! بعشرة، وهذا كان حال جند المسلمين الذين رباهم سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ،
ولذلك عندما تنظر في معاركهم تجد محققٌ فيهم قول الله:(كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
(249 - البقرة)
في كل المعارك أم لا؟!! نعم .. في كل المعارك!! بهذه الشاكلة - وعندك التاريخ ابحث فيه واشهد -
لم يقاتلوا لمغنم أو دنيا، ولم يجاهدوا لمصالح عاجلة أو شهوات فانية، ولا طلباً للزعامة ولا الرياسة ولا للفخر والمباهة والرياء!
لأنهم تربُّوا على الإخلاص في قصدهم وفي كل أحوالهم وفي جهادهم . وهذا بالفعل ما نفتقر إليه كمسلمين الآن في كل مكان، الكل ينافس إمَّا لمنصب أو مصلحة أو منفعة! للفخر أو الرياء والسمعة والشهرة!
لكن لو التنافس كله لله، هل سيحدث إختلاف؟ لن يحدث أبداً!  إذاً لماذا الإختلاف؟
لتنوع المقاصد وتضارب المآرب، ولو كان مقصد الكلِّ ربِّ الكلِّ عزَّ وجلَّ، ما حدث إختلاف!
ما إختلاف النفوس والقصد واحد **** والصراط الســوى للمتواجد
ولنرَ معاً - عبر التاريخ - لقطات فارقة!!! وومضات خالدة!!! يظهر فيها تأثير التربية الإيمانية
أو لحظة إنطلاق الطاقات البشرية والمواهب الربانية.
وفى أمثال هؤلاء الرجال الذين يقودون سفن نهضة الأمة والذين سنضرب لهم أمثالاً من تاريخهم الحى الملهم
يقول الإمام محي الدين بن عربي رضى الله عنه:
( لو ظهرت روح أبو بكرٍ الصديق رضى الله عنه، لهزمت جيشاً بأكمله)

وقد صدق!!!! لأن لأبي بكر الصديق مواقف متنوعة ومتعددة،
كلُّ موقف منها تاجٌ يتلألأ على مفرقيه يحكى درساً خالداً في التربية الإيمانية التي ربَّاه عليه سيدُّ البرية.

وقد تعمدت أن أختار لكم أمثلة من حياته بعد النبي صلى الله عليه وسلم
لتفهموا أن العملية التربوية لإصلاح أحوال الأمة منوطة بالأنبياء والمرسلين
ثم من بعدهم بالعلماء الصالحين العاملين كلٌّ في زمانه،
لأنهم هم من يكيفوا الآداب المحمدية، والتربية النبوية، والأخلاق القرآنية، على الوقائع الحياتية
وباللغة والمصطلحات الآنية،
فيحدثون الإصلاح اللازم والتغيير المنشود!
وانظروا كيف يمكن للمربِّى الصادق وحده أن يؤثر في أمة كاملة!!

- فالتاريخ لا ينسى ثبات أبي بكر ورباطة جأشه عند وفاة النبى صلى الله عليه وسلم
لمَّا انهارت الصحابة من هول المفاجأة،
ولكنه استكمل الورشة التربوية الإيمانية - نيابة عن الحضرة المحمدية - بعد الوفاة مباشرة
ودون أن يطلب منه أحد، وقال:
(أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات! ومن كان يعبد الله فإن الله حىٌ لا يموت)
وتلا عليهم الآية:
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا) (144- آل عمران)
فأنقذ الأمة بثباته ونصبته الأمة قائداً لورشة التربية في المرحلة الجديدة، بعد أن كان عضواً فيها!!!
- وموقفه رضى الله عنه في حروب الردة، وحروب مانعى الزكاة، وإنفاذه جيش أسامة بعد وفاة النبي،
وخروجه للعمل صبيحة توليه خلافة المسلمين!
وفي الليل يقوم على خدمة العجائز والمرضى والمحتاجين دون أن يعرفوا أنه خليفة المسلمين،
وقبل وفاته ردَّ لبيت مال المسلمين كلَّ ما أخذه من أجر طيلة مدة خلافته!!!!!
إنها التربية النبوية!!!!
منقول من كتاب - إصلاح الافراد والمجتمعات فى الاسلام 
لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد
ومن اراد المزيد يمكنكم الدخول 

