آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 8 أغسطس 2016

- السفر إلى الله تعالى

من كلام العارف بالله السيد محمد ماضى أبو العزائم
الطريق إلى الله تعالى هو عمارة كل وقت من أوقات السالك فيما اقتضاه الوقت من اللازم الشرعى من عمل قلبى فقط، أو عمل بدنى فقط، أو عمل مزدوج منهما، وبذلك ينتقل على معارج القرب فى كل لمحة ونفس، لأن الزمن هو المراحل التى ينتقل منها إلى حضرة الرب سبحانه وتعالى، وإنما العمر هو المسافة التى بين العبد وربه: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) سورة العلق آية 8 فكلما مضى من عمره نفس انتقل مرحلة إلى ربه، وفى كل نفس له كمالات يتجمل بها إذا عمر الوقت بواجبه فإن أهمل خسر الوقت وخسر الربح فيه، وطولب بواجبه، لأن تلك الصحف ترسم فيها صور الأعمال محلاة بنور القبول والثناء من الله أو بظلمة المعصية والمقت من الله، ولا يعد المريد سالكاً على الطريق إذا لم يحط علماً بواجب الأوقات وبصحبة من سلك، وعرف المبدأ والمرجع، وتمكن من معرفة النفوس وعلم أمراضها ودواءها وتكميلها.



على أنى لا أحكم أن المريد معصوم عن المعاصى، ولكنى أرى أنه يقع فى صغائر الأمور التى تشتبه عليه لأنها خفية، وانتفاؤها عن المريد متعذر، كما يحصل من بعض المريدين من المسارعة فى عمل النوافل، والتساهل بالواجبات من بر أو صلة أو نجدة أو عيادة أو جهاد أو اكتساب، فقد يكون واجباً يقتضيه الوقت، فيترك ذلك ويقبل على الأوراد والصيام والسهر فى القيام، فتكون تلك المعاصى تدخل على المريد من حيث لا يعلم، وأمثال هذه كثيرة، نكتفى بما تقدم من المثل، لهذا يجب على المريد صحبة الكامل.



إذا تحقق هذا من أن العمر هو المسافة، لزم على كل مريد أن يعلم الحقوق الواجبة عليه لنفسه ولربه سبحانه وللناس بحسب مراتبهم، ويعلم مواقيت تلك الحقوق وشروطها، فقد يكون الوقت يقتضى الشكر فيصرفه فى الذكر، وقد يقتضى السعى على المعاش فيصرفه فى الصلوات، وإنى أحب أن أضع مقدمات للمريد وضوابط، وإذا لاحظها يسهل عليه معرفة مقتضى الوقت، ويعلم الأحكام الشرعية التى تجب عليه فى نفس الوقت، والله الموفق.



المقدمات والضوابط

المقدمات:

المقدمة الأولى: العلم بالنفس، العلم بالله، العلم بأحكامه، العلم بأيامه.

المقدمة الثانية:

أولا: إخلاص النية عند العمل، ثانيا: تأدية العمل على الوجه الشرعى، ثالثا: الفرح به من حيث أنه لله وبتوفيقه، رابعا: الشكر بعده لله على عنايته وإقامة العبد مقام عامل له سبحانه، خامسا: عدم الاعتماد على العمل، سادسا: تحققه بالعجز عن حقوق الشكر بعد العمل، سابعا: جعْلُ كل الأعمال لله تعالى ولو كانت من شهواته الحيوانية بتصريفها بحسن النية، ثامنا: مجاهدة نفسه حتى لا يجد سروراً فى نفسه بالعمل أمام الناس أو فى الخلوة لصحة توجهه إلى الله تعالى، فإن نشط أمام الخلق وكسل فى الخلوة جاهد نفسه ليكون حاضراً مع الله فى الحالين، غائباً عن الخلق فى المشهدين، كما يحصل للعامل إذا عمل عملاً نافعاً لذاته، فإن الأمر يستوى عنده فى الخلوة والمجتمع، تاسعاً: تلبية قلبه فيما يدعوه إليه، إلا فيما أوقع فى ريبة فى عين الخلق أو شبهة عنده، فإنه يحفظ الخلق من الوقوع فى محرم بشأنه، أو من الوقوع فى محرم بالاقتداء به، عاشرا: غض البصر عن عورات الناس وعيوبهم ومساويهم ليستريح ويريح، إلا من أمر بمعروف أو نهى عن منكر بشروطه الشرعية، الحادى عشر:المسارعة عند النشاط على القربات بعد الفرائض، الثانى عشر: قهر النفس عند الكسل على عمل الواجبات فى أوقاتها، ولو بالتكلف، الثالث عشر: تسليم ما يجهل من أسرار الحكمة والقدرة للعالم الأكبر سبحانه وتعالى حتى يفتح له باب العلم بها بدون بحث بعقل، ولا تنقيب بفكر، فإنه ولد جاهلا أولا، الرابع عشر: ترك الجدل مرة واحدة، فإنه باب القطيعة ومهاوى البعد لأنه إذا ترك الظالم أو المبتدع فى ضلالته، خير له من أن يجادله ليرده إلى الحق لأن الجدل بدعة مضلة ولا يأتى الخير بالشر (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) سورة الزخرف آية 58، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا غضب الله على قوم أوتوا الجدل)، الخامس عشر: يكون مقصده الرضا من الله تعالى.وحسن الثناء منه سبحانه، الأمر الذى يصغر الخلق فى عينه فلا يحزنه سخطهم وإدبارهم، ولا يفرحه إقبالهم ورضاهم إلا من وجهة حب الخير لهم وبغض الشر لهم، ورؤية الفضل من الله عليه فى الحالين بالشكر فى الإقبال، والابتهال والتضرع فى الإدبار.



أنى رايت بعد أقامتى بمصر كثيراً ينتسبون إلى طريقى على غير هدى فمنهم الضال الداعى إلى الشر المعتقد أن الطريق إلى الله تعالى ترك الكتاب والسنة والعمل بالحظ والهوى من الإباحة وترك أركان الإسلام بدعوى أن هذا حال وأن الحقيقة فى نظرهم فوق الشريعة والنفوس الأمارة بالسوء تميل إلى هذا الفساد بسرعة وتعتنقه بقوة خصوصاً إذا تلقت هذه الأباطيل من جاهل مغروراً، أحزننى جداً ما رأيت وأخذت أركب الأدوية لتلك النفوس بقدر الطاقة من تأليف ومدارة حتى تحققت أن القضاء أعمى أبصارهم ووجدتنى مطالباً أن أتبرأ منهم فزادهم ذلك طغياناً وأنكرونى وابتدعوا لهم طريقاً آخر محاربة لى فشكرت الله الذى أظهر للناس سوء مقاصدهم وسالت الله لى ولهم الهداية وهم لا يخفون على أحد من أخواننا السالكين على الكتاب والسنة فأحذروا أخوننا منهم: وهنا أبين الشريعة والحقيقة والطريقة بياناً شافياً ليحفظ الله قلوب السالكين من الوقوع فى الضلالة والخزى، هذا البيان رجعت فيه إلى ما ورد عن السلف الصالح عند ما ظهرت البدع والفتن وكثرت الآراء والمذاهب خصوصاً الخلاف الذى وقع من أهل الزور والبهتان فى الشريعة والطريقة والحقيقة.



تعاريف أولية

الشريعة هى الإتمار بالتزام العبودية، والشرع فى اللغة عبارة عن البيان والإظهار يقال شرع الله كذا أى جعله طريقاً ومذهباً ومنه المشرعة والشريعة والشراع والدين والملة والناموس كلها بمعنى واحد، الطريقة هى السيرة المختصة للسالكين إلى الله تعالى مع قطع المنازل والترقى فى المقامات.



والحقيقة والحق هو الثبات الذى لا يسوغ أنكاره وفى اصطلاح أهل المعانى هو الحكم المطابق للواقع ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار واشتمالها على ذلك ويقابله الباطل فمعنى حقيقة الشىء مطابقة الواقع أياه قال صلى الله عليه وسلم: (علم الباطن سر من أسرار الله تعالى وحكمة من حكم الله يقذفه فى قلوب من يشاء من عباده).

- الثقة بالله تعالى

الثقة بالله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) البقرة آية 257، وقال سبحانه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) المائدة آية 55، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنى وجهت وجهى إليك رهبة ورغبة أليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم أتى آمنت بكتابك الذى أنزلت وبنبيك الذى أرسلت) وفى الحكمة الثقة بغير الله عجز، والثقة روح التوكل وخالص التفويض وهى تحقق بعلم النشأة الأولى تحققاًيجعل الواثق بالله على يقين حق أن الله تعالى أولى به من نفسه لأنه هو سبحانه أوجده من العدم وأمده بما به حفظ حياته وبقائه منعماً لا شريك له سبحانه فى أيجاده وأمداده بل نفس أعضائه العاملة وجوارحه المجترحة بإمداد الله وقدرته وقيوميته فإذا بلغ العبد المؤمن هذا المبلغ من علم اليقين أو عين اليقين بلغ منزلة الثقة بالله تعالى فأطمأن قلبه بذكره وسكنت نفسه إليه سبحانه وكان الله جل جلاله اقرب إليه من حبل الوريد وشهد الحق سبحانه.

وأقل مشاهد المؤمنين فى الثقة بالله أن يرى نفسه طفلاً وأن يرى الخالق جل جلاله له أبا وأما فتقوى ثقته بالله جل جلاله فى جميع شئونه كما ترى الطفل يلعب غير مفكر فيما يلزمه لثقته بأبيه وأمه فإذا جاع أو عطش أو خاف رجع إليهما واثقاً بنيل كل راغائبه ودفع كل أذية عنه غير شاك ولا مرتاب فى ذلك ومن لم يكن مع الله كالطفل مع والديه فليس من أهل الثقة بالله تعالى والطفل مع والديه مثل ضربه الله للمؤمن ليتحقق بتلك المنزلة من القرب من الله تعاى ولأهل الثقة بالله تعالى مشاهد أنس بالله تعالى ومنازلات بهجة به سبحانه فى فارح الأمر ومؤلمه قال الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) سورة البقرة آية 273، ولأهل الثقة مشاهد سجد العقل دون فنائها بها أعلاء كلمة الله تعالى وتجديد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبلغ بهم مبلغاً تقع فيه العين على العين بعد محو البين من البين ثقة به جل جلاله وأليك برهان ذلك قول الخليل عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام عندما قال له ألك حاجة فقال له أما أليك فلا، ثقة بالله الذى حجب الأواسط به سبحانه عن قلب خليله حتى صار أنه لا بين بينه وبين ربه جل جلاله، وشمة من عبير الثقة يدوم بها بسط العارفين وبهجتهم ثقة بالمولى القوى المعين وكمال تصديق بوعده وأخلاص فى التفويض له سبحانه ولما كان نزول الثقة بالله تعالى من أعلى مقامات أهل التفويض وكان لابد لكل مريد لله تعالى من أن يكون له قسط من التوكل والتفويض إلا بشميم هذا العبير حتى يكون التحقق بهذين المقامين تحققاً عن مشاهدة لا على علم فأن العلم قد يتسلى عنه من حصله عند فادح الأمر وعظيمه فإن تلك المقامات العلية ليست علماً فقط بل هى عملية أمر منها علمية وأهل التوكل والتفويض والثقة لا يظهرون تلك المقامات علماًً فإن ذلك يشير إلى التجمل للخلق ولكنها تظهر منهم قهراً عنهم عم حتى يتلقها المريدون عنهم بالعمل لا بالعلم فإن أهل الله الصالحين يسارعون إلى تجمل باطنهم لمولاهم جل جلاله بتلك المعنى ثم تقر منهم قهراً عند المقتضيات فيتلقاه المريدون عملاً فينقش حقائقها على جواهر نفوسهم ولما أودع الله من المحبة فى قلوب المريدين منه سبحانه للمرشد الكامل تراهم يسارعون إلى التشبه به ولو تعصت عليهم قواهم النفسانية وضعفت عن القيام بتلك الأعمال العظيمة أبدانهم الآدامية، ولكن جواذب المحبة تجذبهم إلى تحمل ما لا قبل لهم به تشبها بمحبوبهم الذى هو أمامهم المسارع بهم إلى حضرة القدس الأعلى وهى سنة ماضية.



