آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 22 يناير 2017

- قصة سيدنا عيسى عليه السلام

قصة عيسى عليه السلام
نشأة مريم
لا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه 
وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم "أشياع" في قول الجمهور وقيل زوج خالتها "أشياع" فالله أعلم.
و قد كانت أن أم مريم لا تحبل فرأت يوماً طائراً يزق فرخاً له فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً أي حبيساً في بيت المقدس.
قالوا: فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} أي في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم
{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
وقد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها
عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شتئم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}
ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فتنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها - أو خالتها على القولين. فطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم.

قال الله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}
وذلك أن كلاًّ منهم ألقى قلمه معروفاً به، ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاماً لم يبلغ الحنث فأخرج واحداً منها وظهر قلم زكريا عليه السلام.
فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن ألقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جرية الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء 
ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعداً فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدراً .

قال الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم مما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه. فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها {أَنَّى لَكِ هَذَا} فتقول {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي رزق رزقنيه الله {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد له من صلبه وإن كان قد أسن وكبر {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} قال بعضهم: قال: يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولداً وإن كان في غير أوانه. فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته.‏

بشارة الملائكة لمريم
{ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ{
يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب وبُشرت بأن يكون نبياً شريفاً {يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها، وأُمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة، فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها.
عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسبك من نساء العالمين بأربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد".
قصة حمل مريم بعيسى عليه السلام
لما خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً طاهراً مكرماً مؤيداً بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج فاخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.
وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورة لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها و{انتَبَذَتْ} أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} 
فلما رأته {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً} 
و التقي هو ذو نهية. 

{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً} أي خاطبها الملك قائلاً لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك لأهب لك ولداً زكيا.
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد 
{وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً} أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة 
{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها قائلاً أنه وعد الله أنه سيخلق منك غلاماً ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين 
{هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي وهذا أسهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.
وقوله {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. 

قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}.
ذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها. 
ولما نفخ فيها الروح لم يواجه الملك الفرجَ بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه، كما قال تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} 

قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً}
وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها، فذكر غير واحد من السلف أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عُباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج، فعرَّض لها ذات يوم في الكلام فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ 
قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول. 
ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ 
قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. 
قال لها: فأخبريني خبرك. 
فقالت: إن الله بشرني {اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ}.
ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا. والله أعلم.
وروى عن مجاهد قال: قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني.
قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا.
قال: واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكاناً قصياً.‏

ولادة عيسى
{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً}
أي فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، ببيت لحم فتمنت الموت وذلك لأنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو لم تخلق بالكلية.
{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا}
و فى تفسير ذلك قولان: أحدهما أنه جبريل وفي رواية: هو إبنها عيسى
{ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}. قيل النهر
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} فذكر الطعام والشراب ولهذا قال {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً}.
قيل: كان جذع النخلة يابساً وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم. ويحتمل أنها كانت نخلة، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الأمتنان {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} 
ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب
{فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً}. 
فإن رأيت أحداً من الناس فقولى له بلسان الحال والإشارة إنى نذرت للرحمن صوماً أي صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}
والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قالوا {يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة 
ثم قالوا لها {يَا أُخْتَ هَارُونَ} 
وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها. والله أعلم.
عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرحت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم".

عيسى يتكلم فى المهد
فلما ضاق الحال بمريم {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه
فعند ذلك قالوا : {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} 
أي كيف تحيلين في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو رضيع في مهده ولا يميز ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء .
فعندها {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}.
هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم، فكان أول ما تكلم به أن {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته . 
ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: {آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله ، كما قال تعالى {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنى في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولي العزم الخمسة الكبار 
ثم قال: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي وجعلني براً بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة وبراها وأعطى كل نفس هداها


حقيقة عيسى عليه السلام
قال تعالى : {ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 
كما قال تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.
فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السماوات والأرض عبيده، هو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه
وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد".


ذكر منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام
قد ذكرنا أنه ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس.
وذكر وهب بن منبه أنه لما خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره 
فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: هذا لمولد عظيم في الأرض. فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان هدية إلى عيسى 
فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك. فاحتملته فذهبت به إلى مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره
عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى، فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر،
قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه، قال: إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره.


من نعم الله على عيسى
وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ، وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.
فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مرّ ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فقال لها: مالك، أيتها المرأة؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فأنظر إليها. فقال لها عيسى: أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت؟ قالت: نعم. قالوا فصلى ركعتين، ثم جاء فجلس عند القبر فنادى: يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي. قال: فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع
القبر بإذن الله؛ ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها عيسى: ما أبطأ بك عني؟ فقالت: لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليَّ روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيامة، ثم أقبلت على أمها فقالت: يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين، يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله وكلمته، سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون علي كرب الموت. فدعا ربه فقبضها إليه واستوت عليها الأرض.
فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً.
وقدمنا في عقب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلى الله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد تراباً.
وقد روى السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل، فرأى الناس أمراً هائلاً ومنظراً عجيباً.‏

بشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يَا بَنِي إسرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، 
فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيباً فبشره بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه. إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}.
عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا:
يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".

ذكر خبر المائدة
قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابا لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ}.
ومضمون ذلك: أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم. فوعظهم عيسى عليه السلام في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل.
فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحاً من شعر
وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا.
فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنوا قليلاً قليلاً، وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنوا حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول "بسم الله خير الرازقين" فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة ويقال: وخل. ويقال: ورمان وثمار، ولها رائحة عظيمة جداً، قال الله لها كوني فكانت.
ثم أمرهم بالأكل منها، فقالوا: لا نأكل حتى تأكل فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها. فأبوا أن يأكلوا منها ابتداءً، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريباً من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفه أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل أنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف.
ثم كانت تنزل يوماً بعد يوم، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوماً بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.
عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير.
فإن العلماء اختلفوا في المائدة: هل نزلت أم لا؟ فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الأثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} كما قرره ابن جرير والله أعلم.

رفع عيسى الى السماء

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}.
فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان.
قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داوود بن نورا فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالاً مبيناً كثيراً فاحشاً بعيداً.
و أخبر تعالى بقوله: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام،
، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت
اثنا عشر رجلاً منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك. فأُلقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.
قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامساً حتى بُعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

- قصة آدم عليه السلام

آدم عليه السلام
أبو البشر، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء.

خلق آدم عليه السلام:

أخبر الله سبحانه وتعالى ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة له في الأرض. فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض , أو إلهام وبصيرة , يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق , ما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض , وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له , هو وحده الغاية للوجود . . وهو متحقق بوجودهم هم , يسبحون بحمد الله ويقدسون له, ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

هذه الحيرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم.. أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، ولا يعلمون الغيب . لقد خفيت عليهم حكمة الله تعالى , في بناء هذه الأرض وعمارتها , وفي تنمية الحياة , وفي تحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها , على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا , وقد يسفك الدماء أحيانا . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء , والخبير بمصائر الأمور: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة . وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ، فلا نعلم عنهم سوى ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله . ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه . إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن .

أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.

جمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر - ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة - ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟

سجود الملائكة لآدم:

من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم .. سواه بيديه سبحانه ، ونفخ فيه من روحه سبحانه .. فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له .. ما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد .. فهل كان إبليس من الملائكة ? الظاهر أنه لا . لأنه لو كان من الملائكة ما عصى . فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . . وسيجيء أنه خلق من نار . والمأثور أن الملائكة خلق من نور . . ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود .

أما كيف كان السجود ? وأين ? ومتى ? كل ذلك في علم الغيب عند الله . ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً..

فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) . فردّ بمنطق يملأه الحسد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين. ولا نعلم ما المقصود بقوله سبحانه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ? أم هل هي رحمة الله . . هذا وذلك جائز . ولا محل للجدل الكثير . فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم .

قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) (ص)

هنا تحول الحسد إلى حقد . وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب , وأن يمنحه الفرصة التي أراد. فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين .

وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه . إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين . لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان . لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ; والعاصم الذي يحول بينهم وبينه . إنه عبادة الله التي تخلصهم لله . هذا هو طوق النجاة . وحبل الحياة ! . . وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة . فأعلن - سبحانه - إرادته . وحدد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) .

فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم , يخوضونها على علم . والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين . وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان . وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين . فأرسل إليهم المنذرين .

تعليم آدم الأسماء:

ثم يروي القرآن الكريم قصة السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري , وهو يسلمه مقاليد الخلافة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى , لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات , والمشقة في التفاهم والتعامل , حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .

أما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية , لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم . فلما علم الله آدم هذا السر , وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء . لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . . وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم , والاعتراف بعجزهم , والإقرار بحدود علمهم , وهو ما علمهم . . ثم قام آدم بإخبارهم بأسماء الأشياء . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) .

أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه عَـلِـمَ ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، كما علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته على التعلم والمعرفة.. كما فهموا السر في أنه سيصبح خليفة في الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة بالخالق.. وهذا ما يطلق عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض وتغييرها والتحكم فيها والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على الأرض.

إن نجاح الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل من الأمرين مكمل للآخر.

سكن آدم وحواء في الجنة:

اختلف المفسرون في كيفية خلق حواء. ولا نعلم إن كان الله قد خلق حواء في نفس وقت خلق آدم أم بعده لكننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى أسكنهما معا في الجنة. لا نعرف مكان هذه الجنة. فقد سكت القرآن عن مكانها واختلف المفسرون فيها على خمسة وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى بعضهم ذلك لأنها لو كانت جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع عصيان. وقال آخرون: إنها جنة المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال غيرهم: إنها جنة من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن نختار هذا الرأي. إن العبرة التي نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى العبرة التي تستخلص مما حدث فيها.

لم يعد يحس آدم الوحدة. كان يتحدث مع حواء كثيرا. وكان الله قد سمح لهما بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة واحدة. فأطاع آدم وحواء أمر ربهما بالابتعاد عن الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في نفسه يوما بعد يوم. راح يوسوس إليه يوما بعد يوم: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) .

تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، وكل إنسان يحب الخلود. ومرت الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم قررا يوما أن يأكلا منها. نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما القديم. ومد آدم يده إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من الثمرة المحرمة.

ليس صحيحا ما تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من الشجرة. إن نص القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب الفضول.

لم يكد آدم ينتهي من الأكل حتى اكتشف أنه أصبح عار، وأن زوجته عارية. وبدأ هو وزوجته يقطعان أوراق الشجر لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره بالهبوط من الجنة.

هبوط آدم وحواء إلى الأرض:

وهبط آدم وحواء إلى الأرض. واستغفرا ربهما وتاب إليه. فأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها ... وأخبرهما الله أن الأرض هي مكانهما الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم البعث.

يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك. وهذا التصور غير منطقي لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. أما تجربة السكن في الجنة فكانت ركنا من أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن الشيطان طرد الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان.

- قصة هابيل وقابيل

قصة هابيل وقابيل
يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير عن حياة آدم عليه السلام في الأرض. لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل. حين وقعت أول جريمة قتل في الأرض. وكانت قصتهما كالتالي.
كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. فيحل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل واحد منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل. قال تعالى في سورة (المائدة):
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)

لاحظ كيف ينقل إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد القاتل يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء:
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) (المائدة)
انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد أيام.. كان الأخ الطيب نائما وسط غابة مشجرة.. فقام إليه أخوه قابيل فقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل". جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض. كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. ثم رأى القاتل غرابا حيا بجانب جثة غراب ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى جواره وبدأ يحفر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر وعاد يهيل عليه التراب.. بعدها طار في الجو وهو يصرخ.
اندلع حزن قابيل على أخيه هابيل كالنار فأحرقه الندم. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، قد قتل الأفضل والأقوى. نقص أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه.
قال آدم حين عرف القصة: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) وحزن حزنا شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني. صلى آدم على ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا يعظ أبنائه وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ويروي لهم قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه.

موت آدم عليه السلام:
وكبر آدم. ومرت سنوات وسنوات.. وعن فراش موته، يروي أبي بن كعب، فقال: إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة. قال: فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟ أو ما تريدون وأين تطلبون؟ قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضي أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال: إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك، فخلي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل. فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه، وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره، ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم.
وفي موته يروي الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطىء آدم فخطئت ذريته".

