آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 6 يونيو 2014

- قصة سيدنا آدم عليه السلام

نبذة:
أبو البشر، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء

سيرته:

خلق آدم عليه السلام:

أخبر الله سبحانه وتعالى ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة له في الأرض. فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض , أو إلهام وبصيرة , يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق , ما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض , وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له , هو وحده الغاية للوجود . . وهو متحقق بوجودهم هم , يسبحون بحمد الله ويقدسون له, ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

هذه الحيرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم.. أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، ولا يعلمون الغيب . لقد خفيت عليهم حكمة الله تعالى , في بناء هذه الأرض وعمارتها , وفي تنمية الحياة , وفي تحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها , على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا , وقد يسفك الدماء أحيانا . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء , والخبير بمصائر الأمور: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة . وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ، فلا نعلم عنهم سوى ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله . ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه . إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن .

أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.

جمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر - ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة - ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟

سجود الملائكة لآدم:

من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم .. سواه بيديه سبحانه ، ونفخ فيه من روحه سبحانه .. فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له .. ما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد .. فهل كان إبليس من الملائكة ? الظاهر أنه لا . لأنه لو كان من الملائكة ما عصى . فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . . وسيجيء أنه خلق من نار . والمأثور أن الملائكة خلق من نور . . ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود .

أما كيف كان السجود ? وأين ? ومتى ? كل ذلك في علم الغيب عند الله . ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً..

فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) . فردّ بمنطق يملأه الحسد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين. ولا نعلم ما المقصود بقوله سبحانه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ? أم هل هي رحمة الله . . هذا وذلك جائز . ولا محل للجدل الكثير . فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم .

  قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) (ص)

هنا تحول الحسد إلى حقد . وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب , وأن يمنحه الفرصة التي أراد. فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين .

وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه . إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين . لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان . لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ; والعاصم الذي يحول بينهم وبينه . إنه عبادة الله التي تخلصهم لله . هذا هو طوق النجاة . وحبل الحياة ! . . وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة . فأعلن - سبحانه - إرادته . وحدد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) .

فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم , يخوضونها على علم . والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين . وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان . وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين . فأرسل إليهم المنذرين .

تعليم آدم الأسماء:

ثم يروي القرآن الكريم قصة السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري , وهو يسلمه مقاليد الخلافة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى , لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات , والمشقة في التفاهم والتعامل , حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .

أما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية , لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم . فلما علم الله آدم هذا السر , وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء . لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . . وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم , والاعتراف بعجزهم , والإقرار بحدود علمهم , وهو ما علمهم . . ثم قام آدم بإخبارهم بأسماء الأشياء . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) .

أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه عَـلِـمَ ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، كما علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته على التعلم والمعرفة.. كما فهموا السر في أنه سيصبح خليفة في الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة بالخالق.. وهذا ما يطلق عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض وتغييرها والتحكم فيها والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على الأرض.

إن نجاح الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل من الأمرين مكمل للآخر.

سكن آدم وحواء في الجنة:

كان آدم يحس الوحدة.. فخلق الله حواء من أحد منه، فسمّاها آدم حواء. وأسكنهما الجنة. لا نعرف مكان هذه الجنة. فقد سكت القرآن عن مكانها واختلف المفسرون فيها على خمسة وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى بعضهم ذلك لأنها لو كانت جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع عصيان. وقال آخرون: إنها جنة المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال غيرهم: إنها جنة من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن نختار هذا الرأي. إن العبرة التي نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى العبرة التي تستخلص مما حدث فيها.

لم يعد يحس آدم الوحدة. كان يتحدث مع حواء كثيرا. وكان الله قد سمح لهما بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة واحدة. فأطاع آدم وحواء أمر ربهما بالابتعاد عن الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في نفسه يوما بعد يوم. راح يوسوس إليه يوما بعد يوم: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) .

تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، وكل إنسان يحب الخلود. ومرت الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم قررا يوما أن يأكلا منها. نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما القديم. ومد آدم يده إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من الثمرة المحرمة.

ليس صحيحا ما تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من الشجرة. إن نص القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب الفضول.

لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى اكتشف أنه أصبح عار، وأن زوجته عارية. وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره بالهبوط من الجنة.

هبوط آدم وحواء إلى الأرض:

وهبط آدم وحواء إلى الأرض. واستغفرا ربهما وتاب إليه. فأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها ... وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم البعث.

يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك. وهذا التصور غير منطقي لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. أما تجربة السكن في الجنة فكانت ركنا من أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن الشيطان طرد الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان.

هابيل وقابيل:

لا يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير عن حياة آدم عليه السلام في الأرض. لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل. حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض. وكانت قصتهما كالتالي.

كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل. قال تعالى في سورة (المائدة):

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)

لاحظ كيف ينقل إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد القاتل يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء:

إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) (المائدة)

انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد أيام.. كان الأخ الطيب نائما وسط غابة مشجرة.. فقام إليه أخوه قابيل فقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل". جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض. كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. ثم رأى القاتل غرابا حيا بجانب جثة غراب ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر وعاد يهيل عليه التراب.. بعدها طار في الجو وهو يصرخ.

اندلع حزن قابيل على أخيه هابيل كالنار فأحرقه الندم. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، قد قتل الأفضل والأقوى. نقص أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه.

قال آدم حين عرف القصة: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) وحزن حزنا شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني. صلى آدم على ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا يعظ أبنائه وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ويروي لهم قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه.

موت آدم عليه السلام:

وكبر آدم. ومرت سنوات وسنوات.. وعن فراش موته، يروي أبي بن كعب، فقال: إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة. قال: فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟ أو ما تريدون وأين تطلبون؟ قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضي أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال: إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك، فخلي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل. فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه، وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره، ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم.

وفي موته يروي الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطىء آدم فخطئت ذريته".

الجمعة، 2 مايو 2014

- نتائج مجلس العلم

- نتائج مجلس العلم
أمرنا ربنا أن نطلب المعرفة التي أدى أمانتها رسول الله r لأصحابه في البدء لتصل  إلينا جيلا بعد جيل كاملة محفوظة لا نقص فيها ولا خلل، فذكرها ربنا بقوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم..} ولا يخشعُ قلب عن ذكر المذكور إلا إذا كان عارفا بعظمة المذكور على قدره هو لا على قدر المذكور إذ لا يدرك كنه عظمة المذكور سبحانه إلا هو {..وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } (الأنفال:2)، وهذه هي مراحل التكليف العرفاني الثلاثة :

(1)  ذكر الله : إذا ذكرَ الله وجلت القلوب من خوف المقام.

(2)  تلاوة الآيات : وهى تشمل : تلاوة الآيات في المصحف، وتلاوة الآيات في الآفاق،    وتلاوة الآيات في الأنفس، وهناك آيات بعد ذلك لا تباح ولا تلوح إلا لمن صفا ووفا          وتأدب بآداب أهل الإصطفا وووجه بالجمال.

(3)  زيادة الإيمان: ومعنى هذا أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لأن الطاعة نور على الصراط الموصل، أما المعصية فظلمة تحجب السالك عن طريق ربه وهي لهذا تسبب إنقاص الإيمان في قلب كل إنسان يتعرض لكل ذلك، لهذا ذكر سبحانه الإيمان كثيرا وذكر أيضا المحبة الناتجة عن الإيمان الناتج عن المعرفة فقال { والذين ءامنوا أشد حبا لله } (البقرة:165) فهناك : حب شديد وحب أشد، فنحن نحب الآباء والأبناء والأزواج ومتاع الدنيا الذي من حلال، ولكن لا بد أن نحب الله ورسوله أكثر من أي حب آخر{ قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } (التوبة:24) وهي الأصناف الثمانية لمحبة الدنيا، فشعب الإيمان التي هي بضع وسبعون كلما تجمل العبد منا بجمال شعبة منها تحلى بحـللها وعلومها وحكمها وأسرارها فيزيد مقام إيمانه بقدر ما وصل إليه. ولا يزال العبد كذلك ما دام سالكا مع عارف مرشد معلم دال على الله بالله ومتصل القلب بالمصطفى r فهو على مزيد من عطايا الله ويزداد إيمانا مع إيمانه ما دام محاسبا لنفسه ( والمحاسبة شعبة من شعب الإيمان ) ومراقبا لربه ( والمراقبة أيضا شعبة من شعب الإيمان )، فيتفضل المتفضل بتمام النعمة وبإحسان العقيدة وإحسان العبادة وإحسان المعاملة وإحسان الأخلاق وإحسان الآداب. ومقامات الإحسان في القرآن كثيرة ولكن أجملها ربنا في آية واحدة فقال { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (البقرة:112) ووجه الشيء حقيقته.

وكلمات العلم النافع لآلئ ودرر لمن ألقى السمع وهو شهيد، والإمام أبو العزائم رضي الله عنه ينبهنا إلى حقيقة هامة فيقول :

واحفظ إذا سمعت  أذناك  جوهرة     <<<<.>>>>       واحرص عليها تنل كل السعادات

فالكلمة النافعة يصحبها التوفيق، فإذا وصلت إلى قلب سامع مسلم أسعده الله سعادتين :

1 ـ السعادة الأولى لفهمها والعمل بها.