ومن قرأ تاريخ العرب قبل إشراق شمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ تاريخهم بعد انبعاث تلك الأنوار وسطوعها على الآفاق يعلم قدر الفضل الألهى الذى من الله به على عباده فجعل على الأرض ملائكة صور آناسى لا بل على الأرض أرواحاً قدسية فى هياكل آدمية تطوف حواليها الملائكة لتقتبس أنوار القدس من مثل المشكاة المحمدية وصور الحقيقة الأحمدية وأن الفضل العظيم بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ولولا الثقة بالله تعالى لعجز العالم أجمع عن أن يقوم بعمل فرد واحد منهم ولا تعجب فالمسلمون الآن تقريبا من خمسمائة مليون لا يساوون رجلاً واحداً استغفر الله ولا يساوون صبياَ ممن كانوا فى عصر رسول الله أو فى عصر التابعين لهم بإحسان ذلك لأن الثقة فقدت من قلوبهم وبالثقة ينل رضوان الله الأكبر ومواجهة وجهه الجميل والأنس بسماع كلامه المقدس منه سبحانه.



ولو علم المسلم بمقدار ما يناله بالثقة لبذل نفسه النفيسة عليه لينال شميماً من الثقة بالله جل جلاله وكفى المسلم الواثق بالله مجداً فى الدنيا والآخرة أن يكون الله أقرب إليه من نفسه التى بين جنبيه وأن يكون له من الله ما يشاء فى الدنيا والآخرة فيفنى عن تلك المنزلة بالله جل جلاله، وأعظاماً لجنابه العلى عن ان يلتفت إلى شأن من الشئون عن مشئن الشئون القريب، المجيب العلى العظيم سبحانه وتعالى، ومن التفت عن الله بضعف الثقة به هو الفقير المضطر كيف لا يلتفت عنه سبحانه وهو العلى العظيم الغنى عنه وليس التفات الله تعالى عن العبد بسلب ماله ولا بفقد عافيته فقد يلتفت الله عن العبد فيستدرجه وأنما التفات الله عن العبد حرمانه من الثقة به سبحانه ومن التوكل عليه والتفويض كل الأمور إليه وحرمانه من الأستقامة، نعوذ بالله من الألتفات عن الله ونحن المضطرون إليه وأسأله سبحانه وتعالى أن يناولنا طهور الثقة به ويجملنا بحلل التوكل عليه وتفويض كل الأمور إليه أنه مجيب الدعاء.



الثقة فى مقام السالكين

يقين يباشر باطنى القلب يجعل المريد يشم عبير التوحيد برجوع الشئون كلها إلى وحدة القضاء والقدر فيحصل له اليأس عن معارضة مقتضيات القدر ويقوى اليأس حتى يعقد عن نزوع نفسه إلى منازعة الأقسام فيصفوا وقته وحاله ويتخلق من سوء الأدب بمعناه الأقدام على مالا يليق أن يعمله موحد فإذا حصل له السأس مما سوى الله ومن سواه وذاق حلاوة الرضا عنه سبحانه بعلم أن سبحانه وتعالى أولى به وأعلم بخيره من نفسه ويترك المنازعة فى شئونه وسوء الأدب بالأقدام على مالا يليق تحققاً بالثقة بالله تعالى فى نزله فحمل على نجب العناية وأنس بشهود الحكمة فى كل شأن من الشئون



الثقة عند الواصلين.

تحقق بشهود التوحيد تحققاً يجعل الواصل موحداً بمعنى أن يشهد الأسماء والصفات فى كثرتها عدداً لواحد ولديها يحصل له الأمن قال الله تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) سورة الأنعام آية 82، والآمن عندنا هو أمن يحصل به سكون النفس إلى الحق جل جلاله سكوناً يجعلها لا تخاف فوت ما قدره جل جلاله ولا تغيير ما قضاه سبحانه وبهذا الأمن يفوز الواصل بروح الرضا عن الله جل جلاله.



ـ 2 ـ

الأمن عندنا هو أمن يحصل به سكون النفس إلى الحق جل جلاله سكوناً يجعلها لا تخاف فوت ما قدره الله جل جلاله ولا تغيير ما قضاه سبحانه، وبهذا الأمن يفوز الواصل بروح الرضا عن الله جل جلاله فى مقام اليقين بالتوحيد أو بشهود أنوار واحد ميزه المثيل والنظير والشبيه فى مقام عين اليقين أو يتجمل بحلل الصبر فى مقام علم اليقين ، وليس دون تلك المنزلة منزلة للواصل، فمن حرم الرضا أو حرم التحقق بالتوحيد أو حرم الصبر فهو من عامة الناس وإسم الموصول له مجاز.



وفى هذا المقام يكون الأمن بمشاهدة وحدة القضاء والقدر، ولا ينازع هذا الأمن الخوف من مقام الرب جل جلاله لأن أهل الوصول خوفهم خوف عظمة وكبرياء وشوق محرق إلى الحق وإطلاق لجنابه العلى عن أن يسألا عما يفعل فيكون الواصل بين آمن من خوف تغيير ما قدر عليه فيحتال لنيل ما فاته أو يفرح لما أدرك لفنائه عن وجوده الباطل بالوجود الحقى وانبلاج أنوار معانى الصفات مشرقة فى الآيات وإشراق أنوار الآيات فى نفسه وفى الآفاق فيطمئن من تلك الحيثية وتكون خشيته ورهبته وخوفه من المقام لا من سر القدر، وتمتزج تلك المخاوف بخالص شراب المحبة فيعتدل الخوف والحب فى سور الأمن، لأنه لو خاف فى شهود الشئون كان خوفه من غير ربه. وقد يلتبس على من لم يذق شراب المعرفة الخوف من الشئون بالخوف من المقام فيمزق الخوف أغشية قلوب قوم خوفهم من النار أو من عذاب القبر فيأمنون من جهة الخوف ويخافون من جهة الأمن، وهذا مقام خفى لا يميز المنازل فيه إلا لأهل الله الصالحون الذين يفرون من الكونين إلى المكون سبحانه وتعالى -قال الله تعالى فى  وصف ملائكته (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) سورة النحل آية 50. والملائكة أرواح زكية طاهرة فى حصون الأمن من حصول العذاب أو الفتنة، ومع ذلك فإن الله تعالى أثنى عليهم بالخوف منه جل جلاله مع أمنهم، فالأمن فى هذا المقام لا يقتضى عدم الخوف ولا يقتضى مخالفة الأمر، لأن القيام بالمأمورات فى هذا المقام مواجهة خاصة تتروح بها أرواح أهل المقرب فى مقامات القرب - قال صلى الله عليه وسلم: (روحنا بالصلاة يا بلال) وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث (وجعلت قرة عينى فى الصلاة).



أطلت فى هذا الموضوع تنبيها لأهل شهود هذا النور خشية عليهم من أن يروا هذا الأمن مقتضياً لترك الخوف من المقام العلى أو لترك العمل بالأمر، وأنه لم يلاحظ كثير من الرجال تلك الملاحظات لأن زمانهم كانت الحكمة لا تباح إلا لمن تزكت نفوسهم وصغرت الدنيا فى قلوبهم ورغبوا فى الآخرة لا للآخرة بل لأن الله رغبهم فيها فرغبوا فيما رغبهم الله لا فى بهجتها وزينتها. فعلى إخوانى حفظنى الله وإياهم من الجهل فى هذه المقامات أن يزنوا مشاهدهم بكتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم  وهَدْى الأئمة الهداة، فإن وضحت الحجة واتضحت المحجة شكروا الله وأقبلوا بحول منه وقوة، وإلا رجعوا إلى الحق، فإنه ليس بعد الحق إلا الضلال.



الثقة فى مقام أهل التمكين

يقين حق لأن الحق جل جلاله هو الأول الأزلى، وأنه سبحانه هو الخير الحقيقى أولا وبالذات ، لا خير إلا هو، يقيناً يحفظه الله به فى شئونه واعتقاده من المحن التى تعترو أهل التمكين فى تمكينهم بالتلوين، فتنزع نفوسهم إلى قصد غيره سبحانه مما يخفى ضرره عليهم، لأن قصد غير الحق حجاب عنه سبحانه، ولو كان ذلك المقصود رغب فيه الحق جل جلاله - اللهم إلا إذا كانت الرغبة فيه رغبة فيما رغب الحق جل جلاله فيه لا لذاته - حتى يكون مقصوداً، فإن قصد غير الحق ولو كان مقعد صدق حجاب قاطع عن الحق، وإنما هى رغبة يقصد بها الحظوة بالحق والقرب منه لأنه ستره - وتعالى الله عن أن يُدْرَكَ أو يُرَى مكافحة إلا فى المظاهر التى يظهر جماله العلى فيها لينعم عيون القلب وأرواح من أحبهم برؤية جماله العلى ونوره البهى وسره الجلى سبحانه، ثم يتخلص من أن يتكلف ليحتمى بالتكلف، لأن أهل التمكين غرقى فى شهود التوحيد بخالص التوحيد ومن النزوع إلى التدرج على مدارج الوسائل حتى يصفو السر للمواجهة وتزكو النفس للمشاهدة ويطمئن القلب ويتلقى العقل الذى يعقل عن الله ، فتتجلى تلك المعانى كلها بحلل الثقة بالله تعالى بالتخلى عن تلك الظلمات التى تغشاها، وهنالك يفوز المتمكن بأن يكون قد استجاب لله فيستجيب الله له وأطاع الله تعالى فيطيعه الله سبحانه، ومن استجاب الله له وأطاعه لا تعلم نفس ما أخفى له.