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

- مذا نتعلم من لقاء موسى والعبد الصالح؟

إلتقاء موسى بالخضر وسببه :
أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل الذي عرض لنا فيه مجمل هذه القصة وهو الحديث الذي رواه سفيان فقال قال صلى الله عليه وسلم [ إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم ؟ فقال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فقال : بلى إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال : أي رب ومن لي به ( وربما قال سفيان: أي رب وكيف لي به ؟) قال : تأخذ حوتا وتجعله في مكتل، حيثما فقدت الحوت فهو ثم (وربما قال: فهو ثمة). وأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فرقد موسى، واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر { فاتخذ سبيله في البحر سربا } فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق. فانطلقا يمشيان بقية ليلتهما ويومهما، حتى إذا كان من الغد { قال لفتاه آتنا غذائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا }، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله ، قال له فتاه { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا } فكان للحوت سربا ولهم عجبا. قال له موسى { ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا }، رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب :
فسلم موسى، فرد عليه.-  فقال: وأنى بأرضك السلام ؟ - قال: أنا موسى.-  قال: موسى بني إسرائيل ؟
- قال: نعم .. أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا.
-  قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.
قال: هل أتبعك ؟
-  قال: { إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا .. إلى قوله إمرا }. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر .. إلى آخر الحديث الطويل الذي رواه البخاري في أحاديث الأنبياء].
أراد الله عز وجل أن يبين لموسى حقيقة العلم الإلهي المستور وراء العلم الظاهر، ودله على العبد، ووصف له الطريق الموصل إلى مكانه، وأعد موسى عدته، وأخذ معه رفيقا لرحلته وهو يوشع بن نون وليأتنس به. سار موسى ومعه رفيق رحلته، وظهرت العلامة التي تدل على قرب الوصول إلى العبد الصالح وهو فقد الغذاء ثم العود للبحث عنه.
وأثناء نوم موسى عند الصخرة : [ تضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر ]، وقيل أن [ في أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا تصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ] (أخرجهما البخاري في تفسير القرآن). وهذا هو رمز العلم الذي يحيي القلوب بعد مواتها.
موسى يطلب العلم من الـخضر :
قال موسى بلسان الطالب المتأدب { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } (الكهف:66) ؟ والرشد هو الغاية من طلب العلم ولهذا طلبها موسى من الخضر، فالعلم لا يطلب لذاته ولكنه يطلب للعمل بمقتضاه، والعمل بمقتضى العلم يؤدى بالعبد إلى رتبة الرشاد، وقد أثنى الله على الخليل مع علو مقامه فقال { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } (الأنبياء :51) ، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة بقوله [ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ] (أخرجه البخاري) وفي حديث آخر بالجامع الصغير للسيوطي عن البزار قال صلى الله عليه وسلم [ إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده ]. من ذلك نتعلم من سيدنا موسى أسلوب طلب العلم حتى لا يتكبر طالب علم على أستاذه أو شيخه مهما كانت درجة هذا الطالب. وإذا ما بلغ الواحد منا مرتبة الرشد أكرمه الله بالمعرفة الحقية للمرشد، فلا يعرف الولي المرشد إلا من بلغ رشده.
امتحن الخضر موسى عليهما السلام في أمرين وهو يعلم أنه نبي، ورسول، ومن أولي العزم، وكليم الله ، ونزلت عليه التوراة والألواح، وذلك بعد أن سأله موسى بأدب الطالب { هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا } ؟
(1)  قال العبد لموسى { إنك لن تستطيع معي صبرا..} ولم يكتف بهذا بل قال له {..وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } كما قال الهدهد لسيدنا سليمان عليه السلام رغم مقامه العالي وتسخير الجن والرياح له بأمر ربه {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين } (النمل:22). لم يرد موسى على الخضر رد تعنيف أو تأنيب لأنه طالب علم كما سبق وذكرت، لم يقل له أنا نبي ورسول من أولي العزم وأكلم الله تكليما، ولكن أدب طلب العلم المهذب وجهه أن يقول لأستاذه ومعلمه { ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا }.
(2)  ولم يكتف الأستاذ بإقرار طالب العلم، لكنه أخذ عليه عهدًا وميثاقا فقال له { فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا }، ورضي الكليم عليه السلام بهذا الشرط، وقبل العبد صحبته.
يتبين من هذا تلطف موسى وتواضعه، وخشونة الخضر وتصريحه بما لا تقبله النفوس الكبيرة فضلا عن نفوس الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن هذا القول امتحان منه ليعلم قوة تسليم موسى عليه السلام، إمامنا أبو العزائم رضوان الله عليه يقول في هذا المقام ( يا بنىَّ: إذا جلستَ مع العالم فأمسك عليك لسانك، وإذا جلستَ مع العارف فأمسك عليك لسانك وقلبك، وكن بين يدي المرشد القرآني الكامل كالميت بين يدي مغسله ) أي يقلبه كيف يشاء بلا إرادة منه.
المسيرة :
إن الصحبة اتباع، وفرق كبير بين القيد والإطلاق، والاطلاق انطلاق روحي من قيود المادة، بين ربنا سبحانه هذا فقال { فانطلقا } (الكهف:77،74،71) ولم يقل فمشيا أو فسارا.
الإنطلاقة الأولى :
وتكملة لحديث رسول الله السابق ذكره والذي رواه البخاري في أحاديث الأنبياء [..فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة كلموهم أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوه بغير نـول ( أي بغير أجر ). فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص من علمي وعلمك من علم الله إلا مثلما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر .. الخ الحديث ].
خرق العبد السفينة وفيها أصحابها وركابها، ونسي موسى العهد وغلب عليه ما يعلمه من هذه الحقائق الشرعية التي كلف بها وأمر بأن يعلمها لقومه، واعترض على العبد، فهو رسول مشرع رأى أن في خرق السفينة بدون ذنب جناه أهلها تعد لحدود الله وخرق لناموس الشريعة. وليس للتابع أن يعترض على المتبوع أبدا وهو يعلم أن الله هو الذي اختاره له أستاذا ومعلما وأرسله إليه، ولأنه رسول ومشرع فقد غلبته قوته الشرعية فلم يصبر على خرق السفينة بل واجهه بالتهمة فقال له: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا~     ..} أي منكرا، فذكره الخضر بالشرط الذي أخذه عليه {..قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا   ~  ..} فاعترف وتأسف له قائلا {..قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا } (الكهف:71ـ73)، والقلم يرفع عن الناسي حتى يتذكر، وقبل الخضر اعتذاره.
الإنطلاقة الثانية :
وفيها وقع أمر أعلى بكثير مما حدث أثناء الإنطلاقة الأولى. لقي العبد الصالح غلاما يلعب مع أقرانه من الصبيان لم يجني شيئا في ظاهر الأمر فاقتلع رأسه كأنه يقطف شيئا، واعترض موسى للمرة الثانية وقال للخضر { أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا~  ..}. في الإنطلاقة الأولى قال له { لقد جئت شيئا إمرا } وفي الإنطلاقة الثانية قال له { لقد جئت شيئا نكرا }، وهى أعنف من الأولى. ذكر العبد موسى بالشرط وقال له {..قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا  ~  ..} وأزاد العبد هنا كلمة (لك) عن الإنطلاقة الأولى، فلم يجد موسى أمامه إلا أن حكم على نفسه بنفسه فقال {..قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغتَ من لدني عذرا } (الكهف: 74ـ76).
الإنطلاقة الثالثة :
والثالثة ثابتة كما نقول. دخلا قرية، وكانا في حاجة إلى الطعام لسد رمقهما، ولكن لم يقبل أحد فيها أن يضيفهما { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية واستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا   ~   قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } (الكهف:77،78). ودليل إثبات عدم اشتراك موسى في إقامة الجدار هو قوله سبحانه (فأقامه) أي الخضر وحده.
التأويل :
يبين لنا القرآن الكريم أسباب ما حدث من الخضر أثناء هذه الإنطلاقات الثلاث :
(1) { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا   ~..}.

