آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

- المراقبة وشروق أنوار التوحيد

المراقبة:
 المريد في بدايته بعد صحة إرادته، وتحصيله على ما لابد له من العلوم النافعة، إذا أشرق عليه نور علم اليقين، وذاق حلاوة القربات ولذة الطاعات، حاسب نفسه على  أنفاسه فيم صرفها، فإذا ظهر له رجحان الخير على الشر، انبسط وفرح، ونما في نفسه هذا الباعث حتى يقوى فيه، فيدفعه إلى المحافظة على الأنفاس أن تضيع، إلا في قربة أو مكرمة من علم نافع أو عمل صالح، حتى يكون الخير أغلب عليه، والفلاح أقرب  إليه، والإقبال على الأعمال الصالحة سروره، فيرى في نومه صور إرادته في يقظته، وفي  يقظته حقائق رؤيته، فيكون هذا أول مقام من مقامات تزكية النفس، ومنزل من منازل  الأنس.ولديها يقوى اليقين، حتى يصير عينا، وينتقل إلى المراقبة، وهو حضور القلب عند تجدد كل شأن لأعضائه العاملة من سمع وبصر وشم وذوق ولمس، وينفتق رتق القلب، وتشرق عين السر، ويكون في روضة الفكر، فيشهد النعم المحيطة به، والمننالتي فيه، فتصغر في عينه أعماله، ويستصغر شكره، ويطمئن قلبه بولي تولاه بآلائه ووده بنعمائه، فيطيب وقته، ويصفو ويحلو حاله، ويدوم أنسه، ويرتقي إلى حالالبسط بما يتوالى عليه من البهجة وانشراح الصدر بالواردات التي ترد عليه من حضرة  الملكوت، وما يذوقه بنور فكره من أسرار المعاني المشرقة في المباني المنبئة عن سر توحيد الأفعال، حتى يحيى قلبه بالملاحظة والاستحضار، فيطيب وقته ويأنس بالمراقبة من تنزلات معاني الجمال. ويستغرق في تلك الملاحظة أوقاته وأنفاسهن فلا يرى ولا يسمع     ولا يشم ولا يمس ولا يذوق، إلا وهو مستحضر من تلك الشئون آيات تجدد وجده    وتيقظ قلبه، إلى أن تنكشف لسريرته أنوار ملكوت السموات والأرض، فتنقلب    الملاحظة والاستحضار إلى معاينة وشهود، وينتقل الحال إلى المقام، فيكون المشهود    الأسرار والآيات، والملاحظ الآثار والمكونات، وعندها يتسع القلب، وتكمل طهارة    النفس، وتكون هممه وبواعثه وانفعالاته وإرادته ملكوتية، ويتحصن بحصن ) إِنَّ    عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ((1).


وفى هذا المقام ينشط السالك لعمل القربات بلذة ورغبة وفرح وابتهاج، وتصغر فىعينه ملاذه الحيوانية، و شهواتة الآدمية، وحظه وهواه الإنسانى، حتى تتبدل كل تلك الصفات بالمعانى الفاضلة الروحانية.


وفي هذا المقام تصح له الإرادة، وتتحقق منه الإنابة، ويتجمل بالإنابة إلى الرب، والاستسلام له سبحانه، لأن كل تلك الجواذب والبواعث عن حيطة الفكر في خلق السموات والأرض، وارتشاف حميا التدبر، واستعمال الجوارح فيما خلقت له من الشكر بالعبادات والمعاملات والأخلاق بعد العلم بالعقيدة بساطع الحجة وواضع  البرهان.



ثم تشرق أنوار التوحيد من سر الواحد ونور الأحد بلا فكر ولا تدبر، ولكن   بالإسلام لرب العالمين، والإنابة إليه من النفس والحظ والهوى، فإذا أشرقت تلك     الأنوار على القلب المتسع بالاستسلام، تجمل باطنه بحقيقة اليقين، واشتاق بشديد الوله  إلى معاني الصفات، ونما الوله حتى يبلغ درجه التأله، فتجلى له من أسرار التوحيد أنوار  مواجهة العزة ومشاهد الجبروت، فينقبض القلب وينكسر ويخشع، وتحصل الرهبةوالعظمة ليتحقق الخوف من العلي الكبير والخشية من الجليل العظيم، والحياء من القريب    الجميل.


وفي هذا المقام يتحقق بكمال العبودة للذات، ويكون ذليلا في عينه وحقيرا في نفسه، ولكنه مجمل بحلل المهابة والعزة، يغضب لله ويرضى لله، طويل الفكر، ثغره    باسم منكسر القلب حزين. وتقوى صدمات العظمة على قلبه، ومواجهات الجبروت   للطائفة، حتى يكون بكله مع الله ولديها يكون الله عنده. و كشف تلك المعاني لا    توضحه العبارة، ولا تفي به الإشارة، إنما يذاق لأهل الاستعداد في مقام الاستسلام    ومنزلة التفويض. وهذا مقام بداية المقربين والبرزخ بينهم وبين الأبرار، وإنما الأبرار  عشاق نعم المنعم وجماله، والمقربون عشاق المنعم الجميل، وكل منعم بما له عشق أو بمن   فيه تتيم وله أراد، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.


وكل ذلك لا ينال إلا إذا وفق الله العبد لانتهاج مناهج رسوله ومصطفاه سيدنا   ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، أسأل الله تعالى أن يعيذني من مخالفة سنته وهديه، ويمنحني   الأخلاق والصدق في معاملته سبحانه، ويجعلني من المقربين المحبوبين لذاته بجاه   والعظمة ليتحقق الخوف من العلي الكبير والخشية من الجليل العظيم، والحياء من القريب  الجميل.


وفي هذا المقام يتحقق بكمال العبودة للذات، ويكون ذليلا في عينه وحقيرا في   نفسه، ولكنه مجمل بحلل المهابة والعزة، يغضب لله ويرضى لله، طويل الفكر، ثغره   باسم منكسر القلب حزين. وتقوى صدمات العظمة على قلبه، ومواجهات الجبروت للطائفة، حتى يكون بكله مع الله ولديها يكون الله عنده. و كشف تلك المعاني لا توضحه العبارة، ولا تفي به الإشارة، إنما يذاق لأهل الاستعداد في مقام الاستسلام  ومنزلة التفويض. وهذا مقام بداية المقربين والبرزخ بينهم وبين الأبرار، وإنما الأبرار  عشاق نعم المنعم وجماله، والمقربون عشاق المنعم الجميل، وكل منعم بما له عشق أو بمن    فيه تتيم وله أراد، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.وكل ذلك لا ينال إلا إذا وفق الله العبد لانتهاج مناهج رسوله ومصطفاه سيدنا   ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم
، أسأل الله تعالى أن يعيذني من مخالفة سنته وهديه، ويمنحني   الأخلاق والصدق في معاملته سبحانه، ويجعلني من المقربين المحبوبين لذاته بجاه

الامام محمد ماضى ابو العزائم

- حجب السالكين فى طريق رب العالمين


حجب السالكين:
 السالك الصادق في بدايته، المسترشد بصحة إرادته، المصاحب للعارفين، المتبع  سبيل أهل اليقين، له عثرات وزلات، ربما أوقفته عن السير، وحجبته عن الترقي في مقامات العلم والمعرفة والحال.

وذلك أن أهل التمكين ورجال مشاهدة عين اليقين صغرت في عيون قلوبهم الدنيا وزينتها، وإقبال الناس عليهم، وعظم الحق في قلوبهم،  وقويت الرغبة في جنابه العلي، حتى لم يبق لهم رغبة في سواه، واشتاقت أرواحهم إلى  القرب من حضرته، ورؤية جماله العلي ووجهه الكريم، ومالوا بكليتهم عن زهرة الدنيا     شوقا إلى نعيم الآخرة، ومعيتهم للنبيين والصديقين والشهداء.

ومن أحوالهم أن أعمالهم  الحقيقية قلبية أكثر من كونها بدنية، فلا يلتفتون لتعظيم الناس لهم ولاجتماعهم عليهم،  ولو بذلوا أنفسهم وأموالهم لهم، لأنهم مشغولون بمواجهة الوجه الجميل العلي، أغنياء  بحسن اليقين، والثقة بالله، وكمال التوكل عليه، وعكوف الهمة على حضرته العلية،   فهو لذلك لا يخشى عليه ليقظة قلبه وحضور لبه ودوام معيته بربه.                              .


فالسالك حقا من أنزل نفسه منزلتها، ووقف عند قدره وقوف المؤدب، حتى يذوق حلاوة الإيمان ولذة التقوى، فيفنى عن كل حلاوة ولذة في الدنيا، وإذا أهمل وتشبه   بالمرشد ومالت نفسه أن يعمل له الناس ما يعملونه للمرشد، ومالت نفسه إلى ذلك،   ولم يجاهد نفسه أن تجد وتسعى لتبلغ منازلة المرشد ومشاهده، فإنه إن أهمل في هذا  الجهاد، وتابع نفسه، ورأى نفسه أهلا للإكرام من إخوانه – ولو أنهم تلقوا عنه علوم    المعرفة والأخلاق والتحقيق، أو نالوا على يده أحوالا حسنة، وشمائل جميلة   وحسنت نفسه عنده، وظن أنه صار ممدا لغيره معلما لغيره نافعا، وغره حسن ما أنعم    الله به عليه، ونسى قدره، فإنه ربما حجب حجابا أبعده، أو أبعد بعداً قطعه.


فقد حصل الغرور لبعض المسترشدين بأحوال شريفة نالوها بصحبة الرجل، وعلوم منحوها بسماع حكمه والتلقي عنه، وأسرار تلقوها منه، فبلغ بهم الجهل إلى أن كانوا إذا ذكرت علوم المرشد لديهم أشاروا أنهم هم الواسطة، ثم هم الباب الموصل، ثم هم   الممدون، استدراج من الله تعالى لهم، وحجاب قطيعة – نعوذ بالله تعالى – حتى بلغوا  مبلغا سعوا أن يستروا عن الناس أسرار المرشد، وينسوا الناس علومه وآدابه وأخلاقه،   فعلى المريد الصادق أن يحافظ على الآداب، والمحافظة على منزلة المرشد، ليرقى إلى مقام المقربين، والله ولي التوفيق.

- أباطيل مدسوسة على التصوف

وأما التصوف: فكغيره من العلوم الدينية، لم يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين.
فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة، وعبارات سيئة ما أنزل الله بها من سلطان، كقولهم:
وما الكلبُ والخنزيرُ إِلا إِلهنا وما الربُّ إِلا راهبٌ في كنيسة
{كَبُرَتْ كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلا كَذِباً} [الكهف: 5].
ومنهم من أراد أن يفسد دين المسلمين بأشياء أُخر تمس عقائدهم ؛ فنسب إِلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة ؛ كالقول بالحلول والاتحاد، وبأن الخالق عين المخلوق، والكون عين المكوِّن.

ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وهو منها بريء كما سيأتي.

ومنهم المبشِّرون والمستشرقون، وأبواق الاستعمار الذين درسوا كتب السادة الصوفية، وكتبوا عنهم المؤلفات لأجل التحريف والتزوير والدس، يقصدون بذلك أن يطعنوا الإِسلام في صميمه، وأن يسلخوا روح الدين عن جسده، ولقد خُدع بهم أقوام أرادوا أن يفهموا التصوف من كتب هؤلاء المستشرقين، كأمثال [نكلسون الإِنكليزي، وجولد زيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم]، فوقعوا في أحابيلهم، وتسمَّمُوا من أفكارهم، وانجرفوا في تيار محاربة الصوفية. ولا أدري كيف يثق مسلم صادق بأقوال عدوه المخادع الماكر ؟

ومنهم السُّذَّجُ الذين يصدقون هؤلاء وهؤلاء، فيعتقدون بهذه الأمور المدسوسة ويثبتونها في كتبهم. وكل هذا بعيد عن الصوفية والتصوف.

فإِن قال قائل: إِنَّ ما نسب إِلى الصوفية من أقوال مخالفة هي حقاً من كلامهم بدليل وجودها في كتبهم المطبوعة المنشورة.

نقول: ليس كل ما في كتب الصوفية لهم ؛ لأنها لم تسْلم من حملات الدس والتحريف. وما أحوجنا إِلى تضافر جهود المؤمنين المخلصين لتنقية هذا التراث الإِسلامي الثمين ممَّا لحق به من دس وتحريف.

ولو ثبت بطريق صحيح عن بعض الصوفية كلام مخالف لحدود الشريعة فنقول: ليست كلمة فرد واحد حجة على جماعة، شعارها ومذهبها التمسك بالكتاب والسنة. حتى إِنهم ليقولون: إِن أول شرط الصوفي أن يكون واقفاً عند حدود الشريعة، وألا ينحرف عنها قيد شعرة. فإِذا هو تخطى هذا الشرط، ووصف نفسه بأنه صوفي، فقد اختلق لنفسه صفة ليست فيه وزعم ما ليس له.

وإِن من إِضاعة الوقت الثمين الانشغالَ بمثل هذه التُّرَّهَات والأباطيل المفتراة على هؤلاء القوم في هذه الأوقات التي يوجد ما هو أهم من المجادلة بها، فهي معروفة لدى الصوفية المحققين والعلماء المدققين. وعلينا أن نعرف أن التصوف ليس علماً نتلقاه بقراءة الكتب ومطالعة الكراريس، ولكنه أخلاق وإِيمان، وأذواق ومعارف، لا ينال إِلا بصحبة الرجال، الذين اهتدوا بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وورثوا عنه العلم والعمل والأخلاق والمعارف. وهو علم ينتقل من الصدر إِلى الصدر، ويفرغه القلب في القلب.

وهناك أقوام مغرضون، درسوا كتب السادة الصوفية وتتبعوا ما فيها من دس وتشويه وتحريف واعتبروها حقائق ثابتة، وارتكزوا عليها في حملاتهم العنيفة وتهجماتهم الشديدة على السادة الصوفية الأبرار. ولو أنهم قرأوا ما يعلنه رجال التصوف في جميع كتبهم من استمساكهم بالشريعة واعتصامهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقيدهم بالمذاهب الإِسلامية المعتبرة، وتَبَنِّيهِمْ عقيدة أهل السنة والجماعة، كما بيناه آنفاً في بحث بين الحقيقة والشريعة، لأدركوا تماماً أن ما ورد في كتبهم مما يناقض هذا المبدأ الواضح والمنهج السوي، إِنما هو مؤول أو مدسوس.

وإِليك بعض أمثلة الدس المفتراة على الصوفية والعلماء في كتبهم:

يقول ابن الفراء في طبقاته نقلاً عن أبي بكر المروزي ومسدد وحرب إِنهم قد رووا الكثير من المسائل، ونسبوها للإِمام أحمد بن حنبل.. وبعد أن يفيض في ذكر هذه المسائل يقول:

(رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر الصادق، وأحمد بن حنبل، أما جعفر الصادق فقد نسبت إِليه أقوال كثيرة، دونت في فقه الشيعة الإِمامية على أنها له، وهو بريء منها. وأما الإِمام أحمد، فقد نسب إِليه بعض الحنابلة آراء في العقائد لم يقل بها) [التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص82].

وسئل الإِمام الفقيه ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى ونفعنا به: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف علمكم، فهل عقيدة الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم ؟

فأجاب بقوله: (عقيدة إِمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه، وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه، وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقةٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً ؛ من الجهة والجسمية وغيرها من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إِلى هذا الإِمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه. فلُعن من نسب إِليه، أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإِمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة أن كل ما نسب إِليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان، وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه، فاعلم ذلك، فإِنه مهم) [الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي ص148].

وأما الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد دُسَّ عليه كتاب نهج البلاغة أو أكثره، فقد ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة علي بن الحسين الشريف المرتضى أنه: (هو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة، ومَنْ طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنَفَس القرشيين الصحابة، وبنَفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل) [ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص124].