ولأهل الثقة بالله تعالى أحوال علية تنبىء عن مقدار الشهود الذى يجعلهم يبذلون النفس والنفيس ثقة بالله تعالى ومسارعة إلى نيل رضاه سبحانه وتعالى ورغبة فيما عنده، فترى أنفاسهم عامرة بذكر الله وقلوبهم وجلة من الله وأنفسهم مبذولة فى سبيل الله، ولولا الإطالة لذكرت لك من أحوالهم وأعمالهم ما لا يتصوره عقل عاقل أن يحصل من إنسان، ولكنى أحب أن تقرأ تاريخ أصحاب رسول الله مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم وتزن نفسك بهذا الميزان ثم احكم بعد ذلك على نفسك أمن أهل الثقة بالله تعالى أنت أم لا ؟ وتصورْ ما تحملوه عليهم السلام عن فادح الشدائد وما بذلوه لله سبحانه وتعالى حتى أخبر أنه سبحانه يحبهم ويحبونه، وأخبر سبحانه أنه (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سورة المائدة آية 119، والأمر سهل على من سهله الله عليه - قال الله تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} سورة البقرة آية 45، أسأل الله تعالى أن يمنحنى وأهلى وإخوانى وأولادى حسن الثقة به جل جلاله، وأن يعيذنى وإياهم جميعاً بوجهه الجميل من فتن الدنيا والآخرة، وأن يواجهنا بوجهه الجميل مواجهة يدوم أنسنا به سبحانه وتعالى، وفرحنا بفضله ورحمته إنه مجيب الدعاء.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

- الشكر من مقامات العارفين

قال الله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) سورة إبراهيم آية 7، وقد أمر الله به، ونهى عن ضده، وأثنى على أهله ووصف به خواص خلقه، وجعله غاية خلقه، وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعل من الشكر حارساً لنعمته، وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته، واشتق لهم اسماً من أسمائه، فإنه سبحانه هو الشكور، وهو غاية رضا الرب من عبده، أهله هم القليل من عباده، قال الله تعالى: (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) سورة النحل آية 114، وقال سبحانه وتعالى: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) سورة البقرة آية 152، وقال جل جلاله عن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) سورة النحل آية 120-121، وقال جل ثناؤه عن سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) سورة الإسراء آية 3، وقال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة النحل آية 78، وقال: (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) سورة آل عمران آية 144، وقال تعالى: (إِنَّ فى ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) سورة إبراهيم آية 5، وقال تعالى: (هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) سورة الإنسان آية 22، ورضاء الرب عن عبده كقوله تعالى: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) سورة الزمر آية 7، وقلة أهله فى العالمين تدل على أنهم هم خواصه، كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سورة سبأ آية 13.



وعن عطاء قال: (دخلت على عائشة رضى الله عنها مع عبيد ابن عمير فقلت أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وقالت: وأى شأنه لم يكن عجباً؟ إنه أتانى فى ليلة، فدخل معى فى فراشى (أو قالت فى لحافى) حتى مس جلدى جلده، ثم قال: يا بنت أبى بكر، ذرينى أتعبد لربى، قالت: قلت إنى أحب قربك، فأذنت له، فقام إلى قربة من ماء فتوضأ، وأكثر صب الماء، ثم قام يصلى، فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة، فقلت: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) ولم لا أفعل وقد أنزل على (إِنَّ فى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) سورة آل عمران آية 190.



وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ: (والله يا معاذ إنى لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وقال عليه الصلاة والسلام: (ما أنعم الله على عبده فرأى عليه أثرها إلا كتب: حبيب الله شاكراً لأنعمه، وما أنعم الله على عبده نعمة فلم ير أثرها إلا كتب: بغيض الله كافراً لأنعمه).



وفى المسند والترمذى من حديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم أعنى ولا تعن على، وانصرنى ولا تنصر على، وامكر ولا تمكر على، واهدنى، ويسر الهدى لى، وانصرنى على من بغى على، رب اجعلنى لك شكاراً، لك ذكاراً لك رهاباً، لك مطاوعاً، لك مخبتاً إليك أواها منيباً، رب تقبل توبتى، واغسل حوبتى، وأجب دعوتى، وثبت حجتى، واهد قلبى، وسدد لسانى، واسلل سخيمة صدرى) .



والشكر على ثلاثة أضرب: شكر بالقلب وهو تصور النعمة، وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر بالجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه.

والشكر مبنى على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، والثناء عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره.

هذه الخمسة هى أساس الشكر، وبنأؤه عليها، فإن عدمت منها واحدة اختلت قاعدة من قواعد الشكر، وكل من تكلم فى الشكر فإن كلامه إليها يرجع وعليها يدور.



وقال الإمام القشيرى: الشكر الأعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وقيل: الثناء على المحسن بذكر إحسانه، وقيل: هو عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه، وقيل هو مشاهدة المنة،  وحفظ الحرمة، وقال حمدون القصار: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيلياً، ويقربه قول الجنيد: التشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة، وقال أو عثمان: الشكر معرفة العجز عن الشكر، وقيل: هو إضافة النعم إلى وليها، وقال رويم: الشكر استفراغ الطاقة، يعنى فى الخدمة، وقال الشبلى: الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة، ومعناه أن لا يحجبه رؤية النعمة، لأن شكره بحسب شهوده للنعمة، وكلما كان أتم، كان الشكر أكمل، والله يحب من عبده أن يشهد نعمه، ويعترف بها ويثنى عليه بها، ويحبه عليها، لا أن يفنى عنها، ويغيب عن شهودها، وقيل: الشكر قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة، وفى الحديث: (الحمد رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره)، والفرق بينهما أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة، وباللسان ثناء واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقياداً، وقال سيدنا داود عليه الصلاة والسلام: (يا رب كيف أشكرك وشكرى نعمة على من عندك تستوجب بها شكراً؟ فقال: الآن شكرتنى يا داود) وفى أثر إسرائيلى: (أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب، خلقت آدم بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شىء، وفعلت وفعلت، كيف أطاق شكرك؟ قال الله عز وجل: علم أن ذلك منى، فكانت معرفته بذلك شكراً لى) وقال الجنيد وقد سأله سرى السقطى عن الشكر وهو صبى: الشكر ألا يستعان بشىء من نعم الله على معاصيه، فقال: من أين لك هذا؟ قال: من مجالستك، وقيل: من قصرت يداه عن المكافآت، فليطل لسانه بالشكر، وفى أثر إلهى، يقول الله عز وجل: (أهل ذكرى مجالستى، وأهل شكرى أهل زيادتى، وأهل طاعتى أهل كرامتى، وأهل معصيتى لا أقنطهم من رحمتى، فإن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيببهم، أبتليتهم بالمصائب لأطهرهم من المتعاب) وقيل: التزم سيدنا الحسن بن على عليهما السلام الركن وقال يا إلهى، أنعمت على فلم تجدنى شاكراً، وابتليتنى فلم تجدنى صابراً، إلهى، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر، ولا أدمت الشدة بترك الصبر، إلهى، ما يكون من الكريم إلا الكرم.

ويقال: شكر: هو شكر العالمين يكون من جملة أقوالهم، وشكر: هو نعت العابدين يكون نوعاً من أفعالهم، وشكر: هو شكر للعارفين بإستقامتهم له فى عموم أحوالهم.



الشكر عند السالكين

سطور قليلة مفقودة...

وشهود ما يلائمهم من النعم التى لا تحصى والثناء على الله سبحانه وتعالى بالقلب والجوارح واللسان قولاً وعملاً لما تفضل به عليهم بعد الحب والإخلاص له  سبحانه وتعالى لشهود تلك الأيادى السابقة، قال صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم)، وهذا الشكر خاص بأهل الإيمان وإن ظهر أن غيرهم من أهل الكفر اشترك فيه معهم، فإن الخلق أجمعين من مؤمنين وكفار يشعر بالسرور عند وجود ما يلائمه وبالشكر قولاً، ولكن أهل الإيمان امتازوا بأن الشكر منهم يكون بالجوارح والقلب واللسان مع الإيمان الكامل، وأما غيرهم من أهل الكفر بالله فإنهم إن شكروا فإن شكرهم يكون باللسان فقط لما يلائمهم من مأكل ومشرب وعافية وجاه، وهذا لا يعد شكراً لله سبحانه وتعالى من وجوه:

أولها: أن قلوبهم منعقدة على غير الحق والله لا يقبل من مشرك.

الثانى: أنهم قد يتلذذون بما حرمه الله تعالى ويفرحون بفعل الكبائر ويرونها نعمة فيشكرون عليها، وكيف يشكر الإنسان ربه على معصية ويتلذذ بمخالفته ويفرح باقتراف  الكبائر !!

الثالث: أن الشكر عمل خاص وهو صرف الجوارح فيما خلقت له والإستعانة بالنعمة على نيل رضاء المنعم، وهؤلاء إن قالوا باللسان فقد صرفوا جوارحهم فيما يغضب الله واستعانوا بنعم الله على عما ما نهى عنه.



ولا يتحقق الشكر عند السالكين إلا بعد أن تستبين لهم سبل الهداية ويتضح لهم ما يحبه الله من الأعمال وما يكرهه، ويتحققون بتوفيق الله لهم وإقامته سبحانه إياهم فيما يحب لمشاهدة أنوار التوحيد بقدر مقاماتهم وبنظر عيون الإيمان بالغيب بقدر مشهدهم، ولديها يكونون من الشاكرين. ومن شكر الله على ما يلائمه من النعم وما يسره له من الأيادى دون ملاحظة تلك المعانى فله من الشكر قسط يسير. ولِسِعَةِ فضل الله وعميم إحسانه وعظيم بره يقبله من العبد ويهب به المزيد فى الدنيا والمثوبة فى الآخرة، لأنه سبحانه وتعالى يحب الشكر ويقبل يسيره.



ومن وفقه الله تعالى من السالكين للشكر فقد أسبغ عليه نعمته وأهَّله لنيل فضله العظيم. ومن السالكين من يظهر الشكر حياء من الناس أو خوفاً من شماتتهم أو تجملا لهم، وهذا لا يعد شكراً ولكنه يعد نكراً، فإن الشكر من أعلى مقامات اليقين، ولا يتحقق للسالك إلا بعد التوبة والإخلاص والتوكل والرضا والتفويض، لأن تلك المنازل معارج للشكر، وليست مــنزلة الشكر من المنازل التى تدعى، فإن منزلة أهل المحبة والمحبة أعلى من أن يدعيها مدع لأن أحوالها العلية تقطع العبد إلى حضرة المحبوب الأول سبحانه انقطاعاً لا يجعل له ميلاً إلى الخلق ولا نظراً إليهم ولا رغبة فيهم فلا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا الله.

