آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 10 ديسمبر 2017

_ النفس الملكيه أو الناطقه

النفس الملكيه أو الناطقه :-
""""""""""""""""""""""""""""""""""
هي القوه التي بها الفكر ، والشوق الى معرفة الله تعالى ، وتحصيل العلوم الحقيقيه ، وكشف اسرار التجليات ، وفهم غوامض العلوم ، والتجمل بجميل الأخلاق ، وكمال الصفات ، ومتى صار لها السلطان على البدن ، كان الإنسان ملكا واكمل ، وتلك النفس الملكيه هي المديره لجميع النفوس ، وتكون قائمه بأمور الجسم اذا هي قهرت بقية النفوس وحبستها عن نزعاتها ورعوناتها ، فإذا غلبت تلك النفس الملكيه بقية النفوس صار الإنسان خليفه عن ربه ، لأن الملائكه تتولى منفعته ، ودفع المضره عنه ، وتسخر له في مقعد الصدق ..   ........ولكن إذا تسلطت عليها النفوس الأخرى ، خضعت النفس الملكيه لهم وكان لها تدبير شئون تلك النفوس ، واعانتها على غايتها وبذلك يكون الإنسان حيوانا واضر وشيطانا وأشر ،...... أي : إذا غلبت النفس البشريه ( الحيوانيه بقواها الشهوانيه والسبعيه وما يتبعها من مقتضيات الجماديه والنباتيه ) ....صار الإنسان شيطانا
وإذا غلبت النفس الملكيه صار الإنسان خليفه عن ربه
..ولا تعجب إذا صارت النفس الملكيه محجوبه عن عالمها فإنها تذل لأظلم سلطان ( القوه الحيوانيه) ، ولانها مسخره للإنسان ( لا حول لها ولا قوه ) ، والإنسان قد يستعمل ما يوصل الى الله للافساد في الارض ، وهو العلم بأحكام الله تعالى..قال تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم ) ... أي لا تحكموا لها بالكمال الذي ينسيكم فطرها ، فتهملوا جهادها ، فإن تزكيه النفوس تلزم رعايتها لأهل المراتب العاليه مهما بلغوا من الكمالات ، فإن العبد عبد وإن علا ، والرب رب وإن تنزل ...
وصل الله على سيدنا محمد وعلى اله وورثته أجمعين

الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

- حقيقة الاستقامة على الطاعة

حقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقِّها من غير إخلالٍ بها ، فلا يكون في سلوك نهج الوِفاقِ انحرافٌ عنه،والاستقامة طريق المعرفة.

المعرفة هي:
قال يحيى بن معاذ: المعرفةُ قربُ القلب إلى القريب ، ومراقبة الروح للحبيب ، والانفراد عن الكل بالملك المجيب .
 وقال ذو النون: هي تخلية السر عن كل إرادة ، وترك ما عليه العادة ، وسكون القلب إلى الله بلا علاقة.
وقال بعضهم: هيئتها جنون ، وصورتها جهل ، ومعناها حَيْرة ؛ فإن العارف يشغله علم الله تعالى عن جميع الأسباب ، فإذا نظر إليه الخَلْق استجهلوه ، ويكون أبداً في ميدان العظمة ولِهاً بين الخَلْق ، فإذا رأوه استجنُّوه ، ويكون بكلّيته فانياً بحب جلال عظمته تعالى ، مشغولاً عن مَن سواه ، فإذا أبصروه استدهشوه ، ولا يقدر أحد أن يُخبِر عن المعرفة بالله تعالى ، فإنها منه بَدت وإليه تعود .
    فالعارف فانٍ تحت اطِّلاع الحق تعالى ، باقٍ على بساط الحق بلا نفس ولا سبب ، فهو ميّتٌ حي ، وحيٌّ ميّت ، ومحجوبٌ مكشوف ، ومكشوفٌ محجوب ، تراه والهاً على باب أمره ، هائماً في ميدان برّه، مدْلالاً تحت جميل ستره ، فانياً تحت سلطان حكمه ، باقياً على بساط لُطفه .
    العارفون صارت أنفسهم فانية تحت بقائه وسلطانه عن كل حول وقوة ، تراهم باقين بحوله وقوته ، متلاشين عن كونهم وأسبابهم تحت جلال ألوهيته ، ملوكاً به دون مملكته ، فقرهم به وغناهم به ، وعزّهم به وذلّهم به.
    يُروَى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود اعرفني واعرف نفسك. فتفكّر داود فقال: إلهي عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء ، وعرفت نفسي بالعجز والفناء. فقال : الآن عرفتني. وروي في الخبر: لو عرفتم الله تعالى حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس بعده جهل ، ولزالت الجبال بدعائكم مع أنه لا ينتهي أحد ولا يبلغ منتهى معرفته أن الله تعالى أعظمُ من أن ينتهي أحد إلى منتهى معرفته.
    وقال الإمام جعفر الصادق عليه الرضوان والسلام: لا يعرف الله حق معرفته من التفت منه إلى غيره ، المعرفة هي طيران القلب في سرادق الأُنس والألفة ، جوّالاً في حُجُبِ الجلال والقُدرة ، وهذه حالة من صُمَّت أذناه عن البطالات ، وعميت عيناه عن النظر إلى الشهوات ، وخرس لسانه عن التكلم بالتُّرُّهات.
    سُئل محمد بن واسع : هل عرفت ربك ؟ فسكت ساعةً ثم قال : من عرف الله تعالى قلَّ كلامُهُ ، ودام تحيُّره ، وفني عن صور الأعمال ، وتحيّر مع الاتصال ، مُتقرِّباً في جميع الأحوال ، منقطعاً عن الحال إلى وليّ الحال ، فإن الأمور بحقائقها لا بالحسِّ وصورها.
    قال أبو يزيد رحمه الله تعالى: ليس على تحقيق بالمعرفة ، من رضي بالحال دون ولي الحال . فإن من عرف الله كَلَّ لسانُه ، ودهش عقله . العارف إن تكلم بحالِه هَلَكْ، وإن سكت احترق .
قال أبو بكر الواسطي: المعرفة على وجهين: معرفة الإيقان ، ومعرفة الإيمان ، فمعرفة الإيمان شهادةُ اللسان بتوحيد المَلِك الديّان ، والإقرارُ بصدق ما في القرآن ، وأما معرفة الإيقان فهي دوام مشاهدة الفرد الديّان بالجَنان.
 وقال بعضهم : هي على ضربين :
    الأول: هو أن يعرف أن النعمة من الله تعالى ، قال الله تعالى : (وما بكم من نعمةٍ فمن الله) فيقوم بشكره ، فيستزيد به النعمة من الله بدليل قوله تعالى : (لئن شكرتم لأزيدنكم).
    الثاني: رؤية المُنعِم من غير أن يلتفت إلى النعمة فيزيد شوقه إلى المُنعِم ، ويقوم بحق معرفته ومحبته ، وذلك قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله) ، (فإن تولّوا فقل حسبي الله)
    وقال ذو النون المصري: هي على ثلاثة أوجه :
أولها: معرفة التوحيد ، وهي لعامة المؤمنين :
والثاني: معرفة الحُجّةِ والبيان ، وهي للعلماء والبلغاء والحكماء
والثالث: معرفة صفات الفردانية ، وهي لأهل ولاية الله تعالى وأصفيائه الذين أظهر الله لهم ما لم يُظهر لمن دونهم ، وأعطاهم من الكرامات ما لم يجز أن يوصف ذلك بين يَدَيْ مَن لا يكون أهلاً له ؛ خصّهم الله من بين الخلائق واصطفاهم لنفسه واختارهم له ، فحياتهم رحمة ومماتهم غبطة ، طوبى لهم .
    وقال غيره: هي على وجهين :
معرفة التوحيد ، وهو إثبات وحدانية الواحد القهّار
ومعرفة المزيد ، وهي التي لا سبيل لأحد إليها .
    حكي عن عبدالباري قال: خرجت مع أخي ذي النون فإذا نحن بصبيان يرمون واحداً بالحجارة ، فقال لهم أخي: ما تريدون منه ؟ قالوا: هذا رجلٌ مجنون ، ومع ذلك يزعم أنه يرى الله تعالى ، قال: فدنونا منه ، فإذا هو شابٌ وسيم ، ظهر عليه سيما العارفين ، فسلَّمنا عليه ، وقلنا: إنهم يزعمون أنك تدَّعي رؤية الله تعالى ، فقال: إليك عني يا بطّال، لو فقدته أقل من طرفةِ عينٍ لَمُتُّ من ساعتي ، وأنشأ يقول:
طَلَبُ الحبيبِ مــن الحبيبِ رضاهُ 
ومُنى الحبيبِ من الحبيبِ لقاهُ
أبـــــداً يلاحِظُـــــه بعَيني قلبــــــهِ 
والقـلبُ يعـرفُ ربَّهُ ويــــراهُ
يرضَى الحبيبُ من الحبيبِ بقربه   
دونَ العبادِ ، فما يريدُ سِــواهُ
    فقلت له: أمجنون أنت ؟ فقال: أمّا عند أهل الأرض فنعم ، وأما عند أهل السماء فلا ، قلتُ: فكيف حالك مع المولى ؟ فقال : منذ عرفته ما جفوته ، فقلت منذ كم عرفته ؟ قال: منذ جعل اسمي في المجانين.

- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ

" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا " .حديث.
أَن الله يحب معالى الْأُمُور وَيكرهُ سفسافها أَي دنيئها، فالمعالى والمسفساف كلمتان جامعتان لأسباب السَّعَادَة والشقاوة وَمن يكون عَارِفًا بربه أَي بِمَا يعرف بِهِ منصِفَاته (تصور ابتعاده) لعَبْدِهِ باضلاله وَإِرَادَة الشَّرّ بِهِ(من قوبه) لَهُ بهدايته وتوفيقه فخاف عِقَابه وارتجى ثَوَابه وَكَانَ صاغيا بِهِ لما يكون آمرا بِهِ وناهيا عَنهُ فَكل مَا أمره بِهِ يرتكب وَمَا نهى عَن فعله يجْتَنب فَصَارَ محبوبا لخالق الْبشر والمخلوقات بأسرها (لَهُ بِهِ سمع وبطش وبصر) فتترتب على محبَّة الله صِيَانة جوارحه وحواسه فَلَا يسمع إِلَّا لله وَلَا يبصر إِلَّا لَهُ وَلَا يبطش إِلَّا لأَجله كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الايمان وكما كَانَت حَالَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مَا انتقم لنَفسِهِ فِي شئ يوتى إِلَيْهِ إِلَّا أَن تنتهك حرمات الله فَيكون هُوَ المنتقم لله (وَكَانَ لله وليا) إِن طلب مِنْهُ أعطَاهُ وَإِن استعاذ بِهِ أَعَاذَهُ ثمَّ زَاده مِمَّا أحب.