2 ـ السعادة الثانية بأن يفتح له باب العلوم اللدنية تحقيقا لقول رسول الله r [ من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ] (رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس).

ولمجلس العلم آثار شتى، ولك أن تسأل نفسك بعد السماع :

$  هل تغير منك شيء ؟

$  انتقلت بالسماع من حسن إلى أحسن ؟

$  تحققت في مجلس العلم بحقيقة الإقبال على حضرة العليم سبحانه ؟

$  هل بإقبالك منحتَ طمأنينة القلب وأنت في مجلس العلم ؟

$  هل ذكرت الله في المجلس ذكرا كثيرا يخشع له القلب ويطمئن به ؟

$     هل عاهدت نفسك معاهدة كاملة أن تعمل بعد انتهاء المجلس بمقتضى ما علمت بقدر الإستطاعة ؟ إذ أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وما آتاها.

ومجلس العلم فيه ومنه النجاة من الفتن التي نبه رسول الله r عنها بقوله [ ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا إلا من أحياه الله بالعلم ] (أخرجه ابن ماجه في الفتن والدارمي  في المقدمة) قال تعالى { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } (الأنعام:122)، وبين رسول الله r أهمية هذا العلم في مرحلة الدنيا – سواء كان متعلما أو معلما، بقوله [ الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما ] (رواه الترمذي وابن ماجه في الزهد)، حتى إذا ما انتقل الإنسان إلى برزخه تظل صحيفة حسناته مفتوحة وقابلة للمزيد لأنه r قال [ إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ] (أخرجه مسلم في الوصية) وكلها من ثمار العلم.

علم التلقي وعلم الدراسة :

وليس كل متحدث بعالم، فقد سبق وذكرت قول إمامنا أبي العزائم رضي الله عنه في ذلك. والقرآن يميز بين علم السطور وعلم الصدور :

(1) علم السطور : وهو علم الدراسة، ويشترك في تحصيله أهل القرب وأهل الإيمان وأهل الكفر. والقرآن كمصحف مكتوب - وكذلك السنة - يقرأه ويحفظه المسلم وغير المسلم، ومن يعطون الشهادات الجامعية والعلمية في بلاد العالم المختلفة للمسلمين وغير المسلمين الوافدين للدراسة لا يؤثر فيهم ما يقولون وهم هم على كفرهم.

(2) علم الصدور : وهو علم الإيتاء والاختصاص، ولا يصل إليه إلا أهله {بل هو ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } (العنكبوت:49)، فعلم الإيتاء هو العلم النوراني وكذلك حكمة الإيتاء { يؤتِي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } (البقرة:269). يبين الإمام أبو العزائم الفرق بين علم التلقي وعلم الدراسة فيقول في مواجيده :

علم التلقي وعلم  الدراسة      شتان عندي بنص الفراسه

تلقى من الله من خصه      بتفريده       بالرياسه

تلق من الدرس من نفسه      من   السفل أو من كتابه

فأهل التلقي من الله  هم      أولوا العزم أو  بالوراثه

فلا تأمنن غيرهم واحذرن      فأهل الجهالة أهل التعاسه

وتابع  فتىً  مرشدًا   كاملا      تحقق بالعلمين بعد السياسه

وعلم الصدور أهله قليلون، وعلم السطور أهله كثيرون من المسلمين وغير المسلمين وعلامتهم أنهم يقرءون - وقد يحفظون، ولكن المهم هو التوفيق للعمل بمقتضى ما علموا، فهم يحصلون علوما كثيرة جدا، وقد عبر الإمام عن ذلك بقوله ( يحصلون أمثال الجبال علما ولكنهم لهم مثلين واضحين في القرآن : مثلهم بالحمير مرة وبالكلاب مرة أخرى )، قال تعالى { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين } (الجمعة:5)، وقال تعالى {واتلُ عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين~   ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثـله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثـل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } (الأعراف:175،176)، والأرض هنا هي أرض الطبع والحظ والهوى والبعد، والتكذيب بالآيات ضرب الله له مثلا آخر في قوله { أرءيتَ الذى يكذب بالدين~   ..} وهو خطاب لرسوله أولا ولكل واحد منا من خلاله r بعد ذلك ، والذي يكذب بالدين ليس الذي يعلن كفره ولكنه {..فذلك الذي يدع اليتيم  ~  ..} ولما سئل رسول الله r عن ذلك قال : ينهره ويقهره ويضربه بغير دليل لأنه يتيم {..ولا يحض على طعام المسكين   ~  ..} فلا يعطف ولا يجعل الناس تعطف {..فويل للمصلين ~   الذين هم عن صلاتهم ساهون  ~  الذين هم يراءون  ~  ويمنعون الماعون }(سورة الماعون) .. فالتكذيب بالدين ليس بإبطان أو إعلان  الكفر  كما سبق وذكرت، لكنه عدم العمل بما جاء به المصطفى r ، فالذي لا يأمن جاره بوائقه مكذب بالدين، والذي يصلي ولا يعرف كيف يصلى مكذب بالدين لأنه مأمور بتصحيح العمل بطلب العلم من أهله لأن كل عمل له أساسه فهو علم، والعلم يطلب لأنه المنهاج وهو يحتاج لطالب وحامل له، فلا يطلب العلم للمراءاة أو للتفاخر أو ليقال عالم، إنما يطلب لانشراح الصدور به فتزكو النفس ويطمئن القلب ويصفو الفؤاد وبه يكون الإنسان إنسانا بمعناه، نفخت فيه الروح فأقبل ولم يدبر وسمع وقال سمعت وأطعت، ودليل السمع مع الطاعة هو التنفيذ، والتنفيذ في أول المسألة هو في اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتناب المعاصي يقدم على الدخول في الطاعات لأن الإتيان بالطاعات أمر لا بد منه لكن يقدم عليه اجتناب المعاصي حتى تصفو الروح وقت القيام بالطاعة فأصبحت الظلمات بتعددها نورا واحدا نتيجة ولاية الله للعبد.

والعلم صفة إلهية، والصفة الإلهية لا تتناهى. ولا يزال العبد يقول لربه في صباحه ومسائه : رب زدني علما، ويظل في طلب الزيادة حتى ينتقل إلى العالم البرزخي فيطلبها أيضا من ربه. ويجب أن نكون على يقين أن العالم البرزخي فيه علوم وحكم ومعارف لا تتناهى .. ففيه مجالس أهل الإقبال على الله ، ومجالس العلماء والحكماء، ومجالس الورثة والخلفاء، ومجالس الأنبياء والمرسلين بعلومهم وحكمهم وأحوالهم، ففيه مجلس سيدنا آدم بعلمه، وفيه مجلس سيدنا نوح بعلمه .. وفيه مجلس سيد الخلق r . ولا يحظى بهذه المجالس إلا من جاهد نفسه هنا في الدنيا.

يتساءل الإمام أبو العزائم ليلقي لنا الضوء على حقيقة العلم فيقول :

العلم  هل   فهمه  يكفى  لتقريبي      إلى مقام التداني : نور محبوبي ؟

إن  كان  هذا  فما  لي  قد  أميل إلى      داعي الهوى بعد فهمي  بعد تأديبي ؟

العلم كالمال برهان على نفسي      أني  تطهرتُ أو أني كمكلوب

أما اليقين فبرهان على  قربي      صححت حالي لتأييد وترغيب

ذق باليقين مقام الفرد واستجل      سر الحقيقة منه غير  مكذوب

كم عامل تائه يهوي إلى  سفل      مسارع للهوى في كل منسوب

لو كان علمي  جذاب  إلى الأعلى      لما دعانى الهوى في سفل تقريبى

العلم عند بني   الإفرنج  أرفَعَهم      في  هوة الظلم  في كفر وتعذيب

علم اللسان وعلم  الكون هادينا      شركٌ لكل امرئ  للعلم مقلوب

العلم بالله  حصن  الأمن  يطلبه      فرد يقول أيا نفسى الهوى غيبى

العلم بالله طهرُ النفس  ظاهرهُ      سير إلى الله من أمن وترهيب


وباطن العلم كشف الغيب بعد هدى      كشف  الحقائق يعلي كل   مطلوب
والمكلوب إشارة إلى قوله تعالى { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين  ~   ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون }(الأعراف:175،176).