وممن دُسَّ عليهم الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وأكثر ما دُسَّ عليه في الطبقات الكبرى، ولقد أوضح ذلك في كتابه لطائف المنن والأخلاق فقال: (ومما مَنَّ الله تبارك وتعالى به عليَّ، صبري على الحسدة والأعداء، لما دسوا في كتبي كلاماً يخالف ظاهر الشريعة، وصاروا يستفتون عليَّ زوراً وبهتاناً، ومكاتبتهم فيَّ لِبابِ السلطان، ونحو ذلك. إِعلم يا أخي أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أنني لما حججْتُ سنة سبع وأربعين وتسعمائة، زَوَّر عليَّ جماعة مسألة فيها خرق لإِجماع الأئمة الأربعة، وهو أنني أفتيتُ بعض الناس بتقديم الصلاة عن وقتها إِذا كان وراء العبد حاجة، قالوا: وشاع ذلك في الحج، وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إِلى مصر من الجبل، فلما وصلتُ إلى مصر، حصل في مِصْرَ رَجٍّ عظيم، حتى وصل ذلك إِلى إِقليم الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة بمصر، فحصل لأصحابي غاية الضرر، فما رجعتُ إِلى مصر إِلا وأجد غالب الناس ينظر إِليَّ شذراً، فقلت: ما بال الناس ؟ فأخبروني بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة، فلا يعلم عدد من اغتابني، ولاث بعرضي إِلا الله عز وجل.

ثم إِني لما صنفت كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود، وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة، غار من ذلك الحسدةُ، فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابي، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس، ودسوا فيها عقائد زائغة ومسائل خارقة لإِجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا، وابن الراوندي، وسبكوا ذلك في غضون الكتاب في مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس، وأرسلوها إِلى سوق الكتبِيِّين في يوم السوق، وهو مجمع طلبة العلم، فنظروا في تلك الكراريس، ورأوا اسمي عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى، ثم دار بها على علماء جامع الأزهر، ممن كان كتب على الكتاب ومن لم يكتب، فأوقع ذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يلوثون بي في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وأنا لا أشعر. وانتصر لي الشيخ ناصر الدين اللقاني، وشيخ الإِسلام الحنبلي، والشيخ شهاب الدين بن الجلبي، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الأزهر، وأخبرَني الخبرَ فأرسلت نسختي التي عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها، فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسه هؤلاء الحسدة، فسبُّوا من فعل ذلك، وهو معروف.

وأعرفُ بعض جماعة من المتهوِّرين، يعتقدون فيَّ السوء إِلى وقتي هذا، وهذا بناء على ما سمعوه أولاً من أُولئك الحسدة، ثم إِن بعض الحسدة، جمع تلك المسائل التي دُسَّت في تلك الكراريس وجعلها عنده، وصار كلما سمع أحداً يكرهني، يقول له: إِن عندي بعض مسائل تتعلق بفلان، فإِن احتجت إِلى شيء منها أطلعتك عليه، ثم صار يعطي بعض المسائل لحاسد بعد حاسد إِلى وقتي هذا، ويستفتون عليَّ وأنا لا أشعر، فلما شعرتُ، أرسلت لجميع علماء الأزهر أنني أنا المقصود بهذه الأسئلة، وهي مفتراة عليَّ، فامتنع العلماء من الكتابة عليها)[كتاب "لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج2. ص190ـ191].

وقد ذكر المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ترجمة الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى وبعد أن أثنى عليه، وذكر مؤلفاته الكثيرة، وأثنى عليها أيضاً قال فيه: (وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإِجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنَّعوا وسبُّوا، ورموه بكل عظيمة، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم وكان مواظباً على السنة، ومبالغاً في الورع، مُؤثِراً ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه، متحملاً للأذى، موزعاً أوقاته على العبادة ؛ ما بين تصنيفٍ وتسليكٍ وإِفادة.. وكان يُسمَعُ لزاويته دوي كدوي النحل ليلاً ونهاراً، وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يزل مقيماً على ذلك، معظَّماً في صدور الصدور، إِلى أن نقله الله تعالى إِلى دار كرامته) ["شذرات الذهب في أخبار من ذهب" للمؤرخ الفقيه الأديب عبد الحي الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ. ج8. ص374].

وقال الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه اليواقيت والجواهر: (وقد دسَّ الزنادقة تحت وسادة الإِمام أحمد بن حنبل في مرض موته، عقائد زائغة، ولولا أن أصحابه يعلمون منه صحة الاعتقاد، لافتتنوا بما وجوده تحت وسادته) [اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني ج1. ص8].

وكذلك ذكر الشيخ مجد الدين الفيروز أبادي صاحب القاموس في اللغة: أن بعض الملاحدة صنف كتاباً في تنقيص الإِمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأضافه إِليه، ثم أوصله إِلى الشيخ جمال الدين بن الخياط اليمني، فشنَّع على الشيخ أشد التشنيع، فأرسل إِليه الشيخ مجد الدين يقول له: (إِني معتقد في الإِمام أبي حنيفة غاية الاعتقاد، وصنفت في مناقبه كتاباً حافلاً وبالغتُ في تعظيمه إِلى الغاية، فأحرِقْ هذا الكتاب الذي عندك، أو اغسله، فإِنه كذب وافتراء عليَّ) [لطائف المنن والأخلاق للشعراني ج1. ص127].

وقال الفقيه الكبير أحمد بن حجر الهيثمي المكي رحمه الله تعالى: (وإِياك أن تغترَّ بما وقع في كتاب الغنية لإِمام العارفين، وقطب الإِسلام والمسلمين، الشيخ عبد القادر الجيلاني. فإِنه دسه عليه فيها مَنْ سينتقم الله منه، وإِلا فهو بريء من ذلك. وكيف تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتابِ والسنةِ وفقهِ الشافعيةِ والحنابلةِ، حتى كان يفتي على المذهبين. هذا مع ما انضم لذلك من أن الله مَنَّ عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة. وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله.. إِلى أن قال: فكيف يُتصور أو يُتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر مثلها إِلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيهم الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما يجوز وما يستحيل. سبحانك هذا بهتان عظيم) ["الفتاوى الحديثية" لابن حجر ص149].

وكذلك دسوا على الإِمام الغزالي عدة مسائل في كتاب الإِحياء، وظفر القاضي عياض بنسخة من تلك النسخ فأمر بإِحراقها ["اليواقيت والجواهر" ج1. ص8].

قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وممَّا دسُّوا على الغزالي، وأشاعه بعضهم عنه، قولهم عنه إِنه قال: [إِن لله عباداً لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، وإِن لله عباداً لو سألوه أن يقيم الساعة الآن لأقامها]. فإِن مثل ذلك كذب وزور على الإِمام حجة الإِسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يجب على كل عاقل تنزيه الإِمام عنه، لأنه يردُّ النصوص القاطعة الواردة في مقدمات الساعة، فيؤدي ذلك إِلى تكذيب الشارع صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وإِنْ وُجد ذلك في بعض مؤلفات الإِمام فذلك مدسوس عليه من بعض الملاحدة، وقد رأيت كتاباً كاملاً مشحوناً بالعقائد المخالفة لأهل السنة والجماعة، صنَّفه بعض الملحدين ونسبه إِلى الإِمام الغزالي، فاطلع عليه الشيخ بدر الدين ابن جماعة، فكتب عليه: كذبَ والله وافترى مَنْ أضافَ هذا الكتاب إِلى حجة الإِسلام) ["لطائف المنن والأخلاق" للشعراني ج1. ص127].

وقال أيضاً: (وكذلك دسوا عليَّ أنا في كتابي المسمى بالبحر المورود جملةً من العقائد الزائغة، وأشاعوا تلك العقائد في مصر ومكة نحو ثلاث سنين، وأنا بريء منها كما بَيَّنْتُ في خطبة الكتاب لمَّا غيرتها، وكان العلماء كتبوا عليه وأجازوه، فما سكنت الفتنة حتى أرسلت إِليهم النسخة التي عليها خطوطهم) ["اليواقيت والجواهر" ج1. ص8].

هذا وقد ملأ خصومُه الدنيا حوله حقداً وحسداً، وافتراء وكذباً وتضليلاً، لاسيما في كتبه المعروفة، وأشهرها الطبقات الكبرى.

فلو قارن المُنْصِفُ بين كلام الشعراني رحمه الله تعالى الذي يعلن فيه تمسك الصوفية بالشريعة، وقد مر بك في بحث بين الحقيقة والشريعة [انظر بحث بين الحقيقة والشريعة ص381 من هذا الكتاب] وبين كلامه في الطبقات الكبرى لرأى تبايناً ظاهراً، ولظهر له كذب ما في الطبقات.

وكذلك دسوا على الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى، قال الشعراني: (كان رضي الله عنه متقيداً بالكتاب والسنة، ويقول: كل مَنْ رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك.. إِلى أن قال: وهذا اعتقاد الجماعة إِلى قيام الساعة، وجميع ما لم يفهمه الناس من كلامه إِنما هو لِعُلِّو مراقيه، وجميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه، كما أخبرني بذلك سيدي أبو طاهر المغربي نزيل مكة المشرفة، ثم أخرج لي نسخة الفتوحات التي قابلها على نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونيه، فلم أر فيها شيئاً مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات.. ثم قال الشعراني رحمه الله تعالى: إِذا علمت ذلك، فيحتمل أن الحسدة دسوا على الشيخ في كتبه، كما دسوا في كتبي أنا، فإِنه أمر قد شاهدته عن أهل عصري في حقي، فالله يغفر لنا ولهم آمين) ["اليواقيت والجواهر" للشعراني ج1 ص9].

ذكر الفقيه الحنفي صاحب الدر المختار أن: (من قال عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي، إِنه خارج عن الشريعة، وقدصنفه للإِضلال، ومَنْ طالعه ملحد، ماذا يلزمه ؟ أجاب: نعم،فيه كلمات تباين الشريعة، وتكلف بعض المتصلِّفين لإِرجاعها إِلى الشرع، لكن الذي تيقنْتُه أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره،فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك الكلمات. قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته على الدر المختار عندقوله: [لكن الذي تيقنْتُه]: وذلك بدليلٍ ثبت عنده، أو لسببِ عدمِ اطلاعه على مراد الشيخ فيها، وأنه لا يمكن تأويلها، فتعيَّن عنده أنها مفتراة عليه، كما وقع للشيخ الشعراني أنه افترى عليه بعض الحساد في بعض كتبه أشياء مكفرة، وأشاعها عنه، حتى اجتمع بعلماء عصره، فأخرج لهم مسودة كتابه التي عليها خطوط العلماء فإِذا هي خالية عما افْتُرِيَ عليه. وقال ابن عابدين أيضاً عند قوله: [فيجب الاحتياط]: لأنه إِن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كلُّ أحد مرادَه فيها، فيُخشى على الناظر فيها من الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد) [حاشية ابن عابدين ج3. ص303، وصاحب الدر المختار الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي المتوفى سنة 1088هـ].

ومن المدسوس على الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى أيضاً: القول بأن أهل النار يتلذذون بدخولهم النار، وأنهم لو أخرجوا منها، تعذبوا بذلك الخروج.

قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وإِن وُجد نحو ذلك في شيء من كتبه فهو مدسوس عليه، فإِني مررت على كتاب الفتوحات المكية جميعه فرأيته مشحوناً بالكلام على عذاب أهل النار) ["الكبريت الأحمر" ص276 طبعة 1277. كذا في مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21].

وقال أيضاً: (كذب مَنْ دسَّ في كتاب الفصوص والفتوحات، أن الشيخ محي الدين بن عربي قال بأن أهل النار يتلذذون بالنار، وأنهم لو أُخرجوا منها لاستغاثوا، وطلبوا الرجوع إِليها، كما رأيت ذلك في هذين الكتابين. وقد حذفت ذلك من الفتوحات حال اختصاري لها. حتى ورد عن الشيخ شمس الدين الشريف، بأنهم دسوا على الشيخ في كتبه كثيراً من العقائد الزائغة التي نقلت عن غير الشيخ، فإِن الشيخ مِنْ كُمَّل العارفين بإِجماع أهل الطريق، وكان جليس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدوام، فكيف يتكلم بما يهدم شيئاً من أركان شريعته، ويساوي بين دينه وبين جميع الأديان الباطلة، ويجعل أهل الدارين سواء ؟! هذا لا يعتقده في الشيخ إِلا من عزلَ عنه عقله. فإِياك يا أخي أن تصدق، من يضيف شيئاً من العقائد الزائغة إِلى الشيخ، واحمِ سمعك وبصرك وقلبك، وقد نصحتُك والسلام. وقد رأيت في عقائد الشيخ محي الدين الواسطي ما نصه: ونعتقد أن أهل الجنة والنار مخلدون في دارَيْهِما، لا يخرج أحد منهم من داره أبد الآبدين ودهر الداهرين.. قال: ومرادنا بأهل النار الذين هم أهلها من الكفار والمشركين والمنافقين والمعطِّلين، لا عصاة الموحدين فإِنهم يخرجون من النار بالنصوص) ["اليواقيت والجواهر" للشعراني ج2. ص205].

ويؤيد ما ذكرنا بأن هذا القول مدسوس على الشيخ محي الدين ما ذكره الشيخ نفسه في الباب الحادي والسبعين وثلثمائة من الفتوحات، عندما تغلق أبواب النار، كيف يصير أهلها كقطع اللحم حينما تغلي بهم النار ويصير أعلاهاأسفلها. وكذلك ما ذكره الإِمام الباجوري الشافعي في شرحه على جوهرة التوحيد: (وما يقال بتمرن أهل النار بالعذاب، حتى لو أُلْقُوا في الجنة لتألموا مدسوس على القوم [الصوفية] كيف وقد قال تعالى: {فذُوقُوا فَلَنْ نَزيدَكُم إلا عَذاباً} [النبأ: 30] [حاشية العلامة شيخ الإِسلام إِبراهيم الباجوري ص108].

فكيف يعتقد مسلم هذه العقيدة الفاسدة التي تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة ؟ وقد نص على ذلك الشيخ محمد بن يوسف الكافي، بعد أن ذكر فريق الجنة، وأنهم مخلدون فيها ومنعمون، ذكر فريق أهل النار فقال: (وفريق السعير خالدون فيه أبداً، لا ينقطع عنهم ألم العذاب، وقال بعضهم: [ينقطع عنهم، وينقلب في حقهم استلذاذاً، بحيث لو عُرضت عليهم الجنة لأَبوْها، لما هم فيه من الاستلذاذ]. ومعتقد هذا كافر بلا شك ولا ريب، لتكذيبه الله تعالى في خبره: {إنَّ الذينَ كَفَروا وماتوا وهُم كُفَّارٌ أولئكَ عليهِم لعنَةُ اللهِ والملائكَةِ والناسِ أجمعينَ . خالدينَ فيها لا يخفَّفُ عنهُمُ العذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161ـ162]. وفي خبره أيضاً: {إنَّ الذينَ كفرُوا بآياتِنا سوف نُصْليهم ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودهُم بَدَّلْناهُم جُلوداً غيرها ليذوقوا العذابَ} [النساء: 56]. وغير ذلك من الآيات الدالة على استمرار عذابهم) [المسائل الكافية للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي ص19].

ومما نسب إِلى الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى أيضاً افتراءً عليه القولُ: بسقوط التكليف.