قَالَ بَعضهم الْعَارِف عِنْد أهل التصوف من عرف الْحق بأسمائه وَصِفَاته ثمَّ صدق الله تَعَالَى فِي جَمِيع معاملاته ثمَّ تنفى عَن أخلاقه المذمومة وآفاته ثمَّ طَال بِالْبَابِ وُقُوفه ودام بِالْقَلْبِ عكوفه فحظى من الله بِجَمِيعِ آماله وَصدق الله تَعَالَى فِي جَمِيع أَعماله وأحواله وانقطعت عَنهُ هواجس نَفسه وَلم يصغ بِقَلْبِه إِلَى خاطر يَدعُوهُ إِلَى غَيره (وقاصر الهمة) أَي دنيئها بِأَن جنح إِلَى سفساف الْأُمُور وَعدل عَن معامليها فَلَا يرفع نَفسه بالمجاهدة لِأَنَّهُ أسرته الشَّهْوَة وميل النَّفس إِلَى الرَّاحَة فَصَارَلَا يبالى هَل قربه الله أَو أبعده فَلَا يتَعَلَّم أمره وَلَا نَهْيه وَلَا يعْمل بِمُقْتَضى وَاحِد مِنْهُمَا لَو علمه وَلَا يبالى بِمَا أكتسبه من المَال هَل هُوَ من حَلَال أَو حرَام وَلَا مَا عمله من الْأَعْمَال هَل يُوَافق الشَّرْع أَولا وَلَا يبالى فِي أَفعاله هَل تسخط الرب أَو ترضيه وَقد أعرض عَن اخراه وانهمك فِي دُنْيَاهُ، وَقد قَالَ الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم الخسيس من بَاعَ دينه بدنياه وأخس الأخساء من بَاعَ دينه بدنيا غَيره وَهُوَ متكل بجهله وغروره على عَفْو الله وَكَرمه بِلَا خوف وَلَا عمل وَحِينَئِذٍ (يجهل فَوق الْجَهْل كالجهال) فالجهل أول دَاء النَّفس ثمَّ حب الْأَشْيَاء ثمَّ قلَّة المبالاة ثمَّ الجرأة ثمَّ قلَّة الْحيَاء ثمَّ المنى بفوز الْآخِرَة وَهَذَا حَال من ركبته النَّفس الأمارة بالسوء.


وَأول منزل من منَازِل السالك ذبح نَفسه بسكين الرياضة (فدونك) أَيهَا الْمُخَاطب بعد أَن عرفت عالى الهمة ودنيئها وَعلمت أَن الله مطلع على أقوالك وأعمالك وَمَا فِي قَلْبك ومجازيك على سَائِر أعمالك من ثَوَاب أَو عِقَاب فَخذ لنَفسك وَانْظُر أَيهمَا ترضاه لنَفسك الصّلاح الْمُوجب للفوز بالنعيم الْمُقِيم أَو فَسَادًا تسْتَحقّ بِهِ الْعَذَاب الْأَلِيم فِي نَار الْجَحِيم أَو سَعَادَة من الله أَو شقاوة ونعيما مِنْهُ أَو جحيما.


الكتاب : شرح كتاب غاية البيان شرح ابن رسلان

- أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ

أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ
وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ
وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا ستر المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ
بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ
وَإِذا هُم كَتَموا تَحَدّث عَنهُم عِندَ الوشاةِ المَدمعُ السَفّاحُ
أَحبابنا ماذا الَّذي أَفسدتمُ بِجفائكم غَير الفَسادِ صَلاحُ
خَفضَ الجَناح لَكُم وَلَيسَ عَلَيكُم لِلصَبّ في خَفضِ الجَناح جُناحُ
وَبَدَت شَواهِدُ للسّقامِ عَلَيهمُ فيها لِمُشكل أمّهم إِيضاحُ
فَإِلى لِقاكم نَفسهُ مُرتاحةٌ وَإِلى رِضاكُم طَرفه طَمّاحُ
عودوا بِنورِ الوَصلِ مِن غَسَق الدُّجى فَالهَجرُ لَيلٌ وَالوصالُ صَباحُ
صافاهُمُ فَصَفوا لَهُ فَقُلوبهم في نُورِها المِشكاةُ وَالمِصباحُ
وَتَمَتّعوا فَالوَقتُ طابَ لِقُربِكُم راقَ الشّراب وَرَقّتِ الأَقداحُ
يا صاحِ لَيسَ عَلى المُحبِّ مَلامَةٌ إِن لاحَ في أُفق الوِصالِ صَباحُ
لا ذَنبَ لِلعُشّاقِ إِن غَلَبَ الهَوى كِتمانَهُم فَنما الغَرامُ فَباحوا
      السهروردي رضي الله عنه

- الإشارة فى الكلمة الطيبة

الإشارة: الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو: التوحيد الثابت في القلب، وفروعها: الفرائض والواجبات، وأغصانها: السنن المؤكدات، وأوراقها: المندوبات والمستحبات، وأزهارها: الأحوال والمقامات، وأذواقها: الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها: العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجْن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئاً من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذوقها، أو مِنْ عَرْف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تُلَقَّح كانت ذَكَّاره، تورق ولا ثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أيُّ ريح هاج عليها أسقطها.

السبت، 25 نوفمبر 2017

- مقام الرضا .....ومشاهد التوحيد. :-

- مقام الرضا .....ومشاهد التوحيد. :-
مقام الرضا .....ومشاهد التوحيد. :-
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
مشاهد التوحيد في الرضا :
هو أن ترضى بسوء القضاء عقدا ( قلبا) ، ولا ترضاه من نفسك فعلا، اي ترضى به عن الله ، ولا ترضى به من نفسك .....لأن الموقنين المحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( الأمر والنهي ) .....ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالالسنه والقلوب وذلك لأن الإيمان فرضها والشرع ورد بها ، والحبيب صل الله عليه وسلم كرهها ، فكانوا معه فيما كره ، كما كانو معه فيما احب
ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ، ومشاهد التوحيد لا تبطل شرائع الرسول ولا تسقط اتباعه - ومن زعم ذلك فقد افترى على الله ورسوله وكذب عليهم ، والحق سبحانه ذم قوما رضوا بالدنيا ورضوا بالمعاصي ورضوا بالتخلف عن السوابق فقال سبحانه : رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها .......اي رضوا أن يكونوا مع الخوالف ( يعني النساء) ، اي رضوا كما ترضى النساء في التخلف عن الزحف بالحجج المعافه للنساء وليس الرجال
وصل الله على سيدنا محمد وعلى اله وورثته اجمعين
الخلوه ...........لما ؟، ومتى تصح؟
......................
لا يخلو المؤمن بنفسه إلا إذا سكنت الى منفسها سبحانه وتعالى ، وتحققت يقينا بسر القدر ، فعلمت انها خلقت لشئ عظيم ، واشتغالها عنه هلاكها وضياعها- ففرت من كل شاغل يشغلها  عما هي موجهه وجهها إليه ، ولديها تتحقق الخلوه ، ولايسمح بالخلوه إلا لمن تجرد من الوهم والخيال