ويشرح رضوان الله عليه حقيقة العلم بمعاني أخرى فيقول :

هو العلم لا يجلى بغير الحقائق      وعلم بكشف فيه  قرب  لخالق

وما العلم والأعمال من غير خشية      سوى  آلة  صماء  سؤل   المنافق

وما العلم إلا  ما يعلمه  العلي      وآي { يعلمكم } دليل لصادق

وفي  أول { الرحمن } نور لمهتد      بها { علم القرآن } جذب  الموفق
تبرأت من حولي وقولي وقوتي      تحققت أن الله بالفضل  رازقي

تبرأت من نفسي وكل جوارحي      أنبت  إلى  ربى بإخلاص واثق

ثم ينادي المعاني والمباني فيقول :
أيا علم يا حال وكل جوارحي      ويا مال يا أولاد لستم مرافقي
أنيبوا معي أو فاتركوني فإنني      تحققت  أن الكون أحلام وامق
ومرارة   دنياي   بل   غرارة      وضرارة والعبد في ليل غاسق

ففروا  من الدنيا إلى الله  سارعوا      إلى اللهِ من تلكَ الملاهي الخوارق

الأحد، 27 أبريل 2014

- فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا

- فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
بيان قول الله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، [5، النازعات].
ومعناها أن الله سبحانه وتعالى خصص نوعا من الملائكة الكرام لتدبير أمر هذه الحياة من السموات إلى الأرض، فما من كائن في هذا الوجود إلا وتقوم هذه المدبرات بتسييره وتدبيره حسب مشيئة الله عزَّ وجلَّ، إنها تدبر شئون الجن والإنس وسائر الموجودات بل وتحفظ الإنس من شر الشياطين حتى لا تتخطفهم من الأرض، فقد أقامهم الله لرعاية شئون الحياة حتى تصل لنهايتها ذلك تقدير العزيز العليم.
فإذا علمنا أن هناك عالم غيبي يدبر شئون هذه الحياة غير عالمنا الكوني ازداد إيماننا بقدرة الله التي تصنع كل شيء بسبب وبغير سبب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾، [7، الفتح]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، [31، المدثر].

وهناك الملائكة الموكلون بالأرزاق والموكلون بالأرحام والأجنة والموكلون بالنبات والزروع والأشجار والموكلون بالجبال والبحار والأنهار والموكلون بالسحاب والرياح والأمطار والموكلون بالأفلاك والنجوم والشموس والأقمار والموكلون بإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وقتال الكافرين مع المجاهدين وغيرهم من أنواع الملائكة التي تؤثر بإذن الله في مجريات الأمور من الأحدث والشئون ولله في خلقه تصريف عجيب وتدبير غريب جلَّ شأن الله وتعاظم صنع الله الذي أتقن كل شيء وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
         منقول من كتاب بريد الى القلوب
لفضيلة الشيخ محمد على سلامة
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد سابقا

الجمعة، 4 أبريل 2014

- تزكية النفوس قبل تلقي الدروس

- تزكية النفوس قبل تلقي الدروس
الحقيقة التي يجب أن يعيها المؤمن أنه لا تعليم إلا بعد تزكية النفس - قال تعالى { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ءاياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } (البقرة:151) ، لأن كل علم يحصله الإنسان قبل تزكية النفس يسمى فَناً. ومعنى ذلك أن تزكية النفوس مقدمة على تلقي الدروس، فهي لا تنفع صاحبها إلا إذا نزلت في ماعون طاهر نقي سليم، ولا يسلم الماعون (وهو القلب) من العيوب وأدران الذنوب والغفلة إلا إذا فتحت له أبواب المعرفة التي يفتحها الفتاح سبحانه بنور فضله وبسر رحمته {..أم على قلوب أقفالها } (محمد:24) ولا بد للأقفال من مفاتيح، والمفاتيح عنده سبحانه {..وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو }(الأنعام:59). وإذا فتح من القلب ولو قدر سمّ الخياط ( ثقب الإبرة ) تنزلت على أرض هذه القلوب أنهار المعارف الإلهية بل ومحيطات الحكم الربانية لأن الله تعالى يقول { أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدَرها فاحتمل السيل زبدًا رابيا } (الرعد:17)، فالماء ينزل من السماء، والماء أيضا ماء العلم والحكمة والمعرفة يتنزل من سماء الفضل الإلهي فتسيل الأودية وهى أودية القلوب بقدرها، ولكل قلب سعة .. نسأل الله تبارك وتعالى وسعة قلوبنا حتى نكرم بالقلب المحيط، ومن منطلق هذا المعنى يصلي إمامنا أبو العزائم على سيدنا رسول الله r صلاة إظهار المقام فيقول [ اللهم صل وسلم على محيطالجمال والكمال، المتفرع من بحار معارفه أنهار الهدايات الربانية ].

قلنا إن تزكية النفوس مقدمة على تلقى الدروس. والدروس تستنبط من كلام الله وكلام الله طهور، ومن سنة سيدنا رسول الله وسنته r نور، ومن سير السلف الصالح وسيرهم نور من نور رسول الله ، والطهور والنور لا يدخلان إلا المواعين الطاهرة السليمة، فالعلم ماء، وماء السماء طهور، ولكن الحكم يتغير بتغير المكان الذي ينزل عليه، وعلى حسب المكان الذي ينزل فيه الماء يكون الحكم بطهارته .. وعلى قدر صفاء القلب وسلامته يكن حسن السماع. وإذا أحسن العبد السماع بسر تزكية النفس ميز بين الحسن والأحسن، فترك الحسن مع حسنه واتبع الأحسن ممثلا في صاحب القول الأحسن ليدخل في البشرى التي أعدها الله لنا في قوله سبحانه { فبشر عباد ~  الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب }(الزمر:17،18). وتزكية النفوس لا تتيسر إلا بالسير على منهاج وأخلاق رسول الله r  وبحرارة الشوق إليه r . والشوق حرارة تسرى في أرجائك ظاهرا وفى حقيقتك باطنا، وهو نور تنزلٍ وفيه أسرار. وإذا اشتقتَ إلى ما فيك من أنوار وأسرار باريك سبحانه فكن على يقين بسر هذا الشوق، فالشوق لما فيك منه - أي لرؤية ما فيك من صورة جمالية كمالية - شوق على طريق السير والسلوك إلى الله ورسوله. وإذا اشتقتَ لما فيك منه عكفت على معرفة نفسك وتلمستَ الطرق إليها، قال r [ من عرف نفسه فقد عرف ربه ] (رواه السيوطي في الدرر المنثورة)، وتدبر فإنك إذا شكرتَ فشكرك لنفسك، وإذا اهتديتَ فهدايتك لنفسك، ونهاية الوصول وصولك لمعرفة نفسك - قال تعالى {من شكر فإنما يشكر لنفسه } (النمل:40) { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه }(يونس:108)، وقال تعالى لحبيبه ومصطفاه r { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } (النساء:63).

الجمعة، 7 مارس 2014

- الاخوة فى الله

- الاخوة فى الله
إعلم أن الأخوة مشهد من مشاهد التوحيد الكامل , التى بها تتجلى معانى الكمالات والنزاهة لذات الأحد سبحانه , من حيث أنه تنزه غنى الخلق قائم بذاته , منزه عن المعين والصاحب والوالد والولد وعن التركيب والأعضاء والأجزاء , وأنت المفتقر إلى الأعضاء والجوارح والولد والصاحب والمعين والوكيل والوزير , فالأخوة أكمل جمالات رتبتك , بها تتميز الحضرتان وتظهر المكانتان , حتى تحقق عين يقين من أنت ومن ربك .

الأخوان في الله عز وجل :

هم المعراج إلى حضرة الحق تعالى , بهم تتجدد معالم الحق وتعلو كلمته وتقام حدوده وتحفظ مناسكه وينتشر الأمن والعدل , قال الله تعالى : " يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " , فالإخوان تشهدك في نفسك أنك عبد مضطر مفتقر ذليل , فتعلم بها معانى كمالات ربك القدير , وتشهدك معونة الله وإمداداته , وود الله لك وإحسانه بما يجريه على يديهم لك من الخير والمزيد والنصر والقوة , والأخ في الحقيقة هو أنت, وكلما أكثرت من الأخوة كلما كنت كثيراً , بقدرهم يكون لك ألسن وآذان وأعين وأيد وأرجل وكنوز وخزن , ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين , إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين , فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين , وعلى البر والتقوى مضطجعين , ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه , وأمر بالأعتصام بحبله وهداه , ونهى عن التفرق إذا جمعتهم الدار , وقرن ذلك بالمنة عليهم إذ أنقذهم من شفا حفرة النار , وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه سبحانه , وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين لما جاء فيه من الأمر والندب , إذ كان الحب في الله عز وجل من أوثق عرى الإيمان , وكانت الألفة والصحبة لأجله , والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتقين .

* وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عز وجل , بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين ,لأن ذلك زين في الرخاء , وعون في الشدائد , وتعاون على البر والتقوى والألفة في الدين , قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون , وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا , وأذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" , وقال رسول الله r: " إن اقربكم منى

مجلساً أحاسنكم أخلاقاً , الموطئون أكنافا , الذين يألفون ويؤلفون " , وقال عليه الصلاة والسلام : " مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ,وما ألتقى مؤمنان إلا أفاد الله عز وجل أحداهما من صاحبه خيراً " وقال r: " من آخى أخاً في الله عز وجل , رفعه الله عز وجل درجة في الجنة لا ينالها بشئ من عمله " ويقال : إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر , رفع الأعلى مقاما أخيه معه إلى مقامه , وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين , والأهل بعضهم ببعض .

* قال الله تعالى مخبراً عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته : " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " . وقال r: " المؤمن كثير بأخيه " .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " ما أعطى عبد بعد الأسلام خيراً من أخ صالح" . وفي الأخبار السابقة عن داود عليه السلام : " إن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه يا داود مالى أراك منتبذاً وحيداً , قال : إلهى قليت الخلق من أجلك , فأوحى الله عز وجل إليه : يا داود كن يقظانا مرتاداً لنفسك إخواناً , فكل خدن لا يوافقك على مسرتى فلا تصحبه , فإنه لك عدو ويقسى قلبك ويباعدك منى " , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كونوا مؤلفين ولا تكونوا منفرين " وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال " يارب كيف لى أن يحبنى الناس كلهم , وأسلم فيما بينى وبينك ؟ قال : خالق الناس باخلاقهم , وأحسن فيما بينى وبينك " وفي بعضها : " خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا , وخالق أهل الأخرة بأخلاق الآخرة " .