يقول العلامة الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد ذكر الشيخ محي الدين أنه لا يجوز لولي قط المبادرة إِلى فعل معصية اطلع من طريق كشفه على تقديرها عليه، كما لا يجوز لمن كُشف له أن يمرض في اليوم الفلاني من رمضان، أن يبادر للفطر في ذلك اليوم، بل يجب عليه الصبر حتى يتلبس بالمرض، لأن الله تعالى ما شرع الفطر إِلا مع التلَبُّس بالمرض أو غيره من الأعذار، قال: وهذا مذهبنا ومذهب المحققين من أهل الله عز وجل) [مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21].

ومما دُسَّ على العارف الكبير الشيخ إِبراهيم الدسوقي رحمه الله تعالى قوله: (أذن لي ربي أن أتكلم وأقول أنا الله، فقال لي: قل: أنا الله ولا تبالِ) وفي هذا من الشناعة والاجتراء، ما يغني عن الإِطالة [مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص23].

ومما دُسَّ على رابعة العدوية رحمها الله تعالى، قولها عن الكعبة: [هذا الصنم المعبود في الأرض] [وقد عمد بعض المغرضين الدساسين إِلى تقصي جميع النصوص المدسوسة والمكذوبة على الصوفية ليتخذها ذريعة في حملته المغرضة، وتهجمه الشنيع على الصوفية بأسلوب مقذع وعبارات منحطة بعيدة عن أخلاق الإِسلام وصفات المؤمنين لا يدفعه إِلى ذلك إِلا حقد دفين وهوى نفسي ومآرب شخصية]. وهذا ابن تيمية نفسه يُكذِّب نسبة هذا القول إِليها ويبين أنه مدسوس ومكذوب عليها، فقد قال حين سئل عن ذلك: (وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت: إِنه الصنم المعبود في الأرض، فهو كذب على رابعة المؤمنة التقية، ولو قال هذا من قال لكان كافراً يستتاب، فإِن تاب وإِلا قتل، وهو كذب. فإِن البيت لا يعبده المسلمون ؛ ولكنهم يعبدون رب البيت بالطواف به والصلاة إِليه) ["مجموعة الرسائل والمسائل" لابن تيمية ج1 ص80ـ81].

ولو ذهبنا نستقصي ألوان التزييف في التاريخ الإِسلامي والتصوف لما وَسِعْتَنا هذه الرسالة، إِذ التصوف كان نصيبه من الدس والافتراء أعظم من غيره، لأن المزيفين أدركوا أن التصوف هو روح الإِسلام، وأن الصوفية هم قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضاءة المشرقة، فأرادوا أن يطفئوا هذا النور. قال تعالى: {يُريدونَ لِيُطْفِئوا نورَ اللهِ بأفواهِهِم واللهُ مُتِمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافرونَ} [الصف: 8].

وإِننا لا ننسى أن الذي ساعد على الدس والتضليل والافتراء عدم الطباعة الفنية والمراقبة الشديدة في الماضي، كما هي عليه اليوم في عصرنا الحاضر من الطبع المنظم، ومن العقوبات القانونية لمن يتجرأ على طبع شيء من الكتب بغير إِذن مؤلفها، بخلاف عصر النسْخ للكتب الخطية، فقد كان الدساسون والكذابون يروجون كتباً فيها ما فيها من الدجل والكذب ما الله به عليم، ويُدخلون على كتب العلماء وخصوصاً الصوفية الدسائس والأباطيل.

ولكن الله تعالى ـ وله الحمد ـ قيَّضَ لهذا الدين رجالاً سهروا على تنقية الكتب الإِسلامية، وبيَّنوا المدسوس فيها من الصحيح.

ونحن بهذا الكتاب المتواضع نساهم في تنقية التصوف الإِسلامي مما علق به من دسائس وأمور دخيلة عليه، لنعيد له صفاءه وبريقه ولينتفع الناس من طاقاته الروحية ونفحته الإِيمانية في هذا العصر الذي خيَّمت عليه ظلمات المادية وآثام الإِباحية وتيارات الإِلحاد والوجودية.

- من هم أهل الصفة؟ وما عددهم؟

مقدمة
 الصفة هو  مكان فى مؤخر المسجد النبوي، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فظلل أو سقف وأطلق عليه اسم الصفة .
 أما أهل الصفة   قوم من أصحاب رسول الله وأول من نزل الصفة المهاجرون،. وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود التي كانت تقدم على النبي صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها وطاعتها، وكان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان له عريف نزل عليه. وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة. فكان أبو هريرة رضي الله عنه عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد دعوتهم عهد إلى أبي هريرة فدعاهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم في العبادة والمجاهدة. وإلى جانب المهاجرين والغرباء نزل بعض الأنصار في الصفة حبًا لحياة الزهد والفقر رغم استغنائهم عن ذلك ووجود دار لهم في المدينة، ومنهم كعب بن مالك الأنصاري وحنظلة بن أبي عامر الأنصاري (غسيل الملائكة) وحارثة بن النعمان الأنصاري وغيرهم.
- ومن هذا المنهج أخذ رجال التصوف منهجهم ومدارسهم


من هم أهل الصفة؟
أعقب هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة ظهور مشكلة تتعلق بمعيشة المهاجرين الذين تركوا بيوتهم وأموالهم ومتاعهم بمكة فرارًا بدينهم من طغيان المشركين. ولا شك أن بعض المهاجرين لم يستطيعوا العمل حال قدومهم إلى المدينة لأن الطابع الزراعي يغلب على اقتصاد المدينة وليست للمهاجرين خبرة زراعية فمجتمع مكة تجاري، كما أنهم لا يملكون أرضًا زراعية في المدينة وليست لديهم رءوس أموال فقد تركوا أموالهم بمكة. وقد وضع الأنصار إمكانياتهم في خدمة المهاجرين لكن بعض المهاجرين بقى محتاجًا إلى المأوى.

واستمر تدفق المهاجرين إلى المدينة خاصة قبل موقعة الخندق حيث كان الكثير منهم يستقرون في المدينة كما طرقت الوفود الكثيرة المدينة، ومنهم من لم يكن على معرفة بأحد من أهل المدينة فكان هؤلاء الغرباء بحاجة إلى مأوى دائم أو مدة إقامتهم. ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم فكر في إيجاد المأوى للفقراء المقيمين والوفود الطارقين.

أين موقع أهل الصُّفَّة؟
وحانت الفرصة عندما تم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة وذلك بعد ستة عشر شهرًا من هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حيث بقى حائط القبلة الأولى في مؤخر المسجد النبوي، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فظلل أو سقف وأطلق عليه اسم الصفة أو الظلة، ولم يكن لها ما يستر جوانبها.

ويذكر ابن جبير في رحلته أن الصفة دار في آخر قباء يسكنها أهل الصفة، وتأول السمهودي ذلك بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار فيما بعد فاشتهرت بذلك، أي أن المكان الذي ذكره ابن جبير نسب إلى أهل الصفة ولم ينسبوا هم إليه، لأن نسبتهم كانت إلى صفة المسجد النبوي بالمدينة.

ولا يعرف سعة الصفة، ولكن يبدوا أنها كانت تتسع لعدد كبير حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدمها في وليمة حضرها ثلاثمائة شخص، وإن كان بعضهم قد جلس في حجرة من حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الملاصقة للمسجد.

من هم سكان الصفة؟
أول من نزل الصفة المهاجرون، لذلك نسبت إليهم فقيل صفة المهاجرين. وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود التي كانت تقدم على النبي صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها وطاعتها، وكان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان له عريف نزل عليه. وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة. فكان أبو هريرة رضي الله عنه عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد دعوتهم عهد إلى أبي هريرة فدعاهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم في العبادة والمجاهدة. وإلى جانب المهاجرين والغرباء نزل بعض الأنصار في الصفة حبًا لحياة الزهد والفقر رغم استغنائهم عن ذلك ووجود دار لهم في المدينة، ومنهم كعب بن مالك الأنصاري وحنظلة بن أبي عامر الأنصاري (غسيل الملائكة) وحارثة بن النعمان الأنصاري وغيرهم.

ولأن أهل الصفة كانوا أخلاطًا من قبائل شتى سماهم النبي صلى الله عليه وسلم (الأوفاض) وقيل في سبب هذه التسمية أيضًا إن كل واحد منهم كان معه وفضة: وهي مثل الكنانة الصغيرة يلقى فيها طعامه لكن القول الأول أجود.

عدد أهل الصفة
كان عددهم يختلف باختلاف الأوقات، فهم يزيدون إذا قدمت الوفود إلى المدينة ويقلون إذا قل الطارقون من الغرباء، على أن عدد المقيمين منهم في الظروف العادية كان في حدود السبعين رجلًا. وقد يزيد عددهم كثيرًا حتى أن سعد بن عبادة كان يستضيف وحده ثمانين منهم فضلًا عن الآخرين الذين يتوزعهم الصحابة.

ويذكر السمهودي أن أبا نعيم سرد أسماءهم في الحلية فزادوا على المائة. لكن عدد من سماهم أبو نعيم اثنان وخمسون فقط منهم خمسة نفى أبو نعيم أن يكونوا من أهل الصفة. وأبو نعيم وحده الذي يقدم إلينا قائمة طويلة بأسماء المشهورين من أهل الصفة، وهو ينقل من مصدر أسبق لا يصرح باسمه، ولعله الكتاب الذي صنفه أبو عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) في أهل الصفة.

أسماء أهل الصفة
وفيما يلي قائمة بأسماء أهل الصفة كما ذكرها أبو نعيم مضافًا إليهم من ذكرتهم بقية المصادر ممن لم يذكر أبو نعيم:

1- أبو هريرة رضي الله عنه حيث نسب نفسه إليهم.
2- أبو ذر الغفاري رضي الله عنه حيث نسب نفسه إليهم.
3- واثلة بن الأسقع.
4- قيس بن طهفة الغفاري، حيث نسب نفسه إليهم.
5- كعب بن مالك الأنصاري.
6- سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي.
7- سلمان الفارسي رضي الله عنه.
8- أسماء بنت حارثة بن سعيد الأسلمي.
9- حنظلة بن أبي عامر الأنصاري (غسيل الملائكة).
10- حازم بن حرملة.
11- حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري.
12- حذيفة بن أسيد أبو سريحة الأنصاري.
13- حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو من المهاجرين حالف الأنصار فعد في جملتهم.
14- جارية بن جميل بن شبة بن قرط.
15- جعيل بن سراقة الضمري.
16- جرهد بن خويلد (وقيل بن رزاح) الأسلمي.
17- رفاعة بن لبابة الأنصاري، وقيل اسمه بشير بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف.
18 – عبد الله ذو البجادين.
19- دكين بن سعيد المزني وقيل الخثعمي.
20- خبيب بن يساف بن عنبة.
21- خريم بن أوس الطائي.
22- خريم بن فاتك الأسدي.
23- خنيس بن حذافة السهمي.
24- خباب بن الأرت.
25- الحكم بن عمير الثمالي.
26- حرملة بن أياس، وقيل هو حرملة بن عبد الله العنبري.
27- زيد بن الخطاب.
28- عبد الله بن مسعود.
29- الطفاوي الدوسي.
30- طلحة بن عمرو النضري.
31- صفوان بين بيضاء الفهري.
32- صهيب بن سنان الرومي.
33 – شداد  بن أسيد.
34- شقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
35- السائب بن خلاد.
36- سالم بن عمير من الأوس من بني ثعلبة بن عمرو بن عوف.
37- سالم بن عبيد الأشجعي.
38- سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
39- سالم مولى أبي حذيفة.
40- أبو رزين.
41- الأغر المزني.
42- بلال بن رباح.
43- البراء بن مالك الأنصاري.
44- ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
45- ثابت بن وديعة الأنصاري.
46- ثقيف بن عمرو بن شميط الأسدي.
47- سعد بن مالك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
48- العرباض بن سارية.
49- غرفة الأزدي.
50- عبد الرحمن بن قرط.
51- عباد بن خالد الغفاري.

انقطاعهم للعلم والعبادة والجهاد
ينقطع أهل الصفة للعلم ويعتكفون في المسجد للعبادة ويألفون الفقر والزهد، فكانوا في خلواتهم يصلون ويقرأون القرآن ويتدارسون آياته ويذكرون الله تعالى، ويتعلم بعضهم الكتابة حتى أهدى أحدهم قوسه لعبادة بن الصامت رضي الله عنه لأنه كان يعلمهم القرآن والكتابة، واشتهر بعضهم بالعلم وحفظ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل أبي هريرة رضي الله عنه الذي عرف بكثرة تحديثه، وحذيفة بن اليمان الذي اهتم بأحاديث الفتن.

لكن انقطاع أهل الصفة للعلم والعبادة لم يعزلهم عن المشاركة في أحداث المجتمع والإسهام في الجهاد، بل كان منهم الشهداء بغزوة بدر مثل صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي وخبيب بن يساف وسالم بن عمير وحارثة بن النعمان الأنصاري، ومنهم من استشهد بغزوة أحد مثل حنظلة الغسيل، ومنهم من شهد الحديبية مثل جرهد بن خويلد وأبو سريحة الغفاري، ومنهم من استشهد بغزوة خيبر مثل ثقف بن عمرو، ومنهم من استشهد بغزوة تبوك مثل عبد الله ذو البجادين، ومنهم من استشهد بمعركة اليمامة مثل سالم مولى أبي حذيفة وزيد بن الخطاب، نعم هكذا كانوا رهبانا في الليل فرسانا في النهار.

ملابس أهل الصفة
لم يكن لأهل الصفة من الملابس ما يقيهم من البرد أو يسترهم سترًا كاملًا، فليست عندهم أردية. وما لأحد منهم ثوب تام. فكانوا يربطون في أعناقهم الأكسية أو البرد، أو يأتزرون بالأزر، أو الكساء، فمنهم من تغطي منهم ما يبلغ نصف الساقين وأحيانًا قد لا يبلغ الركبتين، وتذكر المصادر أنهم كانوا يلبسون الحِوْتكية وهي عمَّة يُتعمم بها. والحنف وهي برد شبه اليمانية تعمل من نوع غليظ من أردأ الكتان، وكانوا يخجلون من الظهور بملابسهم احيانًا لأنها لا تسترهم سترًا كاملًا. وسرعان ما كانت تتسخ ملابسهم فجوانب الصفة كانت مكشوفة للهواء والتراب حتى اتخذ العرق من جلودهم طوقًا من الوسخ والغبار.

طعام أهل الصفة
كان جل طعامهم التمر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجري لكل رجلين منهم مدًا من تمر في كل يوم، وقد اشتكوا من أكل التمر وقالوا إنه أحرق بطونهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يوفر لهم طعامًا غيره فصبرهم وواساهم ، وكان كثيرًا ما يدعوهم إلى تناول الطعام في بيته، لكنه لم يتمكن من تقديم الطعام الجيد لهم فلم يكون يوسع على نفسه وأهله بالنفقة، ففي بعض المرات سقاهم لبنًا، ومرة أطعمهم جشيشة (طحين ولحم أو تمر مطبوخ) ومرة أخرى حيسة (طعام من التمر والدقيق والسمن) وثالثة شعير محمص، لكنهم نالوا في إحدى المرات الثريد، وكان عليه الصلاة والسلام يعتذر إليهم إذا لم يكن الطعام جيدًا، فقد قدم لهم مرة صحفة فيها صنيع من شعير، وقال: "والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئًا ترونه".

ولا شك أنهم كانوا ينالون طعامًا أجود عندما يضيفهم احد أغنياء الصحابة في داره وكثيرًا ما كانوا يفعلون، ولكنهم في كثير من الأحيان ما كانوا يحصلون على ما يمسك رمقهم، فأثر فيهم ذلك فكانوا يخرون في الصلاة لما بهم من الجوع حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين وكان أبو هريرة رضي الله عنه يصرع بين المنبر وحجرة عائشة رضي الله عنه لما به من الجوع، لكن قلة طعامهم ما كانت لتؤدي بهم إلى الشره والمغالبة على الطعام، بل كانت حقوق الأخوة وآدابها تحكم علاقاتهم ببعضهم، وقد حكى أبو هريرة رضي الله عنه أنهم كانوا إذا اجتمعوا على أكل التمر وأكل أحدهم تمرتين معًا قال لأصحابه (إني قد قرنت فأقرنوا) لئلا ينال من التمر أكثر منهم.