- الحياه الجسمانية...والحياه الروحانيه :-

- الحياه الجسمانية...والحياه الروحانيه :-
الحياه الجسمانية...والحياه الروحانيه :-
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
الحياه الجسمانية :-
وهي الحياة الدنيوية اذا كانت الحياه فيها حيوانيه صرفه ، فيكون الإنسان فيها لا يشعر بحياة الضمير ولا بلذة النفس الطاهره ، بل يكون مقبلا بالكليه على الملاذ الحسيه من المأكل والمشرب والملبس والمنكح ( وكل ما يعين على نوالها من الغضب والحقد والحسد ......  ....) ، وهو هنا غافل عن حياة النفس الطاهره ولذتها الحقيقيه ، وهنا لايبالي اذا سعى لنيل حظه وشهوته ولذته ولا يبالي إذا اهلك غيره ام نفعه !! ، وهذه الحياه يكون الإنسان فيها حيوانا بل اضل وشيطانا بل اشر عملا ، عندها يحرم من خيري الدنيا والاخره (شقاء وعناء)
الحياه الروحانيه:-
وهي اذا تفضل الله عليه وجعل له نورا يذوق به لذة حياة الضمير وحلاوة الحياه الروحانيه- وانكشف له قبح الملاذ الحسيه وآلامها ، لأنها مجرده عن لذة النفس الطاهره وحياتها الروحانيه
ويكون هنا إنسانا كاملا بمعناه يتلذذ بنعيم الحياتين متنعما بخيري الدنيا والاخره
....فكمال الإنسان يكون بقهره ملاذه الحسيه ، واقباله على كمالاته الروحانيه 
فلذة الضمير وبهجته تفوق جميع الملاذ الحسيه ، لأنه مخلوق ليحيا الحياتين ، فهو مؤهل لأن يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر تخدمه الملائكه الروحانيين ، ومع هذا فإن الحق سبحانه وتعالى لحكمته ، اودع فيه من قوة الحظ والامل وحب البقاء  ماينسيه نعيم الاخره  وعذابها وفناء الدنيا وزوالها
والحق سبحانه بالفضل الإلهي هداه النجدين ، وهداه السبيل ، وبعث له الرسل تبين له سبيل السعاده وطريق الخير
وجودان لي قد اثبتا تفريدي...وجود به حجبت بالتقيدي
وجودي في رسمي الذي كان حجبتي ...به كنت في جهد وفي ترديدي
يستر نور الروح عني فتختفي ...فاشهد نفسي في ظلام البيدي
وهذا وجود السفل لولا عناية ...من الله لطال صدودي
وثم ، وجود الحب بالفضل نلته...وجودا به علمت سر وجودي
يعلمني الرحمن قرآن غيبه...ويسمعني المختار غيب عهودي
وجود به لاكون لي غير إنني ...ارتل حال الشوق سورة ( هود)
عجبت وكنت السفل في بدء نشأتي ...وها  أنا والأملاك بعض وفودي
وصل الله على سيدنا محمد وعلى اله وورثته اجمعين

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

- الكمالات المحمديه رحمته بالمسلمين صل الله عليه وسلم


ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتضمن عِظَمَ قدره ورفعة ذِكْرِهِ وجليل مرتبته وعُلُوَّ درجته وتشريف منزلته صلى الله عليه وسلم فمن ذلك {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} وهذا إخبار بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى بأنه يُثْني عليه عند الملائكة وأن الملائكة تصلى عليه ثم أمر العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه فيجتمع الثناء عليه من الله وأهل العالمين العلوي والسفلي ومن ذلك قوله تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} وفي هذه الآية مَنْقبة ظاهرة له صلى الله عليه وسلم إذ عبَّرتْ عن ذلك بلفظ الماضي ولم يقل: (سنعطيك) ليدل على أن هذا الإعطاء حَصَلَ في الزمان الماضي ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزًا مرعي الجانب أشرف ممن سيصير كذلك كأنه سبحانه يقول(يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود فكيف أَمْرُكَ بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا يا أيها العبد الكريم؟ إِنَّا لم نعطك هذا الفضل العظيم لأجل طاعتك وإنما اخترناك بمجرد فَضْلِنَا وإِحْسََانِنَا مِنْ غير موجب) ومن ذلك أنه تعالى أقسم عَلَى ما أنعم به عليه وأظهره من قدره العَلِيِّ بقوله {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}وأيضاً قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}

وأيضاً إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة قبل ذكر العتاب في قوله تعالى{عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ومن ذلك: إخباره سبحانه بتمني أهل النار طاعته صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} ومن ذلك أن الله وصفه بالشهادة وشهد له بالرسالة في قوله حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عند بناء البيت {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} فاستجاب الله دعاءهما وبعث في أهل مكة منهم رسولاً بهذه الصفة وقد أجمع المفسرون على أنه صلى الله عليه وسلم هو المراد بهذه الآية ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى) قالوا: وأراد بالدعوة هذه الآية(وبشارة عيسى) هي ما ذكر في سورة الصف {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} وقد امتنَّ الله على المؤمنين ببعث هذا النبي منهم فقال {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فليس لله مِنَّةٌ على المؤمنين أعظم من إرساله محمدًا صلى الله عليه وسلم يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم النعم لأن النعمة به صلى الله عليه وسلم تمت بها مصالح الدنيا والآخرة وَكَمُلَ بسببها دينُ الله الذي رضيه لعباده