وكيف يدعى السالك أنه فى منزلة الشكر وعلام الغيوب يطلع على سرائر القلوب؟

           

والشكر من أجمل حلل المقربين، وتــلك الحلل زينة للقلوب لا زينة الجوارح. فمن ادعى أنه من الشاكرين مجمـِّـلاً ظاهره للخلق غير مراقبٍ ربه بقلبه لا يلبث إلا ريثما يبتلى فتكشف عنه تلك الستارة فيفضح فى الدنيا قبل الآخرة. ومن تجمل للحق ألقى الله عليه محبة منه وعظمه فى قلوب عباده. ومن السالكين من يجمل باطنه بالشكر ملاحظاً نيل المزيد من النعمة والجاه فى الدنيا فتلفت نيته عمل قلبه وجوارحه، وتلك المنزلة من أدق منازل الطريق وأخفاها معالم على السالك لأنها منزلة خاصة أهل الخاصة قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سورة سـبأ آية 13، فلينتبه السالك فى هذه المنزلة وليحافظ على مراقبة ربه جل جـلاله وليدم محاسبة نفسه. ولئن يتحقق بالمنزلة غير شاعر بأنه فيها خير من أن يتحقق أنه نزل تلك المنزلة وهو بعيد عنها.



وأهل السلوك فى الحقيقة غافلون عن منازلهم لأن الله تعالى منَّ عليهم بالعيون التى تشهدهم بأنهم صغار ناقصون فى أشد الضرورة إلى التخلية من الرذائل مع ما منَّ الله بهم عليهم من الفضائل التى أخفاها عنهم رحمة بهم. وكم من ولى محبوبٍ لله مقرب يذوب قلبه من الخوف يبكى ليله من خوف العذاب ينظر إلى من هــو فوقه علما وتقوى فتتضاءل فى نظره نفسه وينظر من هو دونه فى الدنيا فتعظم نعمه لديه، وكم من جاهل مغرور ينظر إلى من دونه فى الدين فيرى نفسه محسناً وإلى من فوقه فى الدنيا فيرى نفسه محروماً، وشتان بين من صعد كلمه الطيب إلى الله ورفع عمله الصالح إلى الله فرأى نفسه ليس له كلم طيب وعمل صالح وبين من رد عليه كلمه وعمله فرآه كثيرا - قـال الله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) سورة فاطرآية 10. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبكون خوف السابقة مع ما تفضل الله به عليهم من الشكر بأنهم رضى الله عنهم ورضوا عنه وما بشرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأن لهم الجنة ولكن الله قبل أعمالهم ورفعها إليه وقبل كلمهم الطيب فصعد إليه لأنها فيه منه وإليه وبه سبحانه ولم يبق لهم إلا احتقار أنفسهم وتعظيم خالقهم والتحقق بالعجز عن القيام بالشكر.. منحنى الله وإخوانى المؤمنين ببركتهم التوفيق لما يحب من القول والعمل والحال، ويتفضل على وعليكم بما به يدوم شكرنا وذكرنا وطاعتنا له سبحانه ، آمين.



كمال العبد فى ثلاثة امور: إذا أنعم عليه شكر، إذا ابتلاه صبر، وإذا أذنب استغفر.

وهذه المنازل الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه فى الدنيا والآخرة، لأن العبد يتقلب بين هذه الأحوال الثلاث.. نعم من الله تعالى تترادف عليه، فيزيدها بالشكر.



والشكر مبنى على ثلاثة أركان: الاعتراف بالنعم باطناً، والتحث بها ظاهراً، وتصريفها فى مرضاة موليها ومعطيها.. ومع كل، فإن فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره فى شكرها.

والصبر هو حبس النفس عن السخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية.



ومدار الصبر على هذه الثلاثة: فإذا قام به العبد كما ينبغى، انقلبت المحنة فى حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوباً، لأن الله لم يبتلينا ليهلكنا، وإنما ابتلانا ليمتحن صبرنا وعبوديتناَ.



وعلى ذكر العبودية، فإن لله تعالى على العبد عبودية فى الضراء، كما له عبودية فى السراء، أى أن له سبحانه على العبد عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يحب.



وأكثر النس يعطون الله العبودية فيما يحبون فقط، غير أن مراتب الناس وأقدراهم، ومنازل قربهم من ربهم، تكون بقدر شأنهم فى إعطاء العبودية فى المكاره، فالوضوء بالماء البارد فى شدة الحر عبودية، ومباشرة الزوجة الحسناء عبودية، والنفقة على العيال وعلى النفس عبودية، وهذا من ألوان العبودية فى السراء لأن النفس تميل إليها، فإذا أتاها الإنسان وهو صادق النية، أثيب عليها لأنها عبودية لله فيما يحبه الإنسان، وفى الحديث : (وفى بضع أحدكم صدقة).



ومن ألوان المكاره الوضوء بالماء البارد فى شدة البرد، وترك المعصية التى اشتدت إليها الناس، وكذلك النفقة إليها النفس، وكذلك النفقة فى المكاره وفى الضراء.



وقد ذكرنا لك ألونا من العبودية فيما يحب الإنسان، وألونا من العبودية فيما يكره، وذكرنا أن أكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون فقط، ولكن فرق عظيم بين العبوديتين، فمن كان عبداً لله فى الحالتين، قائماً بحقه فى المكروه والمحبوب، فذلك الذى صدقت عبوديته، وأصبح من عباده الذين ليس لعدو الله إبليس عليه سلطان، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) الحجر آية 42.



ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) سورة ص آية 82-83، فاستثنى عباد الله المخلصين، لأنه لا سلطان له عليهم، وذلك واضح مما تقدم، فهؤلاء الصادقون فى عبودية الضراء وعبودية السراء هم فى حرز الله وحفظه وتحت كنفه، على أنه ليس معنى هذا أنه يستحيل وقوع أحدهم فى معصية، وإنما شأنه شأن الرجل الذى يغتاله اللص، ولا يبتلى العبد إلا إذا وقع فى الغفلة والشهوة والغضب، وقد كان آدم أبو البشر عليه السلام من أحلم الخلق، وأرجحهم عقلاً، وأثبتهم جناناً، ومع هذا، فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فى معصية ربه.. وإبليس لا يتمكن من المؤمن إلا غيلة، وعلى غرة وغفلة، حتى قد يظن المؤمن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، ولكن الله يفتح لعبده المرمن باب العودة إليه بالتوبة، والندم، والاستغفار، والانكسار، والذل والافتقار، والاستعانة، وصدق اللجوء إليه، ودوام التضرع والدعاء والتقرب منه سبحانه، بما يمكن أن يقدمه العبد من الحسنات، وعندها تعلوا مرتبة المؤمن بسبب ذلك مرتبته الأولى قبل المعصية، وعندها يقول الشيطان: (يا ليتنى تركته ولم أوقعه).



وهذا معنى قول بعض العارفين: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه خائفاً منه، مشفقاً، وجلاً باكياً، نادماً مستحياً من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه، منكسر القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة، بما ترتب على هذا الذنب من أمور سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة، ويفعل الحسنة، فلا يزال يمن بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه شيئاً، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلت، وفعلت، فيورثه من العجب، والكبر، والفخر، الاستطالة، ما يكون سبب هلاكه، فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً، ابتلاه بأمر يكسره به، ويذل عنقه، ويصغر نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك، خلاه وعجبه وكبره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه، فإن العارفين كلهم يجمعون على أن التوفيق هو أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك.

- الإخلاص عند أهل التمكين

الإخلاص عند أهل التمكين هنا ينبغى أن أمسك القلم عن البيان إلا بقدر معلوم، الإخلاص عندهم شهود معانى تجليات الأسماء والصفات حال العمل، وإشراق أنوار المواجهة بتمييز الحضرتين بعد العمل، ليكون الخلاص خلوص العمل من الإخلاص فيه، بالفرار من رؤية الإخلاص فى حال التحقق به، فإن رؤية الإخلاص توجب الشوب فى شهود التوحيد بالتوحيد، لما يترتب عليها من إثبات الإخلاص للعامل، ونسبة العمل إليه، وهو الشرك الأخفى عنده، لأنه يؤدى إلى نسيان الواحد الفاعل المختار، ونسيانه يؤدى إلى نسيان النفس، قال الله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) سورة الحشر آية 19، ومعنى ذلك عندهم، أن المخلص إذا شهد الإخلاص، وشهد العمل، نسى المنان الموفق الهادى المعين، ومتى والعياذ بالله نسيه أنساه الله نفسه، ومعنى أنساه نفسه: أى أنساه حقيقتها من العدم، والذل، والعجز، والضعف، وباقى معانى العبدية، فإذا نسى نفسه أعاذنى الله وإخوانى المؤمنين، أثبت لنفسه صفات الحق، فصار فرعون زمانه، إما بالغرور ظاهراً، وإما بالشرك الأخفى، وأهل التمكين أصحاب نفس، والسالكون أصحاب أحوال، والواصلون أصحاب وقت، وحصن الأمن لأهل التمكين، إن لم يكونوا فى صحبة الوارث المحمدى، كتاب الله تعالى، وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبهما يذوقون مشاهدهم، فإن وافقت الكتاب والسنة، فمشهد حق بحق، وإن خالفت الكتاب والسنة، فمن لمة الشيطان، وكل شهود عندهم يخالف كتاب الله وسنة رسول الله كفر وضلال، وإنى أضع ضابطاً لأهل التمكين، به يدفع الله عنى وعنهم شر الوسواس الخناس، من شيطان الإنس والجن، وهو يسير فى عمله مسير العلم، ويشاهد العامل فى سيره الحكم، حتى يكون حراً من رق الرسم، عبداً صرفاً لذات الله تعالى، مشهده الحكم، اقتداء بالسيد الأكمل صلى الله عليه وسلم لتتميز الحضرتان، وسيره العلم، ليحفظه الله تعالى بالعلم من الشرك الخفى والأخفى، وهذا من أدعياء الطريق من يكون مشهده العلم، فيهدم أسوار الشريعة، ويستظهر على حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين استهوتهم الشياطين، كما قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) سورة المائدة آية 13، فإذا اشتدت الحيرة، حتى همدت نار البشرية، وتطهرت النفس من دخان الإبليسية، تحقق أهل التمكين بحق اليقين، وصار الحق معالم بين أعينهم، ويخلصون من الإخلاص بترك الإخلاص، قال صلى الله عليه وسلم: (والمخلصون على خطر عظيم) ولا ينجو من الإخلاص إلا من تخلص بالإخلاص منه، وهو مقام قوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عباداً تركوا حظوظ أنفسهم، ثم تركوا الدنيا، ثم تركوا العقبى، ثم تركوا الرؤيا، ثم تركوا الشهود، ثم تركوا الترك).



أسأل الله تعالى أن يحققنى وإخوتى بحقيقة الإخلاص له تعالى به حتى نفنى عن شهود الإخلاص، بشهود الفاعل المختار، الهادى، الموفق المعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

- كيفيةاليقظة من نوم الغفلة


 الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم و يفسر قوله تعالى {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}

القومة لله باليقظة:

واليقظة هى الحياة التى يعلم الإنسان فيها قدر نفسه وقدر ما تفضل الله به عليه فى نفسه وفى آفاقه من النعم فى نفسه وفى آفاقه مع العجز عن حصرها، ويعلم مقداره فى الوجود وما يفـوز به من الخير الحقيقى إذا هو استعمل تلك الحياة الإنسانية الكاملة فى تحصيل ما جعله الله مؤهلاً لنيله وقابلاً لأن يفاض عليه من الكمالات التى بها يكون حياً حياة حقيقية عاملاً للخير الحقيقى والنفع العام.