لقد قنعوا بالقليل من الطعام والخشن من الثياب، وعافت نفوسهم القصور لينقطعوا إلى العبادة والعلم والمجاهدة، فكانوا أمثلة للزهد والترفع عن الدنيا.

رعاية النبي والصحابة لأهل الصفة
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد أهل الصفة بنفسه، فيزورهم ويتفقد أحوالهم ويعود مرضاهم، كما كان يكثر مجالستهم ويرشدهم ويواسيهم ويذكرهم ويقص عليهم ويوجههم إلى قراءة القرآن الكريم ومدارسته وذكر الله والتطلع إلى الآخرة ويشجعهم على احتقار الدنيا وعدم تمني الحصول على متاعها، وكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، وكثيرًا ما كان يدعوهم إلى تناول الطعام في إحدى حجرات أزواجه رضي الله عنه.

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يغفل عنهم مطلقًا، بل كانت حالتهم ماثلة أمامه، وقد طلب من ابنته فاطمة رضي الله عنه أن تتصدق عليهم لما ولدت الحسن رضي الله عنه بوزن شعره من الفضة. وقد جاءه مرة سبي فسألته ابنته فاطمة رضي الله عنه خادمًا لأنها تعبت من كثرة أعمالها وكلت فأجابها (عليه الصلاة والسلام:) "أخدمكما وأدع أهل الصفة تطوي" وأوضح لها أنه سيبيع السبي وينفقه على أهل الصفة، ويبدو أنها سألته أيضًا أن يعطيها مالًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد زار عليا رضي الله عنه فوجد أن فراشهما قصير لا يغطيهما فعلمهما كلمات في الدعاء وآثر إعطاء أهل الصفة عليهما وقال: "لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوي بطونهم من الجوع".

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالتصدق على أهل الصفة، فجعلوا يصلونهم بما استطاعوا من خير فكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام إليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوزع أهل الصفة بين أصحابه بعد صلاة العشاء ليتعشوا عندهم، ويقول: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث وإن أربع فخامس أو سادس، فيأخذ الصحابة بعضهم ومن بقى منهم يصحبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى داره فيتعشون معه". ويبدو أن الأمر كان كذلك في بداية الهجرة، فلما جاء الله بالغنى لم تعد هناك حاجة لتوزيعهم على دور الصحابة.

وقد استثارت حالة أهل الصفة سبعين من الأنصار يقال لهم القراء(وهم الذين استشهدوا يوم بئر معونة) فكانوا يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل ويتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه بالمسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء. وقد اقترح محمد بن مسلمة الأنصاري وآخرون من الأنصار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج كل واحد منهم قنوا (القنو العذق بما فيه من الرطب) من بستانه حين ينضج التمر لأهل الصفة والفقراء فوافق على ذلك، ووضح في المسجد حبلًا بين ساريتين فأخذ الناس يعقلون الأقناء على الحبل، فربما اجتمعت عشرين قنوًا وأكثر.

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقوم على حراسة الأقناء. وتشير رواية أخرى إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أشار على الناس بالتصدق بقنو من ثمار بساتينهم ليرفع الله تعالى عنهم عاهة أصابت ثمارهم ففعلوا. وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل علق قنوا فيه حشف وأراد أن يكون التصدق بأطيب من ذلك . ويشير نص أورده السمهودي إلى استمرار عادة تعليق الأقناء في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة -على الأقل- خلال القرن الثاني الهجري.

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

- نظرة مؤلمة على العالم الإسلامي

لم يعش العالم الإسلامي منذ بواكير حياته حتى اليوم، وفي أي عهد من عهوده -حسب علمنا- الحالة المزرية التي يعيشها الآن، ولم يضق أفقه كما ضاق الآن. والأسوأ من هذا أنه ليس في وضع يؤهله لا لمشاهدة الفرق الشاسع بين موقعه الحالي وما كان يجب أن يكون عليه، ولا لتقويم هذا الفرق وبحث أسبابه؛ فهو في كسل وراحة بال لا يعاني من أي مخاض فكري، ولا يقدم أي تفكير بناء، ولا يملك مشروعًا للنهوض من وهدته، ولا يشعر بجيشان انفعاليّ للتغيير. لفَّتْه طبقة ضبابية من اللامبالاة وعدم الاهتمام، وخبا في قلبه شوقُ الحياة ونبضها... لا يملك -إن استثنينا رغباته الجسدية- أي أمل أو تطلع الى المستقبل... أصبح أحيانًا حارسًا للجبارين، وأحيانًا متسولاً على الطراز الحديث، أو متلويًّا في قبضة الفقر والحاجة، أو في حالة يرثى لها من الجهل والتعصب.

لم يعد هذا العالم الإسلامي مهتما ما أمر به الدين الإسلامي من التمسك بالفضيلة، والعيش في كرامة، والانفتاح على العلم وقراءة الوجود قراءة صحيحة، والتنقيب في أرجاء الكون بكل دقة، وتفسير الأسس التكوينية والأوامر التشريعية أفضل تفسير وأفضل تقويم، وإذا كانت هناك فئة قليلة تهمها هذه الأمور وهذه الأوامر فقد مُنعت من الكلام وسُدّت أفواهها ومُنع الناس من الإنصات إليها. كما أن أنواعاً من السفاهات التي نقلت إليه من المجتمعات الأخرى، أصبحت من أكثر الأمور المرغوبة، وتم الترويج لها بالوسائل التكنولوجية وبحملات مكثفة. الجماهير السائبة تعيش حالة من التشوش والذهول، وأجيال الشباب واقعة في شباك الفحش والمخدّرات  تتوجه نحو التفسخ والانحلال تحت مقولة: "دعني أعشْ على هواي اوبين التعصب الاعمى للمناهج والفرق والجماعات واصبح الشباب بين تائم فى احضان المخدرات او بين الافكار الهدامة التى تفرق الامة واصبح كل فرقة من الامة تتعالى على غيرها حتى كدنا ان نتقاتل باسم الدين والدين براء من هذه الافكار ".

عندما يلقي الأنسان نظرة على القوة الديناميكية الإسلامية وغناها، يود أن يرى كل جانب من جوانب العالم الإسلامي معمورًا، وكل مدنه كقطع من الجنان، وحواضره وقراه شبيهة بالفردوس... يود أن يرى أُناسه مفعمين بالأمل وبالسعادة... قد شغلتهم حمى البحث عن الحقيقة، يقضون أوقاتهم بين الكتب والمختبرات، قد اختزلوا ساعات نومهم ولهوهم في سبيل البحوث والتدقيقات، ووهبوا أرواحهم للحق تعالى...

ولكن الحقيقة المؤلمة هي ان المأمول عكس الواقع المشاهد تماماً. فإن بحثت الآن في طول العالم الإسلامي وعرضه عن أصحاب تلك الأرواح التي عمرت الدنيا فيما مضى، فلا تجد إلا أعداداً تعد على أصابع اليد من المثقفين من ذلك الطراز من ناحية الروح والمعنى، ولا تجد معماريين -باستثناء عدد قليل- يعمرون ويسندون جوانبنا المتصدعة والآيلة إلى السقوط.

بينما كان من المتوقع من منتسبي هذا الدين أن يكونوا أسعد مَن في هذه الأرض وأكثرهم تفاؤلاً -بالنسبة للعالم الآخر- وأكثر أملاً، وفي الصفوف الأولى من العالم في كل مسألة، وأن يكونوا بعزمهم وإيمانهم، وثباتهم مرشدي العالم، يقدمون له المشاريع الأصلية، ويحلون مشاكله اليومية. والحقيقة أننا كنا نتوقع أن يزدهر العلم والمعرفة في بستانه، وننتظر أن يكون هو الأسوة والقدوة الحسنة أمام العالم في مضمار الخلق الجميل والقيم الإنسانية الرفيعة... كنا نتوقع أنه عندما يرِد ذكر العدالة وسيادة القانون والحق، وحرية الفكر والعقيدة يخطر العالم الإسلامي على البال. ولكن هل هو اليوم في هذا الوضع؟... هيهات . هيهات! لقد تعددت السهام المصوبة إلى إيمان المؤمنين فأصابته إصابات بالغة حتى تكسرت النصال على النصال، واقتيد العزم عندهم حتى استسلم، وتكسرت عندهم أجنحة الإرادة، وسُلّمت المعرفة والعلم لتصبحا خادمين على مذبح الأيدولوجيات. ومع أن كلامًا كثيرًا يقال حول الخلق الرفيع فإن الواقع المعاش يكذّب هذه الأقوال، حتى غدت العدالة تُباع وتشترى كأي متاع آخر، وباتتْ حقوق الناس تحت تصرف القوى الغاشمة حتى أصبحت قوى تسلط تسحق الضعفاء. أما الحرية والإخاء والمساواة فقد أصبحت خيالاً صعب المنال، وأصبح توقير الإنسان والقيم الإنسانية مجرد مواضيع ميتة تطرح في المؤتمرات وفي الندوات فقط.

إلى جانب كل هذا فهناك حقيقة أخرى وهي أن العالم الاسلامي الذي يشغل موقعًا جغرافيًا واسعًا متأخر إلى درجة كبيرة في العلم والتكنولوجيا والفن والتجارة. ويمكن ذكر الشيء نفسه بالنسبة لمكانتنا في العالم. ولو كنا -في ظل كل هذه السلبيات- في سلام واتفاق فيما بيننا، لَهان الأمر بعض الشيء... ولكن هيهات!.. فهذا العالم الكبير يقوم بإنتاج وتوليد أشياء عجيبة لا يمكن التنافس فيها؛ ينتج الحقد والكراهية والعداء وتلويث الآخرين، وإرساء كل خططه على الخصومة والعداء. وتتصرف كل أمة هذا التصرف فيما بينها. أجل!... فمنذ سنوات عديدة كانت تقوية جبهات العداء والخصومة هي شغلنا الشاغل فيما بيننا... اخترعنا مخاطر وهْمية وعداوات مصطنعة، وفرّقنا بين الجماعات وزرعنا بينها الفتن. فحوّلنا هذه المساحة الجغرافية المباركة إلى وديان خوف وفزع وأرض رعب وذعر.

ومع أن ديننا السامي يَعِد بسعادة الدنيا والآخرة، ويرينا آفاقًا إنسانية رحبة وواسعة، ويعطي حياتنا ما يزيدها خصبًا وانفتاحًا، إلا أن هؤلاء الأناس الغارقين في الدنيا لا يعبأون بكل هذا، ولا ينفذ إليهم تأثير الإسلام الساحر، لأنني لا أرى أي علامات تأثير عليهم. فكل ما أراه هو ضعف الناس وعدم وفائهم، والخصومة المرعبة عند الملحدين، إلى درجة أنك لو قمت بأي نشاط ديني فإنك ستواجه الملحدين عند خطوتك الأولى، وفي الخطوة الثانية سيكون إيمانك وعقيدتك وآمالك وأفكارك الميتافيزيقية موضعاً للهزء والسخرية، وتتعرض من قبل بعض الفئات إلى اللوم. وعندما تدافع عن الحوار مع الآخرين وعن المسامحة وقبول الآخرين واحتضان الجميع، تتعرض من قِبل جهات معنية إلى رشقات من القذائف، ويتوجه نحوكم سيل من التهديد من قِبل من نستطيع تسميتهم بـ"خوارج اليوم".. وإن عشت كما يأمرك دينك تعرّضت للهجوم من قبل بعض البؤر التي لم تقدّم حتى الآن أي شيء إيجابي ولم يكن لها نصيب في أي أمر ناجح، وتحاك ضدك المؤمرات تلو المؤامرات. ثم تتحول هذه الهجمات الشرسة من قبل الذين يهينون الدين والمتديّنين، ويشوهون ماضيك وتاريخك، ويستهينون بقيَمك الملّية والدينية، ويشتمون آباءك وأجدادك... تتحول كل مظاهر هذا الانحراف والضلال وعدم التوازن إلى شراب سام وإلى صديد يسيل إلى داخلك ويجرّعك آلام الغربة ولوعتها.

أمام كل هذه السلبيات كم من الناس يصيبهم اليأس ويغرقوا فيه ويقولوا: "لا خير بعدُ في هذه الدنيا، وسيكون المستقبل أسوأ وأظلم".. وكم منهم من يفقد أمَله فيرخي لنفسه العنان ويدَع نفسه للتيار!... وهذا أمر طبيعي لكل من لم يُربّ على الإيمان وعلى الأمل... أجل! إن كان كل ما يتم بناؤه اليوم سيُهدم في المستقبل، وإن كان المخلصون يُتعقبون كالمجرمين ويُطاردون، وإن كان كل فرد يريد إقامة هذه الدنيا حسب أهوائه ورغباته، ويحطّم في هذا السبيل كل من يخالفه أو يختلف معه في آرائه وقيمه -وهذا ما يجرى في هذا الجزء البائس من الجغرافيا منذ عصرين- فلا يبقى عند أحد أي أمل أو أي عزم.

إن من الغريب أن هؤلاء الطغاة الأقزام والمنافقين من حولهم الذين يرتابون من أي عمل منجز باسم

. الدين والأخلاق والفضيلة ومن كل خدمة أيجابية، ويتهمون كل من يقوم بأي نشاط في هذا الإطار في هذه الدنيا البائسة المنكودة الخط، وينطرون إليهم وكأنهم شقاة وجناة... من الغريب إنهم لا يرون الحالة المأساوية لدنيا المسلمين وينسونها أو يتناسونها، بينما تسود في هذه المنطقة الجغرافية حالة رهيبة من الركود والشلل، فالأدمغة فيها لم تعد تنتج شيئًا منذ عصور، وكل مصادر القوة فيها معطلة... الخرائب في كل ناحية من نواحيها، والبوم ينعق فوق هذه الخرائب. والأنكى من هذا غدت هذه الدنيا العظيمة للمسلمين وكأنها مأوى تأوي إليها عفونات العالم... مأوى للعاطلين وللضعفاء. نذَروا أنفسهم لخدمة الإيمان من الذين نستطيع إطلاق اسم "جيل الفكر" عليهم. ولكن من المؤسف أن نرى أنّ أصواتهم تطغى على أفعالهم، وضجيجهم أقوى من أنشطتهم. فصراخهم -وهم يقومون بأنشطتهم وفعالياتهم- يؤدي أحياناً إلى شر أكثر مما يؤدي إلى الخير، وإلى زيادة مخاوف الذين أحاطت بهم الأوهام والمخاوف، وإلى فزع الملحدين، ويدفع بـ"كارهي الإسلام والنافرين منه" إلى النشاط ضده.. فإذا بالأصوات الصاخبة ترتفع من كل جانب، ثم تَتَتابع الهمهمات والشكاوى، ثم يأتي وقت تتحرك فيه المخابرات الأجنبية، وكتائب الجنود الأجانب. وفي النتيجة يتم تدمير كل ما بُني في السابق، وتُقطع الطرق، وتهدم الجسور، ويرجع كل شيء القهقرى إلى الوراء، وتتم تصفية كل تلك النشاطات والخدمات على مذبح الحقد والكراهية وطغيان العداء الأعمى... هذا هو ما جرى حتى الآن، فقد تشكلت معسكرات مختلفة في المجتمع نفسه، وحدثت نزاعات ومناوشات بين هذه المعسكرات، وجاء زمان تحولت فيه المناوشات والمبارزات الفكرية إلى مناوشات بالأيدي حتى اختلطت جميع الأوراق.