(2) { ..وأما الغلام فكان أبويه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا   ~   فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما   ~..}.
(3) {..وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ..}.
ثم ختم الله هذا البيان القرآني بقوله سبحانه على لسان الخضر { وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } (الكهف:79-82). وشتان بين قول الخضر عليه السلام في المرة الأولى { ما لم تستطع عليه صبرا }وفى المرة الأخرى { ما لم تسطع عليه صبرا }، فالأولى استطاعة، والأخرى سطوع، فإنما نقف عند حدود الظاهر لنشير إلى الباطن.
أخبر الإمام أبو العزائم عن هذه الإنطلاقات الثلاث فقال ( لقد كان الخضر عليه السلام يريد أن يسير بموسى عليه السلام مائة مرحلة فوقف موسى عند الثالثة، وفى الثلاثة لمن فقه الخير الكثير ). وبين لنا الإمام أن السير والسلوك إلى الله عز وجل ينحصر في الثلاث مسائل التي توقف عندها سيدنا موسى عليه السلام.
ولما كانت هذه الإنطلاقات فيها من العلم الكثير، ولما كان معرفة مكان العبد قد تحدد بفقد الغذاء، والخضر قد آتاه الله من لدنه علما وآتاه رحمة من عنده، فإن كل ما فعله الخضر كان من باب الرحمة. علم الخضر من ربه أن موسى لن يستطيع معه صبرا، وأنه لا بد من مكاشفة موسى بما لم يستطع عليه صبرا. وإذا كان  الفراق معناه كما هو شائع لما أخبر الخضر موسى عليهما السلام بما في فحوى الأمور، والبين هنا هو البعد، وازداد القرب بفراق أو انتفاء البعد أو البين الذي كان بينهما فالتقيا، ولذلك قال الخضر { هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } وبدأ يسرد له أسباب ومغزى كل انطلاقة.
مشاهد :
 نأخذ من لقاء موسى مع العبد الصالح  ما ينفعنا في سيرنا وسلوكنا إلى ربنا عز وجل، فهي ليست مجرد قصة عادية إذ أن كل قصة ذكرها لنا ربنا سبحانه في قرآنه هي في حقيقة الأمر للعبرة وللتذكرة { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} (يوسف :111) حتى يكرم العبد بما فيها من أسرار وأنوار وحقائق.
ومن علوم الإمام رضوان الله عليه .. فإن كل ما أقوله - كما سبق وكررت - من علومه :
أولا : استعمل الخضر في التأويل لهذه الأحداث الثلاث ثلاث كلمات هي : فأردت، فأردنا، فأراد ربك :
(1)  في بيان حالة السفينة وخرقها قال العبد { فأردت أن أعيبها }.
(2)  في بيان قتل الغلام قال العبد { فأردنا أن يبدلهما }.
(3)  في بيان رفع الجدار قال العبد { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما }.
وكل درس من هذه الدروس له علومه وخصوصياته، ولكن هذه الكلمات الثلاث هي حقيقة السير والسلوك إلى الله تعالى، وهي التي تصاحب العبد من أول الأمر في حياته إلى نهايتها، يبين لنا الإمام أنه :
(1)  في المرحلة الأولى أثبت الخضر لنفسه وجودا عبر عنه بقوله { فأردت} أي أن الخضر هو الذي أراد، مثل ما يقول الإنسان في بداية سيره وسلوكه لقد صليت وصمت وزكيت وحججت وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وإثبات الوجود صدود وإن كان لا غنى عنه في البداية لأنني لم أترقى ولذلك أنسب العمل لنفسي في كل شئ، ففيها بيان مراد العبد، وفيها رؤية المريد لعمله { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } (التوبة:105) {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } (فاطر:10). وبيان رمز {أردت } في قوله تعالى { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } (التوبة:36) ففيها إثبات كينونة وإثبات وجود وله عمل وهو القتل. ولقول الخضر { فأردت } مذاق آخر، ولأنها إرادة لفعل ظاهره عيب أمام الجميع .. فقد نسب العيب لنفسه وقال { فأردت }.
(2)  إذا ارتقى الإنسان في سيره وسلوكه إلى حضرة ربه فلا يكون له مراد ولكن يتحد مراده بمراد ربه وفى هذا رفعة مقام عبر الخضر عنها بـ { أردنا}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر أصحابه في البداية أن من يصلى ركعتين في جوف الليل له أجر كذا، وأشياء أخرى من هذا القبيل، وجزاء ذلك دخول الجنة، ورسول الله هو الصادق الأمين، ولكن بعد أن حببهم في الإسلام وارتقوا في أعمالهم من الحسن إلى الأحسن وارتفع شأنهم الروحي قال لهم [ ما منكم من أحد يُدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار إلا برحمة من الله وفضل ] قالوا : يا رسول الله ولا أنت ؟ قال [ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ] (أخرجه أحمد). ورمز { أردنا } وهو اتحاد مراد العبد بمراد الرب في قوله تعالى { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } (التوبة:14) فالذي عذب هو الله ولكن بالأيدي التي ستستعمل لنوال الأجر العظيم .يعبر الإمام أبو العزائم عن ذلك وموجها قوله لربه مبينا مراد العبد ومراد الرب بقوله :
لا وحقك لا  أحب    <<<<.>>>>    أن أكون كما أريد
بل مرادي منك أني    <<<<.>>>>    عن مرادك لا أحيد
يا مرادي  بل وعوني    <<<<.>>>>    أنت  لي  ركن  شديد
(3)  وبالترقي في مسيرة السلوك إلى ملك الملوك وبعد اتحاد مراد العبد بمراد ربه يخفى مراد العبد لينفرد مراد الرب، وهذه المكانة هي المعبر عنها بقوله سبحانه { فأراد ربك }، ورمزها قوله سبحانه للمؤمنين {..فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم..} وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم {..وما رميت إذ رميتَ ولكن الله رمى } (الأنفال: 17)، فنفى القتل بعد أن أثبته لهم لينسبه لذاته جل وعلا، ونفى الرمي بعد أن أثبته له صلى الله عليه وسلم ليثبته لذاته عز وجل. وبسمو هذا المقام تختفي أنت ببشريتك الحاجبة  ليظهر هو سبحانه بأنوار تجلياته وأسراره فيك فيغمرك بالنور الذي يبدل بشريتك رغم بقائها، وإذا غيبك عنك وظهر .. هل ترى شئونه ؟ وإذا غاب عنك وأظهرك فابك على نفسك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب على سؤال جبريل عن الإحسان فيقول [ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ] (رواه البخاري ومسلم في الإيمان)، فإن لم تكن وانتفت كينونتك الحاجبة فإنك تراه، ولكن كيف تراه ؟ والجواب : فإنه يراك، أي تراه به لا بك، فكان سبحانه سمع العبد وبصر العبد ويد العبد مع نزاهته سبحانه وتعالى، وقد وسعه مع النزاهة أيضا قلب عبده المؤمن. اسمع له رضي الله عنه وهو يبين معاني هذا التبديل الحادث فيقول:
أيا  حي  يا  قيوم  أحي  بحبكم      حياتي بنفسي أبدل أرض نسبتي
أيا  حي  يا  قيوم  قوم بحسنكم      قيامي بنفسي أبدل أرض نسبتي
أيا حي يا قيوم أرضي تبدلت      وتلك  سمائي  أبدلتها  بحكمة
أيا  حي  يا قيوم قامت قيامتي      وأحييت أوصافي فقوم حقيقتي
أيا حي يا  قيوم  أحييت  ميتا      وقومتني حتى رأتك بصيرتي
أيا حي يا قيوم أحييت  ثم  قد      وهبت لنا نورا أضاء بوجهتي
ومن  مات تحييه  وتعطيه  نوركم      به يمشي بين الناس من غير ريبة
إذا كان أحياني وبالنور خصني      وها  أنا  أمشي بينكم  بالهداية
وإذا وعد  الرحمن وعدا  يتمه      ويعطي عليه ألف  ألفٍ بكثرة
إذا  كنت  حيا لم  تمت بغرامة      فدع عنك من أحياهم  بالحنانة
فق   قال  في  القران  والآي  حجتي      على من عمى عن رشف راح المدامة
.. إلى آخرالقصيدة
والأرض في البيت الثالث إشارة للجسم، والسماء تشير إلى الحقيقة الروحانية.
ثانيا : في البداية يكون المتبع مريدا للحق، فقد أراد أن يكون على الصراط المستقيم، فإذا قبل من العالم العامل الورع وهو الخبير القرآني وسلك في عقد القوم سمي سالكا - قال صلى الله عليه وسلم [ إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك] (أخرجه مسلم في القدر)، ويظل المؤمن في يمين الله كلما وقع في معصية استغفر ربه وتاب إليه وأناب حتى يقيمه فلا يقع ، فيدخل في دائرة { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } (الأنعام:82) ويجمله بفضله وبرحمته الواسعة بقوله سبحانه {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } (الحجر:42). فإذا انتقل المريد من أدوار البداية وكانت له بداية محرقة بجهاد نفسه فإن الله يكرمه بالنهاية المشرقة، فلا يرد على عقبيه أبدا بل يكرمه الحق بسر قوله تعالى { مثل الجنة التي وعدَ المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن..} وهذا لأهل مقام الإسلام {..وأنهار من لبن لم يتغير طعمه..} وهذا لأهل مقام الإيمان {..وأنهار من خمر لذة للشاربين..} وهذا لأهل مقام الإحسان {..وأنهار من عسل مصفى..} وهذا لأهل مقام الإيقان {..ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم }(محمد:15)، حتى يتحققوا بقول الله سبحانه: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } (السجدة:17) وإمامنا يفسر ذلك بقوله {جزاء بما كانوا يعملون } أي يعملون منه به له، إذ الفضل منه وبه وإليه تبارك وتعالى.

ثالثا : للسفينة رمز وهو جسم الإنسان، والملك الذي يريد أن يأخذ كل سفينة غصبا رمزه إبليس، فلا بد للإنسان من أن يجد العالم الرباني الذي يخرق له عوائد نفسه الذميمة حتى لا يطمع فيه إبليس ويمتلك سفينة حياته فيقودها إلى حيث لا يفيد ندم. والغلام رمزه النفس الأمارة بالسوء، قال تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } (الرعد:11) وقال تعالى { إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي } (يوسف:53)، فمن وجد من يقتل له نفسه الأمارة بالسوء أبدله الله تعالى نفسا مطمئنة لترجع إلى ربها وهو في دنياه وبالتالي في أخراه راضية مرضية لتدخل في عباد الله وفي جنات الشهود. والغلامين اليتيمين الذين هما في المدينة رمزهما في الإنسان النفس والروح فلا أب ولا أم لهما، والكنز هو ما فيه من أسرار باريه.

إن فعل الخضر عليه السلام يخالف ظاهر الشريعة، وكليم الله إمام الشريعة وأكمل الناس غيرة لها فلم يستطع أن يتحمل صبرا على فعل الخضر .. وكيف لا وقد سأل الله أن يهلك فرعون ومن معه غيرة للشريعة. وقد سبق لموسى عليه السلام وبأمر ربه أن ضرب البحر بعصاه فنجا ومن معه من بني إسرائيل وغرق فرعون وجنوده، كما سبق له أن قتل نفسا بغير حق، كما سبق له أن سقى للفتاتين وآوى إلى الظل، ولكنه غضب لما خالف الخضر ظاهر الشريعة.

السبت، 13 أغسطس 2016

- قصة سيدنا إدريس عليه السلام

نبذة:
كان صديقا نبيا ومن الصابرين، أول نبي بعث في الأرض بعد آدم، وهو أبو جد نوح، أنزلت عليه ثلاثون صحيفة، ودعا إلى وحدانية الله وآمن به ألف إنسان، وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها، وأول من نظر في علم النجوم وسيرها

سيرته:
إدريس عليه السلام هو أحد الرسل الكرام الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابة العزيز، وذكره في بضعة مواطن من سور القرآن، وهو ممن يجب الإيمان بهم تفصيلاً أي يجب اعتقاد نبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم لأن القرآن قد ذكره باسمه وحدث عن شخصه فوصفه بالنبوة والصديقية.

