آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 30 أكتوبر 2016

- دسائس الشيطان التى تعوق السالك عن السير إلى الله تعالى

أوجب الصوفية رضى الله عنهم أن المريد السالك فى طريق الله يجب أن يكون ذا بصيرة  يقظاً حتى يحفظه الله من العدو الرجيم ومن فطر نفسه ومقتضيات طبعه.

قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 112، وقال سبحانه (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) سورة الأعراف آية 27، وقال جل جلاله (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) سورة النحل آية 98، وقال عز وجل (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الذى يُوَسْوِسُ فى صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) سورة الناس آية 1-6، وقال صلى الله عليه وسلم: (أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك)وقال تنزهت ذاته (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) سورة فاطر آية 6.

يظهر من الآيات المقدسة والحديث الشريف أن للإنسان عدواً هو الشيطان وله أعداء آخرون وأعدى عدوه نفسه التى بين جنبيه فهى أشر عليه من الشيطان إذا أخذنا معناه من اسمه فقد يكون من شاط يشيط أى هلك وضل أو شيطة أى احتراق ومعنى ذلك أنه يهلك ويضل ويحرق أو من شطن والشطن الحبل القوى أو البعد وفيه معنى الجذب بالحبل إلى الضلال والهلاك،ومعنى البعد عن الله تعالى.

ولما كان الشيطان لا ينفك يوسوس للإنسان ويسعى بين الناس بالتحريض والتفرقة والإفساد والإضلال والناس بحسب نفوسهم فمنهم من نفسه كالسائل القابل للالتهاب، ومنهم من نفسه كالسائل الذى يطفئ شعلة النار، ومنهم المعدن القابل للحرارة عند أدنى ملامسة ومنهم من لا يقبلها وأن مسته، ومن النفوس نفوس نورانية روحانية كالشمس المضيئة تذهب الظلمات مهما تكاثفت فتشرق أنوارها كأسفار الصبح قبل طلوع الشمس فكيف إذا طلعت، ولذلك كانت نفس الإنسان القابلة للالتهاب أو قابلة للحرارة أعدى عدو له من الشيطان لأنها إن لم تقبل لم يكن للشيطان عليها سلطان.

فإن النفوس الطيبة الطاهرة تقبل من العلماء الربانيين الذين قبلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبلغ شأنا تقبل فيه من الملك بطريق الإلهام أو بالرؤيا الصالحة أو بالنور الذى يجعله الله فى القلب أو بالفقه الذى يهبه الله لمن شاء من عباده الصالحين وقد تبلغ مقاماً بعد هذا حتى يكون العبد مع الله والله تعالى معه فيبلغ به المقام حتى يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله ويبطش بالله كما أن من النفوس نفوساً تخلد إلى الأرض فتكون شراً من إبليس ويكون إبليس لها سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ورجلاً وبطناً وفرجاً.

أقول شراً من إبليس لأنها يكون لها تأثير على مجانسها من الناس أشد من تأثير إبليس لأن الله تعالى يقول: (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) سورة النساء آية 76 ويقول الله تعالى بالنسبة للإنسان: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فى الْأَصْفَادِ) سورة إبراهيم آية 49 فشيطان الإنس أضر على الإنسان من شيطان الجن وقد قدمه الله تعالى فى الذكر مشنعاً عليه بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 112 وقدم شياطين الجن عند الاستعاذة به سبحانه منها بقوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) سورة الناس آية 6 وهنا إشارة لا يكون السالك سالكاً حقاً إلا إذا فك له رمز الشيطان وعداوته له ونفسه وأنها أعدى عدوه وفهم معنى الولى والنبى والرسول وسر السجود لآدم وامتناع إبليس لعنة الله عليه... حتى يعد الأسلحة اللازمة لمحاربة أعدائه فى السلوك الذين يحاربونه بأقوى الأسلحة خوفاً من أن يظفروا به فيجعلونه عبداً لهم وهو يسارع أن يكون عبداً للقادر الحكيم المنعم المتفضل العفو الغفور التواب.

ومن جهل معنى إبليس ومعنى الشيطان ومعنى امتناعه عن السجود ومعنى كون نفسه أعدى عدوه ربما زل فى طريقه أو ضل ومن جهل معنى الولى والنبى ومعنى النبى والرسول ثم زاغ وجعل جلال ربه وجماله وعظمته وكبرياءه هلك فى وحلة التوحيد لأنه لم يميز بين المراتب ولم يحفظ الله بالعلم من ظلمة التشبيه وجهل التنزيه.

وقد بينت تلك المعانى كلها فيما سبق من الكتب فى مواضعه فراجعه فإن كثيراً من السالكين يجهل تلك المعانى فيزين له إبليس الباطل بحسب ما يناسب نفس السالك، فيفتنه فتنة ينتج عنها إضلال كثيرين من الخلق مع اعتقاده أنه على الحق الصريح قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فى بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) سورة النور آية 40 وهنا أبين لك سبل الغواية التى يسلكها عدو الله وعدوانا ليكون إماماً لمن أضلهم الله إلى النار أعاذنى الله وأولادى وأخوانى المسلمين من شره.