علماً بأن العقل والمعرفة والحكمة تشكل أساسًا مهمًّا في الإسلام. فالتفكر والتدبر والاستدلال والاجتهاد من ضرورات المجتمعات اللإسلامية. والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو أمته إلى اتخاذ منطق العقل مرشداً لهم في ظل الوصايا القرآنية. فهو عندما يقول "قوام المرء بعقله، ولا دين لمن لا عقل له" (شعب الإيمان للبيهقي، 4/157) إنما يدعونا إلى أن نستخدم العقل والمنطق في كل أمر من أمورنا. والحقيقة أنه صلى الله عليه وسلم كان دائمًا بجانب العلم. ويبجّل العلماء، ولأول مرة كان هو القائل بأن العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما أنه هو القائل: "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها" (رواه الترمذي وابن ماجه).

ولكن الغريب أنه على الرغم من قيامه بحثِّ أمته على العلم والحكمة، وعلى الرغم من مئات الآيات والأحاديث في هذا المضمار، وإصراره المتكرر في هذا الشأن، فإن المسلمين منذ عدة عصور لم يفهموا هذا، ووضعوا بينهم وبين العلم والمعرفة والفن حجاباً. بل الأسوأ من هذا أنهم أصبحوا من ناحية الفكر والبحث عاقرين وعقيمين وراكدين، وتركوا أنفسهم للاسترخاء إلى درجة أن دخولهم تحت حكم الآخرين ووصايتهم لم ينبّههم من غفلتهم هذه، ولم يدفعهم لمعرفة ما يجري حولهم، ومعظمهم لا يعرفون الحقيقة، ولا يملكون ميلاً للبحث عنها، ولا عشقاً لها. ولم أشاهد أحدًا منهم يشعر بالخجل والحرج لارتباطنا الوثيق في هذه الدنيا بغيرنا في مجال العلم والتكنولوجيا. فإن وجد بعضهم فهم في وضع لا يستطيعون فيه إسماع أصواتهم. أما عبوديتنا لله تعالى ومستوى إخلاصنا في الإيمان فهي تعادل تمامًا سلبياتنا الأخرى، وعباداتنا قد تحولت إلى فولكلور وإلى مجرد تقليد من التقاليد. وكان من الممكن أن يحطَّ عنا بعض أوزارنا لو كنا نحترم ونوقّر تقاليدنا... ولكن هيهات! فقد ترك هذا لمجريات الايام.

عندما يكون هذا هو الوضع فلا يمكن الحديث عن جوهر الإسلام في هذا العالم الإسلامي، ولا عن الفهم الصحيح لأوامره التشريعية، ولا عن استيعاب أسسه التكوينية وفقهها وتفسيرها والإحاطة بها. لذا ففي هذه المنطقة الجغرافية المظلمة التي تعيش فيها مجموعات من المسلمين، فقَدتْ لونها وملامحها، والتي تشوهت فيها لغتها ولهجتها حتى لم تعد مفهومة، نحتاج أول ما نحتاجه إلى إشعال عشق للحقيقة، وبعث لحب العلم والرغبة في البحث، ووجدان مفعم بنقاء الدين وجوهره. ولا يمكن أن ينقذ هذا العالم من هذه الوهدة السحيقة التي سقط فيها إلا مَن تَربّى على منهاج تربيته الأصيلة الذاتية من ذوي الأرواح الشابّة والعقول المتوقدة، ممن نذروا أنفسهم للحق تعالى، وتوحدوا في الهدف وفي الإيمان نفسه، لا يرجون منفعة شخصية.. من أصحاب الإرادة والعزم.. الساعين في الخدمة الإيمانية... العازمين على تخطي جميع المصاعب والعقبات.. من أبطال العلم والمعرفة والعزيمة الذين لايرجون أي نفع مادّي أو معنوي، سواء في الدنيا أو في الآخرة. لقد عشنا حتى الآن على أمل مجيء هؤلاء الأبطال، وسنبقى نعيش في انتظار قدومهم.


- ما هى رسالة الإحياء؟

حنى الان لم يستطيع نظام فى العالم ولا امة من الامم ان تحقق لشعوبها ما تتطلع االية من الحرية والعدل والكرامة ولا حتى الدول الغربية المتقدمة التي هيمنت على قسم واسع من الأرض في التاريخ القريب أن تحقق الأمان والحبور الدائم للعالم، ولا الشعوب الاشتراكية والشيوعية في الشرق،وذلك قد أوقع الجميع في أزمة انعدام الثقة... بل في الريبة والشك في كل الوعود فوقفت الإنسانية اليوم كل نظام يعرض عليها موقفَ الشك والقلق والاستهزاء.. لأنها باتت تعتقد أن الأنظمة التي فُرضت عليها حتى اليوم لم تعمل كما ينبغي، بل عجزت عن العمل، وبالتالي هناك خلل في الأنظمة كلها!. وهذا يقتلع المحاسن التي غرستها تلك الأنظمة، فلا يبقيها في ذاكرة البشر إلا خيالاً بائساً.عجزِت عن احتضان الفئات كلها، والقصورِ في إنجاز وعودها، والضعفِ في الاستجابة للحاجات الإنسانية؛ و إغفالها مجموعة من القيم الإنسانية، بل تأجيج بعضها مشاعر الحقد والبغض والغيظ بين البشر.بناء على ذلك، فإن أمتنا ابتداء، ثم الإنسانية جمعاء، بحاجة ماسة إلى فكر سام يقوي إراداتنا، ، ويبعث الأمل في قلوبنا، ولا يعرضنا للخيبة مرة أخرى. نحن بحاجة شديدة إلى أفكار وغايات وأهداف سامية، ليس فيها فجوات عقلية أو منطقية  . ,وهنا لابد ان يكون لكل امة هدفسامي. لقد تعرضت أمم عديدة في الماضي، كما تتعرض في الحاضر، إلى هزات شديدة لتقاعسها في ربط سياساتها السارية بهدف سام وسليم، وقصر باعها في النفوذ إلى قلوب البشر.فالواجب علينا الآن -مع وضع هذه السلبيات نصب أعيننا- أن نضع أمامنا أهدافا سامية نتخذ في سبيل تحقيقها قيمنا الذاتية أسسا لصياغة سياسات ومشاريع مستقبلية، حتى يتحقق الاستقرار في سياساتنا.فيحوزالهدف السامى الخالى من الاهواءعلى الاحترام من كل الفئات، فيستحوذ على العقل والمنطق والعواطف، ويكثف الحركات كلها في نقطة واحدة. فكانت هذه القوة في إطار الشروط العادية والأخذ بالأسباب كافية لتحقيق الهدف المقصود. وحتى نجنِّب أمتنا من الفظائع والفواجع التي لا مفر منها في حال سقوطنا،... فنتشبث بالسعي مستعينين بالله تعالى، ونستهدي التوفيق الإلهي في وحدة الأمة وتوافقها، ثم نركز على كينونتنا الذاتية ونتعقب أهدافنا وغاياتنا السامية.ومن الظاهر عيانا وبيانا، أننا لن نتغلب بمشاريع سبق أن تعودناها، على كل هذه السلبيات في مرحلة عاصفة تواجهنا فيها مهاوٍ سحيقة متشابكة، وجسور منهدة وطرق منقطعة، وبأمة متعبة بمحن متنوعة لم نشهدها في تاريخنا إلا قليلا.ولذلك، نؤمن -في هذا الوقت الذي نرجو فيه أن نكون أمة عظيمة- بضرورة منهج ومشروع بعقلية محترفة ومتخصصة، بل قبل ذلك، بضرورة إعداد أجيال مثالية تحلم وتستهدف لإنشاء أمة عظيمة.بتوجه القلوب المخلصة إلى الله تعالى، ومَنُّ الله تعالى بزيادة الإحسان على هذه الأمة التي توارثت العز من أعماق تاريخها....ولتحقيق هذا كله، لا حاجة إلى تلقين المسلم فهما جديداً للإسلام، ولا إلى إعادة تعليم الإسلام للمسلمين من جديد. وإنما المطلوب العمل على تفهيم المسلم الأهمية الحيوية لما يعرفه عن الإسلام فعلاً، وقوة تأثيره، وديمومته الأبدية. لكن المؤلم حقا أن الأقوال في هذه المسألة مختلفة اختلافاً بيناً إلى درجة تحير العقول... فهوى الرغبات يتقدمُ العقلَ ويقيم في ظل الخيمة الإلهية، والأحاسيس تصدر أحكاما من فوق عرش المنطق. ونحن نعرف هذا الانحراف في نفر من محترفي الإنكار والإلحاد والكفار المدمنين على التحرش بالدين، لكن قد يقع فيه أيضا بعض المتعصبين المحرومين من الحياة القلبية والروحية من الذين يحسبون أنفسهم متدينين. هذان الصنفان مختلفان فيما بينهما، لكنهما كفرسي رهان في الإضرار بالأمة والوطن والدين.الصنفان كلاهما لا يوقر روح الدين، وكلاهما لا يتسامح في التفكير الحر، وكلاهما مختوم على قلبه، فلا يَعي فكرة المشاركة والتقاسم. رأس مالهم الأعز هو الفرية والزور والتشويه، وأجود فنونهم هو النميمة واللمز على من لا يحسبونه منهم... لا يهمهم إلامَ يلجؤون، ولا على من يستندون؛ فالمهمّ أن يهضموا ويأكلوا من لا يستسيغون وجوده. والحقيقة أن حرصهم وسعيهم في هذه المسألة عظيم وحثيث إلى درجة أظن أنهم لو صرفوه فيما يليق لعمّروا العالم كله.وبدهي في هذه الأجواء المظلمة الخانقة، وفي ميدان الذين لا يفكرون ولا يبصرون ولا يعلمون، لن توجد الحياة الفكرية والعشق إلى الحقيقة والتحري في سبيل العلم والبحث... وإن وجدت، فلن تنمو وتتطور، وإن نمت وتطورت فلن تغادر عالم الأحلام والفانتازيا. وإنّ حالنا المنكسر البائس شاهد على ما نقول بألف لسان، وليس بلسان واحد.لكن الحال يقتضي في الواقع أن تكون عقلية أمتنا عقلية إعمار وإنشاء... وأن ننجو من هذه الحالة التي نتخبط فيها والتي نعاني فيها من فقر التفكير وغياب الأهداف. ونحن اليوم بحاجة ماسة -قبل كل شيء- إلى غاية مأمولة سامية بعيدة المرام، هي انبعاثنا برؤيتنا الحضارية وبثقافتنا الذاتية. ولابد لأمتنا أن تصبر على أوجاع وعذاب وزمانٍ يسلب العاقل عقله ويدع الحليم حيران، من أجل الارتقاء إلى العلياء كصرح سامق يرتكز على أركان القيم التاريخية لأمتنا. إنَّ مراعاة سير تطور الحوادث ضمن طبائعها، تتعلق بسعة المعرفة بهذه الطبيعة. القرآن الكريم يخاطب سيدنا صلى الله عليه وسلمفيقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾(التوبة: 42)، فيُسَرّي عنه صلى الله عليه وسلمويُوبّخ المتخلفين المتهاوين في الطريق.وحسب المنظور الإسلامي، يُعَدُّ المقصود حاصلاً بنوال الهدف البدهي لكل حركة أو حملة، وهو رضى الله تعالى. فسواء بعد ذلك إن تحققت نتيجة الخدمات المقدمة باسم أمتنا بارتقائها إلى المكان اللائق بها في التوازن الدولي، أو لم تتحقق؛ فإن المؤمن يسعى لنوال رضاه تعالى في كل خدمة إيمانية وكل فعالية دعوية. فبهذه النظرة يتحول غيرها من الأهداف إلى أهداف إضافية واعتبارية، ومحض وسائل تؤدي إلى الهدف الحقيقي.

- العالم الاسلامى فى ثوبه الجديد

نرى ان العالم الإسلامي في القرون الأخيرة يدور في دائرة مفرغة حائما حول أغلاطه من غير أن يجد جوهر ذاته وروحه؛ فكلما تقدم خطوة إلى الأمام، أعقبها بتراجع خطوات إلى الوراء أو انحرافات عن سواء السبيل. بل كثيراً ما خلف هذا السير المشؤوم أو الانحراف اللعين الذي طغت خطاياه على صوابه وأغرقت أضراره فوائده، آثاراً غير محمودة على الجهود الذاتية الاجتماعية في تحري سبل العودة إلى الذات، فعرّضت الأعمال الطيبة ورجالها إلى التزلزل من الأعماق. هذه الحال تدل على أن عقد الخرز قد انفرط في العالم، وأن دولاب الدول والشعوب يدور خلاف مصالحها.

لذلك، نؤمن بضرورة توجيه العالم الإسلامي جميعاً إلى التجدد بكل أجزائه في فهم الإيمان، وتلقيات الإسلام،[1] وممارسة الإحسان، وإثارة العشق والشوق، وتحكيم المنطق، وتعديل طريقة التفكير، وأسلوب التعبير عن الفس، بمؤسساته ونظمه التي تكسبه هذه الأحوال.

إن أساس حياتنا الروحية قائم على الفكر الديني والتصورات الدينية. ولقد حافظنا على وجودنا حتى اليوم بهذا الأساس، وكانت وثباتنا أيضاً منطلقة منه. فإن جردنا أنفسنا منه، فسوف نجد أنفسنا متخلفين ألف سنة إلى الوراء. إن الدين الذي يهدف إلى إضفاء المعنى على الإنسان والكائنات، ويتفتح على الروح الإنسانية والذات، وتحقيق الرغبات الممتدة إلى ما وراء الدُّنَى، وإشباع حس الأبد في الوجدان... ليس منحصراً على العبادات؛ إنه يحتضن الحياة الفردية والاجتماعية جميعاً... ويتدخل في كل ما هو لنا: عقليٍّ وروحيٍّ وقلبيٍّ... ويصبغ بصبغته كل تصرف لنا حسب نيتنا، ويلونه بلونه.

نعم، كل تصرف للمؤمن الحق قائم على محور العبادة، وكل جهد له ذو بُعد جهادي، وكل حملة وجهد له متلون بالعقبى والرضا. فلا محل في حياته للفصل بين الدنيا والعقبى... ولا برزخ بين قلبه وعقله... وعواطفُه ومنطقه مزيج واحد متداخل... ولا تتناكر محاكمته العقلية مع إلهاماته. كذا، التجربة والخبرة في عالم فكره سُلّمٌ نوراني يتصل بالعقل، والعلمُ برج عال بحسابات الفراسة. فهو نسر يحلق إلى اللانهاية دوماً بأجنحة العشق العملاقة في هذا السُلّم، وحلاجٌ يندف قطن الوجود ندفاً بفطنته في هذا البرج. وحيث لا فراغ في أي زاوية من زوايا هذا الفهم، فلا كلام عن إهمال الإنسان الفردي أو الاجتماعي في هذه المنظومة.

والذين يختلقون صداماً بين الدين وبين العلم والمحاكمة العقلية، هم بؤساء جهلوا روح الدين والعقل. أما إلقاء مسؤولية الصراع بين الفئات الاجتماعية المتنوعة على كاهل الدين، فهو انخداع من كل النواحي. لأن الصراع بين التكتلات نابع من الجهل والمنافع الشخصية والمصالح الفئوية. ولن يؤيد الدين أيًّا من هذه المشاعر والأفكار. والواقع أننا قد نشهد صداماً وصراعاً بين قسم من المتدينين أيضاً، إلا أن هذا يرجع إلى أن هؤلاء الحاملين لنفس الجذوة الروحية لم يبلغوا المستوى المطلوب في صدق الإيمان وحفظ الإخلاص... وربما تغلبهم عواطفهم أحيانا... وإلا فالفضيلة المؤمنة لن تفتح المجال للسقوط في أمثال هذه التعاسة. والواقع أن سبيل النجاة الوحي

من السقوط في هذا البؤس هو إحياء الدين بكل مؤسساته وجعلُها مصدر حياة وغذاء للمجتمع.