وقال محمد ابن الحنفية بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم : " ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً , حتى يجعل الله عز وجل منه فرجاً ,ويقال : أن أحد الأخوين في الله عز وجل إذا مات قبل صاحبه , وقيل له أدخل الجنة سأل عن منزل أخيه , فإن كان دونه لم يدخل الجنة , حتى يعطى أخوه مثل منازله , ولا يزال يسأل له من كذا فيقال : إنه لم يكن يعمل مثل عملك , فيقول إنى كنت أعمل لى له , فيعطى جميع ما سأل له , ويرفع أخوه إلى درجته معه . ويقال : ما حسد العدو متعاونين على بر , حسده متآخين في الله عز وجل , ومتحابين فيه , فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله على إفساد ما بينهما , وقد قال تعالى : " وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم " , وقال عز وجل مخبراً عن يوسف عليه السلام : " بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخواتى " .

* وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : " عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم , فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء , وضع ما يغلبك من أمر أخيك على الحسنة حتى يحبك , واعتزل عدوك , وأحذر صديقك من القوم إلا الأمين , ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل , ولا تصحب الفاجر فتتعلم فجوره , ولا تطلعه على سرك , واستشر في أمرك الذين يخشون الله تبارك وتعالى " .

* وقال الأحنف : " من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث أن يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم الدالة . "والدالة : الجرأة " وقال : الإخاء جوهرة رقيقة , فهى ما لم ترق عليها وتحرسها كانت معرضة للآفات , فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه , وبالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك , وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل , ولا من أخيك التقصير .

* وقال أسماء بن خارجة الفزارى : ما سئمت أحداً قط لأنه إنما يسأمنى أحد رجلين , كريم كانت منه زلة وهفوة , فأنا أحق من غفرها , وآخذ عليها بالفضل فيها , أو لئيم فلم أكن أجعل عرضى له غرضاً .

* عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبى r قال : " لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه " وعن ابي هريرة قال : قال رسول الله r: " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق " .

* الإخوان هم هياكل متعددة , سرت فيهم روح واحدة , كالجسد الواحد تعددت أعضاؤه ولكنه واحد , فإذا تألم عضو منه شعر بالألم كل الجسد , فكذلك الإخوان يتألمون جميعاً لألم أحدهم , غنيهم فقير لأنه يؤثر الفقير على نفسه , وفقيرهم غنى لكمال ثقته بربه , صفت قلوبهم فتجملت ظواهرهم , فإذا رأى الأخ الأخ كأنه أشرقت عليه أنوار , فأنبسط وانشرح وصافح وفرح , فيزداد نوراً , وحالاً على حاله , وعلماً على علمه , يبدل كل أخ لأخيه ما يجد من وجد أو موجود , فيغذى الأخ أخاه بعلمه , والآخر يغذيه بخبزه , فلا يقابل أخ أخاً إلا وفتحت أبواب السماء بالبركات , وهطلت الأرزاق والفتوحات , نزع الله ما في صدورهم من غل , وما في قلوبهم من طمع, لأنه سبحانه هو المحبوب لهم في أنفسهم وما تقولون في أثنين تقابلا على شوق في الله وبذل في ذات الله ؟ ,هذا يبذل لأخيه ما به سعادته الأبدية من علم وحال وخلق حسن , والآخر يبذل له نفيس طعامه وشرابه وماله وما تقولون فيمن تحقق فيهم قوله r في الحديث القدسى عن الله تعالى : " المتحابون فيّ َوالمتباذلون فيَّ على منابر من نور يغبطهم الملائكة والأنبياء لقربهم من الله " .

وليس هذا الوصف العلى موجوداً إلا في الصديقين وأبدال الرسل عليهم الصلاة والسلام , فكل أخ يعامل إخوانه بهذا فهو من الصديقين , ومن أبدال الرسل عليهم الصلاة والسلام .

* فالأخ في الله تعالى :هو شخص آخر إلا أنه أنت , لآنه يقصد ما تقصد ويتمنى ما تتمنى , ويعتقد ما تعتقد , ويعمل بعملك , ويقتدى بقولك وعملك وحالك , ذاق ذوقك وفهم عبارتك وأدرك أشارتك , يسعى فيما يرضيك ويحب من تحب , يصادق صديقك ويعادى عدوك , يحفظك غائباً ويسرك حاضراً , يذكرك إن غفلت ويعينك إن ذكرت في مرضاتك عندما ترضى الله تعالى , ويتوقف عن العمل إن جهل حكم عملك , حتى تبين له بدون جدل ولا انتقاد ولا اعتراض , تجمل بكل خصالك , واتصف بجميع صفاتك , ودك بأكمل ما يود به نفسه , وتحمل الشدائد في جمع الكلمة , ويجاهد نفسه ليتجمل بمكارم الأخلاق , يصل رحمك ويكرم أقاربك ويعطف على أولادك , هذا هو الخ ولو كان بعيد النسب عنك .

* الأخ هو أنت خلقا واعتقادا ومقصدا وعملا وحالا , الأخ من بذل نفسه قبل نفسك , وماله قبل مالك , وقدم أصدقاءك وأهلك وأولادك على خاصته وأهله وأولاده

* ليس الأخ بنسب الأبوين , إنما الأخ من ناسبك في خصوصيتك , وتشبه بك في جميع أحوالك , قرب منك بما جملك الله به فصار قريبك , وانتسب بما تقربت به إلى الله فصار من نسبك .

* الأخ من لا تتكلف وله ولا تخشى الشر منه , استوى عندك السر والعلن معه , وا،ت عظيم في عينه وقلبه في كل أحوالك , من يسر وعسر وبعد وقرب , إن شددت يسر وإن يسرت هابك , سروره أن تكون مسروراً , هذا هو الأخ ( وقليل ماهم ) فهذا الأخ هو الوارث للأحوال والعلوم والأسرار , فإذا كان من أهل نسبك كان ذلك أكمل وأجمل وذلك هو الفضل العظيم , وإنما هى متشابهة توجب القرب بعد الحب , فالرقى إلى المقام بعد الحال , والوصول فالكمال .

أسأل الله أن يجملنا بأخلاقه , وأن يمنحنا عنايته , وأن يواجهنا بواجهه الجميل , إنه مجيب الدعاء .

الرفيق في الطريق :-

أيها السالك مسالك الوصول , الساعي بتوفيق الله تعالي الي مقام الشهود, عليك بالأخ الصادق المخلص في الطلب , المجد المحافظ علي الادب , واجعل سريرتك صافية من جهتة , وكن له كما تكون لشيخك , فان الشيخ أيها الانسان يحجبك عنه هيبتة , وعزمة في نصيحتك علي الهفوات والصغائر من كماله وحسن أدبه . فكن في سيرك الأول متوجها لأخ سبقك في صحبة هذا الشيخ , لعلمة بما يحبة منك وما يبغضه , ولا تنتقد علي هذا الصاحب في العمل تراه , خصوصا بالنسبة للشيخ , فانه أعلم منك بما يحبه الشيخ , بل سلم له جميع ذلك , واياك أن تعاتبه او تعاقبه , أو ترفع شكوي فيه للشيخ , أو تخاصم أحدا من إخوانك , أو تعادي منهم احدا , أو تفوه بإشهار عيب من عيوبهم – خصوصا أمام الشيخ – وتكلف ستر عورتهم , وغض الطرف عن عيوبهم , وخذ منهم ما

تراه من جميل الصفات وكمل الأخلاق , وكلما قدمك هذا الأخ أمام الشيخ , فاحفظ ادبك معه , واجعله أرفع منك مقام , فللمشايخ أحوال يمتحنون بها أخلاق مريديهم , ويفيضون المدد للمريد علي قدر أخلاقه , والله سبحانه وتعالي أعلم .

* مراتب الأخوان :-

من سبقك ولو بيوم في صحبة الشيخ فله عليك فضل السابقية , ثم تصلهم بقدر مجاهداتهم وبذلهم وموالاتهم وكمال اتباعهم وحسن أخلاقهم وصدق تسليمهم , فقد يفضل الواحد على الألف لما اختص به من الفضائل والكمالات , وهذا الفضل يجب على الأخوان أن يتناسوه فيما بينهم , بمعنى أن الأخ الفاضل الذى ميزه الله بأكبر خصال الخير لا يشهد لنفسه فضلاً على إخوانه , إنما ذلك أمر تشهد به الإخوان له , فلا يغتر به , بل يزداد في تواضعه , وفي رغبته , وفي إقباله وفي مجاهداته , فإن الكمالات الإلهية لا نهاية لها , المواهب الربانية لا حصر لها , فمن وقف عند حد منها رضي لنفسه بالنقص مع تيسير الكمال له .