النوم والغفلة:

النوم للأجسام: فقد الحس والحركة مع بقاء النفس وهو موت قصير، والغفلة: هى نوم النفس بأن تفقد حياتها الفاضلة الروحانية فتنحط إلى أسفل سافلين البعد عن أفق الفضائل إلى حضيض البهائم - قال الله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) سورة الفرقان آية 44.



وليس من القبيح أن ينام الجسم، فإن الجسم ينام ليجدد حياة جسمانية يستعين بها على تنفيذ قصود النفس، وإنما القبيح أن تنام النفس، ونومها أن تفقد سلطانها على الجسـم فتكون خادمة للجسم فتنفذ له حظوظه وشهواته، غافلة عن كمالاتها ومسارعتها إلى بلوغ الغاية التى بها تكون نفساً فاضلة عاملة للخير قائمة لله تعالى بالإخلاص لتفوز برضوانه الأكبر وبالخلود فى جوار الأخيار من رسل الله والأطهار من أولياء الله. وإنما تفوز بتلك الغاية القصوى إذا قامت لله مفكرة، فإن هى نامت نومة الغفلة صارت خادمة للجسم منفذة لحظوظه وأهوائه فانحطت إلى الأسفل.



فتفكر أيها الإنسان واعلم أن نفسك جوهرة نورانية بل لطيفة ملكوتية خلقها الله تعالى من نور جماله وسخر لها كل شىء فى ملكه وملكوته، فإذا هى غفلت تلك الغفلة فخدمت هذا الجسم السافل هوت من على مقامها فى فسيح الملكوت، وانحطت من أفق شرفها الذى به كانت قائمة لله تعالى عاملة لنفع العالم أجمع مسارعة إلى الكمال المطلق الذى تكون فيه شمساً مضيئة فى ملك الله وملكوته فتهوى بسبب الغفلة إلى أدنى مراتب الموجودات. وكيف لا والجسم الذى تخدمه كل مقتضياته بهيمية سبعية إبليسية. وبعيشك أيها الإنسان: كيف ترضى أن ترى ملكاً كريماً يخدم خنزيراً نجساً؟ لعلك تندهش إذا علمت ذلك فضلاً عن أن تراه، فكيف إذا تحققت ذلك فى نفسك؟!


أسباب الغفلة:

الجهل بالكمالات الإنسانية: صحبة السفلة من عبيدِ شهواتهم أو عبيدِ الدنيا أو عبيدِ الشهرة، والجاه: فساد المزاج وعدم تناسب الأعضاء، الخوف المزعج، الطمع فى نيل ضرورى، تصديق كل مخبر، إضعاف الفكر عن البحث فى الأمور حتى ينتج ذلك التقليد الأعمى، فيقلد الإنسان الخلق بحسب شهرتهم أو نسبهم أو مالهم أو عصبتهم من غير بحث فى الأمر، وهذا التقليد هو أشد أمراض الغفلة. وكل إنسان يقلد غيره من غير بحث ولا تفكير فليس بإنسان فى الحقيقة ونفس الأمر، وإن تفرقة المجتمع الإنسانى نشأت من التقليد الأعمى والتسليم للمتكلم لأنه فلان أو إبن فلان أو ذو سلطان أو عالم أو له كرامات، وكل إنسان لم يتبصر فى أموره ويجتهد قبل التسليم حتى يطمئن قلبه الأوْلــَى أن يشطب إسمه من المجتمع الإنسانى فضلاً عن المجتمع الإسلامى .. فإن الخلق فوق الحق.



وللغفلة أسباب أخرى تدعو إليها أهمها: تمكن العلل من القلوب، والحرص على شهوة أو مال أو جاه، والطمع فى نيل حظ أو لذة أو منزلة- وتلك الأسباب تدعو إلى موالاة الأعداء ومخالفة النصحاء وتدعو إلى ضياع الشرف والمال والدين، وقد تقوى تلك العلل حتى يـفقد الإنسان ملكه وحياته. وأغلب تلك الدواعى يعين عليها أهل الطمع فى الجاه والمال والملك، فيسعون بين المتحابين المتعاونين على الخير بأساليب الخديعة الدهاء، مظهرين الولاء لكل فريق، حتى إذا تمكنوا من تفرقتهم بضرب بعضهم بعضاً سلبوا منهم ملكهم وأموالهم. ولم تسلب تلك المعانى إلا بعد سلب الأخلاق والدين، ولم تسلب الأخلاق والدين إلا بعد أن نامت النفس نومة الغفلة، ولو أن النفس لم تنم تلك النومة لما تمكن العالم أجمع أن يسلب من الإنسان اليقظ درهما وفيه قطرة دم، فكيف سلبت الأخلاق والدين ثم سلبت النفس الإنسانية الفاضلة المدبرة وصار الإنسان أقل من البهيم الأعجم؟ كل ذلك بسبب الغفلة. وإن نفساً واحداً فى الغفلة قد يكون سبباً لضياع مجتمع فاضل أو لسلب ملك عظيم وضياع صناعات وفنون وتجارات وزراعات كان لها المقام الأول فى العالم.. كل ذلك بسبب الغفلة.



درجات اليقظة:

الدرجة الأولى: تذكر الفرد ما كان له قبل الغفلة وما أضاعه من ميراث آبائه بالغفلة، أو تذكر العائلة ما كان لسلفها قبل الغفلة، أو تذكر الأمة ما كان لها من المجد والملك قبل الغفلة.

الدرجة الثانية: الندم الشديد المؤدى إلى إحتراق القلب على فقد هذا الخير بالغفلة.

الدرجة الثالثة: البحث بالفكر عن الأسباب التى أدت إلى الغفلة والضياع والأمراض النفسانية التى دعت إليها.

الدرجة الرابعة: المسارعة بهمة إلى علاج تلك العلل حتى تحصل الألفة بينه وبين من كانوا يعينونه بداعى المحبة والألفة من أهل وأقارب وأصدقاء ومواطنين ويجـتهد أن يتحفظ من أعدائه الحـقيقـييـن الذين خدعوه بالباطل حتى ســلبوا نعمــته وشرفه وأفسدوا عليه دينه وخلقه ويتباعد عنهم حتى يتمكن منهم.

الدرجة الخامسة: أن يقوم لله بما يحبه سبحانه وتعالى بعد اليقظة محافظاً على الآداب الشرعية، عاملاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مخلصاً لله صادقاً معه سبحانه، مسارعاً إلى عمل الخير لجماعة المسلمين ليكون عضواً عاملاً فى الجسد الإسلامى

- من علامات القيامة التسابق إلى الإسلام

\
قد قدر الله تعالى أن يكون جيلنا هذا في آخر الزمن ليكرمنا الله بما أكرم به الأولين السابقين إلى الإسلام، فقد كانوا يتسابقون إلى نور الإيمان في وقت كان المجتمع فيه من حولهم في جاهلية عمياء، وضلالة حمقاء، لا علم فيها ينفع، ولا صناعة لها تذكر، ولا أخلاق عنده تحمد، ولا دين يهديهم إلى سواء السبيل وكذلك جاء المؤمنون في هذا الزمن يتسابقون إلى نور الإيمان، والمجتمع الكافر والمترف من حولهم في جاهلية مادية كثيفة، مظلمة وقاتمة، عبر الله عنها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى[1] والطاغوت هو طغيان المادة البشع، من الشهوات الفاجرة والأعمال الفاسدة، والزينة والزخرف والعلوم المادية التي اخترعوا بها ما يشبه المعجزات من آلات الدمار والهلاك، ولتلك الأمور طغيان أكبر من طغيان الجاهلية الأولى، فقد زادتهم تلك الصناعات والعلوم كفرًا وجحودًا وعنادًا لله ولرسوله ولدينه ومحاربة للمسلمين وسفكًا لدمائهم واستيلاءً على بلادهم وأموالهم.
والمؤمنون في هذا الجو المكفهر يجاهدون ويتسابقون، ليلحقوا بمن سبقهم من المؤمنين رضي الله عنهم، سر قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ[2] اللهم اجعلنا من هذا القليل يارب العالمين، بل إن التسابق إلى الخيرات والأعمال الصالحة في وسط الجاهلية الثانية هذه، أعظم أجرًا من التسابق أيام الجاهلية الأولى، لأن تلك الجاهلية أشد عتوًا وعنفوانًا وإغراء وإضلالاً من الجاهلية الأولى.
وهذه الظاهرة من أكبر الأدلة على قرب قيام الساعة قال تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ[3] فإنه يجوز أن تكون كلمة الأرض في هذه الآية الشريفة قد أراد الله بها أرض الأمم والدول التي بلغت شأوًا بعيدًا في الصناعات والاختراعات والعلوم الكونية مثل دول الغرب والشرق الكافرين، الذين تبجحوا في هذه الأيام بزخارفهم وصناعتهم وعمارتهم، وتمكنهم من قهر الطبيعة في بلادهم، واستيلائهم على مقدرات الحياة فيها، وظنهم أنهم وصلوا إلى منتهى القوة التي لم تقدر أي قوة على قهرها، ونسوا الله سبحانه وتعالى وتجاهلوا قوته وقدرته عليهم، وكفروا بلقاء الله وجحدوا بيوم الحساب.
ومن هذا المنطلق قاموا يفسدون في الأرض، ويستعبدون الشعوب، ويتحكمون في مصائرهم، وأنه قد حصل فعلاً زخرفة أرضهم بما وصلوا إليه من علم وتكنولوجيا، حتى صارت أرضهم كالجنات الفيحاء والرياض الغناء في وسط هذه الدنيا، وحيث أنهم يجاهرون بقدرتهم، ويتطاولون  بقوتهم ويتحكمون بها في رقاب الناس، وغفلوا عن ذي القدرة والجلال سبحانه وتعالى، فإن قوتهم هذه على وشك الانهيار والخراب، وبلادهم في طريق الهلاك والدمار بما صنعوا في عباد الله من ظلم وطغيان، وتطاول على قدرة ذي الجلال والإكرام.
وعلى ذلك تكون هذه الآية خاصة بأصحاب هذه البلاد الكافرة ومن على شاكلتهم، دون بقية العالم، وخاصة المسلمين فإنهم لا يتطاولون على قدرة الله، ولا يظنون أنهم قادرون على كل شيء في أرضهم وديارهم لأن المسلمين حتى وإن بلغوا شأنًا كبيرًا في الحضارة والرقي والتقدم والازدهار وعمروا الأرض، وزخرفوها، وزينوا البلاد، وجملوها إلا أنهم لا يعتقدون أنهم قادرون عليها، ولا يتطاولون بذلك على عباد الله، ولا يفسدون في الأرض بعد إصلاحها، بل إنهم يؤمنون بأن الله على كل شيء قدير، وإن الذي أجراه الله على أيديهم من هذه الصناعات والعمارات والتقدم والازدهار إنما هو بفضل الله وتوفيقه، ومعونة الله وتأييده، فالآية إذن خاصة بدول الكفر والجحود ودول الاستعمار والفساد، وإننا نرى أن ما أعدوه من الآلات الجهنمية والقنابل الذرية والغازات السامة إنما هو نذير إهلاكهم، وآلات إبادتهم وخرابهم بسبب ظلمهم وعدوانهم: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[4]  
وإن الله سينجي المؤمنين بقدرته وحكمته من هذا العذاب الأليم، الذي تسعره وتوقده هذه الدول الكافرة لإهلاكهم قبل إهلاك غيرهم ولكنهم لا يعلمون.
هذا وإن في قوله تعالى: ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا إشارة إلى هذا التوجيه الذي ذهبنا إليه لأن كلمة ﴿ أَوْ في هذه الآية الشريفة تقتضي العطف بدون ترتيب المعطوف على المعطوف عليه، وإنما تفيد كلمة ﴿ أَوْ هنا معنى الجمع لأن الليل والنهار حاصلان فعلاً في وقت واحد، وكل منهما جهة من الأرض، وإنَّ أَمْرَ الله بإهلاك هذه الأرض ومن عليها سيأتيهم في لحظة ما وستكون هذه اللحظة نهارًا في جهة من الأرض، وليلاً في الجهة الأخرى منها.
وقد قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه مشيرًا إلى هذا المعنى في تنبؤاته بأحداث المستقبل:
وفي قلب أوربا يثور شعوبها       ويصطدم الجمعان من تغير تعيين
والجمعان هما معسكر الغرب وحلفاؤه، ومعسكر الشرق وأحلافه، وسيضرب بعضهم بعضًا في ساعة لا تستطيع مخابرات كل منهما تحديدها. أي أن دول الكفر والظلم يصدمون مع بعضهم في وقت واحد، لا يعرفه أحد منهم، حتى يهلكون جميعًا في آن واحد وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ وذلك تقدير العزيز العليم.
ومن ذلك يتضح أن هذه الأحداث ستقع قبل يوم القيامة، لأن يوم القيامة ليس فيه ليل، وليس فيه نهار، لأن حركة الفلك قد انعدمت فيه، وإن هذه الأحداث الكبرى ستكون علامة من علامات اقتراب الساعة، لأنها حقيقة الهرج والمرج الذي يجتاح العالم حينئذ وهو الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {وتظهر الفتن ويكثر الهرج قِيل أَيُما الهرج قال القتل القتل}[5].
وقد كتب الله النجاة للمؤمنين، ليعيدوا عمارة الأرض من جديد على مبادئ الإيمان والإسلام: ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[6] وقد وعد الله بذلك في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ[7] وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وإن الناس ينظرون إلى الإسلام اليوم على أنه الملجأ الوحيد الذي يجدون فيه المخرج مما ألم بهم من الأهوال والشدائد. وذلك لأنهم يئسوا من الأوضاع الراهنة التي لم تزد الأمور إلا تعقيدًا وحرجًا.
وقد قال بعض المفكرين الكبار من دول الغرب المسيحي لو أن محمدًا موجود الآن لحل مشاكل هذا العالم في مدة لا تتجاوز شُرْبُهُ لفنجالِ من القهوة، فأخذوا فعلاً يتجهون للإسلام، ويفكرون فيه جيدًا، فإنهم يعلمون أن محمدًا قائمًا في المسلمين بتعاليمه وآدابه وهديه الكريم، فلم يتغير منه شيء عما كان عليه يوم أن كان يعيش بين أظهرهم، وإننا نرى اليوم كثيرًا من الناس يعتنقون الإسلام ويدخلون فيه اقتناعًا منهم بأن فيه الخلاص والصلاح والإصلاح وسيتحقق قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:{إذا كان آخر الزمان أهلك الله جميع الملل والنِّحل فلم يبق إلا الإسلام}. وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.