إن المجتمع الإسلامي بحاجة إلى "انبعاث جديد"، وإصلاح جاد في ملكاته العقلية والروحية والفكرية، وبتعبير أكثر حيوية، إلى "إحياء"... إحياء يستجيب لمتطلبات جميع أصناف البشر ويحتضن الحياة كلها، في كل زمان ومكان، بقدر السعة والعالمية التي تتسع لها مرونة النصوص، مع السعي الجاد للحفاظ على أصول الدين.

إن هذا النظام المبارك منذ أن شعرنا بظله فوق رؤوسنا -أدام الله حفظه علينا إلى الأبد- قد فتح بابه مراراً على التجديد والإصلاح، فشهدنا الانبعاث مرات عديدة. فعامة المذاهب ومعظمها تمثّل التجديد في الفقه والحقوق. و أما الطرق الصوفية فقد مهدت المسالك إلى القلب والروح وعبّدتها. والكتاتيب والمدارس عموماً -يوم أن كانت لنا- قامت في غالب نشاطها بإضفاء المعنى على الوجود والكون. وأما التجديد والانبعاث المأمول في الوقت الحاضر، فيتحقق بالتوفيق بين كل ما ذكرناه من المؤسسات وحشدها جمعاً في مَجمع واحد. وهذا يعني النفاذَ من القالب إلى اللب، وترك الشكلية والتوجه إلى الجوهر والروح، في كل مسألة. ويعني أيضاً التوجّه إلى اليقين في الإيمان، وإلى الإخلاص في العمل، وإلى الإحسان في الحس والفكر...

نعم، ينبغي أن تكون "الكمية" تامة و"النوعية" هدفاً في العبادات، والكلمات وسيلة والروح والصدق أساساً في الدعوات، والسنة مرشدة في التصرفات، والشعور لازما. وفي كل هذه الغايةُ والقصد هو الله... فليست الصلاة قياماً وقعودا... ولن تكون الزكاة مالاً مطروحاً تخرج من المال تبرئة للذمة وتصرف إلى حيث لا يدرى أين مصيره... ولئن صار الصيام جوعاً وعطشا، فماذا يميزه عن الحِمْية؟ والحج إن لم يجْر في فَلَكه، فما اختلافه عن سياحة بين مدينة وأخرى تدرّ على بعضهم عملاتٍ أجنبية؟ والعبادات إن انحصرت في الكم قد تصير كلعب الأطفال... وصيحات الأدعية الخاوية من الروح شغل الباحث عن عمل الحلوق... والحج والعمرة إن صارتا مشقة تُحتمل للتسلي بحمل لقب "الحاج" ومناقب الحج، فسوف يفقدان الحكمة والقصد منهما...

إن سبيل الخلاص من الاضمحلال والهدر في شِباك كل هذه السلبيات، هو إعلان النفير العام لإعداد أطبّاء الروح والمعنى، الذين يملؤون كل الفراغات في كياننا، ويزيلون نقاط الضعف في نفوسنا، وينقذوننا من عبودية الجسم والبدن ويقودوننا إلى مستوى الحياة القلبية والروحية... أطباء تتسع قلوبهم لكل ساحات العلم والذكاء والعرفان والواردات والفيوضات... من الفيزياء إلى الميتافيزيقا، ومن الرياضيات إلى الأخلاق، ومن الفنون الجميلة إلى التصوف، ومن الكيمياء إلى الروحانية، ومن الفضائيات إلى الأنفسية، ومن الحقوق إلى الفقه، ومن السياسة إلى السير والسلوك. إن هذه الأمة ليست بحاجة إلى هذا وذاك، بل إلى مثل هذا المخ المدبر. فكما يرتبط العقل ويحاور كل جهة بعيدة وقريبة في البدن عبر الأعصاب، ويرسل الرسائل إلى أقصى نقاطه ويستلم منها، فإن هذا الفريق سيكون في تعاط مع جميع خلايا جسم الأمة وجزيئاته وذراته وجُسيماته، ويصل إلى جميع الوحدات في المجتمع، ويمتد تأثيره إلى جميع أجزائه الحيوية... ويهمس في أذن كل شرائحه شيئاً من الروح ومن المعنى، مقبلاً من الماضي ومكتسباً عمقا أشد غورا في الحاضر، وممتداً إلى المستقبل.

هذا الفريق يسع صدره لكل الناس؛ من الطفل الملتزم والمؤدب في المدارس، إلى أبناء الوطن السائبين وغير المنضبطين في الأزقة والشوارع. ويُفرِغ في كل صدرٍ إلهاماتِ روحه، ويربّيهم دهاة مؤهلين بعلوم الغد ومهاراته ويُعِدّهم لفائدة المجتمع، ويرفع كل إنسان وكل شريحة إلى الكمالات الإنسانية بالتطهر من لوثات العصر في صفاء مآوي النور ومجمّعات إقامة الطلاب وبيوت الطلبة والمدارس والجامعات والمعابد والتكايا...

هذا الفريق يؤنس وحشية الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام القوية، ليجعلها صوتاً ونَفَساً للدين والملّة من وجهة، ويرشد بها من وجهة أخرى الأحاسيس السوداء والأفكار القاتمة والأصوات المدلهمة، للوصول إلى سبيل المستوى الإنسانية.

هذا الفريق ينقذ مؤسسات التربية والتعليم التي تغير شكلها ووجهتها كل يوم حسب الأجواء تحت وطأة الضغوط الخارجية والانحرافات الداخلية... ينقذها من وصاية الأفكار الدخيلة من مراكز القوى العالمية، فينظمها بصورة تستجيب لمتطلبات الحاضر وحسب السياق التاريخي، ويرفعها لتكون مؤسسة ذات رسالة وهدف ببرنامجها وخطتها وأسلوبها.

بفضل ذلك، ترتقي الأمة من الفقر الحسي والفكري، والحفظ الببغائي والنمطية إلى التفكير العلمي الحقيقي، ومن تزكية أنواع الرذائل باسم الفن إلى الفن والجمال الحقيقي، ومن العادة والإدمان المجهول المنشأ والنسب، إلى الشعور الأخلاقي النابع من الدين والتاريخ، ومن التعصب لشتى الأفكار القابعة في صدورنا والتي أضنتنا وأنهكتنا، إلى توحيد القبلة في الخدمة الإيمانية والتسليم والشعور والتوكل.

لنضعْ جانبا بلبلة التكوينات الجديدة في العالم، نحن لا نصدّق بولادة شيء جديد من الهندام الرأسمالي القديم، أو أحلام الشيوعية، أو تكسيراتها الاشتراكية، أو هجينها الديمقراطية الاجتماعية، أو خرق الليبرالية البالية. الحقيقة هي أنه إن كان ثَمّ عالَمٌ مشرّعُ الأبواب لنظام عالمي جديد، فهو عالمنا نحن. وقد يتناوله الجيل القادم على أنه عصر نهضتنا نحن.

هذه الولادة الجديدة، ستُكسب عالم مشاعرنا وأفكارنا، وكذلك مفاهيم فنّنا وجمالنا، أعماقاً مختلفة اختلافاً شاسعاً عما هو عليه الآن. وبذلك سنكتشف أذواقنا البديعة ونصل إلى موسيقانا، ونعثر على رومانسيتنا... ونجعل شعبنا يستقر على أساس متين من كل النواحي، سواء في العلم والفن، أو الفكر والأخلاق، فنضمن مستقبله.
                                                                                                         
شعارنا في هذا المضمار النفيرُ والإقدام، ومصدر قوّتنا الإيمان والحقيقة. لقد أخفق دوماً الذين داروا بنا على الأبواب الأخرى على أمل الشفاء من الأدواء بالانفلات من الإيمان ومن الأخلاق. ولقد نلنا نحن المعالي، وبقينا شرفاء، بفضل الله الذي ارتبطت قلوبنا به، وفي ظل تسليمنا وانتمائنا إلى أمتنا التي رجحناها على كل شيء دنيوي، وبلادِنا التي نشأنا في ربوعها وترعرعنا في حضنها. ولا أظن بأنني في حاجة إلى شرح الواقع بعكس الحال!

- العواصف العابرة والنسائم الدائمة

إن لإيماننا وآمالنا الفضل في اعتقادنا بأننا حتمًا سنُبعَث بهويتنا الأصيلة ذات يوم، ونقف على أقدامنا؛ لذا تركنا نوافذنا مفتوحة دائما نحو وجودٍ جديد، وربطنا قَدَرنا حتى في أقسى العهود وعند مواجهة أنكى الحوادث غدرًا بالتوكل والتسليم، وتفويض الأمر إلى الله، وآمنّا بأن أيام الله الموعودة ستشرق شمسها، وأن يد العناية ستَعْمُر الدارين من أجلنا، وأن أعمالنا في الدنيا ستصل إلى الرياض والبساتبن هناك.

ومن النعم العديدة التي أفاضها الله على المؤمنين كألطاف إلهية استنتجنا أن الله تعالى سيوالي نعمه العديدة على خلقه؛ ففرحنا بظلال التوجهات الإلهية؛ فرِحنا حتى لكأننا لم يمرّ بنا بُؤس قطّ؛ زد على ذلك أننا لا نبالغ إن قلنا إننا جميعًا قرأنَا شعرًا أخرويًّا في الطريق الذي سلكناه فخالط حبُّه شغاف قلوبنا جميعًا، وفي مُحيّا الأعمال التي استُعملنا فيها.

 نعم فشعورٌ وإدراكٌ كهذا إنما يصدر عن سَعَة العوالم الحسية للبشر؛ بل كلُّ قلبٍ مؤمنٍ يصبح وكأنه يشعر بأن تلك الغاية المثلى العلوية وآثارها العميقة صارت شعرًا رائقًا.

إن الأيام والساعات والدقائق العذبة الفياضة بمشاعر مرهونة بالزمان تَعِدُ الإنسانَ بلحظات سعيدة لا توصف، بل إن كل جزء يمر من ضروب الأزمنة هذه تراه القلوبُ الوفية مُفعمًا مزيَّنًا تشعر الروح فيه بمتعة أعالي الجنة؛ حتى إن القلب الوضّاء الذي يطالع الوجود والحوادث بمثل هذه المتعة يستطيع أن يجعل ما يحوم حوله من ضوضاء صاخبة، وفِعال شديدة الصلف والجلافة لينةً كالحرير، ويمنحها صفاؤه النفسي تمييزًا نورانيًّا؛ فتفيض بالبسمات على كلّ مكانٍ عَبَرَ منه، فتصبح وكأنها لم ترَ فيه شيئًا سلبيًّا ألبتة، وتُلوّح لمن يزمجرون حقدًا وغيظًا وكرهًا بإشارات تهديهم إلى أفق الإنسانية.

حقًّا إننا قد لا نبلغ هذا المستوى في بعض الحالات، أو قد نرى محيطَنا مضبَّبا غائمًا لعدم نضجنا، وقد ينجم عن بعض الأحوال والحوادث كدرٌ واضطراب، لكن لا يُكتب لشيء من ذلك بقاء واستمرار، فلو كمل الإيمان والتسليم والتوكل في القلوب لأدبرت هذه الأشياء كلها كما أقبلت، ولَأكسبتنا روحَ مقاومة جديدة؛ والحقُّ أنَّ أربابَ هذا المستوى يشعرون بحيويةِ الحياةِ ونضارتِها من جديدٍ في كلِّ يوم؛ والحياة مهيّأة للمفاجآت ولما هو معتاد على السواء، فتتولّد البسمات من الدموع، والملذّات من الآلام، والمتع من الهموم والأحزان؛ وعندما يحدث هذا غالبًا ما يُطلق الصيفُ كما الربيع صيحاتِ الانبعاث في أفق المؤمن، ويضفي الخريف والشتاء على الغروب صبغة الشروق ببشرى جديدة من البعث بعد الموت، وتتعاقب المواسم بعضها إثر بعض بألوان من بشائر السعادة، ففي هذا الجو تبدو الأوقات كلها وكأنها تجيش فرحًا وسرورًا.

وفي هذا المناخ ينبلج الفجرُ بنشوة البعث والنشور، ويعلن النهار عن نفسه بلذّةٍ خاصة في كل جانب، ويكشف المساءُ الستارَ عن الماوراء، ويَغشى الليلُ كل شيء بسحرٍ يُطلِق لسان القلب والروح، ويفيض على الساعات والدقائق والثواني نورانيةً وجوًّا سماويًّا يليّن أقسى القلوب ويرققها، كلٌّ حسب استعداده، فكم من أفكار رائعة ينسجون، وكم من أشياء لا يُجهَر بها يُسرّون، وكم من رؤى عميقة هم فيها مستغرقون، وكم من آفاق ماورائية إليها يتجهون، وبينما هم فيها في معارج الماضي السماوية يحلّقون تراهم في أعذب أحلام المستقبل يتجوّلون، ويا لكثرة ما يجنون مِن حدائق وبساتين الآخرة من أفكار لم تطاولها يد.

أجل، إننا بإيماننا وآمالنا العميقة ونظراتنا وتوجهاتنا الواسعة نعمِّق صلتنا بربنا دائمًا، وكثيرًا ما نشعر بأشياء تفوق تصوراتنا، ويوحي الجوُّ الذي نحن فيه بالأجواء الأخروية وكأننا محاطون بالشفقة من كل جانب، ونحسب المقام الذي نحن فيه ممرًا إلى الآخرة، وكأن العناية تحفّ بنا من كلِّ جانب، فيغدو هذا العالم الخاص الذي يتكون وفقًا لعالمنا الداخليّ عالمًا ساحرًا أخَّاذًا، يُشعرنا بنورانية العوالم الأخروية.

فلا يظلم أفقنا كليًّا مطلقًا، حتى ولو أظلم كل ما فيه بظلمات متعاقبة فكثيرًا ما تستنير بصائرنا بأنوار الماورائيات، فلن نعاني الغربة ما وفّينا المقام الذي نحن فيه حقّه، وتوجهنا إلى أفقنا الأزلي، فنحن بفضل الله وعنايته نأوي إلى “ركن شديد”[2] دائمًا، ونتحدّى أعتى الأمواج.

وقد ينجم عن الحوادث الجائرة -التي يبدو أنها تعترضنا- أن يقطع الزمنُ طريقَنا بل ربمّا اهتزت أواصر بعضنا الروحية، لكن الأعاصير التي تهبّ وتلفح وجوهنا تقوّي جهازنا المناعي، وتُدبر كما أقبلت، وتترك لنا هدايا قيمة تُشعرنا بذاتيتنا، وهكذا يزول الغم، وتغدو الأكدار ملذات، ونستبدل حمدَ الله بالصخبِ والضجيج، وكأن الحوادث حولنا بشيرٌ بأمرٍ يسعدنا.

كنا نرى كل شيء ونقيمه هكذا بفضلِ إيماننا وآمالنا وتوجهنا إلى ربنا سبحانه تعالى، وبعد ذلك ثبتْنا حيث نحن؛ على أمل أن نفسّر كلّ شيء على هذا المنوال.

إذا كان الأمر كذلك فهُبي حيث شئتِ أيتها الريح المعاكسة التي تهبّ دائما محملة بالحقد والكره! وقريبًا ستقول لك القدرة القاهرة: حسبكِ أيتها الوقحة، كفّاك ضجيجًا من الآن 

- الإحسان أسلم طريق ربوع الإخلاص

 الإحْسَانَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»،[1] هو عمل كل شيء متقنًا، ومن دون قصور أو نقص حيث إنه سيُعرض على أنظار "الشاهد الأزلي"، إيمانًا واستشعارًا بأبعاد الإرادة والحس والشعور واللطيفة الربانية. فهذا هو الأساس والقاعدة والأفق الذي لا بد من بلوغه لدى أرباب الحقيقة.