* وعلى الأخوان أن يعتقدوا الإحسان في غيرهم , والنقص في أنفسهم , وأن يغضوا عيون البحث عن عيوب بعضهم , ويصموا آذان التنقيب عن نقائض بعضهم , فإن المريد ليس رسولا معصزما , ولا ملكاً نوارنيا مجرداً عن لوازم البشرية . وعلى كل أخ أن يشتغل بتطهير نفسه , وتزيتها من عيوبها , وأن ينظر لنفسه بالانتقاد أو البحث عن دسائسها ومساوئها , وينظر لكمالات إخوانه ليتكمل بها , ومحاسنهم ليتجمل بها , وهذا سبيل السلف الصالح من أهل الحب والصدق والإخلاص .

* فضائل الأخوة في الله :

عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المتحابون في الله عز وجل على عمود من ياقوت حمراء , في رأس العمود سبعون ألف غرفة , مشرفون على أهل الجنة , يضئ حسنهم لأهل الجنة , كما تضئ الشمس لأهل الدنيا , عليهم ثياب سندس خضر , مكتوب على جباههم : هؤلاء المتحابون في الله عز وجل "

* وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن حول العرش منابر من نور عليها قوم لباسهم نور ووجوهم نور و ليسوا بأنبياء ولا شهداء , يغبطهم الأنبياء والشهداء , فقالوا : يا رسول الله صفهم لنا , فقال : هم المتحابون في الله عز وجل , والمتجالسون في الله تعالى , والمتزاورون في الله تعالى " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبعة يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله , منهم كذا وكذا واثنان تآخيا في الله عز وجل , اجتمعا على ذلك وتفرقا " .

وكان الفضل بن عياض وغيره يقول : نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة .

* بم تصح الأخوة في الله :

لا تصح الأخوة في الله عز وجل إلا بما شرط فيها من الرحمة في الأجتماع , والخلطة عند الأفتراق بظهور النصيحة , واجتناب الغيبة وتمام الوفاء , ووجود الأنس وفقد الجفاء , وارتفاع الوحشة , ووجود الأنبساط , وزوال الأحتشام . وقال عليه الصلاة والسلام : " أحب اإخوان إلي الله عز وجل أرفقهما بصاحبه " , وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد : لا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلا بمثل ما تحب أن تذكر به إذا غبت , وأعفه بما تحب أن تعفى به , وقال آخر : ما ذكر أخ لى في غيبته إلا تصورت نفسى في صورته , فقلت فيه ما أحب أن يقال في , فهذا حقيقة في صدق الإسلام , لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه .

وعن بعض الحكماء : من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم وأثموا ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم , ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا .

وفي الأخبار : اثنان عزيزان ولا يزدادان إلا عزة , درهم حلال , وأخ تسكن إليه .

وقد كان أبو الدرداء يقول : إذا تغير أخوك رحاله عما كان فلا تدعه لأجل ذلك , فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم اخرى . وفي حديث عمر وقد سأل عن أخ كان قد آخاه , فخرج إلى الشام , فسأل عنه بعض من قدم عليه فقال : ذلك اخو الشيطان , قال : مه , قال إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر , فقال : إذا أردت الخروج فأخبرنى , قال فكتب إليه : " بسم الله الرحمن الرحيم , حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب " الآية , ثم عاتبه تحت ذلك وعذله , فلما قرأ الكتاب قال : صدق الله ونصح لى عمر , قال : فتاب ورجع .

وكان الحسن وأبو قلابة يقولان : إخواننا أحب الينا من أهلينا واولادنا , لأن أهلينا يذكرونا الدنيا , والإخوان يذكرونا الآخرة .

*وقال عليه الصلاة والسلام : " مازا ر رجل أخاه في الله عز وجل شوقاً إلأيه ورغبة في لقائه , إلا ناداه ملك من خلفه : طبت وطابت لك الجنة " , وعن عطاء كان يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث , فإن كانوا مرضى فعودوهم , وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم , وإن كانوا نسوا فذكروهم و وقال الحنف بن قيس : ثلاث خلال تجلب بهن المحبة , الأنصاف في المعاشرة , والمواساة في الشدة , والأنطواء على المودة . فأول ما تصح المحبة في الله أن لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصيته , ولا على حظ من دنياه , ولا لسبب موافقته على هواه , ولا لأجل ارتفاقه اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله ولا يكون ذلك مكافأة على إحسان أحسن به إليه , ولا لنعمة ويد يجزيه عليها , فهذه ليس فيها

طريق إلى الله تعالى ولا للآخرة , لأنها طرقات الدنيا ولأسباب الهوى , فإذا سلم من هذه المعانى فهذا أول المحبة لله تعالى . ولا يقدح في الإخوة لله تبارك وتعالى أن يحبه لحسن خلقه , وفضل أدبه , وحسن حلمه , وكمال عقله , وكثرة احتماله وصبره , أو لوجود الأنس به , وارتفاع الوحشة منه , وإنما يخرجه عن حقيقة الحب في الله أن يحبه لما يكون دخلا في الدين , ووليجة في طرائق المؤمنين , ولما أنفصل عنه ولم يكن متصلاً به مثل الأنعام والأفضال ووجود الإرتفاق , فهذا الحب لا يمنع القلب وجده لما جبل الطبع عليه , ولبغض من كان بضده ممن أساء اليه . وحقيقة الحب في الله عز وجل أن لا يحسده على دين ولا دنيا , كما لا يحسد نفسه عليهما , وأن يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجا إليهما كنفسه , وهذان شرطا الحب في الله عز وجل اللذين ذكرهما الله تعالى في قوله : " يحبون من هاجر إليهم ".

* ثم وصف محبتهم إذا يصف حقاً ويمدح محقاً فقال تعالى : " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا " , يعنى من دين ودنيا , ثم قال تعالى في الشرط الثانى : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " , ولا تصح مؤخاة مبتدع في الله تعالى ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه , ولا محبة فقير أحب غنياً لآجل دنياه , ولا ما يناله من عاجل مناه , وليس الإخاء كف الأذى لأن هذا واجب الإخاء الصبر على الأذى .

وكانت طائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربع معان , لا يترجح بعضها , ولا يكون فيها اعتراض من وهى :

إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم .

وإن صلى الليل أجمع لم يقل له أحد نم بعضه .

وتستوى حالاته عنده فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه , ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه , فإذا كان عنده يزيد بالعمل وينقص بترك العمل فالفرقة أسلم للدين .

وقد كان الأخوان يتهافتون على العلوم والأعمال وعلى التلاوة والأذكار .

وبهذه المعانى تحسن الصحبة وتحق المحبة , وكانوا يجدون من المزيد من ذلك والنفع به في العاجل والآجل مالا يجدونه في التخلى والأنفراد , من تحسين الأخلاق , وتلقيح العقول , ومذاكرة العلوم , وهذا لا يصح إلا لأهله , وهم أهل سلامة الصدور , والرضا بالميسور مع وجود الرحمة , وفقد الحسد ووجد التناصر , وعدم التظاهر , وسقوط التكلف ودوام التآلف , وقد ضم الله عز وجل الصديق إلى الأهل ووصله بهم , ثم رفع الأخ وقدمه على الصديق وهو قوله عز وجل : " أو ما ملكتم مفاتحه " .

* نصيحة للأخوان :

آخى تباعد عن أخلاق أبليس وهى : الحسد , والكبر , والطمع , وحب الشهرة والسمعة , وأذية الخلق , والغيبة والنميمة , والكذب والزور و وإشاعة الفاحشة في إخوانك المؤمنين , واحب لجميع إخوانك ما تحبه لنفسك , ودع الفساد , وتباعد عن أخلاق البهائم من الحرص , والبخل و والأنتقام , والحيل , والمكر والخداع , والتملق , والزنا , وشرب الخمر و والتهاون بحقوق الناس . وتخلق بأخلاق الملائكة بتأدية المأمورات , والتباعد عن المنهيات , واحفظ الرأس وما وعى من العينين والأذنين واللسان والنف . والجسم وما حوى من اليدين والقلب والبطن والفرج والرجلين .واحكم يأخى أنك من أكابر الأولياء الله تعالى , المحفوظين بعين عنايته و لأن الله لا يوفق لهذه إلا صفوته من أوليائه , وهو الموفق الهادى سبحانه وتعالى , وأدم الشكر على لنعمته تعطى المزيد , والله سبحانه ولى المؤمنين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

* من أحبك لذاتك عاداك , ومن أحب الله ورسوله فيك دام أنسه بك .

*أخوك من أذا غفلت ذكرك , واذا ذكرت أعانك .

* ما أجهل من خسر الرجال ليكتسب المال , وأجهل منه من خسر المال ليخاصم الرجال , وشر منهما من خسر دينه ليكتسب الدنيا , والعاقل يبدل ماله ليكتسب أخوانه , ويبذل نفسه ليكتسب دينه . * الأخ الذي ينتظر عطائك فهو أخ لعطائك , ومثل هذا خذه سائلا مسكينا تتقرب الي الله فيه .

* الأخ الصالح كنزك عند فقرك

* كن أقرب إلى أخيك عندما تراه قريبا من إبليس

* خير إخوانك من كانوا في ميزانك

*خير الأخوان من فقه إيرادتك , وفهم إشارتك , ونفذ أوامرك .

*شر الأخوان من إذا أرضيته مدح وإذا أغضبته قدح

* لا تثق إلا بالله , وإحتاط من الناس بسوء الظن , ولا تنفذ سوء الظن في إخوانك إلا بعد التبصرة .