منقول من كتاب علامات وقوع الساعة
لفضيلة الشيخ محمد على سلامة
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد سابقا


[1] [الآية 17، سورة الزمر].
[2] [الآية 10-14، سورة الواقعة].
[3] [الآية 24، سورة يونس].
[4] [الآية 33، سورة النحل].
[5] [رواه الشيخان عن أبي هريرة].
[6] [الآية 21،يوسف].
[7] [الآية 103، يونس].

الخميس، 4 أغسطس 2016

- حكم الاوراد وحلقات الذكرفى الإسلام

- حكم الاوراد وحلقات الذكرفى الإسلام
الورد أو الحزب هو مجموعة من الأذكار المأثورة أو غيرها يلتزمها الذاكر ويواظب عليها؛ رغبة منه فى التقرب من الله, وهو تطوع يتطوع به المسلم لم يفرضه الله عليه,
وكان ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة كما في صحيح البخاري وغيره،
(إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة،)
وكان له حزبا من القران يقرأه كل يوم ما وردعن أوس بن حذيفة ، قال : { قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أبطأت عنا الليلة . قال إنه طرأ علي حزبي من القرآن ، فكرهت أن أخرج حتى أتمه وقد روى البخارى
قال شيخ الإسلام رحمه الله :
" كَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَجْتَمِعُونَ أَحْيَانًا ، يَأْمُرُونَ أَحَدَهُمْ يَقْرَأُ وَالْبَاقُونَ يَسْتَمِعُونَ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : يَا أَبَا مُوسَى ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (22 /521)
واه مسلم (2701) عن مُعَاوِيَة بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : َإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَجْلَسَكُمْ ؟ قَالُوا جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا . قَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ ؟ قَالُوا وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ . قَالَ : ( أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ )
وما رواه أيضا (2699) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ) 7]).
وقد بوب النووى الحديث الأول فى كتابه رياض الصالحين بعنوان, باب فضل: (حلق الذكر), والذكر فى الشريعة الإسلامية له معان كثيرة منها: الإخبار المجرد عن ذات الله, أو صفاته, أو أفعاله, أو أحكامه, أو بتلاوة كتابه, أو بمسألته ودعائه, أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسه, وتمجيده, وتوحيده, وحمده, وشكره وتعظيمه,
 وقد أورد الصنعانى حديث مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما جلس قوم يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة, وغشيتهم الرحمة, وذكرهم الله فيمن عنده)([8]).
: (دل الحديث على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين, وفضيلة الاجتماع على الذكر. وأخرج البخارى: (أن ملائكة يطوفون فى الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا هَلُمُّوا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) الحديث. وهذا من فضائل مجالس الذكر تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها..

واعتاد العلماء على مر العصور يحددوا يوم من أجل للاجتماع بتلاميذهم لتعليمهم العلم النافع و لارشادهم و نصحهم و توجيههم الى الخير و الهدى و الرشاد . ليزاد اقبالهم على الله و يعم تمسكهم بدين الله . و سن هؤلاء العلماء اورادهم و صلوات على رسول الله من الكتاب و سنة رسوله ليجتمع التلاميذ على قرائتها و فهم معانيها حتى يتجدد ايمانهم و يدوم اقبالهم على الله كما قال تعالى : " يا أيها الذين أمنوا أتقوا الله و كونوا مع الصادقين " فيكون المؤمن مع هؤلاء الصادقين . فلا يجد فراغا من وقته يلعب به الشيطان فى اللهو و الهزل و البعد عن الله و رسوله . و حث رسول الله صلى الله عليه وسلم  على مجالثتهم لما فيها من الخير العميم . و الفضل العظيم فى مجالستهم و قراءة اورادهم . و كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما اجتمع قوم فى بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينه و غشيتهم الرحمه و ذكرهم الله فى لأ عنده " و الاحاديث كثيرة فى الاجتماع على طلب العلم و على ذكر الله تعالى .
وأخرج البزار، والحاكم في المستدرك وصححه عن جابر قال: "خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله"

وأخرج الشيخان عن ابن عباس قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.


فان الاجتماع على اوراد الصالحين خير و بركة و بر و احسان و تعاون على الخير و الدعوة الى المحية و الاخاء . وا
و لم ينكر احد من اهل العلم عليهم ذلك و من الاوراد المؤثوره عنهم ما ذكره سعيد ابن منصور و ابن جرير فى تهذيب الاثار و ابن ابى عاصم و يعقوب بن شيبه فى احياء سيدنا على و الطبرى و غيرهم ان رضى الله عنه انشأ صلاة على النبى صلى الله عليه وسلم و كان يعلمها للناس قال رضى الله عنه : " اللهم صلى على محمد و على آله محمد , اللهم انى اسالك بحق محمد و آل محمد ان تكفنى شر ما اخاف و اخدر"
. وان حلقات الذكر بهيئة الركوع والوقوف منه لاشيء فيه وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم كان على المنبر، وكان يعظ أصحابه، ويتلوا عليهم القرآن ويخطب فيهم، وهذا من العبادات بلا ريب، ومن مجالس الذكر قطعا، وبينما كان صلى الله عليه وسلم على المنبر جعل يتلوا الآية الكريمة ويقبض يده ويبسطها ويتمايل تمايلا عن يمين وشمال، وكان تمايله من الوضوح بحيث أن سيدنا عبد الله بن عمر رأى المنبر تحت قدمي رسول الله صلي الله عليه وسلم يتحرك وخاف أن يسقط، وفي هذا مشروعية التمايل في أثناء الوعظ والذكرالورد أو الحزب
 اقوال العلماء فى الذكر الجماعى
قال ابن حجر الهيثمى (رحمه الله): (محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة, أو القراءة, أو الذكر, أو الدعاء طرفى النهار وزلفاً من الليل, وغير ذلك, فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله قديماً وحديثاً, فما سُنَّ عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات, فُعِلَ كذلك, وما سُنَّ المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عُمِلَ كذلك, كما كان الصحابة رضي الله عنهم، يجتمعون أحياناً يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون, وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: يا أبا موسى, ذكرنا ربنا, فيقرأ وهم يستمعون)وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لأن أجلس مع قومٍ يذكرون الله سبحانه من غُدْوَةٍ إلى طلوع الشمس، أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس.
ابن قيم الجوزية:

وقال ابن قيم الجوزية: (ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرك صدىء، فإذا ذكر جلاه. وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة، والذنب ؛ وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكماً على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته. وإذا صدىء القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه ؛ فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، لأنه لمَّا تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ، واسودَّ، وركبه الرانُ فَسَدَ تصورُه وإدراكه فلا يقبل حقاً، ولا ينكر باطلاً، وهذا أعظم عقوباتِ القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره

والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

- مقامات الرضا


( 4 ) قوله رضي الله عنه:
(وبذله عند نواله فرحاً بمفارقته، مسروراً بما استعاضه عنه )
وفي هذه الفقرة، يبين الإمام أبو العزائم رضي الله عنه، أن العبد الواصل إلى بغيته ومقصوده من محبة الله ورضوانه عزَّ وجلَّ، إذا نال شيئاً من متع هذه الحياة الدنيا ولذاتها وشهواتها، بل وطيباتها ومسراتها، وزخرفتها وزينتها، مما هو مباح شرعاً ولا إثم في نواله والحصول عليه،من مأكل شهى، ومشرب هني، وفراش ناعم وطي، قام هذا العبد الموصول بالله عزَّ وجلَّ، فبذل كل ذلك وتركه من أجل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، برضي وسرور وانشراح صدر وطيب خاطر، وآثر به أخوانه ممن يحتاجون إليه، فرحا ًبمفارقته هذه الأشياء، سعيداً ببذلها، لأنه قد تخفف منها ومن الشغل بها، ليجد ويجتهد في الوصول إلى مقامات الرضى عن الله عزَّ وجلَّ فإن فيها خير العوض وخير الجزاء، وإن فيها كذلك جمالات وصله ونعيم أنسه، ومسرات قلبه وسعادة روحه.
بل قد يبذل ما هو أكبر من ذلك وأعظم، فيتنازل عن ضرورياته وحاجاته الملحة، مما لا بد للجسم منه، من راحة ونوم وأكل وشرب، ولباس ومال وجاه ومنزلة، وغير ذلك من ضروريات الحياة البشرية، كل ذلك عن رضى واطمئنان وكرم نفس وطهارة وجدان.
بل قد يبلغ مقاماً أرفع من ذلك، فيزهد في هذه الأشياء. والزهد في الحقيقة هو كراهية الشيء المزهود فيه، والنفور منه، لأن هذا الشيء صار غير ملائم ولا مناسب لوضعه ورتبته ومقامه. كل هذا من نتائج المجاهدة الحقة في ذات الله.
وقد ورد في الحكمة (المجاهدة للمشاهدة). والمشاهدة معناها، مشاهدة الغيب العلي، ورؤية معاني أسماء الله وصفاته، ونور الله وبهائه، قد أشرق في النفس وفي الآفاق وفي الأنحاء والأرجاء. قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
يا قلب وجه المنعم الوهاب     قد لاح فاشهده بغير حجاب
ومن أعطى الكل لله، أخذ من الله كل ما يتمناه، ومن بخل بشيء على مولاه حرم من فضله ورضاه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وكيف يبخل عبد مملوك لله، بشيء من إنعام سيده عليه ؟ إن هذا لشيء عجاب، إذ الفضل والبر، والخير والمعروف، والإحسان كله من الله سبحانه واصل منه جل جلاله إلى عبده الذي خلقه من العدم وسواه.
قال الأمام أبو العزائم:
فالواصلون رأوا جمالا ظاهرا     قد أخرج النساك من ظل الظلام
دارت عليهم خمرة الحب التي      قد ووجهوا فيها بوهاب سـلام
اللهم نعمنا بوصلك، وقربنا بفضلك، وأشهدنا جمال وجهك، يا على يا عظيم أغفر الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.
وبعد بذل المرغوب فيه، والملائم للنفس، يتفضل الله فيعوض العبد عوضاً لا حد ولا عد، ويمنحه نوراً في نفسه وفي جميع قواه الحسية والروحية، يرى به الغيب العلى، من كمالات الله وجمالاته، وبهائه وجلاله وتنزلاته، ويرى وجه ربه عزَّ وجلَّ في كل شيء، وهذه المشاهد فوق كل ما يتصوره العبد الواصل من النعيم المقيم، قالت السيدة رابعة:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي     وأبحت جسمي من أراد جلوس
فالجسم منى للجليس مؤانس     وحبيب قلبي في الفؤاد أنيس
وقال أبو العزائم:
فالروح في أنس بوجه حبيبها     والجسم في طرب وفي إسعاد
وقالت السيدة رابعة رضي الله عنها:
فيا مدعى حبنا     دع الروح ثم انطـرح
ووحد جمال الحبيب     وقل للعزول استرح
فضيلة الشيخ محمد على سلامة

الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

- الشوق إلى الله

- الشوق إلى الله
 (الوصول وجدان باعث الوله إلى التخلق بأخلاق الربوبية).
ومعنى هذه العبارة، أن العبد السالك في طريق الله تعالى، إنسان انكشفت له حقيقة هذه الحياة الدنيا، فأيقن بزوالها، وأنه راجع إلى الله كادح في العودة إليه، وأنه يقطع أنفاسه بسرعة مرور الزمن في الإسراع إلى لقائه جل شأنه، فاشتدت رغبة هذا الإنسان، بل وألحت عليه ضرورة الرجوع إلى الله، في أن يتعرف على الله، وأن يطلب الله وأن يجاهد نفسه في معرفة أخلاق الله، وآداب الله وصفات الله، وأسماء الله، وبعد معرفته لله سبحانه وتحققه بكمال رأفته وشفقته وعظيم حنانته ورحمته جلَّ جلاله بالإنسان فعند ذلك يحصل له وجدان وشوق، وإحساس قوى، يبعث في نفسه الوله والاحتراق، والعشق الشديد إلى التخلق بمعاني أخلاق الله وصفاته الكريمة وأسمائه الحميدة ليكون فيه من صفات الله ما يتقرب به من الله، وما يتحبب به إلى جناب الله، لأن الله سبحانه وتعالى يحب في العبد المؤمن أخلاقه وصفاته جلَّ جلاله، ولا يحب طول الإنسان وعرضه، ومظهر الإنسان وشكله وقوام الإنسان وجسمه، سر قوله صلى الله عليه وسلم: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم}.  ومعنى هذا الحديث الشريف أن نظر الله لنا ليس هو رؤية الله للعبد فإن الله لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا تغيب عنه مثقال ذرة ولا أصغر في عالم الملك والملكوت، فهو يرى كل شيء ويسمع كل شيء، ولكن المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد من نظره جلَّ شأنه للإنسان المؤمن، هو حبه جلَّ جلاله، وإقباله على العبد بمعاني وداده ورأفته وحنانته، ليواجه سبحانه بصفاته العلية هذا العبد المتصف بهذه الصفات، فإنه أهل لنظر الله، وأهل لمواجهة الله، وأهل لمحبة الله، لأنه تخلق بأخلاق ربه، ولذلك قال الإمام رضي الله عنه:
(وجدان باعث الوله إلى التخلق بأخلاق الربوبية).
فقوله بأخلاق الربوبية، يعنى اتصف العبد بمعاني صفات الربوبية من التربية والإمداد، والإحسان والإكرام، والشفقة والرحمة، والعطف والمودة، والحنان والهداية، والنصح والإرشاد، والتوجيه والتعليم، والصبر والرضا، وجميع الأخلاق التي هي من معاني الربوبية، ما عدا الخلق والإيجاد، والتصوير والإبداع من العدم فإنها خاصة بذات الرب جلَّ جلاله.
وهنا يحلو للعبد الفرق في مقام الجمع، فيكون العبد جامعاً بين مكانته العبدية من الذل والخضوع والانكسار والافتقار، وبين معاني صفات الربوبية من الرحمة والشفقة والإحسان والود وغيرها، ويكون العبد فارقاً بين رتبته العبدية والمكانة القدسية العلية. وهذا هو كمال التنزيه لله جلَّ جلاله، فالعبد عبد وإن خلع الله عليه من معاني صفاته وأخلاقه حلل الجمال والكمال، وإن ناجاه وقربه إلى مقامات الأنس والوصال، والرب رب وإن تنزل إلى العبد فواجهه وكلمه وناجاه، والعبد عبد وإن رفعه الله فوق العرش وأدناه.
والعبد الكامل لا يغرق في هذه البحار، وإنما يغوص فيها لاستخراج كنوز الحقائق ودرر المعاني، لينتفع بها في نفسه، وينفع بها أهله وإخوانه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
والسالك يسير على الصراط المستقيم، ويقطع المسافات والمراحل حتى يصل إلى معرفة الله وحبه لله، والواصل متخلق بأخلاق الله ومجاهد نفسه للتأدب بآدابه، حتى ينال المحبة والقرب من الله عزَّ وجلَّ، والمقرب مطلوب العناية الإلهية ومجذوب الولاية الرحمانية، فان عن نفسه وعن عمله، وعن علمه وعن جهاده، محمول على رفارف الفضل، محفوظ من الفتنة والزيغ. وذلك معنى قول الله عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي:﴿ من طلبني وجدني، ومن وجدني عرفني، ومن عرفني عشقني ومن عشقني قتلته، ومن قتلته كنت ديته، ومن كنت ديته كان لا فرق بيني وبينه﴾. ومعنى ﴿لا فرق بيني وبينه﴾، لا أجعل بيني وبينه حجاباً ولا مسافة ولا زمانًا بل يكون عند الله والله عنده، بلا زمان ولا مكان، لأن الله من وراء الزمان والمكان، ومن وراء كل شيء، ومن كان عند الله ترك كل شيء يشغله عن الله، وفات كل شيء يبعده عن الله، ليكون مع الله بلا قيد في وسعة الإطلاق الإلهية من وراء جميع العوالم العلوية والسفلية، وكان الله سبحانه عوضاً له من كل شيء.
ومعنى قول الله في الحديث القدسي﴿ومن عشقني قتلته﴾.يعنى أفنيته عن نفسه وعن شهوته، وعن حظه وعن طمعه، وعن حرصه وعن أمله، وعن حبه لغيره سبحانه، فلم يكن فيه شيء لغير الله عزَّ وجلَّ، وهذا هو قتيل الغرام، وشهيد المحبة والعشق والهيام الإلهي، لأن العشق نار معنوية تستعر في الضلوع والأحشاء فتهيجها إلى المحبوب والمعشوق، وتشدها إلى الله ورسوله شداً قوياً. قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
نار الغرام سعيرها أحيا الهـوى     حتى تمنيت الشهود لـدى اقتراب
لم أقو والجبل الشديد اندك من     برق التجلي والفتى الفاني أنـاب
الشوق صولته وقدري عبـده     والأنس فوق الروح بل لب اللباب
ومعنى قول الله تعالى في الحديث القدسي ﴿ومن قتلته كنت ديته﴾.أن الله سبحانه وتعالى لما أفنى العبد عن كل ما تقدم ذكره، أبدله الله أنساً يجد لذته في نفسه، وقرباً يجد نعيمه في قلبه، وعطفاً ووداً يجد سروره في فؤاده. زالت عنه الوحشة وبعدت عنه الغربة، واضمحلت في نظره الدنيا وزخارفها، وصار الله مراده ووجهته وقصده، يطلبه في كل شيء، ويتعرف عليه في كل أمر وشأن، ويعشقه في كل ظاهر وباطن، وأصبح الله منه على بال وصار الحق جل جلاله معالماً بين عينيه لا يغيب، وحاضراً لديه وفي كل نفس قريب.
وهذا هو الوجدان الذي يبعث الوله والغرام في نفس طالب الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، والراغب في رضوانه الأكبر ورضاء رسـوله صلى الله عليه وسلم، حتى يتحلى هذا العبد بمعاني صفات الله عزَّ وجلَّ ويتخلق بأخلاقه الكريمة، ويكون بينه وبين الله نسب ويقربه إليه وحب يوصله إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم والآلاء، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي لحبي}.  وقال الإمام رضي الله عنه مبيناً معنى الحب لله ورسوله:
الحب حبان حب عن مواجهة      بالاجتــلاء وهذا للأقلينـــا
أو فهم أسرار آيات منزلــة     بها الوصول إلى روضات عالينــا
وقال أيضاً:
الحب ما الحب نور الله يمنحه     أهل الصفا بدوام الود والحال
ولا يتحقق الحب إلا بعد معرفة المحبوب، ومشاهدة جمالاته وكمالاته ومحاسنه وأخلاقه، وهذا هو حب الأفراد المقربين والمصطفين المحبوبين، الذين واجههم الله بمعانيه الحسان، وأخلاقه العظام. ومن دون ذلك حب من أجل الأيادي والنعم، والعطايا والمنن، وهو حب السالكين الذين عرفوا فضل الله عليهم، وتحققوا بإحسان الله إليهم، وشهدوا نعمه سبحانه التي أمدهم بها وأسبغها عليهم ظاهرة وباطنة، فأحبوه سبحانه لذلك، وأحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه باب لفضل الله عزَّ وجلَّ، وسبب لرضوان الله، ووسيلة عظمى لنوال كل خير في الدنيا والآخرة. وهذا هو حب المؤمنين السالكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما حب المقربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حب ذاتي. بمعنى أنهم تحققوا بأنه صلى الله عليه وسلم هو رحمة الله بهم، وعناية الله بهم، ونعمة الله لهم، وفضل الله عليهم، وأنه صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفلسهم وأرحم بهم من أنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم فأحبوه صلى الله عليه وسلم حباً جعل الواحد منهم يتمنى أن يموت نصرة له صلى الله عليه وسلم وفداء لمبادئه صلى الله عليه وسلم، بل يتمنى الواحد منهم أن يقتل ولا يسمع أن أحدا ً أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة. وذلك الحب ناتج عن مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بأسراره وأنواره وعلومه ونظراته وتوجهاته صلى الله عليه وسلم.
فضيلة الشيخ محمد على سلامة