أما الإحسان للآخرين شعورًا وفكرًا وسلوكًا، فهو ظهور شعور الإحسان المتكامل في روح الإنسان وفيضانه وانتشاره وهو نتيجة طبيعية للشق الأول وهو تعبير الوجدان المنظم وفق الإحسان لما نظم لأجله. فهذا المعنى، أي جهة الإحسان المتوجه إلى الناس، دستوره «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[2] وبُعدُه الكوني الشامل لجميع المخلوقات هو «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

إن شعور الإحسان بمثابة مفتاح سرى لفتح دائرة صالحة. فالذي يفتح ذلك الباب ويدخل إلى ذلك الممر المنير كأنه قد صعد السلّم السيار، فيجد نفسه في عروج علوي ساحر. وفضلاً عن هذه الحظوة، إذا ما أعطى إرادته حقها واستمر في سيره فإنه يصعد في كل خطوة مرتبتين معًا. واعتقد أن البيان الإلهي ﴿هَلْ جَزَاء الإحْسَانِ إِلاّ الإحْسَانُ﴾ (الرحمن:60) يذكّر بهذا. فقد قرأ سيدنا الصادق المصدّق صلى الله عليه وسلم ﴿هَلْ جَزَاء الإحْسَانِ إِلاّ الإحْسَانُ﴾ ثم قال: «هل تدرون ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاءُ من أنعمتُ عليه بالتوحيد إلاّ الجنة».[4]

إن شعور الإحسان كالسحب المثقلة بالأمطار، فما أن تحيط بأقطار تلال القلب، إلاّ وتنـزل الألطاف الإلهية غدقًا. فيجد الإنسان نفسه في دائرة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:26)، ويعيش متذوقًا لذائذ كونه إنسانًا. وفي هذا الموضوع، واردات إلهية آتية من منبع الفضل واللطف، تتجاوز واردات العمل والسلوك وتترتب على النيات الخالصة للقلوب. وهذا يفوق تصورنا وتفكيرنا أيضًا.

إن أصدق وسيلة توصل الانسان إلى الحق سبحانه هي القلب، وأعظم عمل قلبي هو الإحسان. فالإحسان أسلم طريق للتوجه إلى ربوع الإخلاص، وأصوب واسطة للوصول إلى روابي الرضوان، وهو شعور التمكين تجاه الشاهد الأزلي. فيشدّ الرحال إليه سبحانه يوميًا مئات الألوف من المجهّزين بالإيمان المجنّحين بالعمل، الغارقين في التقوى. ولكن قد لا يصل إلى تلك الذروة إلاّ بضعٌ منهم أو لا يصل أحد. فالذين لم يصلوا إليها عليهم أن يستمرّوا في كدّهم. والذين وصلوها يدركون قبح ما لا يحبه الله، ويحسون به وينغلقون دونه، ويستشعرون أيضًا ما يستحسنه الله سبحانه فيكون جزءًا ضروريًا لفطرتهم، ويتكاملون معه، فيستنشقون "المعروف".

اللّهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللّهم اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، وصل وسلم على سيدنا سيد المحسنين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

- الحياة فى القران الكريم

إننا نعيش حضاريا مرحلة في غاية الخطورة والصعوبة، نعيش مرحلة أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "يُوشك الأممُ أن تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأكَلَة إلى قصعتها" (رواه أبو داود). حديث القصعة وحديث الغثاء على طوله، يحدد في الحقيقة ملامح الواقع، كما يحدد الداء ويصف الدواء، ويحدد الداء في الوهن ويصف الدواء في عكسه، ويحدد الداء في حب الدنيا وكراهية الموت، ويحدد الدواء في خلاف ذلك. وفي الآية: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(آل عمران:165)، إشارة إلى هذا الموضوع وإلى غيره.. وإن تسليط غير المسلمين على المسلمين إنما هو من البلاء الذي يعاقب به المسلمون على خلل فيهم.
لقد أُخرجت الأمة إلى الناس بالقرآن الكريم، وبه صارت خير أمّة أخرجت للناس، وبه كانت وحضرت في التاريخ، وفعلت ما فعلت من خيرات.. فهل هو الآن في المكان اللائق به؟

فساد التصور سبب فساد الواقع
ما سبب عدم بقاء الأمة في موقعها من الشهادة على الناس، وما سبب تدحرجها من موقع الشاهد إلى موقع المشهود عليه؟ إن خللاً ما وقع في الصلة بينها وبين القرآن، وهي أن لألفاظ كتاب الله عز وجل مفاهيم، ولمجموع تلك المفاهيم نسَقاً عاما يمثِّل صورة الإسلام بكاملها، ولا يمكن أن يتم التمكّن من ذلك إلا بدراسة هذه المكوِّنات لذلك النسَق العام، ولتلك الصورة الكاملة.
لا يمكن الفهمُ إلا بهذا الفهم، فهمِ الأجزاء ثم فهمِ الكلّ تبعاً لفهم الأجزاء. ولا سبيل إلى صنع واقعٍ قبل صنع تصوّر صحيح لما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع. إن فساداً في التصور السليم لمفاهيم ألفاظ كتاب الله عز وجل قد ساد، والحاجة ماسةٌ الآن إلى تجديد فهم هذه الألفاظ، ماذا يريد بها الله عز وجل منّا أفراداً ومؤسسات وأمةً؟



ولهذا اللفظ تصوران مختلفان في القرآن..
أ-التصور الكفري للحياة: وهو تصور يقصر الحياة على الدنيا فقط. لا ينظر إلى ما قبل ذلك ولا ينظر إلى ما بعد ذلك ولا ينظر إلى ما مع ذلك. إذ مع الحياة التي تُرى وتُشاهد كائناتٌ وحياةٌ أخرى لا تُرى ولا تُشاهد. هناك التصور الذي تشير إليه الآية الكريمة محدِّدةً له: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾(الجاثية:24).فهنا حصرٌ لمفهوم الحياة في هذه الدنيا فقط دون أن يُلحَظ وأن يُعتبَر ما سبق، وما سيلحق وما هو كائن الآن. أقصى درجات العلم لديهم لا تجاوِز هذا السطح من الحياة الدنيا، ولا تجاوِز هذا المحسوس المشاهد. فكل ما ليس بمحسوس هو غير قابل لأن يُعلَم.
فجميع ما يترتّب على هذه النظرة هو فهْمُ الكفار لهذه الحياة التي تُثمر وتُنتج أنشطةً وأعمالاً تنسجم مع التصور الكفري للحياة، وهذا ليس هو العلم. لذلك نفى الله عز وجل العلم عنهم فقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾(الأعراف:187)، وأثبت لهم العلم الظاهري بالحياة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾(الروم:7).
وأنتج هذا التصور الكفري أموراً وتصرفات كثيرة بناء على العلاقة التلازمية بين التصور والسلوك، كحب الحياة الدنيا والافتتان بزينتها، والاطمئنان والرضا بها والحرص عليها مهما كان الثمن.
كثير من المظاهر وصور السلوك نسبها الله عز وجل إلى الكفّار ونفاها عن المسلمين. وهذه الأمور وقعت بسبب هذا التصور للحياة، أي حين ينطلق الإنسان من أنه لا يملك إلا هذه الحياة الدنيا، وحين يتصور الإنسان أنه لا يملك إلا فترة عمره فقط، فلا شك أنه سيكون حريصاً جداً على الاستفادة من هذه الحياة. أيُّ حياة؟ كيفما كانت. حين ينطلق الإنسان من هذا التصوّر فعلاً يؤثره على سواه، لأنه يؤثر شيئاً بين يديه على شيء لا يؤمن به، فلذلك يقدم العاجلة لكونها عاجلة على الآجلة التي قد تكون وقد لا تكون حسب تصوره الكفري.
بـ-التصور الإيماني للحياة: وهو تصور آخر للحياة، حياة ممدودة ممتدة، لا نهاية لها في الزمان البَعْدي ولا نهاية لها في الامتداد الآنيّ. الحياة الآن ليست فقط لهذا الذي يُرى، ولكن هناك كائنات حيةٌ مؤثرة في هذه الحياة، هي الموكول إليها ضبط أمرِ هذه الحياة نفسها. تأمّل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾(ق:16)، بعدها مباشرة: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾(ق:17-18). وتأمّل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَطَّتِ السّماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى" (رواه الترمذي). إن كائنات كثيرة تحيط بنا وهي التي وُكِل إليها حفظُنا وحِفظ ما يتعلق بهذا الكون مما لا نطيق نحن حفظَه، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾(البقرة:255). لقد خلق الله عز وجل جنودا له في السماوات والأرض لحفظ السماوات والأرض وما بينهما.
هذا الإيمان بوجود كائنات حيّة بجانبنا لا تُرى هو من صميم ما يدخُل في مفهوم الحياة في هذه الدنيا، لأن الإنسان عندما يتصور أنه وحده في الكون، يكون له سلوك؛ وعندما يتصور أن معه أحياء لهم دور يكون له سلوك آخر. إذن ماذا بعد الموت؟ هل حقاً ينتهي الإنسان حتى قبل البعث؟ وهل يوجد موتٌ بمعنى الفناء التام؟

حقيقة الموت في التصور الإيماني
الموت في الحقيقة هو مجرد انفصال بين عنصرين اثنين مؤسِّسين للإنسان وهما كما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾(ص:71-72)؛
فآدم عليه السلام في الأصل مسَوًّى من عنصر أرضي خالص هو الطين، وفيه عنصر غير أرضي هو من أمر الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾(الإسراء:85).
الإنسان هو ذريّة آدم بعد آدم، يحكمه نفس المنطق، يمكث في بطن أمه أربعين يوما نطفةً، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك، ثم يرسَلَ إليه الملَك فينفخُ فيه الروح.. هذه الازدواجية في الخلْق تجعلنا نفهم أن حال الموت لا يؤدي إلى إنهاء الطرفين، وإنما يؤدي إلى الفصل بينهما، فيرجِع ما أصله الترابُ إلى التراب، وتصعد الروح إلى بارئها، وهو ما يسمى بالحياة البرزخيّة. وقد نُصَّ على الحياة في هذه المرحلة بالنسبة إلى نوعية معينة نهانا القرآن عن أن نسميهم أمواتا: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾(البقرة:154). هذا النص يدل على أن المجاهدين أحياء، والحقيقة أن الجميع من حيث أرواحهم أحياء، ولكن حياة السعداء في المنهج القرآني هي الحياة. أما البعث بعد الحياة البرزخية فيُعتبر الخلْقَ الثاني قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾(الروم:27). هذه الإعادة هي على نفس الأصل الأول، يعود العنصر الترابي للالتقاء بالعنصر الروحي فتكون حياة جديدة. فإذن، حتى المرحلة الوسطى المسماة بالحياة البرزخية لا تختفي الحياة فيها بالمعنى الكامل، وإنما تختفي الحياة فقط بالمعنى الدنيوي.
وتبقى حياةٌ لها طبيعةٌ خاصة تتلقى آثارَ الحياة الأولى المشار إليها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾(يس:12). وكأن الإنسان بعد مغادرته -بالموت- لهذه الدنيا، كأنه يُفتح له حساب في الدار الآخرة، في الحياة البرزخية، فالأعمال التي لا تنقطع بالموت تستمر وتدخل حسناتها في حسابه. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علمٍ يُنتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له" (رواه مسلم). وقال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾(يس:12).

الدعوة للهدى أكبر موْرد للحسنات
وعلى رأس تلك الآثار أجر الدعوة للهدى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" (رواه مسلم). بهذا المنطق نفسه الذي يشير إليه هذا الحديث يمكن فهمُ المدد المستمر للحسنات والذي لا ينقطع بالموت. ومصدر ذلك الأعمال الصالحة المخلّدة وعلى رأسها الدّعوة للهدى. كما يمكن أن ندرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم المسلمين أجراً لأنّنا جميعاً نُدخِل إلى كتابه حسناتنا، يَدخل إلى حسابه مثلُ ما نفعله من حسنات، لأنه الداعي الأول إلى هذا الخير وإلى هذا الهدى، فمن تبعه ومن تبع مَن تبعه -والأمر ماض إلى يوم القيامة- يستفيد هو صلى الله عليه وسلم مِن كل ذلك. وكل مَن تبعه ودعا بدعوته يستفيد من أجور من استجابوا له، وهكذا دواليك لا ينقطع مدد الحسنات عن الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعين له.

الحياة الأخرى هي الحياة
هذه الحياة الدنيوية لها خصوصية، وهناك الحياة الأخرى التي هي الحياة، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾(العنكبوت:64). وللأسف لا يعلمون، ﴿وإنَّ﴾ التوكيد بـ"إن"، والجملة الاسمية ﴿الدَّار الآخِرةَ﴾، والتوكيد باللام ﴿لَهِيَ﴾، والتوكيد بالضمير "هي" أيضاً، ثم بزيادة الألف والنون في الحياة للمبالغة ﴿الْحَيَوَانُ﴾.. كلها إشارة إلى أنها هي الحياة التي تستحق أن تسمى الحياة، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. وفعلاً سننسى يوم القيامة هذه الحياة الدنيوية نهائياً ولن تبقى حاضرةً في أذهاننا ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾(الفجر:21-23)، ترجع له الذاكرة ليستعيد كل ما مضى، ويتذكر ما قبل ذلك. يتذكر العهد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾(الأعراف:172) قبل هذه الحياة الدنيا وقبل أن يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، يتذكر العهد الذي أُخذ علينا في مرحلة سابقة للتخلق الدنيوي، وأُخذ على أرواحنا في مرحلة لا ندريها، ولكنه كان.

مراحل الحياة والموت
ومجموع هذه المراحل أربعة وهو ما تشير إليه الآية: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾(غافر:11)؛ موت قبل هذه الحياة، وموت بعد هذه الحياة الدنيا، ثم حياةٌ بين الموتين، وحياة لا موت فيها ولا موت بعدها وهي الأخيرة التي تستحق أن تسمى "الحياة". إذن ما عادت مناقشةٌ في مسألة الحياة، وما عاد لبْس في أمر الحياة الآخرة أنها هي الحياة! فيقول الإنسان النادم بصراحة ناسباً ذلك لنفسه: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، وكأن الحياة الدنيوية لم تكن له حياة. لذلك سوف ندرك أن هذه الحياة الأخروية هي الحياة الحقيقية ولكن الناس نيام، فإذا ماتوا استيقظوا وعرفوا الحياة الحقيقية.
هذه النظرة وهذا التصور للحياة الحقيقية الممتدة التي لا نهاية لها، والتي لا يُذاق فيها الموت إلا الموتة الأولى، أي لا موت بعد البعث... هذا التصور لتلك الحياة الممتدة، لها هذا البُعد السابق للدنيا، والبُعد اللاحق للدنيا في صورتين: صورة الحياة البرزخية وصورة الحياة الأخروية وهي الحياة الحقيقية. وكذلك في هذه الدنيا لها الامتداد الأفقي أيضاً الذي يجاوز المحسوس إلى غير المحسوس. هذا التصور إن استقر في القلب وحصل به الإيمان -وأركان الإيمان قائمة على هذا- فإنه يُنتِج حياة فردية وحياة مجتمعية وحياة للأمة في صورة معاكسة تماماً للصورة الأخرى، ومغايرة لها كل المغايرة.