- عمل العالم حياة العالم

العلم مقصد عظيم وكل ما سواه من المال والبنين والعافية والزوجة إنما هو وسيلة لتحصيل العلم الذى هو المقصد الأعظم والعلم وسيلة للعمل فالعمل بالنسبة للعلم مقصد عظيم والعم له وسيلة والعمل وسيلة للتقرب ونيل الرضوان مقصدان عظيمان ولكنهما وسيلتات لنيل شهود جمال الله ونيل شهود جمال الله تعالى فوق العلم والعمل والله جل جلاله لا يمنح ما عنده بمعصية لأنه تعالى غنى عن العالمين فالعمل بلا علم لا يرفع والعلم بلا عمل لا ينفع والعلم والعمل بلا أخلاص لا يقبلان والعالم إذا ترك العمل خاب فيه الأمل لأنه قدوة العالم ومحل نظرهم ومن علامات بغض الله للعلماء بالأحكام وبالدنيا وسياستها أن يتركوا عمل القلوب ويتهاونوا بعمل الجوارح فتكون قلوبهم محلاً للحسد والهمم الشيطانية واللمم البهيمية يتقربون ما حصلوه إلى الظلمة ولو كانوا كفاراً ويتعينون به عندهم على نيل الخير العاجل وقد يكون العلم بالدنيا لدى العلماء بالدنيا سبباً فى سلب الإيمان نعوذ بالله لأنهم يعينون أهل القوة والمال والسلطان لأنهم يحسنون لهم أعماله ولا يخافون الله فيهم ويخافونهم فإذا هم الظالم بعمل يخالف الله ورسوله أعانوه عليه خوفاً منه ولم يخافوا من الله تعالى، أقول يسلب بهذا العلم الإيمان لأنه ينسى نفسه ويعتقد أنه عالم والعالم فى الحقيقة هو الله وكل من سواه متعلم منه سبحانه فإذا نسى العالم نفسه وحكم لنفسه بالعلم نسى الله تعالى قال الله تعالى: (سُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) سورة الحشر آية 19، إذا خاف العالم من الموت ونسى يوم القيامة وسارع فى أعداء الله تعالى قائلاً نخشى أن تصيبنا دائرة واقتدى به العالم فى هذا العمل ضل وأضل فكان كالمرض المعدى وكان علمه شراً عليه أعاذنا الله تعالى من مرض أهلك إبليس فظن أنه خير من أهله وخالف أمر ربه.



أما العلم بالله تعالى وبأيام الله تعالى وبحكمة أحكامه وبأحكامه فهو العلم الذى يهبه الله لمن يشاء من أحبابه وهو العلم الذى ينفع الله به عباده وهذا العالم لا يخالف علمه ما دام مؤيداً بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمه نجاة العالم أجمع لأنه يعمل بعمله علم القلوب فيما بينه وبين ربه ويعمل بعلمه عمل الأجسام مخلصاً لله تعالى أمام أخوانه فيكون له المقام العلى عند الله بعمل قلبه قال الله تعالى: (إِنَّ فى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) سورة ق آية 37، صاحب القلب المتقلب فيما يقربه من الله تعالى وصاحب البصيرة المشاهدة لآيات الله تعالى فوق العالم العامل بجسمه لا بقلبه لأنه عمل بقلبه عملاً قربه من الله تعالى وعمل بجسمه عملاً أناله الله تعالى به فضله ورضاه ونفع به أهل عصره كما قال سبحانه: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) سورة الفرقان آية 74، ولا عجب فأن علماء الدنيا عانوا الظلمة والكفرة على مفاسدهم وأباطيلهم وأضلوا العامة بمسارعتهم إلى أعداء الله تعالى والمخالفين لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) سورة آل عمران آية 187.