أولها: الطمع

أولهما الطمع لأنه الباب الذى دخل منه على أبينا آدم عليه السلام لأن آدم عليه السلام طمع فى الخلد فظفر منه إبليس بتلك الغرة فهجم عليه من جهتها، وأنت تعلم كيف سعى بهمة حتى أوقعه فى معصية الله بأكله من الشجرة فكان ما كان مما تعلمه وكم أزل العلم رجالاً فأوقعهم فى معصية الله وإزالة الملك والسلطان وإزالة اللذة التى بها الحياة الحقيقية.

والطمع هو أمل يدعوا إليه إما لنيل شهوة أو سيادة أو أثرة أو انتقام من عدو، وليس بطمع عمل فرداً ومجتمع لنيل ما يستحقونه من المجد أو الشرف دنيا أو ديناً مع إعداد العدة والعدد، بل ذلك حق واجب أن يطالب به الفرد والمجتمع وما يطالبنا الله  به ويطالبنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبنا هذا ليس طمعاً.

وإعمال رسل الله حجة لنا فأنهم كانوا يطالبون بحق طالبهم الله به، وكذلك أهل النفوس الزكية والعقول الكاملة والهمم العالية يطالبون أنفسهم أن تقوم بما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليهم وبما طلبه سبحانه منهم من العمل بما يجب من إعلاء كلمته وتجديد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطمع المحمود فى طريقنا وقد شرحته فى اصطلاح الرجال.

وهنا أتكلم على الطمع المذموم: كل طمع يؤدى نيله إلى معصية الله أو السعى له إلى معصيته سبحانه فهو باب من أبواب الشيطان يدخل منه على القلب فيفسده وإنما الطمع المحمود الطمع فى نيل فضل الله تعالى ورحمته والطمع فى الإقبال على الله تعالى والقبول منه سبحانه والطمع فى المسارعة إلى النفع العام مع حسن النية والإخلاص فى العمل والصدق فى المعاملة، ومتى طمع المسلم فيما هو شهوة أو لذة، ذل نفسه لغير الله تعالى وتساهل فى دينه وفى شرفه وفى عرضه والتفت عن الله بوجهه فيلتفت الله عنه.

ومن نظر إلى من هو فوقه فى الدين والعلم والتقوى وإلى من هو دونه فى الدنيا سد هذا المنفذ فى وجه الشيطان فشكر الله على ما أنعم عليه وطمع فى مواهب الله العلية التى تفضل بها على أهل محبته فيكون طمعه طمع أولياء الله وشكره على ما أنعم الله به عليه عمل أحباب الله.

وما ضل سالك فى سلوكه إلا بالطمع:

إما فى كرامة يجريها الله على يده، أو فى إقبال الناس عليه، أو فى نيل ما فى أيديهم، أو فى شهرة يكتسبها، أو أسقاط نظير أو مثيل له.

كل هذا من عمل الشيطان ليبعد السالك عن الله تعالى، أعاذنى الله وإخوانى من شره.
أما غير السالك فللشيطان عليه تأثير من هذه الجهة، فيجعله يطمع فى نيل شهواته حلالاً كانت أو حراماً وجمع الأموال أو ادخارها طمعاً فى البقاء ومعادة الناس للوظائف حتى يسعى بكل جهده فى إذلال غيره وأذيته، كل ذلك من الطمع، وهو من المدارج التى يتدرج عليها إبليس لإفساد القلوب والنوايا والقصود، فيجعل الأخ يعادى أخاه والرجل يعادى أبنه والصحاب يسعى فى إهلاك صاحبه فيفرق بين القلوب، كل ذلك بالطمع أعاذنى الله وإخوانى من طمع فى غير فضل الله ورحمته سبحانه وتعالى ونيل رضوانه الأكبر والفوز بجوار حبيبه ومصطفاه فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

فأنبه السالك فى أن يسد تلك المنافذ بعزيمة الإقبال على الله تعالى والاستعانة به سبحانه وتعالى، مجاهداً نفسه، معتقداً أن الدنيا وما فيها لا تساوى عند الله جناح بعوضة، وأن الذى قدره سبحانه أزلاً للسالك لا يمنعه أحد ولو اجتمع الجن والإنس، فيرضى عن الله تعالى.

وإن بعض السالكين يكون عنده ما يكفيه لخمس سنين ويدعوه الطمع إلى دوام الفكر والحزن، وذلك من سعى الشيطان لعنه الله، وإن بعض السالكين لا يكن عنده إلا قوت يومه وهو آنس بالله فرح بإقبال الله عليه وتوفيقه إياه لمحابه ومراضيه، أسأل الله تعالى أن يمنحنا جماله وفضله العظيم بفضله، ويعيننا على شكره وحسن عبادته، ويكرمنا وأهلنا وإخواننا إنه مجيب الدعاء، ومن ذاق حلاوة التوحيد لا يطمع فيما يفنى ويكون طمعه فيما يبقى.

ثانياً: الحسد
الكلام على الحسد
قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) سورة النساء آية 54.