نسبه:
هو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينتهي نسبه إلى شيث بن آدم عليه السلام واسمه عند العبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من أجداد نوح عليه السلام. وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد (آدم) و (شيث) عليهما السلام، وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم عليه السلام 308 سنوات لأن آدم عمر طويلاً زهاء 1000 ألف سنة.

حياته:

وقد أختلف العلماء في مولده ونشأته، فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل، وقال آخرون إنه ولد بمصر والصحيح الأول، وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، ولما كبر آتاه الله النبوة فنهي المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة (آدم) و (شيث) فأطاعه نفر قليل، وخالفه جمع خفير، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل عن أوطانهم فقالوا له، وأين نجد إذا رحلنا مثل (بابل) فقال إذا هاجرنا رزقنا الله غيره، فخرج وخرجوا حتى وصلوا إلى أرض مصر فرأوا النيل فوقف على النيل وسبح الله، وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق. وكانت له مواعظ وآداب فقد دعا إلى دين الله، وإلى عبادة الخالق جل وعلا، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة، بالعمل الصالح في الدنيا وحض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة، وأمرهم بالصلاة والصيام والزكاة وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، وحرم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم تشديد وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالى منطقهم جميعاً ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم. وهو أول من علم السياسة المدنية، ورسم لقومه قواعد تمدين المدن، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وأنشئت في زمانه 188 مدينة وقد اشتهر بالحكمة فمن حكمة قوله (خير الدنيا حسرة، وشرها ندم) وقوله (السعيد من نظر إلى نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة) وقوله (الصبر مع الإيمان يورث الظفر).

وفاته:

وقد أُخْتُلِفَ في موته.. فعن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}؟ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال "له": إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى ازداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: يا للعجب! بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟! فقبض روحه هناك. فذلك قول الله عز وجل {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه: كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر. وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة.

وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر، وإن أراد أنه رفع حياً إلى السماء ثم قبض هناك. فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار. والله أعلم.

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} : رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح، وهو قول مجاهد وغير واحد. وقال الحسن البصري: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إلى الجنة، وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.

قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء: أنه لما مرّ به عليه السلام قال له مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ولم يقل كما قال آدم و إبراهيم: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قالوا: فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا له.

وهذا لا يدل ولابد، قد لا يكون الراوي حفظه جيداً، أو لعله قاله على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن، وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين

الأربعاء، 10 أغسطس 2016

- مكانة رسول الله بين الأنبياء والمرسلين

الحمد لله الذي وهب رسله الكرام، خيرًا كثيرًا، وعلمًا غزيرًًا، وحكمة عالية، وإصابة في الرأي، وسدادًا في الأمر، ونورًا وهدًٍى ورشادًا، لينقذوا البشرية من الشقاء والضلال البعيد إلى السعادة والنور والهدى، ومنح سيدنا ومولانا محمدًا من كل هذه المعاني أكملها وأجلها وأعظمها، حتى كان بحق نور الله الموصل إلى الله، ورحمة الله العامة لجميع خلق الله، وسنعرض عليك أيها المسلم ما يكشف لك عن هذه الهبات التي تفضل الله بها عليه صلى الله عليه وسلم، في هذا الموضوع الذي بين يديك.
1. قال سيدنا شعيب: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾، [89، الأعراف]. فقد طلب معجزة من الله ينتصر بها على قومه، لما كذبوه وعادوه، وقد امتن الله على حبيبه محمد بقوله سبحانه: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، [1، الفتح]. فنصره الله على قومه، وعلى غيرهم، وفتح الله له القلوب فاهتدت إلى الإسلام، وكان هذا الفتح ظاهرًا للعيان، وعاما في كل شأن ومطلقا من كل قيد.
2. دعا سيدنا نوح ربه فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، [28، نوح]. ودعا سيدنا إبراهيم ربه فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، [41، إبراهيم]. وتفضل الله على حبيبه محمد بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، [2، الفتح]. فغفر الله له صلى الله عليه وسلم كل ذنب مقدمًا، حتى لا يتهمه أحد بذنب، لأن الله قد غفره له صلى الله عليه وسلم، يعني محاه وستره عن أهل السموات والأرض. فلم ير أحد منهم له صلى الله عليه وسلم ذنبًا ولا عيبًا، فكيف يتهمه أهل الكفر والضلالة بعيب أو ذنب وهم لم يشهدوا عليه شيئًا من ذلك، ولقد فضحهم الله وكذبهم بهذه الآية الشريفة، ثم تفضل الله على رسوله بهذه المغفرة من غير طلب ولا سؤال منه صلى الله عليه وسلم، وهنا تظهر منزلة رسول الله التي أكرمه الله بها دون سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، ولما أراد الله أن يعاتبه صلى الله عليه وسلم، في إذنه للمنافقين بالتخلف عن الجهاد في غزوة تبوك، صدَّر هذا العتاب بقوله جلَّ شأنه: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾، [43، التوبة]. وهذا العفو الكريم يؤخذ في الاعتبار عند كل عتاب من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه حكم عام في كل ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم، من الأمور التي عاتبه الله عزَّ وجلَّ فيها، وليس لأي مخلوق في السموات أو في الأرض أن يعتب على رسول الله أو يعيب عليه، أو ينسب إليه أدنى شائبة لأنه صلى الله عليه وسلم منزه عن كل ما يجول بالخواطر من الشين أو العيب، وقد قال بعض العارفين في هذا المقام مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وأجمل  منك لم تر قط عيني       وأحسن منك لم تلد النساء
خلقت مبرءًا من كل عيب       كأنك خلقت كما  تشـاء
ثم ما هو الذنب الذي غفره الله لرسوله عليه الصلاة والسلام والذي جاء ذكره في قول الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، لم يذكر القرآن شيئًا عن هذا الذنب ولكن أراد الله بهذا التعبير الكريم أن يقيم الحجة على المفترين، الذين يفترون الكذب على رسول الله، وينسبون إليه بعض الزلات فيقول لهم قد غفرت له كل هفوة وكل ذنب سلفًا، وقبل إدعاءكم عليه بما تقولون فماذا أنتم فاعلون؟. وما هي نتيجة افترائكم عليه؟. ألا تخجلون ألا تستحيون من الله ورسوله وكيف تواجهون الله ورسوله إن الله قد أحاط رسوله بسياج منيع من الكمال والجلال فل يقدر أحد على النيل منه صلى الله عليه وسلم، سر قول الله تعالى: ﴿ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، [67، المائدة].
3. إن الله أعطى رسوله صلى الله عليه  وسلم، الشفاعة العظمى يوم القيامة، ولم يعطها لأحد من الأنبياء والمرسلين فإنه قد ورد في حديث شريف ما معناه: {أن الناس يذهبون إلى الرسل والأنبياء ويسألونهم الشفاعة للنجاة مما هم فيه من الأهوال والكروب، فيقول كل نبي لست لها، ويذكر خطيئته التي أصابها حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا لها أنا لها، ويسجد بين يدي الله عزَّ وجلَّ ويثني عليه بمحامد لم يثن عليه بها من قبل فيقول الله له: يا محمد ارفع رأسك وقل يُسْمَعْ لك وسل تُعْطَ واشفع تُشَفَّعْ فيشفع رسول الله في الخلق أجمعين يوم القيامة}. [1]   فهذا الحديث الشريف يكشف لنا عن مكانته صلى الله عليه وسلم، بين الرسل والأنبياء يوم القيامة.
4. دعا سيدنا سليمان عليه السلام ربه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾، [35، ص]. فقد طلب من الله الملك والتصريف في عالم الكون، وقد استجاب الله له وسخر له الريح والإنس والجن والوحش والطير وغير ذلك من عالم الكون، وقد تفضل الله على حبيبه من غير طلب منه فقال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، [5، الضحى]. أي يعطيك كل ما تطلبه من الدنيا والآخرة حتى ترضى وتقر عينك ويبتهج قلبك، أو حتى ترضى عنا بما نعطيك لأن رضاك عنا محبوب لنا ومراد لذاتنا، وهذه منزلة لم يمنحها الله لأحد من الأنبياء عليهم السلام، وكذلك يعطيك ربك من المزيد والإكرام ما لا يخطر على قلب أحد من الأنبياء والمرسلين.
5. دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، [83، الشعراء]. أي هب لي أمرًا مطاعًا وحكمًا نافذًا، بين عبادك حتى أقيم دعائم الحق فيما بينهم، وقد منح الله حبيبه التصريف المطلق في حياة المؤمنين وشؤونهم فقال سبحانه وتعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، [6، الأحزاب]. فله صلى الله عليه وسلم، الولاية المطلقة والرعاية الكاملة للمؤمنين أكثر من ولاية أنفسهم لهم فضلاً عن آبائهم وأمهاتهم وأولادهم وأزواجهم وذوي قرابتهم. وقد أوضح القرآن هذا المعنى بصورة رائعة من البيان في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، [128، التوبة]. فإن رأفته ورحمته بهم أعظم من رحمتهم بأنفسهم.
6. دعا سيدنا إبراهيم ربه فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، [84، الشعراء]. أي اجعل لي ألسنة تذكرني بالخير والدعاء في الأمم القادمة، وقد استجاب الله له، وقام المسلمون بالصلاة عليه وعلى آله في كل صلواتهم، وأكرم الله حبيبه بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾، [218-219، الشعراء].  فقد صار صلى الله عليه وسلم يتقلب في قلوب المؤمنين فلا يقدرون على التسلي عنه، لأنه محبوب قلوبهم، ونور أبصارهم، ومراد نفوسهم فهم يذكرونه أين كانوا وكيف كانوا، ويصلون عليه في كل وقت وحين، فقد ورد في معنى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن من أشد الناس بخلاً من ذُكرت عنده ولم يصلِّ عليَّ}. [2]
7. دعا سيدنا إبراهيم ربه فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾، [85، الشعراء].  وأكرم الله حبيبه ومصطفاه بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، [1، الكوثر]. وأعطيناك يعني ملكناك، والكوثر الخير الدائم المتكاثر باستمرار، أو هو نهر في الجنة أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وألذ من أي شراب من مشروبات الجنة، لو تناول المؤمن منه شربة صار نشوان في أعلى درجات النعيم من هذه النشوة وقد منح الله رسوله هذا الكوثر من الأزل من غير طلب منه ولا رجاء، وذلك هو غاية التكريم ونهاية التشريف، ولم يعط الله شيئا من هذا الخير الأعظم لأحد من المرسلين قبله عليهم السلام فهو عطاء خاص به صلى الله عليه وسلم وإنه يأذن للمؤمنين بالشرب منه في الجنة إكراماً منه صلى الله عليه وسلم لهم، اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا يا رب العالمين.
8. دعا سيدنا موسى ربه فقال:  ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، [25، طه].  وذلك عندما كلفه الله بإبلاغ الرسالة إلى فرعون، فطلب من الله أن يشرح صدره للقيام بهذه المهمة الكبرى. وقد أمتن الله على رسوله بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾، [1، الشرح].  أي قد شرحنا لك صدرك ووسعناه لكل شيء من أمور الدين والدنيا حتى وَسَعْتَ الناس جميعا بحلمك وعفوك ورحمتك وعلمك، فقد وجد كل كائن مكانًا له في صدر رسول  الله صلى الله عليه وسلم، أو قد شرحنا لك صدرك يعني بينا لك فيه كل شيء من أمور الحياة الدنيا وأمور الآخرة حتى كان صدرك كتابا فيه ما كان وما يكون وما هو كائن من عالم الغيب والشهادة فلم يكن هناك شيء يخفى عليك من أمر الدنيا والآخرة وإنك قد بينت للناس على قدر ما تتحمله عقولهم من الذي علمناه لك وشرحناه لك في صدرك، فكان انشراح صدره صلى الله عليه وسلم عامًا ومطلقًا وليس مقيدًا بتبليغ الدعوة فقط فالفرق واسع جدا بين سيدنا موسى عليه السلام وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
9. دعا سيدنا موسى ربه فقال: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، [26، طه].  وقال الله لحبيبه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، [2، الشرح]. أي حملنا عنك كل أمر يهمك فلا تبتئس به، وهذا التعبير من الله عزَّ وجلَّ أكبر وأعظم من قوله تعالى ويسرنا لك أمرك، لأن تيسير الأمر هو تذليله وتسهيله بخلاف وضعه عنه يعنى إراحته منه بالمرة، وذلك غاية العطف والحنان والوداد من الله عزَّ وجلَّ لحبيبه ومصطفاه.