هذا لأن جميع العالم يعتقدون أن العلماء هم الأئمة وهم النور ويقبلون منهم ما لا يقبلونه من غيرهم وهؤلاء ليسوا بعلماء بالله وبأيامه وبحكمة أحكامه ولكنهم علماء بالدنيا وبالوجوه التى يحصلونها بها، قطع حب الدنيا قلوبهم عن مشاهدة الآيات فى الكائنات وأعمى الحسد والمنافسة فى الدنيا وحب الشهرة بها عن السياحة فى ملكوت الله فعظموا ما حقر الله وأهانوا ما عظم الله ومن عظم الله فتراهم أذلاء على أبواب الأغنياء وأهل الجاه فى الدنيا ومن بيدهم القوة والسلطان ولو كانوا كفاراً، أما العلماء بالله تعالى فأنهم يسارعون إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فيعمرون الأنفاس بما يحبه الله مراقبة لله وخشية من عظمته وعملاً بما يحبه ويرضاه فيهدى الله بهم أهل عصرهم.



وقد أقامنى الله عاملاً بالكتاب والسنة باثاً روح الغيرة لله ولأحياء سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتزكية النفوس وفقه حكمة الأحكام، ولا عجب فإنا نرى الأفكار تنوعت فكثر من آتاهم الله الحكمة وأقبلت القلوب على العمال التى ترضى علام الغيوب فجددت السنن وعمل بالفرائض وأصبحت الألسنة تنطق بالحكمة وتبين المناهج وحسنت الأخلاق، وقل النفاق فالعالم كالنجم المشرق فى الليل المظلم كما قال صلى الله عليه وسلم: (اكرموا العلماء فأنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة) وقال الله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فى الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) سورة التوبة 122، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) سورة فاطر آية 28، وأهل الخشية قليلون ومتى أظهر الله رجلاً من أهل الخشية عم نور اليقين أهل عصره وشر الناس يوم القيامة رجل يبيع دينه بدنيا غيره فليتنبه أدعياء العلم وليتقوا الله فيما خولهم من العلم بأحكامه سبحانه فإن تقوى الله بها نيل العلم بالله بصحبة العلماء الربانيين قال الله تعالى: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) سورة البقرة آية 282، ومن خاف غير الله أبعده ومن طلب الله وجده فدله على من يدله عليه.

- كيف تحفظ دينك ومالك وعرضك

لكل حى من الأنواع  ألهم سبل الوصول لها فاشت الأنواع الحية فى هناء يمثل كل فرد منها مملكة عظيمة لأنه لا يحتاج إلى غيره من أفراد نوعه ولا إلى الأنواع الأخرى إى الإنسان فأن له سعادات لا تصفو حياته بدونها وأصل كل تلك السعادات هى التمسك بالدين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بنفسه بأقل ضرورياته إلا بمساعدة أكثر الناس فكيف يمكنه أن يقوم بكمالياته منفرداً قال الشاعر الحكيم

الناس للناس من بدو وحاضرة                 بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
ولما كانت السعادة المنشودة لا تتوفر له إلا بتلك المساعدة لزم أن يكون نعيمه ومسراته ورفعته فى الحياتين بمقدار ما يقوم هو به للمجتمع من النفع الخاص أو العام ومن قال أن السعادة صدفة جهل فأن الصدفة مفقودة عند أهل الإيمان قال الله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) سورة الرحمن آية 60، وقال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).


أحفظ دينك :

لأن حفظك لدينك ولنفسك ولعرضك ولمالك وللأمة جميعها وكيف لا وقد فعل لنا ما لابد لنا منه وأكمل وبالتمسك به والعلم بوصاياه ساد سلفنا حتى دانت لهم الأمم وبلغوا مبلغاً من طاعة الله تعالى به استجاب الله لهم وخدمتهم ملائكته.