* الأحسان واجب عليك إلى أخيك ولو تحققت منه الأساءة , فكيف تسئ إليه مع تشكك في قصده ؟

* ليس كل أخ في الطريق معك في منزلته , لنهم درجات فعلى المريد أن يصطفى من إخوانه أخاً يعلوا بمجالسته حاله , وتزكوا بمخاطبته نفسه ,ويعامل جميع أخوانه بحسب مراتبهم , ليكون روحاً لهم معينة على ما هم فيه , فيمدح المبتدئ على حسن عمله والواصل على حاله , ويتنزل لكل أخ حتى تأتلف القلوب وتنشرح الصدور , ويتألف الجسد كاملاً , لكل عضو فيه وظيفة يقوم بها , وبذلك تدوم الألفة وتزداد المحبة ويطيب لكل أخ وقته , ويصفوا حاله ويطمئن قلبه .

الأحد، 2 مارس 2014

- جنة آدم عليه السلام

- جنة آدم عليه السلام
إن الجنة التي أسكن الله فيها آدم عليه السلام لم تكن دار نعيم يقيم فيها للأبد، ولكن الله أسكنه فيها للابتلاء والاعتبار، ومن هنا أمره الله ونهاه وهو في الجنة.
والجنة قد جعلها الله للتكريم والتشريف وليست للتعريف والتكليف، فلما أمر الله آدم عليه السلام بأن يسكن الجنة هو وزوجته حواء، وأن يأكلا من جميع خيراتها، ويتمتعا بما فيها، ولما نهاهما الله عن الاقتراب من شجرة معهودة في الجنة، علمنا أن الله أسكنه الجنة للابتلاء والاختبار وليس للجزاء والثواب، وحيث أن جنة آدم كانت للتكليف وللأمر والنهي فحصل وقوع المعصية فيها لأنه صارت أشبه شيء بعالم الحياة الدنيا. الذي ترد فيه من المكلف الطاعة والمعصية.
أما الجنة التي وعد الله بها المؤمنين فهي للسعادة الأبدية، وللنعيم المقيم والسرور الدائم ونوال كل ما يشتهيه الإنسان وكل ما يتمناه من غير أن يعتري ذلك خلل ولا وصب ولا نصب ولا فتور، لأن الجنة بالنسبة للمؤمنين دار الجزاء الأوفى ودار الخلود الأبدي جزاءا على ما قدموا لأنفسهم في الحياة الدنيا من الخيرات والصالحات.
وقد سبق أن قلنا أن جنة آدم عليه السلام كانت للتكليف والتعريف، وقد مرَّ آنفا بيان التكليف أما التعريف فإن الله عزَّ وجلَّ قد علم آدم الأسماء كلها، وعرفه مسميات هذه الأسماء حتى يكون على علم بكل الحقائق والأشياء التي يتعامل معها سواء في الجنة أو في عالم الدنيا، وكان تعليم الله لآدم عليه السلام عن طريق الإلهام وإلقاء المعاني والمعلومات في نفس آدم وليس عن طريق الملائكة، ولذلك أمره الله أيضًا بأن يعلم الملائكة مما تعلمه من الحق جلَّ جلاله، فكانت جنة آدم دار عمل ودار علم يعمل فيها ما يأمره الله به، ويتعلم فيها ما يعلمه الله له ويُعلم فيه الملائكة عليهم السلام، كما كان أيضًا يُعلم كل ذلك لزوجته حواء عليها السلام والله ورسوله أعلم
منقول من كتاب بريد الى القلوب 
لفضيلة الشخ محمد على سلامة 
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيدسابقا

الأحد، 9 فبراير 2014

- الفوقية والعلو والخلاف العقائدى والمذهبى

- الفوقية والعلو والخلاف العقائدى والمذهبى

حوار مع الغزالى عن الفوقية والعلو والخلاف العقائدى والمذهبى
يقول الشيخ الغزالي في كتابه ((هموم داعيه)) فصل السلفيه التي
تعرف وتحب :(طرق بابى شاب وكان فى عينيه بريق يدل على الذكاء، والحماس معا!قال:قرأت بعض كتبك،ورأيت أن استكمل معرفتك من أسئلة أوجهها إليك!قلت له :حسبك سؤال واحد فلدى ما يشغلنى..قال: ما رأيك فى "الفوقية" بالنسبة على الله تعالى؟!ومع تعودلقاء شباب كثير من هذا الصنف إلا أن السؤالفاجآنى..تريثت قليلا قليلا ثم شرعت أتكلم: لاأدرى كيف أجيبك؟أنا
مع أهل الاسلام كلهم أسبح باسم ربى الأعلى! وبين الحين والحين يطوف بى من إجلال وإعظامه ما أظننى به واحدا من الذين قيل فيهم" يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون"(النمل:50)تسألنى عن هذه الفوقية؟ لاأدرى!انا مع العقلاء الذين يقولون:السماء فوقنا والأرض تحتنا، ثم إنى بعد ما اتسعت مداركى العلمية عرفت أن الارض التى أسكنها كرة دائرة طائرة،وأنها مع أخوات لها يتسقن فى نظام مع أمهن الشمس التى تجرى هى الأخرى مع لدات لها فى مجرة معروفة الأبعاد والمدار.وقد أحصى علماء الفلك مجرات كثيرة عامرة بالشموس مثل مجرتنا وحسبوا بعد مطالعات ومتابعات أنهم عرفوا حدود الكون..ثم كشفت لهم المراصد على مسافة ملايين الملايين من السنين الضوئية ان هناك مجرات أخرى أسطع ضوءا وأشد تألقا ..فعرفوا أن الكون أرحب مما يظنون...أنا لم يهلنى أمر هذه الكشوف،وإنما زاد إعظامى لربى ،الذى بنى فأوسع،وذرأ فأبدع ،إنه يهب لهذه الأكوان كلها وجودها وبقاءها لحظة بعد أخرى..!واذكر أنى رأيت مرة أسرابا من النمل تحف بقطعة من الحلوى وتسلم فتاتها لأسراب أخرى،رأيت ألوفا

تأخذ من ألوف،فاتجهت إلى السماء وأنا أقول وثم ألوف مؤلفة من

النجوم الثابتة والكواكب الدوارة،ان الدقة التى تحم حياة النمل فى

جحوره هى هى التى تحكم الشموس فى داراتها.. رؤية تامة هنا

وهناك"له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه

من ولى ولايشرك فى حكمه أحدا.." (لكهف:26)مادامت السماء

محيطة بنا فهى فوقنا وتحتنا،ونحن على أرضنا قد نكون فوق قوم

يعيششون على الأرض فى انب آخر منها ...وعلى أية حال فالخالق

الأعلى له فوقية تقهر الخلائق جميعا،وتستعلى وتستعلن على

الجن والانس والملائكة وسائر الموجودات ...ذاك ماأعرف،ولاأحب

إفساد النظم القرآنى الكريم بتعاريف ما أنزل الله بها من سلطان.قال

الشاب: ألم تقرأ العقيدة الطحاوية؟ قلت: أوصى المسلمين أن

يقرءوا القرآن ،وألا يعملوا عقولهم فى اكتناه المغيبات التى يستحيل

أدراك كنهها ، كذلك فعل سلفهم الصالح فأفلح..

قال الشاب : وكتابك عقيدة المسلم ؟ قلت قررت فيه ما سمعت

الآن ..!قال : إنه يتجه مع مذهب السلف ولكنك تبعت فى ترتيب

العقائد منهج أبى الحسن الأشعرى وهو مؤول منحرف..

قلت :رحم الله أبا الحسن وابن تيمية!
كلاهما خدم الإسلام جهده،وغفر الله لهما مايمكن أن يكون قد وقع

فى كلامهم من خطأ.اسمع يابنى لماذا تحيون الخصومات العلمية

القدمية؟ كانت هذه لخصومات- ودولة الإسلام ممدودة السلطة –

خفيفة الضرر،إنكم اليوم تجددونها ودولة الإسلام ضعيفة،بل لادولة

له،فلم تعيدونها جذعة،وتسكبون عليها من النفط مايزيدها ضراما؟

وجهوا الأمة اى كتاب ربها وسنة نبيها واشتغلوهم بما اشتغل به

سلفناالأول ،اشتغل بالجهاد فى سبيل الله فاعتز وساد!مع ملاحظة

أنهم كانوا يحررون غيرهم أما نحن فمكلفون بتحرير أنفسنا.قال

الشاب وهو يتململ حسبناك من السلف!! قلت : أن الإنتماء إلى

السلف شرف أتقاصر دونه وفى الوقت نفسه أحرص عليهن لقد

جئت تسألنى عن قضية لة سأل عنها الأصحاب رضى الله عنهم

لسكتوا....وأغلب الظن أنك تود لو تعثرت فى الإجابة حتى تتخذنى

غرضا،أنت ومن وراءك ،فلتعلم أن طهر النفس أرجح عند الله من

إدراك الصواب.......!ليس سلفيا من يجهل دعائم الاصلاح الخلقى

والاجتماعى والسياسى كما جاء بها الاسلام وأعلى رايتها

السلف،ثم يجرى هنا وهناك مذكيا الخلاف فى قضايا تجاوزها العصر

الحاضر،ورأى الخوض فيها مضيعة للوقت فيها....أما كان حسبنا منهج

القرآن العزيز فى تعليم العقائد؟

فى تعريف الناس بربهم نسمع قوله تعالى" الله لاإله إلا هو له

الأسماء الحسنى"( والاستجابة الفطرية لدى سماع هذه الآية أن

نقول: عرفنا ربنا وماينبغى له من نعوت الكمال)ويقول تعالى" فاعلم

أنه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات..."والاستجابة

الطبيعية لدى تلقى هذا الأمر أن نقول سمعا وطاعة، علمنا أن الله

واحد، ونستغفره من تقصيرنا فى الوفاء بحقوقه..ثم تتجه بعد ذلك

جهود المربين والموجهين إلى تنمية الإيمان النابت فى مغارسه

الصحيحة حتى يتحول من معرفة نظرية إلى خشية وتقوى وحياء

وخشوع ، ولانزال ننميه كما فعل سلفنا الصالح حتى يفعم المؤمن

بمشاعر التمجيد فيقول كما علمه الرسول الكريم:" ياربى لك الحمد

كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم لجلال وجهك وعظيم

سلطانك"!،فاذا واجه الموت فى سلام أو حرب لم يجزع بل قال

"غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه" كما هتف بذلك بلال رضى الله

عنه.أما جعل الايمان قضايا جدلية فهذا هو الموت الأدبى والمادى .