10.    دعا سيدنا موسى ربه فقال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي  ﴾، [27-28، طه]. حتى أستطيع إبلاغ الدعوة إلى فرعون وقومه، وتفضل الله على حبيبه فقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾، [58، الدخان].  أي جعلنا لسانك رطبًا وجاريًا بالقرآن، وسلسًا به حتى تَحَيَّرَ البلغاء والفصحاء من عذوبة منطقك ورقة أسلوبك وعظمة بيانك وفخامة تعبيرك، وهذا العطاء كله كان من الله لرسوله من غير طلب ولا سؤال.
11. دعا سيدنا موسى ربه فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، [29-32، طه].  فقد طلب سيدنا موسى من الله أن يعينه بأخيه هارون عليه السلام، فاستجاب الله له وقد امتن الله على رسوله فكفاه وأعانه بنفسه جلَّ شأنه وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ﴾، [64، الأنفال]. فلم يؤازره سبحانه بأحد سواه، إجلالاً لقدره، وإعظامًا لعلاه صلى الله عليه وسلم.
12. دعا كل نبي على قومه لما كذبوه وحاربوه، ولم تُجْدِ فيهم النصيحة والإرشاد فأهلكهم الله، وانتقم منهم لرسله وأنبيائه عليهم السلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد إيذاء قومه له، يدعو لهم بالهداية ويقول:{اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون}. وكان الملائكة الموكلون بالخسف والإغراق والإهلاك يستأذنون رسول الله في إهلاك قومه، عندما عادوه واضطهدوه فكان رسول الله يقول لهم: لا تفعلوا إني أنتظر أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله ويعبده، فكانت الملائكة تقبل رسول الله بين عينيه ويثنون عليه بقولهم: (صدق من سماك الرءوف الرحيم).
13. اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى كليمًا وعيسى وجيهًا وآدم صفيًا، وإسماعيل رضيًا عليهم السلام، واتخذ الله محمدًا صلى الله عليه وسلم حبيبًا، وليس هناك مقام فوق مقام الحبيب في الرفعة والتقريب.
14. أرسل الله كل نبي إلى قومه خاصة، وبعث الله سيدنا محمدًا إلى الناس كافة، بل أرسله إلى الأنس والجن لأنه صلى الله عليه وسلم، قدر الثقلين فقد منحه الله طاقة تكفيهم وتفيض عنهم.
15. كانت رسالات الأنبياء مؤقتة بزمان حياتهم لأنها كانت تعالج أمراضَا خاصة بأقوامهم، ورسالة سيدنا محمد باقية إلى يوم الدين لأنها الرسالة العامة والكاملة وقد تضمنت علاج الأمراض التي تصيب البشرية وحل المشاكل التي تنشأ فيها إلى يوم القيامة.
16. كان كل نبي يرسل الله بعده نبياً آخر، وقد جعل الله سيدنا محمد ختامًا لجميع الأنبياء والمرسلين فلم يعقبه نبي إلى يوم القيامة، أما نزول سيدنا عيسى عليه السلام في آخر الزمن فإنه لن ينزل برسالة جديدة وإنما ينزل مؤيدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتابعًا له. ويقتدي بإمام المسلمين القائم وقت نزوله من السماء عليه السلام.
17. كان كل نبي سببًا في إهلاك قومه، لكفرهم به وتكذيبهم له، ورسول الله كان حياة لجميع الناس وخيرًا وبركة عليهم لأنه رحمة الله للعالمين ونعمته الكبرى للمؤمنين.
18.   دعا سيدنا عيسى لنفسه فقط ولم يتذكر أحدًا من الناس حتى والدته التي عانت الآلام من أجله فقال في دعائة: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾، [33، مريم]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حيَّاه الله بالسلام في حظائر القدس الأعلى رد التحية على نفسه وعلى جميع عباد الله الصالحين فقال: {السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين}. ولذلك لأنه رحمة الله العامة للعالمين وهو الرؤوف الرحيم بالمؤمنين وهم عباد الله الصالحون.
19. دعا سيدنا نوح على جميع الكافرين فأهلكهم الله فقال في دعائه: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، [26، نوح]. ورسول الله قال لملك الجبال عندما أراد أن يطبق الجبلين على أهل مكة فيهلكهم جزاء كفرهم وإيذائهم لرسول الله، فقال له اتركهم فإن لم يكن فيهم خيرًا فإني أنتظر أن يخرج الله من أصلابهم ذرية تؤمن بالله وتعبده فكم يكون الفرق بين سيدنا نوح وبين سيدنا محمد عليهما السلام.
20. أقسم الله بحبيبه في القرآن المجيد، ولم يقسم بنبي سواه فقال سبحانه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، [72، الحجر]. وذلك لعظمة مقداره عند الله، ومعنى هذا القسم بحق حياتك عندنا يا محمد إن الكافرين لفي غفلتهم وضلالتهم يتيهون ويتخبطون: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾، [127، النحل].
21. لقد صلى الله على النبي بذاته المقدسة فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، [56، الأحزاب]. وقد سلم سبحانه فقط على جميع المرسلين فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، [181، الصافات]. والصلاة من الله على رسوله تكريم وتشريف له، وثناء عليه بما هو أهله صلى الله عليه وسلم، والسلام من الله على المرسلين هو الأمان والهداية والرحمة، ولا يخفى عليك الفرق أيها المؤمن اللبيب، فقد كانت الصلاة من الله على رسوله خصوصية لذاته الشريفة، وكان السلام من الله سبحانه له ولبقية الرسل الكرام فهو صلى الله عليه وسلم، مشترك معهم في تسليم الله عليهم وانفرد عنهم بصلاة الله وملائكته عليه أزلا وأبدًا.
22. دعا سيدنا إبراهيم ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، [83، الشعراء]. يعني آتني الحكمة والأحكام لأهدي بها الناس إليك، وقد تفضل الله على حبيبه بقوله: ﴿َنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، [89، النحل]. وكان هذا من غير طلب ولا سؤال منه صلى الله عليه وسلم، ولكن الله هو الذي ابتدأه بهذا العطاء الكبير.
23. كان ذكر سيدنا يونس في بطن الحوت: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، [87، الأنبياء]. وهذا الذكر توحيد وتسبيح منه لله سبحانه وتعالى واعتراف إليه بخطيئته، وقد أمر الله حبيبه أن يقول ـ الله ـ فقط في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللّهُ﴾، [91، الأنعام]. وذلك لأن مقام الحبيب هو ذكر محبوبه وتقديسه وتعظيمه وتمجيده فقط دون أي ذكر آخر بخلاف مقام سيدنا يونس، وشتان بين الحضرتين ويا سعادة من ذاق طعم المشهدين، فسيدنا يونس ضارع متبتل في اضطرار، وسيدنا رسول الله محبوب لذات الله ومختار وذاكر لله عزَّ وجلًَّ في حضرة المجد والإعظام.
24. دعا سيدنا موسى وسيدنا هارون فقالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾، [45، طه]. خوفًا من فرعون لعنه الله فأمَّنهما الله بقوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، [46، طه]. وامتن الله على حبيبه بقوله: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، [67، المائدة]. أي يمنعك ويحفظك من شرهم وأذاهم، فلن يقدروا على ضُرِّك وأذيتك، ولن يصل إليك منهم ما تكرهه، والفرق عظيم جدًا بين من طلب الحفظ والوقاية من فرعون وبين من عصمه الله من جميع الناس وفيهم آلاف الفراعنة والجبابرة.
25. دعا سيدنا موسى ربه قائلاً: ﴿هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، [30-32، طه]. فقد طلب من الله أن يمده ويشد أزره بأخيه هارون عليه السلام، وأن يجعله قسيمًا له، وشريكًا له في شأن الرسالة والدعوة حتى يقدر على توصيلها إلى فرعون وقومه، فاستجاب الله له بقوله سبحانه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾، [36، طه]. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما أمره الله بدعوة الناس إليه لم يطلب معينًا ولا مشيرًا ولا رفيقًا، وإنما توجه من فوره لبث الدعوة في نفوس الناس، واستمالتهم إلى الإيمان والإسلام سرًا حتى أذن له الله في الجهر بالدعوة وقال الله على لسانه صلى الله عليه وسلم مبينا حاله وشأنه آنذاك: ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾، [196، الأعراف]. فلم يكن له ولي ولا معين في جميع أموره غير الله سبحانه وتعالى، فكم يكون الفرق بين المقامين. قد أمر الله جميع الأنبياء بالإيمان برسول الله ونصرته ومتابعته، وذلك في الميثاق والعهد الذي أخذه الله عليهم له صلى الله عليه وسلم حيث قال جلَّ شأنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾، [81، آل عمران].  وهذا تكريم وتفضيل له صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين وإظهار لمقامه الأعلى بينهم.
26. قد بعث الله رسوله مصدقًا لجميع الأنبياء والمرسلين، ومنصفًا لهم مما نسبه إليهم أقوامهم واتهموهم به، حتى كان شاهدًا على صدقهم وأمانتهم، وتبليغهم دعوة الله عزَّ وجلَّ لأقوامهم والشاهد له فضل كبير على من يشهد له، لما يترتب على شهادته من الخير العظيم، لأن الشهادة لصاحبها على من يشهد له أو عليه ولاية وتعزيز وتأييد من الشاهد لمن يشهد له، وهذه منزلة اختص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم وشرفه بها على المرسلين. قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا﴾، [41، النساء].