الحسد هو داء إبليس العضال، وهو شر الرذائل وأساس المفاسد والدرك الأسفل من النار، وهو خلق الشيطان من الإنس والجن، ومن كان فيه هذا الخلق فهو شيطان الإنس وهو أضر على المسلمين من شيطان الجن، لأن الحسد تمنى زوال نعمى الغير ليختص بها الحسود دون غيره، وصاحب هذا الخلق مرتكب من الرذائل شرها ومن المفاسد أضرها ومن القبائح أبشعها، لأنه ينسب ربه إلى الظلم ويثبت لنفسه استحقاق الخير، فينازع ربه جل جلاله فى رداء الكبرياء وإزار العظمة، ويسعى فى أذية المسلم فى غير جريرة، فيكون عدواً لله عدواً لرسول الله عدواً لنفسه عدواً لإخوته المؤمنين.

والحسد يأكل الجسد، والمحسدة مفسدة، والحسود لا يسود، وسلع الشيطان التى يروجها فى أسواق الشهوات أربع وهى: الحسد للعلماء، والكيد للنساء، والظلم للحكام، والخيانة للتجار وبئست البضاعة.

وله نوافذ يدخل منها على قلب السالك بالحسد منها نظره إلى عمله وحاله وسابقيته، وهذا النظر يجعله ينظر إلى إخوانه بعين الاحتقارـ فإن منَّ الله عليه بذوق أو وجدٍ أو بحسن مراقبة أو رعاية أو محاسبة أو شهود أو شوق أو فقه فى دين الله دعته نفسه إلى أنه أوْلى بهذا منهم وأحق به لسابقيته ومجاهدته:

فيحسدهم أولاً، ويقوى عامل الحسد فى قلبه حتى ينقلب فيكون شيطاناً، فيوقع بين الإخوان بالعداوة والبغضاء كذباً، ثم تقوى شرارة الشيطان فى قلبه حتى ينكر عليهم ويرميهم بما ليس فيهم وينقصهم أمام المرشد ذاكراً سابقيته وأعماله وخدمه للمرشد وناسياً أن تلك السابقية والأعمال والخدم لو كانت خالصة لوجه الله لأقبل الله عليه بوجهه وآنسه بجماله وجمله بالمقامات العلية والأحوال السنية وحفظه من لمة الشيطان الرجيم.

وقد يبلغ به الفساد الأكبر مبلغاً حتى يخرج من الإيمان من حيث لا يعلم كما خرج إبليس، فإنه تمنى زوال نعمة آدم لينالها، فلما لم ينجح أنكر على ربه سبحانه وتعالى فخالف أمره، وأراد أن يقيم على الله سبحانه الحجة فقال: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) سورة الأعراف آية 12، فانظر إلى نار الحسد كيف تحرق الإيمان، وأججت الشرارة فى قلب إبليس حتى طرده الله ولعنه، ودامت حتى وقف أمام ربنا سبحانه وقال: (اجعلنى من المنظرين) وقال: (لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) سورة الحجر آية 39 ، وكذلك الحسود يقوى فيه موجب الحسد حتى يكون فى الدرك الأسفل من النار، فيكون شراً من إبليس أعاذنى وأهلى وإخوانى المسلمين جميعاً.

وقد يدخل عليه الحسد من نسيان يوم الحساب، فيعتقد أن الدنيا هى دار الحيوان والبهجة واللذة والبقاء والراحة، ويجهل أنها دار العناء والبلاء والمجاهدة وخلاص النفس من مهاوى الغضب والعذاب، فإذا نسى السالك يوم الحساب مالت نفسه إلى الدنيا وطلبها والعمل لها والمسارعة إلى نيل حطامها الفانى وسلبها من يد من يسرها الله له وقدرها، فلا ينال منها إلا ما قدره له، ويحسد أهل الثراء ويكون ممن شنع الله عليهم بقوله : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) سورة الإسراء آية 18، فيأكل الحسد كل حسناته، وقد يأكل العقيدة مع ما أكل، أعاذنى الله وأهلى وأولادى وإخوانى من هذا الداء العضال.

وكل سالك قال أنا، وقع فى العنا، ولا يقولها إلا من أعمى الله بصيرته فنظر إلى عمله المردود عليه وعباداته التى لم تقبل وقرباته التى لم تكن لله، ولأنه لو أخلص فيها لرفعت إلى الله تعالى وغابت عن بصيرته وبصره، ولما شاهدها لنفسه، لأنه بإخلاصه يذكره الله نعمه عليه من أول النطفى إلى يومه الذى هو فيه ويشهده فضله العظيم عليه من العرش إلى الفرش، قال الله تعالى: (إِنَّ فى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التى تَجْرِي فى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة البقرة آية 164، أقول قولى هذا لمن فقه قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) سورة فاطر آية 10، ومن فهم عن الله تعالى معنى هذه الآية ورأى قربات أو عبادات أو أعمالاً فقد ظلم نفسه بدعوى الفهم عن الله تعالى، وهذا النوع من الكبائر، أعنى الحسد، أحق أن يعالجه السالكون بأشد المجاهدات.