ولو أن سلفنا مضى مع تيار الجدل ما فتح الإسلام بلدا ، ولا شرح

بالإيمان صدرا........إن منهج القرآن الكريم فى إنشاء العقائد

وإنضاجها خفيف رقيق أخف من الهواء وأرق من الماء،اما بعض الكتب

التى تعرض العقائد فى كثير من الأعصار والأقطار فعلى نقيض ذلك

، وقد ألفت كتابى "عقيدة المسلم " وأنا متشبع بهذه

الأفكار،وأحسب أن الله نفع به كثيرا....على أن هناك أمورا يقحم

فيها السلف إقحاما ،ولا علاقة لهم بها،فما دخل السلف فى فقه

الفروع واختلاف الأئمة فيه؟ومن الذى يزعم ان ابن حنبل هو ممثل

السلفية فى ذلكم الميدان،وأن أبا حنيفة ومالكا والشافعى ،جاروا

على الطريق ،وأمسوا من الخلف لامن السلف؟إن هذا تفكير

صبيانى..وبعض من سموا بالحنابلة الذين حكى تاريخ بغداد أنهم

كانوا يطاردون الشافعية لحرصهم على صلاة القنوت فى صلاة الفجر

هم فريق من الهمل لا وزن لهم..

وأنا موقن بأن الإمام أحمد نفسه لو رآهم لأنكر عليهم وذم

عملهم....التبعة ليست على رعاع يمزقون شمل الأمة بتعصبهم

،وإنما تقع التبعة على علماء يعرفون أن الرسول صلى الله عليه

وسلم حكم بأن للمجتهد أجرين إذا أصاب، وأجرا إذا أخطأ.

ولو فرضنا جدلا أن الحق مع الحنابلة والأحناف فى أنه لاقنوت فى

الفجر فمن الذى يحرم مالكا والشافعى أجر المجتهد المخطئ.

السبت، 11 يناير 2014

- واشوقاه لإخواني

-  واشوقاه لإخواني
إشتاق لهم سيدنا علي - من باب الوراثة المحمدية - على نهج ما اشتاق لهم النبي r عندما قال [ واشوقاه لإخواني .. ثلاثا ]، وأعلن ذلك إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه  أيضا من باب الوراثة المحمدية فقال :

بشرى لنا اشتاق الحبيب لذاتنا      وتمنى  يرآنا  بقول   صراح

إخوانه  والناصرون  لدينه      والمرشدون لحضرة الفتاح

وكبيرهم وصغيرهم وصديقهم      سر الإخوة من رضا  وسماح

يا سيدي خصصتنا  بأخوة      ناولتنا من  حوضك الفياح

شكرا لذاتك  يا حبيبي دائما      شكرا وشكرا زائدا إيضاحي
ولكي نكون من أهل العلم والمعرفة، فلا وصول إلى ذلك إلا بحفظ الأصول، ومن حفظ الأصول أكرمه الله تعالى بحقيقة الوصول، والوصول الذي أعنيه هو وصولك إلى معرفة نفسك وما فيك من أسرار وأنوار ربك، وإذا كاشفك ربك بما انطوى فيك من غيوب المعاني تراءى لك الملكوت وأصبحتَ بيننا ببدنك وحقيقتك الروحانية في السماء، عند هذا الحد تصبح من أهل العلم والمعرفة وتؤذنُ بالدلالة على الله وتدخل في دائرة الصحبة التي يقول فيها رسول الله r [ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ] (أخرجه الدارمي). والصحبة لها شروط أهمها الحضور القلبي الدائم مع الخبير القرآني الصادق{ الرحمن فاسئل به خبيرا } (الفرقان:59) {ولا ينبئك مثل خبير} (فاطر:14)، فهو مظهر هداية من الله تبارك وتعالى، وتتوالى الإمدادات والفوائد من وراء حجاب، وتكرم بالإشراقات الروحانية بسر صلتك القلبية به.

وأنت إذا أكرمت بمعرفة أصلك : من البداية القريبة التي هي الماء المهين، إلى بداية الطين، إلى حيث كنت عدما بحتا، إلى وجودك في العلم الإلهي .. فهذه الأصول تعكس أنوار البدء عليك وأنت هنا، فتترجم بلسان الروح وتتحرك بيننا كالنجوم في فلكها، ولهذا عبر النبي r في حديثه السابق ذكره عن أصحابه بالنجوم لعلو مقاماتهم وسمو منازلهم وإشراقات أنوارهم. والنجوم أيضا لا تظهر أضواءها إلا في ظلمة الليل، فمعنى هذا أن الصحابة كالنجوم المشرقة في سماء الدلالة على الله تعالى ولا تظهر إلا في ليل الجهاد وليل الغفلة. والنجم في السماء يشير إلى الإتجاه الصحيح للساري لأنه محتاج إلى دليل وهادي، والنجم في السماء دليل هداية في البحر مع وسعته وفي الصحراء مع التيه فيها إذا لم يتيسر الدليل .. قال تعالى { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } (الأنعام:97) وقال تعالى {وعلامات وبالنجم هم يهتدون }، وأعلام الهداية هم العلماء العاملون المتبعون لحضرة المصطفى r وبالإخلاص بحقيقة الصفاء والوفاء بنور الإقبال وبسر القبول، قال r [ إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة ] (أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين)، أنفاسهم نفائس لأنهم عادوا إلى البدء بيانا إن لم يتيسر لهم العود عيانا، والكشف البياني كالعيان ما دام عن طريق مخبر صادق، وأعيد قول الإمام عليٌ كرم الله وجهه ( لو كشف الحجاب ما ازددتُ يقينا )، والمقصود أنه يرى كل شيء كما وصفه له رسول الله r ، ولهذا أيضا يقول أهل الإيمان يوم القيامة { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } (يس:52).

وإذا أردنا أن نصل إلى هذا فعلينا أن نفقه قول الله تبارك وتعالى في حديثه القدسي [ من طلبني وجدني، ومن وجدني عرفني، ومن عرفني عشقني، ومن عشقني قتلته، ومن قتلته كنت ديته ] (ورد في الأثر) والقتل هنا قتل معنوي بسيف الحب والعشق، ويطلب له ديـة، فإذا أصبح ربك هو ديتك بعد اجتيازك لهذه المقامات المذكورة مع التقرب إلى الله يالنوافل وحسن أدائها، فتكون الدية أن يتجلى عليك بالسمع الحقي والبصر الحقي واللسان الحقي بالنزاهة والتنزيه، واسمع للحديث القدسي [ ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإن سألني لأعطيَنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ] (أخرجه البخاري). الطريق واضح، والوصول بحفظ الأصول بعد العلم بها، وأكرر ما أقول : بعد العلم بها. والأصول عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق.

وإذا صدق العبد مع ربه ومع نبيه، ووجد الأخ الصالح الصادق الذي يذكره إذا نسي ويعينه إذا ذكر ويرشده إلى ربه وإلى حضرة نبيه، بهذا ترتفع الحجب - ومعنى حجاب العين أن العين تستعمل والعياذ بالله في النظرة المحرمة فتكون محجوبة عن شهود أنوار البصير سبحانه، ولو رفع الحجاب عنها لأبصرت بالبصير لترى ما لا يبصر بالعين المجردة ورأت ما وراء المادة وهو ما يسمى بالجلاء البصري والشفافية فينظر بنور الله ، وحجاب الأذن استعمالها والعياذ بالله في التجسس بغير الحق وفيما يغضب الحق ولكنها إذا أكرمت ورفع عنها حجابها وهو غطاء الحظوظ والأهواء والشهوات سمعت بالسميع ما لا يمكن سماعه بالأذن المحدودة ، وكذلك باقي الجوارح، والحقائق الباطنة، فحجابها بعدها عن نور الكتاب وأضواء السنة.

سيدنا موسى مع العبد الصالح :

لنا في قصة العبد الصالح مع موسى الكليم عليهما السلام في سورة (الكهف) عبرة لمن أراد أن يذكر أو أراد نشورا، لأن طالب العلم الصادق في طلبه يجمله الله تعالى بجمالين :

(1) أن يرزقه الله الأدب مع المعلم.