27. قد جعل الله حبيبه أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا، لأنه صلى الله عليه وسلم مراد الذات الأحدية من الأزل، وهو الصورة التي اكتملت فيها، مباهج الحسن والجمال القدسي وتتوج فيها الكمال والجلال الرحماني، حتى أفرده الله بهذه الخصوصية، دون سائر الأنبياء والمرسلين وأخبر عنها صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الشريف: {كنت أَوَّلَ النبيين في الخلق وأخِرَهُمْ في البعث}.[3] وقد نوه القرآن الكريم بهذا المقام الأجل، فقال عزَّ شأنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، [10-11، الطلاق]. ولقد كشفت هذه الآية الشريفة عن حقيقة الذكر الذي أنزله الله وفرضه على المؤمنين، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد كان قائما بين يدي الله في حضرات القدس الأعلى، فأنزله الله منها ليخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور وليكون ذكرا لهم بعد ذكر الله عزَّ وجلَّ فإن المؤمنين إذا ذكروا الله يقولون في ذكرهم: (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقد زاد الله أمر رسوله إيضاحًا فقال جلَّ شأنه: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾، [15-16، المائدة]. فالنور هو رسول الله، والكتاب هو القرآن، وقد سطع هذا النور على الكتاب فكشف ما فيه، وبين خافيه حتى انبلجت غوامضه واتضحت أسراره وتبلورت أحكامه وآدابه وقد صار هذا النور صلى الله عليه وسلم والكتاب أي القرآن شيئا واحدا في هداية الخلق إلى الإيمان والإسلام، فلو أردت أن ترى القرآن يتحرك ويمشي بين الناس لرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يهدي الناس إلى الله عزَّ وجلَّ، ويأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وقد كشف القرآن هذا الأمر في مواضع كثيرة غير ما تقدم ذكره، تزيد عن الحصر، فقد ورد في سورة النساء قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾، [174، النساء]. فالبرهان الذي جاءنا هو القرآن المجيد، لأنه الدليل الواضح، والحجة البالغة، والمعجزة الباهرة، والنور الذي أنزله الله إلينا ليبين لنا القرآن هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول من عند الله كما أن القرآن عند الله وقد كان النبي يضيء في العالم الأعلى بعلومه وأسراره وأنواره، إلى أن أراد الله أن يشرق هذا النور على أهل الأرض ليغيثهم به، كما أغاث به أهل السموات، فأنزله الله عزَّ وجلَّ إليهم فضلاً منه سبحانه وتعالى، ورحمة منه عزَّ شأنه بعباده.
28. قال الله لسيدنا سليمان عليه السلام: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، [39، ص]. وذلك بعد أن سخر الله له الريح والشياطين حسب طلبه، فقد قيد الله هذا العطاء بهذه الأشياء وقد امتن الله على حبيبه بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، [1، الكوثر]. ومعنى أعطيناك ملكناك، والمالك للشيء له مطلق حرية التصرف فيه، والكوثر هو الخير الذي لا نهاية له، وهو متكاثر دائمًا وأبدًا في الدنيا والآخرة ورسول الله يعطي من هذا الكوثر كيفما شاء وحسبما يريد لأنه ملك خاص له صلى الله عليه وسلم.
29. أقسم الله بمكة لأن رسول الله مقيم فيها، فقال جلَّ شأنه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، [1-2، البلد]. يعني أُقسم بمكة حال إقامتك بها، ولولا إقامتك بها ما أقسمت بها، وإن الله سبحانه يقدس الأماكن ويعظمها بمن يسكنها، وينزل فيها، وفي هذا إشارة عجيبة لمعان جلت عن البيان، وسمت عن التبيان.
30. أقسم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، [1-3، الضحى]. فقد أقسم الله له بآيتين عظيمتين من آيات الليل والنهار، بأنه جلَّ شأنه ما ودعه  وأنه ما قلاه، ومعنى ودعه أسلمه إلى غيره وتركه، ومعنى قلاه هجره وأعرض عنه، فأقسم الله له بأن شيئا من ذلك لم يكن، وفي هذا غاية التكريم والإجلال، ونهاية التشريف والإعظام له صلى الله عليه وسلم ولم يقسم الله عزَّ وجلَّ لأحد غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.
31. إتخذ الله عزَّ وجلَّ سيدنا محمد حبيبًا لذاته العلية وقد أخبر النبي عن ذلك بقوله: {أنا حبيب الله}. والحبيب هو الذي ينزله المحب منزلة نفسه فقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾، [80، النساء]. فقد جعل طاعته صلى الله عليه وسلم، طاعة لذاته سبحانه وتعالى، بل أقامه الله مقام نفسه في بيعة الرضوان الكبرى فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، [10، الفتح].
وكذلك قد خلع الله عليه صلى الله عليه وسلم أسماءه وصفاته وسماه بها فقال جلَّ شأنه: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، [128، التوبة]. إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي تبين لنا قدره العالي صلى الله عليه وسلم، ولم يحظ أحد من الأنبياء والرسل الكرام بشيء من هذا المجد الأكمل، مع الاحتفاظ لكل منهم عليهم السلام بمكانته التي وهبها الله له، قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:
فاق النبيين في خلْقٍ وفي خُلُقٍ     ولم يدانوه في مجد ولا كرم
32. أثنى عليه الحق جلَّ جلاله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، [4، القلم]. فقد أكد الله هذا الخبر بعدة أمور منها كلمة  ﴿َإِنَّ﴾ التي تفيد أهمية الخبر عند المتكلم سبحانه، وعند السامع، كما تفيد توكيده لدى المستمع، بما لا يحتمل أدنى ريب ـ وكذلك كاف الخطاب في ﴿إِنَّكَ﴾ فإنها تبين قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله تبارك وتعالى قربًا يفيد مشافهته بالحديث من الله مباشرة، ومنها اللام في قوله تعالى: ﴿لَعَلى﴾ فإنها تفيد القسم، وكأن الآية تقول والله يا محمد إنك على خلق عظيم وأيضًا كلمة على في قوله تعالى: ﴿لَعَلى﴾ فإنها تفيد التمكن من الشيء الذي يأتي بعدها والتثبت منه والاستعلاء عليه، وبذلك يكون صلى الله عليه وسلم، قد ملك الأخلاق الرفيعة، وصارت بعض كمالاته التي امتاز بها صلى الله عليه وسلم، بل صار هو مصدرها الذي تصدر عنه إلى الخلق أجمعين، ولقد دلَّ التنوين في كلمتي خُلُقٍ وعظيمٍ على الجلال والكمال الذي لا يتناهى فيهما وأن الله عزَّ وجلَّ لم يثن على أحد من رسله وأنبيائه مثل هذا الثناء الجليل.
33. لقد أعطى الله كل رسول من الصبر على قدر ما بَلَّغَ رسالة ربه إلى قومه حتى إذا نفذ صبره دعا عليهم فأهلكهم الله، وأمر الله حبيبه أن يصبر صبرًا مثل صبر أولي العزم من الرسل جميعًا فقال له الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، [35، الأحقاف]. وذلك زيادة على صبره الخاص به صلى الله عليه وسلم، لأنه في قوة رسل الله كلهم، ولذلك كان رسولاً للإنس والجن أجمعين ورحمة عَمَّت جميع العالمين، عليه من الله أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وأعظم التسليم وعلى آله وصحابته، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين آمين.
34. قال الله تعالى لسيدنا موسى ممتنًا ومتفضلاً عليه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، [39، طه]. يعني وهبتك قسطًا ونصيبًا من محبتي، حتى أحبك فرعون وأهل بيته، فلم يقتلوك كما كانوا يقتلون جميع مواليد بني إسرائيل من الذكور، ومعنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، لتكرم وتحفظ من كل شر ومن كل سوء برعاية وعناية مني. وقد قال الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، [48، الطور]. أي اصبر على القيام بما أمرناك به من تبليغ الرسالة ودعوة الخلق إلى الله، واصبر لحكمنا وقضائنا وقدرنا الذي أمضيناه وقدرناه فإنك بأعيننا مرعيٌ ومحاط ومُعَانٌ ومؤيد وموفق ومهدي وهادي. والأعين الإلهية هي كل الأسماء والصفات والكمالات والجمالات والجلالات الربانية، فشتان بين المقامين، وفرق كبير جدًا بين الحضرتين، وقد ورد في الحديث القدسي ما معناه: ﴿إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا واتخذت موسى كليمًا فقد اتخذتك حبيبًا[4]. واتخاذ الله سيدًنا محمدًا حبيبًا لذاته جلَّ جلاله، أعظم وأجل من منحه سيدنا موسى عليه السلام محبة منه عزَّ وجلَّ. ونكتفي بهذه الإشارة فإن فيها ما يغني اللبيب الألمعي عن البيان  والعبارة فقد قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
خذ ما صفا لك من إشارة عارف     فالعارفون كلامهم يشفي السقام
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
35. قال صلى الله عليه وسلم ما معناه: {لكل نبي دعوة مستجابة عجلت له في الدنيا وقد اختبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة}.[5]
فهذا الحديث الشريف يعطي أن الرسل والأنبياء عليهم السلام قد أكرمهم الله عزَّ وجلَّ باستجابة دعائهم لأنهم صفوة الله الأطهار وعباده الأخيار، وقد أفاد هذا الحديث الشريف أن الرسل والأنبياء كانت لكل واحد منهم دعوة خاصة دعا بها في هذه الحياة الدنيا، واستجابها الله له، وهذه خصوصية لهم عليهم السلام دون سائر البشر أجمعين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أخر دعوته الخاصة به إلى يوم القيامة، واختبأها لأهل الكبائر من أمته صلى الله عليه وسلم، فيدعو الله بها لهم في هذا اليوم العصيب، فيستجيب الله له، ويقيهم من عذاب النار بفضل هذه الدعوة، وذلك هو غاية العطف منه صلى الله عليه وسلم، والشفقة على أمته وعلى أهل الأوزار منهم خاصة، وهذه الدعوة قد وعد الله عزَّ وجلَّ رسوله بإجابتها كما استجاب دعوة بقية المرسلين عليهم السلام وعجلها لهم في هذه الدنيا اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آله كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آله وهناك أسرار في هذا المشهد العالي لو كشف عنها الستار لازدادت أفراح كل مسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث الشريف يفيد مدى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته وعلى أصحاب الكبائر منهم حتى تنعقد القلوب على محبته والوفاء له والإخلاص لحضرته صلى الله عليه وسلم، كما يشير بوضوح إلى مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.



 [1]  متفق عليه.
 رواه الترمذي وأحمد.[2]  
 [3]  رواه النسائي عن أبي هريرة.
[4]  رواه الترمذي والدارمي.
 [5]  رواه مسلم وأحمد



من كتاب قطرات من بحار المعرفة
للعارف بالله فضيلة الشيخ
محمد على سلامة 
مدير عام أوقاف بورسعيد سابقا




جاري التحميل...