ومن ذاق حلاوة التوحيد وتيقن أن المقدر هو الله والمعطى هو الله والمانع هو الله، وعلم أن النعمة والفتح والفقه والحال فضل الله تعالى يتفضل به على من يشاء لا بعمل ولا لنسب ولا لمجاهدة، تعرض لفضل الله وغض بصره عن الحسد وشكر الله تعالى على نعم لا تحصى، ولكن لعن الله إبليس يقعد على الصراط كالجبل أمام السالك فيصده عن الحق، ويدخل فى قلبه فينفخ فيه نفخة الباطل ليطفئ نور الإيمان والتوحيد، فيرى السالك عمله وقرباته وخدماته وينسى نعم الله عليه بالعلم والاستقامة والذكر والمذاكرة.

ثم يرى المسكين نعم الله وإحسانه عليه ونعماً منه على الله ويطالب الله بحقوقه ولو تبصر أنه كان بولة من أبيه وبولة من أمه ثم تفضل الله عليه بما لا يحصى من النعم وأن الموفق له والهادى والمعين والمتفضل بالعلم والحال والحكمة هو الله لا غيره لا لعلة دعته إلى ذلك تنزه، ولا لغرض إلى العبد دعاه تنزه وتقدس بل بمحض فضله وإحسانه افتتح إيجادناً وبكرمه افتتح إمدادنا وكيف يرضى السالك أن يبدل نعمة الله كفراً وشكراً الله شراً وبطراً، أعوذ بالله من الحسد مصدره إبليس ونتيجته اللعنة والطرد وكيف يرضى السالك أن يكون مع إبليس وهو يسارع أن يكون مع الله ورسول الله وقد بينت مضار الحسد فى كتاب أصول الوصول فى باب مخصوص.

وقد يدخل إبليس على السالك من باب الحسد فيفهم أن مرشده خير الخلق أجمعين فإذا لقى دالاً على الله خيراً من مرشده ورأى إقبال الناس عليه حسده وأنكر عليه وسعى فى تفريق الناس عنه فيكون صاداً عن سبيل الله متكبراً على الحق، وتقوى تلك الشرارة فى قلبه حتى يوقع الناس فى الشر ويجعل المسلمين يشتغلون  بما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد شنع الله على أهل الحسد بقوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) سورة الأعراف آية 146 والسالك ضالته المنشودة الحكمة إن كان سالكاً حقاً متى وجدها التقطها على لسان من صدرت منه كائناً من كان وليس بالسالك من يحصر نعمى الله وفضله فى واحد من الخلق وأن العلم كله فى العالم كله.

وقد يدخل إبليس على السالك من البلايا، و ينال غيره من الخير فى الطريق فيقول أنى أعمل أكثر منه ولم أنل خيراً من الدنيا ولم أر رؤيا كما رأى ولم أنال خيراً كما نال فيفتح على نفسه باب الشر: قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) سورة الحج آية 11.

وقد يدخل على السالك من باب أخفى من هذا: من ذلك أنه يناله خير فيأتيه الشيطان ويدخل فى قلبه أن فلاناً من أخوانه يكره له الخير ويتمنى زواله منه فيحسده على هذا ويسعى فى أذيته بمجرد الظن الذى لا يخطر على قلب أخيه ويقوى الحسد حتى يظاهره بالعداوة ويوقع أخاه فيما كان لا يشعر به.

وقد يدخل عليه من باباً هو شر الأبواب كلها : فقد يأمره المرشد بعمل من الأعمال بأن كان فى الأسباب فيأمره بالتجريد أو فى التجريد فيأمره بالأسباب، أو كان نائباً عن المرشد فيقيم غيره نائباً عنه لمقتضيات اقتضاها واجب الوقت فيأتيه الشيطان فيقول له أن المرشد سمع فيك كلاماً فيعادى أخوانه ثم يقوى هذا الحسد حتى ينكر على المرشد ويسعى فى تفرقة أخوانه كبراً وعلواً وفساداً فى الأرض وهو أضر أنواع الحسد على السالك ولا يبتلى به إلا الذين لم تسبق لهم الحسنى أعاذنى الله وأخوانى من كيد الشيطان ودسائسه.

وهناك منافذاً  أخرى يدخل منها الشيطان من حيث لا يعلم السالك المسكين لا تخفى على ذى بصيرة لذلك أنبه أخوانى السالكين جميعاً أن يعرضوا خواطرهم وأمراضهم على المرشد قبل قوة سلطانها على القلب وأن يجتهدوا أن لا يخفوا عن المرشد أمراضهم مهما كانت قبيحة ليداويهم بما يناسب من العلاج والشافى هو الله أسال الله تعالى أن يعيذنا بوجهه الكريم من الشيطان الرجيم وأن يجملنا بفضله وكرمه بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلنا وأولادنا والمسلمين جميعاً.

الشفاء من الطمع والحسد:
قدمت لك الأدوية النافعة من الطمع: وهنا أبين لك دواء يجب أن يقوم به السالك والله تعالى هو الشافى.
أعلم أنه من مبادئ الطريق تحقيق السالك أن المرشد بمعناه والد رءوف رحيم حريص على خير السالك الخير الحقيقى الذى هو خير له فى دنياه وآخرته وأنه أعلم به بما به كمال نفسه وجسمه الكمال الذى يبلغ به مقامات القرب ومنازل الحب ليفوز بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ويسعد بالسعادة الحقيقية الدائمة من غير سابق سؤالاً ولا عقاب.