بين لنا الدين العقيدة الحقة بأجلى برهان وأوضح بيان وشرح لنا أنواع العبادات التى بها كمال الجسم والروح ونيل السعادة فى الدارين فهى من لها العقل وهى من اطمأن لها القلب وظهرت أنواره على الجوارح بالأخلاق الفاضلة فزكت النفوس وانشرحت الصدور واطمأنت القلوب وأصبح المسلم أخاً للمسلم لا يظلمه ولا يحقره ساد بالتقوى بلال حتى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا يعنى بلالاً وضح لنا الدين المعاملة حتى علم الفرد كيف يعاشر والديه وزوجته وأولاده وأتباعه وعرف التاجر والمزارع والصانع والخادم ما يجب عليه وأصبح لا فرق بين الملك على عرشه وبين الفقير على فرشه إلا بحق من حقوق الله تعالى، فصل لنا الأخلاق التى جعلت المسلم للمجتمع كالعضو للجسم والمجتمع للفرد كالجسم للعضو.

حث الدين على العمل للدنيا والآخرة مع الإخلاص لله وجعل المال أساس كل خير إذا جمع من طرقه المشروعة أمرنا بكل خير به صفاء حياتنا فى الدنيا ونيل الخير فى الآخرة ونهانا عن كل شر  يضرنا  عمله فى الدنيا والآخرة.





احفظ مالك :

أعلم أن المال هو من عناية الله تعالى العبد به القيام بأكثر أركان الدين كالحج والزكاة والبر والصلة وبه حسن المعيشة فى الدنيا والرحمة  على الفقراء وحسن الذكر بعد الموت والأجر العظيم يوم القيامة.



المال نعمة الله علينا فكيف نستعين به على معصية الله أو كيف نبذله فى غير وجهه فيفقد المسلم ماله وراحته فى الدنيا ويعذبه الله يوم القيامة قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ).



لا تنفق درهماً إلا إذا علمت أنك تكتسب أكثر منه من ثواب الله تعالى أو من صحة أو من منزلة بين الناس.



أجتهد أن تنمى مالك وتحفظه فى يدك حتى إذا احتجت إليه وجدته وكن رحيماً بالفقراء واعتقد أن ما تنفقه على الفقراء ابتغاء وجه الله تنال به العافية والوسعة فى رزقك فى الدنيا والنجاة من هول يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (داووا مرضاكم بالصدقة) وقال صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفىء غضب الرب).



احفظ عرضك
أما حفظ العرض قبل أن نبين فضيلة حفظ العرض فنعرفه.
العرض هو محل المدح والذم من الإنسان وتتفاوت درجات حفظه فيحفظ الإنسان كرامته بين الناس بالتوسط فى معاملته بين الناس وبرعاية الآداب معهم.

والمحافظة على الوفاء بالعهد والإحسان إلى المحسن والعفو على المسىء وستر عوراتهم وبذل ما فى الوسع لمساعدتهم ليحفظ عرضه مما يشينه سمعة ومنزلة ثم يجب أن يكون ذا غيرة أولاً على نفسه حتى لا توقعه فى ما يخجل أو ما يشين فيحفظ جميع جوارحه مما يغضب الله ويسخط الخلق وكما يكره أن يقع فيما يشينه يجتهد أن يمنع غيره من فعل ما يشين بقدر استطاعته ويتعين على العاقل أن تكون له غيرة على رحمه تجعله يكون يقظاً إلى هذا الجناب وبقدر تلك الغيرة على أهله يجب أن يكون غيوراً على أعراض الناس فيتصور ما يؤلمه فى نفسه من حصول ما يشين ومقدار ما يلم به من الغيظ وحب الانتقام ممن آذاه فى عرضه بعد أن يتصور تلك الحقيقة يتحقق أنه إذا أطاع هواه وخالف مولاه وأضر غيره يكون قد سلط على نفسه من لا يعرف الله جل جلاله ومكن عدوه من نفسه قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب: (فأن المرء المؤمن كالفالج الياسر، ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها ويغرى بها لئام الناس) يعنى أن المؤمن ناجح رابح ما لم يعمل قبيحاً فأنه يذل ويخشع بين الناس وحفظ العرض يجعل الإنسان عظيماً بين الناس مأموناً على المال فى النفس والعرض موثوقاً به عندهم.

جاري التحميل...