وفي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} وفي قوله تعالي {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} وفي قوله {لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً} ومن ذلك أن الله أخبر أنه صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ لكافة الخلق بقوله {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}وقوله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} ومن ذلك أن الله أخبر أنه جعله كلَّه رحمة فقال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} وسماه باسمين من أسمائه فقال {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} قال ابن عباس: فهو رحمة للبَرِّ والفاجر لأن كُلَّ نبيٍّ إذا كُذِّبَ أهلك الله من كَذَّبه أما نبيُّنا فهو رحمةٌ للمؤمنين بالهداية ورحمةٌ للمنافق بالأمان من القتل ورحمةٌ للكافر بتأخير العذاب قال تعالى{وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} ومن ذلك أن الله أخبر أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعده ولا نبيَّ بقوله {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ومن ذلك أن الله أخبر أن الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل اشتملت على التنويه برسالته بقوله {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} ومن ذلك أن الله وصفه في القرآن بأنه بَلَغَ أكمل درجات الأخلاق بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وإلى هذا أشارت عائشة رضي الله عنها بقولها (كان خُلُقُه القرآن. فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلاً وتبييناً وعلومه علوم القرآن وإراداته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فما رغب فيه وزهده فيما زهَّد فيه وكراهته لما كَرِهَهُ ومحبَّته لما أحبَّه وسعيُه في تنفيذ أوامره فترجمتْ رضي الله عنها لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها (كان خُلُقُهُ القُرْآن)

وأقسم سبحانه بالضُّحى على ما أنعم به عليه وأظهره من قدره العليِّ لديه بقوله {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} وكان هذا في مقابلة قول أعدائه (وَدَّعَ محمداً ربُّه) وذلك لما انقطع الوحي عنه فترة فجاءت هذه الآية متضمنة هذه الفضائل والمنح الربانية والتي نفى فيها سبحانه أن يكون ودَّع نبيَّه أو قلاه فالتوديع: الترك والقلي: البغض أي: ما تركك منذ اعتنى بك ولا أبغضك منذ أحبَّك {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى}وهذا يعم أحواله صلى الله عليه وسلم ويدل على أن كل حالة يرقِّيه إليها هي خيرٌ له مما قبلها كما أن الدار الآخرة هي خيرٌ له مما قبله ثم وعده صلى الله عليه وسلم بما تقرُّ به عينُه وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى ونشر دعوته وإعلاء كلمته على أعدائه - في مدة حياته وأيام خلفائه ومَنْ بعدهم - وما يعطيه في موقف القيامة من الشفاعة والمقام المحمود وما يعطيه في الجنة من الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر وبالجملة فقد دلَّتْ هذه الآية على أنه تعالى يعطيه صلى الله عليه وسلم كل ما يرضيه وقد جاء في الصحيح أن الله قال له (إنا لن نخزيك في أمتك) وفي ذلك يقول بعضهم

قَرَأْنَا في الضُّحَى (وَلَسَوفَ) يُعْطى فَسَـرَّ قُلُوبَنَا ذَاكَ العَطَـاءُ
وَحَاشَـا يَا رَسُـولَ اللهِ تَرْضَـى وَفِينَا مَنْ يُعذَّبُ أَوْ يُسَـاءُ

ثم ذكَّره سبحانه بنعمه عليه وأمره أن يقابلها مما يليق بها من الشكر فقال {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} ومن ذلك: أنه سبحانه أقسم على تصديقه وتَنْزِيهِهِ عن الهوى في نطقه بقوله {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى}فأقسم بالنجم عَلَى براءة رسوله مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغيّ وتأمل قوله{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ} ولم يقل: (محمد) تأكيداً لإقامة الحجَّة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذبٍ ولا غيٍّ ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمراً واحداً وقد نبَّه تعالى على هذا المعنى بقوله{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} ثم نزَّه نطق رسوله عن أن يصدر عن هوىً فقال تعالى{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: (كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسُّنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها) ثم أخبر تعالى عن وصف من علَّمه - صلى الله عليه وسلم - الوحي والقرآن فقال {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}وهو جبريل ولا شك أن مدحَ المُعَلََِّم مدحٌ للمتعلِّم وهذا نظير قوله تعالى {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } ثم قال تعالى {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} فأخبر سبحانه عن تصديق فؤاده صلى الله عليه وسلم لما رأته عيناه وأن القلب صدَّق العين وليس كمَنْ رأى شيئاً على خلاف ما هو به - فكذب فؤاده بصره بل ما رآه ببصره صدَّقه الفؤاد ومن ذلك أن الله تعالى وصف حقيقة تلقي النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية أخذه له وبيَّن سنده في ذلك قوله {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ} كما قال في النجم{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} فيمنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه أو أن يزيدوا فيه أو أن ينقصوا منه {عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}

أي متمكن المنزلة وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم {مُطَاعٍ} في ملائكة الله تعالى المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه {ثَمَّ} هناك {أَمِينٍ} على وَحْيِ الله ورسالته فقد عصمه الله من الخيانة والزلل فهذه خمسُ صفاتٍ تتضمن تزكية سند القرآن وأنه سماع محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل وسماع جبريل من ربِّ العالمين فناهيك بِهذا السند عُلُوًّا وجلالة فقد تولى الله تزكيته بنفسه ثم نزَّه رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وزكَّاه مما يقول فيه أعداؤه فقال {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون ثم أخبر عن رؤيته صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام بقوله {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} قال ابن عباس:ليس ببخيل بما أنزل الله وأجمع المفسرون على أن الغيب هنا:القرآن والوحي وقُرِئَ (بِظَنِين) ومعناه: المتهم والمعنى: ما هذا الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم بمتهم بل هو أمينٌ فيه لا يزيد ولا ينقص منه ومن ذلك أن الله أقسم به فقال{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}وأقسم ببلده فقال {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}والبلد هو: أم القرى وأقسم بعصره فقال{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} ومن ذلك أن الله وَصَفَهُ بالنُّور والسراج المنير فقال {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} وأمر بطاعته وإتباع سنته فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ} فجعل طاعته طاعة رسوله وقرن طاعته بطاعته وجعل بيعته بيعته فقال {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}


منقول من كتاب [الكمالات المحمدية]

- الفضائل والكرامات التى اختص الله سيدنا مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم

اختص الله سيدنا مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم بأنواع من الفضائل والكرامات وسنذكر أشهرها وأصحَّها فمنها: أنه أوَّلُ النبيِّين خَلقاً وأنه كان نبيًّا وآدم بين الروح والجسد[1] وأن الله أخذ الميثاق على النبيِّين - آدم فمن بعده - أن يؤمنوا به وينصروه {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} وأنه وَقَعَ التبشير به في الكتب السالفة وأنه لم يقع في نَسَبِهِ من لدن آدم سفاح[2] وأنه رأتْ أمُّه عند ولادته نوراً خرج منها أضاء له قصور الشام[3] وأنه ظلَّلته الغمامة في الحرِّ[4] وأنه مال إليه فيء الشجرة إذ سبق إليه[5] وأنه شُقَّ صَدْرُهُ الشريف صلى الله عليه وسلم[6] وأنه غطَّه جبريل عند ابتداء الوحي ثلاث غطَّات وأن الله ذكره في القرآن عضواً عضواً فذكر قلبه بقوله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} وقوله {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} ولسانه بقوله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} وبقوله {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} وبصره بقوله {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} ووجهــه بقوله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} ويده وعنقه بقوله {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} وظهره وصدره بقوله {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} وأنه اشتق اسمه من اسم الله المحمود وقد قال في ذلك حسان بن ثابت

وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْـمِهِ ليُجِـلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذَا مُحَمَّدُ

وأنه سُمِّيَ أَحْمَد ولم يُسَمَّ به أحد قبله[7] وأنه كان يَبِيتُ جائعاً ويصبح طاعماً يُطعمه ربُّه ويسقيه وأنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه[8] وأنه كان يرى في الليل في الظلمة كما يرى بالنور والضوء[9] وأن رِيقَهُ كان يعذب الماء الملح[10] وأنه كان يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغ صوت غيره ولا سمعه وأنه كان تنام عينه ولا ينام قلبه[11] وأنه ما تثاءب قطّ[12] وأنه ما احتلم قطّ - وكذلك الأنبياء[13] وأن عَرَقَهُ كان أطيب من المسك[14] وأنه إذا مشى مع الطويل طاله[15] وأن الكهنة انقطعوا عند مبعثه كما انقطع استراق السمع وأنه أتي بالبراق ليلة الإسراء مُسرجاً مُلَجَّماً قيل: وكانت الأنبياء تركبه عرياناً وأنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعُرج به إلى المحل الأعلى وأراه الله من آياته الكبرى وحُفظ في المعراج حتى {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} وأُحْضر الأنبياء له وصلَّى بهم وبالملائكة إماماً وأطلعه على الجنة والنار وأنه رأى الله وجُمع له بين الكلام والرؤية وكلَّمه تعالى في الرفيق الأعلى وكلَّم موسى بالجبل وأن الملائكة تسير معه حيث سار يمشون خلف ظهره وقاتلتْ معه في غزوة بدر وحنين وأنه يجب علينا أن نُصَلِّي ونسلِّمَ عليه صلى الله عليه وسلم لآية {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}

وأنه أُوتي الكتاب العزيز وهو أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة وأن الله حفظ كتابه المُنَزَّل عليه - وهو القرآن - من التبديل والتحريف {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي من التحريف والزيادة والنقصان فلو حاول أحدٌ أن يغيِّره بحرفٍ أو نقطةٍ لقال له أهل الدنيا: هذا كذَّاب حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلُّهم: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا ولم يتفق ذلك لغيره من الكتب فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير وسواه مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده وأن كتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب وأنه تعالى يَسَّرَ حفظه على متعلميه {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} فَحِفْظُهُ مُيَسَّرٌ للغلمان في أقرب مدة وسائر الأمم لا يحفظ كُتبها الواحد منهم فكيف بالجمّ الغفير؟ وأنه أُنزل على سبعة أحرف تسهيلاً علينا وتيسيراً وأنه آيةٌ باقيةٌ ما بقيت الدنيا وأنه خُصَّ بآية الكرسي وبالمفصل وبالمثاني وبالسبع الطوال أما المفصَّل فآخره {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وفي أوله خلاف ورجَّح النوويُّ أنه (سورة الحجرات) والمثاني هي (سورة الفاتحة)[16] والسبع الطُّوال أولها (البقرة) وآخرها (الأنفال)

وأنه أُعطي مفاتيح الخزائن - قال بعضهم: وهي خزائن أجناس العلم - ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم فكل ما ظهر من رزق العالم فإنَّ الاسم الإلهي لا يعطيه إلاَّ عَلَى يد مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الذي بيده المفاتيح كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو وأعطى هذا السيِّد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن وأنه صلى الله عليه وسلم أُتي جوامع الكلم وأنه بُعث إلى الناس كافة فقد جاء في حديث جابر وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى كل أحمر وأسود)[17] وفي رواية (إلى الناس كافة) ونصره بالرعب مسيرة شهر وإحلال الغنائم ولم تُحَلْ لأحدٍ قبله وجعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا وأن معجزته مستمرة إلى يوم القيامة ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت لوقتها فلم يبق إلاَّ خبرها والقرآن العظيم لم تَزَلْ حجَّته قاهرة ومعارضته ممتنعة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأنه أكثر الأنبياء معجزة وأن شرعه مؤيَّدٌ إلى يوم الدين وناسخٌ لجميع شرائع النبيين وأنه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة وأنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم إتباعه وأنه أُرسل إلى الجنِّ اتفاقاً وأنه أرسل إلى الملائكة - في أحد القولين ورجَّحه السبكي وأنه أرسل رحمة للعالمين