ومعلوم أن السالك إنما اتصل بالمرشد لا لينال وجاهة فى الدنيا ولا شهرة بين الناس ولا وسعة فى ماله وإنما اتصل به لتستبين له سبل الله ويتضح له الصراط المستقيم فيسلك عليه بالله تعالى ويتلقى منه أسرار الحكمة فى إيجاده وإمداده حتى يعرف نفسه ما هى وما هى عيوبها وكمالاتها، وإذا كملت ما الذى تفوز به من الخير والسعادة وإذا لم تكمل ما الذى تناله من الشر والعذاب وهى بدايتها ونهايتها حتى تنكشف له علم يقين أو عين يقين أو حق يقين حقيقتها ومكانتها فى مراتب الوجود ومقامها الأخير الذى ترقى عليه وتناله بفضل الله تعالى ومقرها إن هى أهملت وخالفت أحكام الله سبحانه ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدرك الأسفل من النار حتى يحصل له الشوق المزعج إلى نيل كمالاته والخوف المحرق من الوقوع فى النقائص فيفر من كل ما يشغله عن الله من حظ أو شهوة أو هوى أو جاه أو شهره أو مال أو أهل أو ولد فراره من النار الحمية تتصل بجسمه لما ينكشف له حقائق الأشياء وأسرار الأحكام الشرعية وسر النشأة الأولى والنشأة الآخرة وما ينبلج له من أنوار البدء وأنوار الإعادة فيلوح له فى كل نفس نوراً يؤجج شوقه ونار محبته تجذبه بكليته إلى الملكوت الأعلى فيفر مسارعاً إلى مغفرة من ربنا سبحانه وجنة عرضها السموات والأرض، ومن كل ما تميل إليه النفوس النجسة حتى من نفوذ الكلمة والجلوس على عرش الملك وحتى من كلمة (كن) هذا الأصل هو الذى يجب عليه السالك فى طريق الله الراغب فى نيل القرب منه الباذل ماله ونفسه فى نيل رضوانه تنزه وتقدست ذاته.

ومن دسائس الشيطان التى تعوق السالك عن السير

ثالثاً :الحرص
ومن دسائس الشيطان التى تعوق السالك عن السير فى طريق الله تعالى نوع من الحرص قال أطال الله عمره ونفعنا به آمين:

الحرص نوعان محمود ومذموم فالمحمود هو الشفقة والرحمة والرأفة التى تدعو إلى القيام بما ينال به الخير دنيا وديناً وآخرة لكل العالم ولا يكون بأكمل معانيه إلا فى فرد واحد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه الحريص على نجاة العالم أجمع الرءوف الرحيم بالمؤمنين وقد تحمل من البلاء فى سبيل ذلك ما لا يتحمله كل رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ومع هذا فكان صلى الله عليه وسلم يقول: (رب أهد قومى فإنهم لا يعلمون)وكم أهلك الله تعالى إمما بالدعاء عليهم من الرسل عليهم الصلاة والسلام فظهرت حقيقة شفقته على العالم أجمع التى هى الحرص عليهم، وكل من له شفقة على آخرين يحرص على خيرهم.

والحرص المذموم هو الشره الذى يجعل صاحبه يسارع فى نيل ما لا يستحق غير مبال بضرر الغير وأذيته وعمل ما يمكنه من الحيلة والبطش فيستعمل خدع القوى الشهوانية وافتراس القوى السبعية إن لم يتحصل على ما يحرص عليه، هذا كله إن لم يقوى سلطان القوى الروحانية.

وقد كانت تلك الأمراض الثلاث التى هى الطمع والحسد والحرص: أول أمراض نشأت فى العالم أجمع، فكان الطمع من أبينا آدم والحسد من عدونا وعدو الله إبليس لعنة الله عليه، والحرص من ابن آدم الذى قتل أخاه حرصاً على زواج أخته.

أتكلم عن هذا المرض فى السالكين فإن قبحه فى غيرهم ظاهر جلى. ولم تسفك دماء بريئة ولم تبح أعراض عفيفة ولم تنهب أموال محصنة إلا بمرض الحرص أعاذنى الله وأولادى وأخوانى من الحرص على ما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأساله سبحانه وتعالى إن يهب لنا الخير الحقيقى والإقبال على حضرته والقبول منه.

أسباب الحرص عند السالكين:

السالك فى بدايته مقبل بكليته على تزكية نفسه وطهارتها لينال القرب من الله وفضله سبحانه ورضاه، ولكن عدو السالكين إبليس لا يتركه فى سيرة بل يقعد له على صراطه المستقيم، فإذا منحه الله نعمة من حكمة أو حال أو آية أو رؤيا صالحة أو إقبال الخلق عليه أو ثنائهم عليه فرح بالنعمة وحرص أن يعمل حرصاً على بقائها وحفظها له ناسياً قصده الأول ومطلبه العلى ثم تقوى وسوسته فى قلب السالك حتى يلقى فى قلبه أن تلك النعمة قد يزاحمه فيها غيره فتسلب منه لجهله أن فضل الله العظيم يسع العالم أجمعين.