- كيف يكون السالك صادق الإرادة؟

- كيف يكون السالك صادق الإرادة؟
( 3 ) قوله رضي الله عنه:
(مع اللذة بالآلام والطرب عند فوات ما يلائم تلك القوى مما حرصت على نيله )
والذي يلائم هذه القوى، وتلك الأخلاق الحيوانية والإبليسية، من الحصول على الشهوات واللذات، والحظوظ والمتع الفانية، من المآكل والمشارب، والملابس والرياش، والأثاث والزينة، واللذة الجنسية، وغيرها مما يلائم ويوافق الطباع والغرائز البهيمية في الإنسان،وكذلك الشره والحرص، والطمع والأمل، ومما تفرح بنواله النفس من غريزة حب التملك والتسلط، والسيطرة والرياسة، والتعالي في الأرض على عباد الله، وكذلك ما يناسب ويوافق القوى الإبليسية في الإنسان، من الأثرة والأنانية، وكراهية الخير للناس، والتكبر والتجبر، والخيلاء والرياء، والنفاق والشرك الخفي والأخفى، وحب التغلب والخصام، والجدال والنزاع، والمراء والغل، والكيد والحسد، والمداهنة والمكر وكل ما يلائم تلك القوى الشريرة، من حب المال والغنى، والجاه والسلطان وزخرف الحياة الدنيا، فإن أهل الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ، عشاق الفضيلة والكمال، المتشوقون والمتلهفون على التخلق بأخلاق الله ورسوله، إن هؤلاء يتلذذون، ويفرحون ويسرون، بفوات ما يلائم الطباع الحيوانية والقوى الإبليسية، التي يجاهدونها في أنفسهم، ويحاربونها في هياكلهم انتصاراً لله ورسوله، متلذذين بما يصيبهم من الآلام الفادحة، والمجاهدات الكادحة في سبيل قهر هذه القوى وإضعافها، والتغلب عليها، بل وتبديلها وتغييرها بما هو أحسن وأكرم، وأجل وأعظم، من أخلاق الروحانيين، وآداب الواصلين، وصفات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
مع العلم أن القوى الحيوانية والإبليسية، حريصة كل الحرص، ومتنبهة كل التنبه على تحصيل ما تتلذذ به وتأنس به، من عاجل زهرة الحياة الدنيا ومتعها الفانية، وشهواتها ولذاتها الزائلة، لأن ذلك يرضي عناصرها، ويوافق غرائزها، ويحقق مطامعها وآمالها الفانية، ولو كان ذلك على حساب الآخرين، وفي ضرر الغير، لأن تلك القوى كادحة في غيها، جاهدة في طيشها وغرورها، ولا بد من مجاهدتها، مجاهدة فوق جهاد الأبطال، حتى ترعوي عن غيها وفسادها، وتستقيم على حفظ مكانتها ومنزلتها، من القرب من الله تعالى، ومواجهته في دار كرامته وفي هذه الحياة الدنيا، لأنها مؤهلة للترقي والكمال، والحظوة بنعيم القرب والوصال. قال الحكيم:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطـم
فجاهد هواها وحاذر أن توليــه     إن الهوى ما تولى يصم أو يصم
يصم أي يصمه عن الحق، بحيث يكون في أذنيه صمم عن سماع الخير ومعنى يصم يشينه ويلحق به العار والهلاك.
قال الإمام أبو العزايءم رضي الله عنه:
هي نفس إن طهرت وتزكت     تتهنى بحظوة بالـــولي
وهى حيوان أو أضل سـبيلا     إن تسلت عن حسنها بالدني
وهى إبليس إن أبت وتعالت     وتعامت عن سرها الآدمي
ولقد فطر الله الإنسان وابتلاه بهذه القوى، لأن الإنسان هو المخلوق الوسط، الذي جمع الله فيه كل عناصر العوالم العالية، بما فيها من الجمالات والروحانيات، والبهاء والنور والضياء، والكمال والرحمة، والصفاء والوفاء، وكل العوالم السافلة بما فيها من العناصر المتضادة، والكثافة والظلام، والغرائز والشهوات، فهو ملتقى جميع العوالم ومحور ارتكازها، وفلك مدارها، فهو المخلوق العجيب، والصنع الغريب، الذي أسجد الله له عوالم عالين، وحير فيه عوالم سافلين، قال الإمام على رضي الله عنه:
وتحسب أنك جرم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر
وقال الرجل الحكيم:
والذي حارت البرية فيه     حيوان مستحدث من جماد
ومن هنا كانت قضية تكريم هذا الإنسان وتبجيله واحترامه، وحمله على رفارف العناية الإلهية في البر والبحر، والسهل والوعر، والرمل والصخر والهواء والأرض.
قال الله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾.[70، الإسراء].
وهذه الآية الكريمة رفعت قدر الإنسان، وكرمته على سائر مخلوقات الله، ولو لمن ينزل من السماء قرآناً على الإنسان غير هذه الآية، لكان واجباً على الإنسان وجديراً به، أن يشكر الله عزَّ وجلَّ، ويثني عليه ويذكره ويسبحه ويعظمه، ويمجده ويكبره، ويقدسه ويحمده آناء الليل وأطراف النهار، قياماً له سبحانه وتعالى ببعض ما يجب عليه لله عزَّ وجلَّ من فرائض الولاء والعبادة والشكر والوفاء على تكريم الله له، وتشريفه إياه، ورفع مقداره بهذه الآية الشريفة، بل يتحقق الإنسان بكمال عجزه عن القيام لله بما هو أهله، وبما يستحقه من الشكر والعرفان على ما أولاه من الرفعة والسناء، بإنزال هذه الآية الشريفة، تبياناً لقدر الإنسان، وإعلاء لذكره. وقد قال الإمام أبو العزائم:
خل يا إنسان حظاً شهوة     تشهد الوجه الجميل ترى الدليل
وقال رضي الله عنه:
جاهد نفوسا فيك بالشرع الأمـين     واحذر قوى الشيطان في القلب كمـين
غل وكيد من حسود ماكــــر     ظلم العباد بنية في كل حيـــــن
هذا اللعين به الهلاك فخلـــه     أسرع إلى القرآن في الركن المتيـــن
والنفس شهوة مطعم أو مشـرب     أو ملبس فاحذر بها الداء الدفيـــن
إلا الضرورة فالإباحة إن دعـت     فيها الضرورة فاطلبنها من معيـــن  
جع أضعفنها واحذرن من غيها     غض الجفون وحاذرن فتك الكمـين
والنفس داعية الرياسة فاحذرن     فرعونها تنجو من الداء الدفيـــن
فالإنسان هو المراد لذات الله جل جلاله من بين هذه العوالم، والمطلوب لحضرته من الوجود كله، ولذلك سخر الله له جميع العوالم وجعلها تسعى إليه بالتسخير والقهر الإلهي.
والإنسان سيد مطاع، وملك لهذه المملكة، ولكن جهل الإنسان هذه الحقائق، ونسي نفسه وغفل عن مركزه وشرفه ومكانته، فأدركه الله بعنايته ورعايته، فأرسل له الرسل، وأنزل له الكتب، وأقام له العلماء وورثة الرسل حفظاً لرسالات الله في الأرض، ورحمة بهذا الإنسان، وهداه النجدين، فسعد بالتوفيق والهداية من جاهد نفسه وخالف حظه وهواه، واتبع هدى الله، واقتدى برسل الله وورثتهم من بعدهم، وشقي والله من عمى عن نور الله واتبع حظه وهواه.
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾.[123_126، طه].
قال الشيخ أحمد بن شرقاوى رضي الله عنه:
يا هادى القلب الكئيب اللاجي     حقق بعذب وصلك ابتهاجي
والواصل إلى الله عزَّ وجلَّ، والمجاهد لكل ما فيه من الغرائز والقوى والفطر والعادات والصفات البشرية، والحيوانية والإبليسية، إنما يفرح فرحاً شديداً بل ويطرب ويتلذذ بما فاته من الأمور التي تعين هذه القوى على تحصيل متعها وشهواتها، وما يناسبها ويلائمها من زهرة هذه الحياة الدنيا وبهجتها، لأن الواصل في مقام يوجه فيه كل عزمه وهمه وإرادته، وكل خواطره وملكاته وقواه جميعها في الوصول إلى مقصوده،والحصول على مطلوبه، وهو تبديل أخلاقه وأحواله وأرضه وسمائه، بصفات الله ورسوله، وآداب الله ورسوله، حتى يكون عبداً نورانياً قرآنياً، طاهراً زكياً، بل عبدًا ربانيًا يمنح الخير، ويفيض البر والنفع على أهله ورفاقه، وعلى كل المسلمين، من غير أن يطلب منهم أجراً ولا شكراً، سر قول الله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾. [9، الإنسان].
وإنما يرجو بذلك رضاء الله ورسوله، والقيام بما أوجبه الله عليه ووصاه به رسول الله، حبا لله ولرسوله، وإيثاراً لله ورسوله على كل شيء، والله نسأل أن يكاشفنا بهذه الجمالات، ويمنحنا تلك الكمالات، إنه كريم مجيب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.
فضيلة الشيخ محمد على سلامة
جاري التحميل...