وأن الله خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم في القرآن فقال: يا آدم يا نوح يا إبراهيم يا داود يا زكريا يا يحيى يا عيسى ولم يخاطبه هو فيه إلاَّ بيا أيها الرسول ويا أيها النَّبي ويا أيها المزمل ويا أيها المدثر وأنه - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَ على أمته نداؤه باسمه {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم} أي لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه ورفع الصوت به ولكن قولوا: يا رسول الله يا نبي الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت وأنه يَحْرُمُ الجهر له بالقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} وأنه يُحْرَمُ نداؤه من وراء الحجرات{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} وأنه حبيب الله وجمع له بين المحبَّة والخُلَّة وأنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره وأنه كُلِّمَ بجميع أصناف الوحي وأنه هبط عليه إسرافيل ولم يهبط على نبيٍّ قبله أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد هبط عليَّ مَلَكٌ من السماء ما هبط على نبيٍّ قبلي ولا يهبط على أَحَدٍ بعدي وهو إسرافيل فقال: أنا رسول ربِّك إليك أمرني أن أخبرك إن شئت نبيًّا عبداً وإن شئت نبيًّا ملكاً فنظرتُ إلى جبريل فأومأ إليَّ أن تواضع فلو أنِّي قُلْتُ نبيًّا ملكاً لصَارَتْ الجِبَالُ معي ذهبًا)[18]
.
[1]رواه الترمذي [2] رواه البيهقي وغيره [3] رواه الإمام أحمد [4] رواه أبو نعيم [5] رواه البيهقي [6] رواه مسلم وغيره [7] رواه مسلم [8] رواه مسلم [9] رواه البيهقي [10] رواه أبو نعيم [11] رواه البخاري [12] رواه ابن أبي شيبة وغيره وأخرج الخطابي (ما تثاءب نبيٌّ قط) [13] رواه الطبراني [14] رواه أبو نعيم وغيره [15]رواه البيهقي [16] رواه البخاري من حديث أبي هريرة [17] مسلم من حديث جابر[18] وروى الطبراني عن ابن عمر


منقول من كتاب [الكمالات المحمدية]


الكمالات المحمدية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد ...