ولو أن كل ذرة من الثرى وقطرة من الماء وهب الله لها من النعم ما لا يحصيه العادون لما نقص من خزائن فضل الله شىء، فينتقل السالك بعد أن كان فرحاً بالنعمة حريصاً عليها مشغولاً بها عن المنعم إلى أن يكون حريصاً عليها من أن يسلبها غيره من الخلق فيقع فى معاداة الخلق والسعى إلى ضررهم من غير ذنب إلا للحرص الذى دعاه إليه شيطانه.

والمريد فى الحقيقة طالب الحق فيجب ألا يحرص إلا على نيل رضاه سبحانه وفضله العظيم، ولا يعمل إلا ابتغاء وجهه الكريم، فإذا  قوى هذا الحرص فى قلب السالك قد يدعوه إلى عمل ابن آدم الأول وإذا بلغ السالك فى المرض حتى أقبلت عليه وجوه الخلق حرص على تلك البلية فاستعمل الخلق آلة للفساد والبلية، وما حصلت العداوة والشحناء والبغضاء بين السالكين وبين من سادوا إلا بسبب الحرص، وهذه بلية من أكبر البلايا التى أصابت أهل السيادة والعلم والسلوك، وكم قتل الرجل أخاه وقتل الولد  والده وقتل المسلم أخاه حرصاً على أن ينال ما فى يد الآخر من النعمة وكم سعى جاهل بقلبه عالم بلسانه للتشنيع على نظيره أو على خير منه حرصاً على الشهرة أو السيادة أو الوظيفة.

مضرة الحرص:
قد يحرص السالك على نيل مرتبة سمع بها أو مقام علمه فيعمل الأعمال الفادحة غير متوسط فى سلوكه حريصاً على هذا العمل  متهاوناً فى كل واجب عليه لغيره حتى يضر نفسه ويفسد صحته ويعصى ربه، كل ذلك من الحرص الذى يعينه عليه الشيطان، وكم من مقبل أدبر ومسارع أبطأ وعامل للخير عمل الشر بسبب الحرص، والحرص يجعل صاحبه يعادى أحب الناس إليه ويقاطع أبر الناس به ويظاهر ارحم الناس به، ولو علم السالك أنه افتتح سلوكه رغبة فى العمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسارعة إلى الفوز بالنجاة يوم لا ينفع  مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وزهداً فى الدنيا وحرصاً على نيل الخير الحقيقى، لراقب الله فى عمله ولحاسب نفسه، لكن لعن الله الشيطان حيث يقول (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) سورة ص آية 83 وكيف يحرص المريد على ما يفنى ويترك ما يبقى ويهتم بما يبعده عن الله ويهمل ما يقربه إلى الله.

دواء الحرص
انفع علاج للحرص أخذ جرعة من طهور (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة فاطر آية 2 والتدبير فى قوله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) سورة الحديد آية 20 وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ) سورة يونس آية 7 وقوله سبحانه (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) سورة آل عمران آية 14 ودهان تلك الجروح بالمرهم المركب من قوله صلى الله عليه وسلم: (أن هذا الدين ميتن فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهر أبقى)والتوقى من الحظ والهوى بالحمية فى حصون قوله صلى الله عليه وسلم: (الناس هلكى إلا العالمين والعالمون هلكى إلا المخلصين والمخلصون على خطر عظيم)فيحتمى بحصون الحمية من أن يغذى قلبه بخاطر حيوانى أو بوارد حظ خفى أو بخاطر أى باطل أو بقصد ما يفنى ويكتفى بالأغذية التى يتناولها من الكتاب والسنة مجاهداً نفسه أكبر الجهاد والله تعالى الشافى سبحانه.

الحرص لابد منه لأنه من فطر النفوس فاجتهد أن يكون حرصك حرصاً محموداً، فأحرص أن تحب لأخوتك ما تحب لنفسك وأن تحسن إلى من أساء إليك وتصل من قطعك، وتحب فى الله وتحافظ على حدود الله، وتفرح بنعمة الله لغيرك وتسال الله دوامها وتشكره عليها، لأن المسلم خزانة المسلمين، وإن أنعم الله عليك بنعمة فأسأل الله أن يعينك بها على طاعته، وأفرح بفضل الله وبرحمته عليك شاكراً الله، مقبلاً على المنعم جل جلاله غير مشغول بنعمته عنه، فإنه غفور يكره أن يشتغل عباده عنه بنعمته، إنما يتفضل بنعمته ليجذب لها أهل محبته إلى الإقبال عليه سبحانه.

- الحسد والحرص والطمع وعداوة الشيطان


أوجب الصوفية رضى الله عنهم أن المريد السالك فى طريق الله يجب أن يكون ذا بصيرة  يقظاً حتى يحفظه الله من العدو الرجيم ومن فطر نفسه ومقتضيات طبعه.

قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 112، وقال سبحانه (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) سورة الأعراف آية 27، وقال جل جلاله (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) سورة النحل آية 98، وقال عز وجل (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الذى يُوَسْوِسُ فى صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) سورة الناس آية 1-6، وقال صلى الله عليه وسلم: (أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك)وقال تنزهت ذاته (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) سورة فاطر آية 6.