التصور المعيَّن يستلزم سلوكاً معيَّناً
وعلى نفس القاعدة المقررة: "أن تصوراً معيناً لابد أن يلزم منه سلوك معيَّن"، فتطبيقا لهذه القاعدة تكون تصرفات ابن آدم الخارجية حسب ما هو مستقِر في قلبه من التصورات. ويمكن أن نعكس من أجل الدراسة فنقول: إننا من التصرفات الخارجية -إن حلّلناها وعلّلناها بدقة- قد نستطيع استخلاص مدى رسوخ الإيمان ومدى عمق الإيمان ومدى انتفاء الإيمان أيضاً.. فحين نجد في الخارج لدى المسلمين أخلاق الكفار
-على سبيل المثال- يصعب علينا أن نقطع بإيمانهم، لأنه لا يمكن مع وجود الإيمان ألا يكون هناك عمل صالح. إذ "ليس الإيمان بالتمني ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العمل" (رواه البخاري)، حين لا يوجد في الخارج العمل الطيب الصالح الذي يصدق دعوى الإيمان، تتجه التهمة إلى ما في الباطن، أي إلى أن الإيمان غير موجود بالمرة أو ضعيف. لا نستطيع التنقيب عن القلوب، ولكن الظواهر آيات وأمارات وعلامات كما قال صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث" (رواه البخاري)؛ آيات وأدلة على ما لا يُرى.
فإذن هناك قطيعة كاملة بين تصورين للحياة: تصور كفري قاصر قصير محدود، تنتج عنه كذلك أعمال وأخلاق وتصرفات ذات بُعد محدود، وتصور واسع عميق بعيد ممتد لا نهاية له تنتج عنه كذلك أخلاق لا نهاية لسعتها. إن الإسلام رحمة وإن الذي أنزل عليه الإسلام أيضاً صار رحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:107).

أصل جميع المعاني الحسنة من الله سبحانه وتعالى
لابد أن نقرر هاهنا حقيقة قبل المضي في معاني الرحمة، وهي أن جميع المعاني الحسنة أو الأسماء الحسنى إنما هي في الله ومن الله عز وجل، فلا رحمة في الكون ليس مصدرها الله عز وجل من جهة أنه الرحمن الرحيم، ولا علم في الكون ليس مصدره الله عز وجل من جهة أنه العليم، ولا قوة في الكون ليس مصدرها اسم الله من جهة أنه القوي العزيز.. وهكذا.
واستمداد الحياة نفسها من اسم الله الحي كذلك. فكل ذلك يعني أن جميع المعاني الحسنة أصلها من الله؛ فالأخلاق التي هي رحمة مصدرها اسم الله الرحمن الرحيم، إذ رحمته وسعت كل شيء، وإن كانت لن تكتب بعدُ في الحياة الحقيقية إلا للمؤمنين فقط، لأن التقوى فاصل حاسم بين فريق الجنة وفريق النار ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾(المائدة:27).

الإسلام رحمة شاملة
إذن الإسلام جملةً هو عبارة عن رحمة في قسمه النظري وقسمه العملي. ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الجانب التطبيقي لهذا القرآن -لأنه أوتي القرآن ومثلَه معه- هو المثلُ صلى الله عليه وسلم حين قال وحين فعل وحين أقرّ مما صحّ طبعاً. إذن هو بالقرآن وبالإسلام صار رحمة. لكن لمن؟ هل هو رحمة لنفسه فقط أم هو رحمة لمن آمن به فقط؟ هل هو رحمة للإنسان فقط أم هو رحمة للإنسان والحيوان فقط؟ إنه رحمة للعالمين، والمسلمون رحمة للعالمين أيضاً. والمسلم بقدر قربه من محمد صلى الله عليه وسلم يتسع معنى الرحمة فيه، لأن الإسلام الذي جاء من عند الله ، جاء عامًّا، يعمّ نفعه الناس جميعا "مثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلم كمثَلِ غيث" (رواه البخاري)، حاله كحال ضياء الشمس، حيث تشرق الشمس على البار والفاجر، وكحال هذا الهواء المُشاع للجميع، وكحال الغيث ينـزل على الجميع. والمسلمون الذين يمثلون ذلك الهدى -وهم في الحديث الطائفةُ الطيبةُ- عليهم أن يتسعوا في معانيهم حتى يصيروا كالغيث أو كالغيوث، أي كهذا المعنى العام للرحمة بكل مستلزمات الرحمة. إذ يدخل كل ما في كتاب الله في معنى الرحمة سواء ما اتجه منه إلى جهة الإنعام أو ما اتجه منه إلى جهة المؤاخذة والتأديب، فذلك أيضا من رحمة الله، وذلك مظهر من مظاهر الرحمة الشاملة في الدنيا.

المعنى الحقيقي للحياة دافع إلى إيثار الآخرة
هذا المعنى للحياة هو التصوّر الإيماني الحقيقي للحياة، وعليه تُبنى حياةٌ ويُنتَج ويُصاغ إنسانٌ، لا يُؤثِر العاجلة على الآجلة، بل يؤثر الآجلة على العاجلة، على هذا التصور يصاغ إنسان يريد بالدنيا الآخرة ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(القصص:77). إلا أن الدنيا في موقعها من الحياة جملةً -في التصور الإيماني الروحي هذا- مجرد متاع صغير بسيط واستمتاع بلحظات فقط، وهو نفسه ما تشير إليه الآية: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾(البقرة:36). ولمن ذلك المتاع؟ لمن اعتبره هو الحياة. وهذا المتاع هو الذي يسمى بالنسبة للمغترّ به متاع الغرور ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾(الحديد:20)، لكون الإنسان خُلق خلقا معينا فيه استعداد كبير للتجاوب والاستجابة للشهوات ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(الشمس:7-10). وهذا الاستعداد في الإنسان للاستجابة للشهوات هو الذي رتّب الله عليه سنة الابتلاء ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾(الملك:2). وبسبب هذا الاستعداد كانت آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تزهِّد المسلم في الدنيا، بما في تركيب الإنسان من مَيْل شديد إلى هذا الاتجاه؛ بل وتُمثِّل له الدنيا بكاملها على أنها مجرد متاع أو متاع الغرور ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾(الكهف:45).
ففي الآيتين معا تصويرٌ للحياة على أنها سريعة عابرة لا ينبغي أن تغرَّ الإنسان بحلولها وحضورها وحضوره هو فيها.. كل ذلك ينتهي سريعاً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "كنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل" (رواه البخاري). فلو وضعنا زمانَ عمرِ كلِّ واحد منا -ولو كان ذا القرنين- إلى حساب ما سبق وحساب ما يلحَق في الحياة البرزخية، وحساب ما سيلحق في الحياة الأخروية التي لا نهاية لها، لبدَا الإنسانُ مجردَ عابر سبيل فقط، ليست الدار داره ولا مكان إقامته، ولا ينبغي أن يتعلق بها، بل يركب ما فيها ويتجه إلى الحياة الحقيقية، يستعملها ويريد الآخرة بها.

فساد التصور لمفهوم الحياة هو سبب الوَهَن
من هنا نأتي إلى أمر "الوَهَن" الذي بدأنا به الكلام وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم بحبّ الدنيا وكراهية الموت. ونتساءل كيف يحب المسلم الدنيا؟ لا يحبها إلا إذا شاب تصوّرَه لمعنى الحياة شوائب، إنْ لم يكن قد فسد تماما، إذ ذاك فقط يمكنه أن يقْصر حياته على الدنيا ويتجه إلى الدنيا، ويتعلّق بالدنيا ويهتم ويحرص على الدنيا، ويطمئن بالدنيا ويرضى بالدنيا...
لا يمكن أن يكون هذا إلا إذا كان في التصور فسادٌ. فيجب إذن أن يُرجَع إلى الآيات الكريمة التي تتحدث عن الحياة مطلقاً. فحيثما وجد لفظ الحياة وحيثما كان لفظ الحياة، ينبغي تتبُّعُه في سياقاته القرآنية لاستخلاص تصور شامل في النهاية لمفهوم الحياة في القرآن الكريم. لابد أن يُحي معنى الحياة في القرآن الكريم في النفوس ليستطيع الإنسان أن يعرف معنى الحياة حقيقة. وهذا منهج كامل في استخلاص المفاهيم جملة لتصحيح التصور الجزئي والكلّي لهذا الدين، انطلاقا من كتاب الله عز وجل.

التصور الإيماني لحقيقة الحياة الدنيا
هناك تصوران أيضاً في هذا القسم الصغير المسمى بالحياة الدنيا: تصور يعتبر الحياة هي هذه الحياة المادية ويعتبر الأحياء هم هؤلاء الذين يمتلكون خواص الحركة والنمو.. إلى غير ذلك من المظاهر المادية للحياة. هذا تصور ولا يُنْفى؛ ولكن إلى جانبه يأتي تصور ثان للحياة على نفس القاعدة المعروفة: "الحج عرفة" بمعنى أن الحياة الحقيقية هي هذه التي سنتكلم عنها لا تلك التي تعبِّر عنها المظاهر المادية.
فما هي هذه الحياة؟ وما هذا التصور لها؟ ذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾(الأنعام:122). ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾؟! مَنْ هؤلاء؟ هؤلاء أمثال أبي بكر وعمر وعثمان والمؤمنين جميعا قبلهم وبعدهم حين ينتقلون من حال الكفر إلى حال الإيمان، ينتقلون من الموت إلى الحياة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾(الأنعام:122)، أي في ظلمات الموت الدنيوي. بينما المؤمنون يتولاهم الله تعالى فيحييهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾(البقرة:257)، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، هل يستويان؟ أبداً ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ﴾(فاطر:22).المعنى الأول بسيط، والمعنى الثاني عميق، والنِّذارة عموما لا تنفع إلا في الأحياء بالمعنى الثاني ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾(يس:70). أما الذي ليس بحيٍّ ولو وصلَتْه النّذارة كأبي جهل وأبي لهب، فإنه لا يستفيد، لن تنفع فيه النّذارة إلا من جهة إقامة الحجة عليه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾(الإسراء:15).
وهذا التفريق بين الحي حقيقة والحي حكما هو الذي جعل القاعدة الكبيرة تطرد في التطبيقات الواضحة في دعوة الله عز وجل للحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال:24). فالمستجيبون هم الأحياء والرسول يدعوهم إلى ما يحييهم. فإذن هناك الحياة العادية الحسِّية، والإنسانُ بها في المنطق القرآني الإيماني لا يعتبر حيّاً، وإنما هو مؤهّل لأن يكون حَيّاً. ذاك تمهيد ومقدمة صحيحة تؤهل صاحبها لأن يتلقى ما يحييه، إذ الميت ولو دعوناه فلن يستجيب ولن يسمع.
فللإنسان إذن في هذه الدنيا حياتان، حياةٌ عادية مادية خبيثة في تصنيف القرآن، وحياة روحية طيّبة في تصنيف القرآن أيضاً ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(النحل: 97). حياة طيبة، وعكسُها الحياة الخبيثة التي يكون أصحابها كما قال الله عز وجل فيهم: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾(الأعراف:179). والسبب أن الأنعام لها غرائز تهديها بناء على الأصل الكبير ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طه:50)، هَدى جميع الكائنات هدايةَ عقول، وهداية غرائز، وهداية تسخير وغير ذلك من الهدايات، إذ كل مخلوق ميسَّر لما خلق له، كما قال صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خلِق له" (رواه البخاري). هذه قاعدة في الكائن الإنساني بالنسبة للاختيار في مسألة العمل، أما بالنسبة لباقي الكائنات فالتسخير فيها جِبِلِيٌّ، يعني في أصل الخلقة. فكل الكائنات مهدية بهذا المعنى، سائرةٌ إلى ما خُلقت له. ولكن بالنسبة للإنسان ابتُلي بالتكليف، والهدى حينما جاءه، جاءه وقد وضِع فيه استعدادٌ ليميز بين الخير والشر والصالح والطالح. فإن استجاب واهتدى فقد رشد فعلا وقد اتجه إلى العمل الصالح والحياة الطيبة، وإن لم يستجب صار أحط من الأنعام. لماذا؟ لأن الأنعام مهديَّةٌ بالغريزة، وهو لم يهتد إلى هدًى، فصار عاصياً جاحداً للنعمة أصلاً، وصار كافراً بالمرَّة، بحسب الدرجة التي استقرت عليها وجهتُه باختياره، ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾(الحجرات:7). إذن هناك الولادة الأولى والولادة الثانية، وما به تتم الولادة الثانية هو الذِّكر. وذلك ما أوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "مَثَل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكرُ ربَّه مثل الحيِّ والميِّت" (رواه البخاري).
والذكر هو كلّ الدين، ولا وظيفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيرُ هذا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾(الغاشية:21). والذي أنزِل عليه هو ذكرٌ ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾(التكوير:27).

القرآن ماء الحياة الحقيقية
فبهذا القرآن إذن وحده تتم الحياة، ولا سبيل إلى الحياة الثانية بالمعنى الصحيح إلا بماء الحياة. والماء الذي يتم به الإحياء هو هذا القرآن الكريم النازل من عند الله عز وجل، ولا سبيل إلى إحياء الإنسان الفرد ولا الإنسان الأمة بغير هذا الماء.
إن الله تعالى جعل الماء سبباً للحياتَين: الحياة العادية المادية ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾(الأنبياء:30)، والحياة الروحية هي أيضاً من الماء الذي عبَّر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بالغيث بصريح العبارة: "مَثَل ما بعثني به اللهُ من الهدى والعلم كمَثَل غيثٍ أصاب أرضاً فكانت منها طائفةٌ طيِّبةٌ..." (رواه البخاري). فهذا الماء هو غيث الأرواح فعلاً، كما يفعل الماء في الأرض فتنتشر الرحمة ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾(الروم:50). وإذا نزل غيثُ القرآن في القلوب وامتزج بها وُلدت ولادة جديدة، وولد الإنسانُ الولادة الجديدة ليحيا الحياة الطيبة التي تسمى في منطق القرآن "الحياة الحقيقية".
وجميع أجزاء القرآن هي مُحْيِيات قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾(البقرة:179). هذا حُكْم من الأحكام فيه عنصر من عناصر الحياة. أما قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال:24). فدعوة للحياة بصفة عامة. فكل ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب وسنةٍ هو مما يحيي هذا الإنسان، ومما تجب الاستجابةُ إليه لنحصُل على الحياة.
إذا كان الماء يُحدِث الحياة في النباتات التي نراها في الأرض، فهو سبب الحياة أيضاً في الحيوانات والإنسان من جانبه المادّي، لكنّ سبب الحياة الإيمانية هو القرآن، ولهذا سماه الله عز وجل روحا ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾(الشورى:52). إذا كانت الروح بعد الشهر الرابع تُنفخ في الجنين الطيني فيصير الإنسان بهذه الروح خلْقا آخر كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾(المؤمنون:14)، وخلقا آخر يتأهَّل بعدُ للتكليف، ويتأهَّل لعمارة الأرض، ويتأهل للخيرات في هذه الدنيا.. إذا كان بالروح يحدث له ذلك، وينشأ خلقا آخر، فإنه بروح القرآن يُنشأ الإنسان أيضا خلْقاً آخر بالمعنى الثاني للحياة. فتلك روحٌ وهذه روحٌ، روح إذا نُفخت في الفرد صار خلقاً آخر، وصار طاقة جبّارة متحرِّرة مما سوى الله عز وجل، فلم يعد عليه لغير الله سبحانه سلطان. ومثل ذلك يحدث للأمة، إذ لا يمكن أن تتخلَّق الأمة -أي أمّة الإسلام- لتصير أمة قوية متحررة من كل سلطان إلا سلطان الله إلا بالقرآن، أي بروح القرآن، بل وتصير أمة متماسكة متساندة كما تحدث عن ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد..." (رواه البخاري). فللجسد خصائص الوحدة مع التنوع الداخلي، لكن مع التنوع يوجد التداخل التام والانسجام التام بين الأجهزة المكونة له. فالجسد مع التنوع له خاصية الوحدة، وكذلك الأمة مع تنوع العناصر المكونة لها خصائص الوحدة والتلاحم. وليصير المسلمون جسدا، لابد لهم من هذه الروح ولابد أن يحيوا بهذه الروح أفراداً، ويحيوا بهذه الروح أمّة
جاري التحميل...