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

- من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية، كان اطلاعه فتنة




من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية، كان اطلاعه فتنة عليه وسبباً لجرّ الوبال عليه
هذه الحكمة تقع من التي قبلها موقع التعليل لها. فكأن قائلاً يقول: ما الحكمة التي اقتضت أن يحجب الله عن الإنسان، مهما كان شأنه وعلت مرتبته، أسرار عباده وخفايا أحوالهم؟
ويأتي الجواب من خلال هذه الحكمة: ذلك لأن الإنسان يجب أن يلتزم جانب الأدب مع الناس جميعاً، فيحسن الظن بهم ما وسعه ذلك، ويحمل ما يراه من تصرفاتهم على محمل الخير، فإن اطلع على أسرارهم البشرية التي تتحكم، في الغالب، بها الغرائز والرغبات والأهواء النفسية، فلا بدّ أن يحمله ذلك على التخلي عن واجب الأدب معهم وحسن الظن بهم، ما لم يتخلق بأخلاق الله ويتحكم به سلطان الرحمة الإلهية، بحيث ينظر إليهم وإلى ما بدا له من خفي شؤونهم وأحوالهم، بالعين التي ينظر بها الله إليهم وإلى خفي أحوالهم، وأنى للإنسان ذلك؟!..
إن الإنسان منا يظل نزاعاً إلى بشريته، خاضعاً لسلطان طبائعه، فإذا صادف أن رأى أو علم عيوباً خفية ممن كان يبجله ويجلّه لما يبدو له من ظاهر حاله، فإنه لا بدّ أن ينظر إليها ويتّبعها بعين بشريته، ولا بدّ أن يدعوه ذلك إلى تغيير نظرته إليه وإلى إهباط مكانته في نفسه.. وهكذا فإن رؤية هذا الإنسان أو علمه بالعيوب الخفية في صاحبه مبعث لفتنة وأي فتنة عليه، وسبب لجرّ الوبال من الله عليه.. إذ المطلوب منه بحكم الله وشرعه التأدب مع سائر عباد الله عز وجل، وأن يحسن الظن بهم، وأن يحمل تصرفاتهم على أفضل ما يمكن أن تفسّر به.. فإذا اطلع منهم على بعض النقائض والعيوب، لم يملك سبيلاً إلى الالتزام بهذا الذي أمره الله به، ولم يجد بدّاً من أن يزدريهم بدلاً من التأدب معهم، ولم يجد مفرّاً من أن يسيء الظن بهم بدلاً من واجب حسن الظن بهم، وربما ذهب في ذلك مذهباً يُريه أنه أحسن حالاً منهم، ولا شك أنه سبب من أهم أسباب الشقاء والهلاك.
وإنما ينجيه من هذه الفتنة أحد أمرين اثنين:
أحدهما أن ينسى هذا الإنسان الذي اطلع من أخيه على بعض ما فيه من النقائص والعيوب، مشاعر بشريته ونوازعها التي تتحكم به، ويتخلق في مكان ذلك بأخلاق الرحمة الربانية، فينظر إلى خفايا أخيه على هذا الأساس، وإنه لأمر عسير لا يكاد يقوى عليه حتى الصديقون المقربون. وقد قالوا إن واحداً من أولياء الله المقربين دعا الله وألحف في الدعاء أن يريه الناس على حقائقهم الخفية، لا كما يبدون في تصرفاتهم وأوضاعهم الظاهرة، فكان إذا دخل السوق رأى أكثر الناس وقد لبسوا في وجوههم أشكالاً لحيوانات شتى، فمنهم من كسي مظهر ذئب، ومنهم من بدا وكأن وجهه وجه قرد، ومنهم من تشكل رأسه على هيئة أفعى..
فعاد يلتجئ إلى الله أن يخفي عن ناظريه هذه الأشكال، وألا يريه من الناس إلا ظواهرهم المكشوفة التي قضى الله أن يتعارفوا وأن يتواصلوا على أساسها.
ثانيهما أن يبقى الإنسان محجوباً عن سرائر إخوانه وما فيها من أنواع القبائح والعيوب، كي لا يقع من جراء اطلاعه عليها في فتنة قد تسوقه إلى مهلكة. وهذا ما قضى به الله عز وجل. وقد علمت الآن أن في ذلك رحمة كبرى للفريقين، فهذا وُقي بذلك من فتنة ومَهلكة، وذلك بقي مكلوءاً بكنف الله وستره.
غير أنك قد تسأل فتقول: فهلا فُطر الإنسان نقياً في باطنه، كما قد مُكِّن بأن يكون نقياً في ظاهره، أي نقياً من العيوب الظاهرة والباطنة؟
والجواب: أن الإنسان إذن كان معصوماً... معصوماً من النقائص والعيوب الخُلقية، ومعصوماً من الآثام السلوكية.
ولو فطر الإنسان على ذلك، إذن لما احتاج أن يقف، في حياته كلها، موقفاً يشكو إلى الله فيه ضعفه ويسأله المغفرة، إذ المغفرة إنما تكون للأخطاء والذنوب، وما دام الإنسان معصوماً إذن فلا أخطاء ولا ذنوب، والضعف لا بدّ أن يفرز النقائص والعيوب، وما دامت العصمة موجودة فلا نقائص ولا عيوب، ومن ثم فلا ضعف أيضاً.
ففيم إذن، يطرق هذا العبد باب ربه؟.. وفيم يقف منه موقف السائل المستجدي، وهو منزّه عن النقائص والعيوب، معصوم عن الآثام والذنوب؟
وعندما يستغني العبد هذا الاستغناء، فمعنى ذلك أنه قد تحرر عن معنى العبودية لله.. أي تحرر عن مشاعر العبودية لله بسبب ظاهر قوته واستغنائه، وإن لم يتحرر عن حقيقتها، نظراً إلى أن الذي عصمه هو الله، وأن الذي نزّهه عن النقائص والعيوب ومظاهر الضعف هو الله.
إن غياب شعوره بالضعف والحاجة، ودوام التقصير، والاتصاف بالقبائح والعيوب، يستلزم غياب شعوره بالعبودية التي تقوده بذل المسألة إلى باب الله، وإن كانت حقيقة مملوكيته لله قائمة راسخة.
لذا، فقد كان من مظاهر لطف الله بالإنسان، أن يوقظ فيه دائماً مشاعر عبوديته له، وأن يبتليه بما يقوده إلى باب الاستغفار من الذنوب، وبما يجعله يبسط إليه كف المسألة بأن يرحم ضعفه ويستر عيبه ويصلح حاله... وإنما الذي يقوده إلى ذلك، الضعف الذي يجعله محلاً للنقائص والعيوب، والذي يعرضه لارتكاب الذنوب.
أحسب أنك قد عرفت الآن، مما قرره ابن عطاء الله في هاتين الحكمتين، أن الله قد يكشف للخلّص من عباده دقائق مكوناته وأسرار الزمان والمكان، ولكنه قضى ألا يكشف لهم عن أسرار وخفايا عباده، وما يمكن أن تنطوي عليه من العيوب والنقائص.. إذ لو كشف لهم عنها لغدا الناس بعضهم فتنة لبعض، ولحلّ الازدراء والاحتقار فيما بينهم محل التقدير وحسن الظن والحب...
إذا عرفت ذلك، فإن بوسعك إذن أن تعلم، كم يتنكب بعض من يتسلّق اليوم رتبة التوجيه والإرشاد، عن جادة الالتزام بالمنهج الإسلامي والأخلاق الإسلامية، عندما لا يروق لأحدهم إلّا أن يفرض من نفسه ذا بصيرة متميزة عن عباد الله جميعاً، يرى بها خفايا ما قد تورط فيه تلامذتهم أو مريدوهم من الآثام والنقائص التي قد تكون خواطر طافت بذهنهم، أو وقائع وأحداثاً لم يطلع عليها إلا مولاهم وخالقهم!..
ثم يعلن عن بصيرته هذه أمامهم، مؤكداً أن فيهم من ارتكب وزراً بينه وبين الله، أو بات يعانق هاجساً لأحلام لا تتفق مع ما يرضي الله، وأنه بثاقب بصيرته وشفافية روحانيته يشم منهم رائحة هذا التورط والانحراف. وربما تظاهر أمامهم أنه قد اعتراه بسبب ذلك من الضيق ما منعه من جلوسه إليهم ومواصلة حديثه معهم، فيقوم معرضاً عنهم مظهراً السخط عليهم!...
ولكي لا يذهب بك الخيال كل مذهب، في معرفة من يسلكون مع مريديهم هذا النهج، أقول لك: إنهم قلة نادرة بين الرجال، وكثرة كبيرة بين النساء.
ولكن، فانظر، كم يتناقض هذا المنهج التربوي المنكوس، مع آداب الشرع وألطاف الربوبية، بل انظر كم يتناقض مع ما هو الثابت والمعروف من سنن الله في عباده، وكم يكلف هذا المنهج صاحبه أن يتمطى بنفسه إلى مستوى العصمة ثم إلى حيث الاطلاع على ما قد أخفاه الله من عيوب عباده ونقائصهم، من أجل أن يمارس، فيما يزعم، حيلة تربوية تجعل مريديه يعتقدون أن سرائرهم أمام شيخهم أو شيختهم مفضوحة، ليتداركوها فيما يزعمون، بالمعالجة لها والتحرر منها.
ثم تأمل في مغامرة الافتراض بدون بينة، والجزم بدون دليل، وفيه ما فيه من زج المتَّهمين أو المتَّهمات، في قلق لا نهاية له، وفي اضطراب نفسي لا مناجاة منه، خصوصاً بالنسبة لمن كان شديد الثقة بشيخه، وكم رأيت فتيات صالحات قانتات، ذهبن ضحية هذه الطريقة ((التربوية)) الشائنة، إذ وقعن في يمّ من الاضطرابات والأخيلة والهواجس التي أفسدت عليهن سبيل التعامل مع أفكارهن وعقولهن.
وخلاصة القول: إن مرتبة الفتيا إن كانت بحاجة ماسة إلى بلوغ مرتبة المعرفة التامة بأحكام الشريعة الإسلامية، فإن مرتبة الإرشاد والتسليك أحوج منها إلى بلوغ مرتبة المعرفة التامة لأحكام الشريعة الإسلامية، ثم إلى بلوغ مرتبة المعرفة التامة بآداب الإرشاد والتسليك، ولن تتحقق هذه المعرفة الثانية إلا بعد أن يصبح الساعي إليها رباني النزعة والسلوك أي مصطبغاً بكامل العبودية لله، ومتخلقاً بأخلاق الرحمة الإلهية في التعامل مع عباد الله.
جاري التحميل...