يظهر من الآيات المقدسة والحديث الشريف أن للإنسان عدواً هو الشيطان وله أعداء آخرون وأعدى عدوه نفسه التى بين جنبيه فهى أشر عليه من الشيطان إذا أخذنا معناه من اسمه فقد يكون من شاط يشيط أى هلك وضل أو شيطة أى احتراق ومعنى ذلك أنه يهلك ويضل ويحرق أو من شطن والشطن الحبل القوى أو البعد وفيه معنى الجذب بالحبل إلى الضلال والهلاك،ومعنى البعد عن الله تعالى.

ولما كان الشيطان لا ينفك يوسوس للإنسان ويسعى بين الناس بالتحريض والتفرقة والإفساد والإضلال والناس بحسب نفوسهم فمنهم من نفسه كالسائل القابل للالتهاب، ومنهم من نفسه كالسائل الذى يطفئ شعلة النار، ومنهم المعدن القابل للحرارة عند أدنى ملامسة ومنهم من لا يقبلها وأن مسته، ومن النفوس نفوس نورانية روحانية كالشمس المضيئة تذهب الظلمات مهما تكاثفت فتشرق أنوارها كأسفار الصبح قبل طلوع الشمس فكيف إذا طلعت، ولذلك كانت نفس الإنسان القابلة للالتهاب أو قابلة للحرارة أعدى عدو له من الشيطان لأنها إن لم تقبل لم يكن للشيطان عليها سلطان.

فإن النفوس الطيبة الطاهرة تقبل من العلماء الربانيين الذين قبلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبلغ شأنا تقبل فيه من الملك بطريق الإلهام أو بالرؤيا الصالحة أو بالنور الذى يجعله الله فى القلب أو بالفقه الذى يهبه الله لمن شاء من عباده الصالحين وقد تبلغ مقاماً بعد هذا حتى يكون العبد مع الله والله تعالى معه فيبلغ به المقام حتى يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله ويبطش بالله كما أن من النفوس نفوساً تخلد إلى الأرض فتكون شراً من إبليس ويكون إبليس لها سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ورجلاً وبطناً وفرجاً.

أقول شراً من إبليس لأنها يكون لها تأثير على مجانسها من الناس أشد من تأثير إبليس لأن الله تعالى يقول: (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) سورة النساء آية 76 ويقول الله تعالى بالنسبة للإنسان: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فى الْأَصْفَادِ) سورة إبراهيم آية 49 فشيطان الإنس أضر على الإنسان من شيطان الجن وقد قدمه الله تعالى فى الذكر مشنعاً عليه بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 112 وقدم شياطين الجن عند الاستعاذة به سبحانه منها بقوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) سورة الناس آية 6 وهنا إشارة لا يكون السالك سالكاً حقاً إلا إذا فك له رمز الشيطان وعداوته له ونفسه وأنها أعدى عدوه وفهم معنى الولى والنبى والرسول وسر السجود لآدم وامتناع إبليس لعنة الله عليه... حتى يعد الأسلحة اللازمة لمحاربة أعدائه فى السلوك الذين يحاربونه بأقوى الأسلحة خوفاً من أن يظفروا به فيجعلونه عبداً لهم وهو يسارع أن يكون عبداً للقادر الحكيم المنعم المتفضل العفو الغفور التواب.

ومن جهل معنى إبليس ومعنى الشيطان ومعنى امتناعه عن السجود ومعنى كون نفسه أعدى عدوه ربما زل فى طريقه أو ضل ومن جهل معنى الولى والنبى ومعنى النبى والرسول ثم زاغ وجعل جلال ربه وجماله وعظمته وكبرياءه هلك فى وحلة التوحيد لأنه لم يميز بين المراتب ولم يحفظ الله بالعلم من ظلمة التشبيه وجهل التنزيه.

وقد بينت تلك المعانى كلها فيما سبق من الكتب فى مواضعه فراجعه فإن كثيراً من السالكين يجهل تلك المعانى فيزين له إبليس الباطل بحسب ما يناسب نفس السالك، فيفتنه فتنة ينتج عنها إضلال كثيرين من الخلق مع اعتقاده أنه على الحق الصريح قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فى بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) سورة النور آية 40 وهنا أبين لك سبل الغواية التى يسلكها عدو الله وعدوانا ليكون إماماً لمن أضلهم الله إلى النار أعاذنى الله وأولادى وأخوانى المسلمين من شره.



أولها: الطمع

أولهما الطمع لأنه الباب الذى دخل منه على أبينا آدم عليه السلام لأن آدم عليه السلام طمع فى الخلد فظفر منه إبليس بتلك الغرة فهجم عليه من جهتها، وأنت تعلم كيف سعى بهمة حتى أوقعه فى معصية الله بأكله من الشجرة فكان ما كان مما تعلمه وكم أزل العلم رجالاً فأوقعهم فى معصية الله وإزالة الملك والسلطان وإزالة اللذة التى بها الحياة الحقيقية.

والطمع هو أمل يدعوا إليه إما لنيل شهوة أو سيادة أو أثرة أو انتقام من عدو، وليس بطمع عمل فرداً ومجتمع لنيل ما يستحقونه من المجد أو الشرف دنيا أو ديناً مع إعداد العدة والعدد، بل ذلك حق واجب أن يطالب به الفرد والمجتمع وما يطالبنا الله  به ويطالبنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبنا هذا ليس طمعاً.