(2) أن يوفقه سبحانه للعمل بما يعلم فيورثه علم ما لم يكن يعلم.


الإتباع :

أساس الإتباع الاجتماع، فالطريق اجتماع فاستماع فاتباع ورغبة من التابع للمتبوع. والمتبوع هو الخبير الرحماني أو الولي المرشد كما أخبر القرآن، فهو الأستاذ وهو المعلم، فتتحقق بهذا الإتباع السعادة في الدين والدنيا والآخرة، ولهذا جعل الله اتباعنا لرسول الله r بالصدق وبالإخلاص سببا في ارتقائنا إلى مقام المحبوبية ومنزلة المغفرة، فقد أتى نفر من المدينة وقالوا إنا قوم نحب الله ، فأنزل الله تعالى قوله { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (آل عمران:31)، والمحب على خطر فقد يحب ولا يحب. وعلى هذا فإن أساس الإتباع رابطة المحبة بين المتبع والمتبوع، ولا بد من وجود الخبير القرآني ليصح الإتباع لأن الأدعياء في كل زمان كثيرون، بل يوجد في دنيانا أدعياء للنبوة. وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلا عليا في قرآنه بين لنا فيه الطالب والمطلوب، واختار لنا تابعا عظيم الشأن جليل المكانة، حتى لا يتعالى واحد من الناس في أي زمان عن طلب المعرفة من الخبير القرآني، لأن الطالب في آيات القصة نبي ألبسه الله حلة النبوة، وهو رسول بعثه الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه الألواح وتفضل عليه بالتوراة، وهو من أولى العزم من الرسل أي من صفوة الرسل، وفوق ذلك منحه الله مقام المكالمة، وهو سيدنا موسى عليه السلام، وأثبت الله هذه الحقيقة في آيات من قرآنه، والذي دله على طلب العلم من الخبير هو الله تبارك وتعالى.

والمتبوع وصفه الله لموسى بأنه عبد فقال تبارك وتعالى {عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما } (الكهف:65) وهو المشهور عند العلماء باسم ( الخضر ). وسيدنا موسى مع سمو منزلته وعلو مقامه فإن الله يدله على عبد من عباده آتاه الله العلم والحكمة والرحمة وفصل الخطاب. ومن واقع هذه الآية نجد أن الرحمة آتاها الله للخضر عليه السلام من مقام العندية { آتيناه رحمة من عندنا..} والعلم الذي أعطاه الله له من مقام اللدنية  {..وعلمناه من لدنا علما}. ومقامات القرب تنحصر في ثلاث مقامات : مقام المعية بدرجاتها، ومقام العندية بمنازلها، ومقام اللدنية بمراتبها، والفرق كبير جدا بين مقام العندية ومقام اللدنية. وقد تفضل الله على الأمة المحمدية لأجل حبيبه المصطفى r فتجلى عليها بالرحمة وبالعلم من مقام اللدنية سر قوله تعالى { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } (آل عمران:8) وقوله تعالى { واتقوا الله ويعلمكم الله }(البقرة:282) وهو العلم اللدني الذي ا واسطة فيه بين العبد وربه.

الثلاثاء، 7 يناير 2014

- عقبات السالك فى طريق الله

- عقبات السالك فى طريق الله
قال الشيخ رضوان الله عليه: إن العقبات التي تقف أمام السالك في طريق الله تعالى ثلاث:
أولا: الشهوات:
وهذه الشهوات تتمثل في حب النساء من أجل غريزة الجنس والاستمتاع بهن. دون النظر إلى ما وراء ذلك من المعاني النبيلة التي أمر الله ورسوله أن نحب النساء من أجلها وحب الأولاد من أجل العصبية والافتخار والتكاثر بهم من غير اكتراث بالحكمة من هذا الحب وحب الذهب والفضة من أجل كنزهما أو الإكثار منهما والتعالي بهما على الناس.
وحب الخيول المطهمة وما في حكمها من المركبات والسيارات من أجل الزينة والتباهي والمتعة الجسمانية وليس من أجل الله ورسوله.
وحب تملك البهائم والأنعام من أجل الثراء العريض والاستئثار بخيراتها وحب تملك الأرض والحيازات، وكذلك العمارات وما شاكلها من المؤسسات والمصانع والمزارع من أجل إشباع رغبة النفس وإمتاعها بهذه الغريزة فهذه الشهوات وما يدور حولها ويتولد عنها تعتبر عقبات في طريق السالك إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن انشغال القلب بها، واهتمام النفس بشأنها، ومزاحمة الناس في طلبها يشغل الإنسان ويلهيه عن ذكر الله وعن طاعته والتقرب إليه جلَّ جلاله، أما الاكتفاء بما رزق الله منها فإن ذلك يريح السالك ويفرغ قلبه إلى طلب مرضاة الله ورضاء رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعني بذلك أن يتهاون المؤمن في العمل والإنتاج والإجادة والإتقان فإن هذا من روح الدين وأساسه والفرق واضح بين الشهوات وبين الجد والنشاط.
ثانيا: الحظوظ:
وهي كل ما تحظى به النفس البشرية وتفرح به من زهرة الحياة الدنيا والحصول عليها بالفعل، فالحظ هو نصيب الإنسان الذي يأخذه ويناله من الشهوات التي أحبها وتمنتها نفسه، وذلك مثل اشتباه النفس للتفاح، فقد لا يحصل الإنسان عليه ويظل يشتهيه فإذا ما حصل الإنسان عليه يكون قد أخذ حظه ونصيبه من هذه الشهوة وكذلك باقي الشهوات التي ذكرناها في اليد الأول.
ثالثًا: الآمال:
وهي الأشياء التي يرغب فيها الإنسان، ويتمناها مثل حب السلامة والعافية وحب الخلود والبقاء في هذه الدنيا وحب الجاه والمراكز والسلطان وحب السمعة والمجد والمحمدة عند الناس، فهذه كلها آمال تؤثر تأثيرًا مباشرًا على قلب السالك الذي يرجو لقاء ربه ويرجو رضوان الله الأكبر ويرجو معية رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الدنيا والآخرة وإلى كل هذه النقاط الثلاث يشير الإمام أبو العزائم رضي الله عنه بقوله:
إن الطريق مَراحل هي شهوة       حظ وآمال بنص كتـــــــــــــاب
فوق الرواحل همة علمٌ بــــــه       ينجو من الشيطان من مرتاب
وعلى ذلك فإن السالك في طريق الله تعالى يجب عليه، أن يتسلح بالهمة العالية والعزيمة الصادقة والإرادة القوية، وأن يتسلح بالعلم النافع الذي يكشف له عن مراحل الطريق إلى الله تعالى، وعن العقبات التي تواجهه وتعترض طريقه حتى يقتحم تلكم العقبات وهذه الحواجز القوية، كما أنه يجب عليه أن يستعين بالرفاق الأمناء والإخوان المخلصين من أجل ذلك أيضًا فإنه بذلك يكون حريًا ببلوغ مقاصده والوصول إلى مطالبه التي خلقه الله من أجلها، وتعبده الله بها، واستعمله فيها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كذلك يجب على السالك أن يتقن العلوم الكونية التي تدفع المسلمين إلى الرقي والازدهار في مجالات الحياة الدنيا فإن ذلك من العلم النافع الذي أمر الله بتعليمه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ملاحظة

الشهوة هي الشيء الزائد عن حاجة الإنسان أما ما يحتاج إليه فهو ضرورة لحياته وبقائه وذلك أمر أوجب الشرع تحصيله والانتفاع به والمحافظة عليه فإذا أخذ الإنسان حاجته من الطعام ولم يكتف بها واستمر في الأكل فإنه بذلك يشبع شهوته ويرضي نفسه وهى لا ترضى كذلك في كل ضرورة من الضرورات إذا لم يكتف الإنسان بحاجته منها فإنها تنقلب إلى شهوات يرتكس فيها الإنسان ولا يستطيع الإفلات منها إلا بالمرض أو الموت وتعالى إلى حب النساء فإذا أحببت امرأة لتتزوجها فلا ضير في ذلك أما إذا أحببتها لتتسلى بها أو تمتع ناظريك بها أو تغرر بها فذلك هو الإثم الكبير الموبق في نار جهنم وهكذا باقي الشهوات التي جاءت في قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾، [14، آل عمران ].
منقول من كتاب بريد الى القلوب
لفضيلة الشيخ محمد على سلامه
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد

الاثنين، 9 ديسمبر 2013

- حكم الترضى على غير الصحابة

الترضي عن الصحابة المقصود به هو الطلب من الله تعالى أن يرضى عنهم، فقولك ( ‏رضي الله عنه) جملة خبرية تفيد الدعاء، كقولنا: صلى الله على محمد فهو في معنى اللهم ‏صل على محمد، وعليه فيجوز الدعاء وطلب الرضى من الله لكل مسلم؛ وإن لم يكن ‏صحابياً، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء لقول الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ‏الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ‏الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة:7،8]‏.
جرى عمل جماهير العلماء عليه، فيترضون على سلف هذه الأمة من غير الصحابة، ومن ‏مشايخهم وأهل الخير والصلاح في كتبهم ومخاطبتهم.‏
وقال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني: ( ما قاله ‏جمع من العلماء أنه يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين ومن بعدهم،
قال النووي في المجموع: ( يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم ‏من العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: رضي الله عنه
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل

جاري التحميل...