وإعمال رسل الله حجة لنا فأنهم كانوا يطالبون بحق طالبهم الله به، وكذلك أهل النفوس الزكية والعقول الكاملة والهمم العالية يطالبون أنفسهم أن تقوم بما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليهم وبما طلبه سبحانه منهم من العمل بما يجب من إعلاء كلمته وتجديد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطمع المحمود فى طريقنا وقد شرحته فى اصطلاح الرجال.

وهنا أتكلم على الطمع المذموم: كل طمع يؤدى نيله إلى معصية الله أو السعى له إلى معصيته سبحانه فهو باب من أبواب الشيطان يدخل منه على القلب فيفسده وإنما الطمع المحمود الطمع فى نيل فضل الله تعالى ورحمته والطمع فى الإقبال على الله تعالى والقبول منه سبحانه والطمع فى المسارعة إلى النفع العام مع حسن النية والإخلاص فى العمل والصدق فى المعاملة، ومتى طمع المسلم فيما هو شهوة أو لذة، ذل نفسه لغير الله تعالى وتساهل فى دينه وفى شرفه وفى عرضه والتفت عن الله بوجهه فيلتفت الله عنه.

ومن نظر إلى من هو فوقه فى الدين والعلم والتقوى وإلى من هو دونه فى الدنيا سد هذا المنفذ فى وجه الشيطان فشكر الله على ما أنعم عليه وطمع فى مواهب الله العلية التى تفضل بها على أهل محبته فيكون طمعه طمع أولياء الله وشكره على ما أنعم الله به عليه عمل أحباب الله.

-2-

وما ضل سالك فى سلوكه إلا بالطمع:

إما فى كرامة يجريها الله على يده، أو فى إقبال الناس عليه، أو فى نيل ما فى أيديهم، أو فى شهرة يكتسبها، أو أسقاط نظير أو مثيل له.

كل هذا من عمل الشيطان ليبعد السالك عن الله تعالى، أعاذنى الله وإخوانى من شره.



أما غير السالك فللشيطان عليه تأثير من هذه الجهة، فيجعله يطمع فى نيل شهواته حلالاً كانت أو حراماً وجمع الأموال أو ادخارها طمعاً فى البقاء ومعادة الناس للوظائف حتى يسعى بكل جهده فى إذلال غيره وأذيته، كل ذلك من الطمع، وهو من المدارج التى يتدرج عليها إبليس لإفساد القلوب والنوايا والقصود، فيجعل الأخ يعادى أخاه والرجل يعادى أبنه والصحاب يسعى فى إهلاك صاحبه فيفرق بين القلوب، كل ذلك بالطمع أعاذنى الله وإخوانى من طمع فى غير فضل الله ورحمته سبحانه وتعالى ونيل رضوانه الأكبر والفوز بجوار حبيبه ومصطفاه فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.



فأنبه السالك فى أن يسد تلك المنافذ بعزيمة الإقبال على الله تعالى والاستعانة به سبحانه وتعالى، مجاهداً نفسه، معتقداً أن الدنيا وما فيها لا تساوى عند الله جناح بعوضة، وأن الذى قدره سبحانه أزلاً للسالك لا يمنعه أحد ولو اجتمع الجن والإنس، فيرضى عن الله تعالى.

وإن بعض السالكين يكون عنده ما يكفيه لخمس سنين ويدعوه الطمع إلى دوام الفكر والحزن، وذلك من سعى الشيطان لعنه الله، وإن بعض السالكين لا يكن عنده إلا قوت يومه وهو آنس بالله فرح بإقبال الله عليه وتوفيقه إياه لمحابه ومراضيه، أسأل الله تعالى أن يمنحنا جماله وفضله العظيم بفضله، ويعيننا على شكره وحسن عبادته، ويكرمنا وأهلنا وإخواننا إنه مجيب الدعاء، ومن ذاق حلاوة التوحيد لا يطمع فيما يفنى ويكون طمعه فيما يبقى.



ثانياً: الحسد

الكلام على الحسد



قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) سورة النساء آية 54.

الحسد هو داء إبليس العضال، وهو شر الرذائل وأساس المفاسد والدرك الأسفل من النار، وهو خلق الشيطان من الإنس والجن، ومن كان فيه هذا الخلق فهو شيطان الإنس وهو أضر على المسلمين من شيطان الجن، لأن الحسد تمنى زوال نعمى الغير ليختص بها الحسود دون غيره، وصاحب هذا الخلق مرتكب من الرذائل شرها ومن المفاسد أضرها ومن القبائح أبشعها، لأنه ينسب ربه إلى الظلم ويثبت لنفسه استحقاق الخير، فينازع ربه جل جلاله فى رداء الكبرياء وإزار العظمة، ويسعى فى أذية المسلم فى غير جريرة، فيكون عدواً لله عدواً لرسول الله عدواً لنفسه عدواً لإخوته المؤمنين.



والحسد يأكل الجسد، والمحسدة مفسدة، والحسود لا يسود، وسلع الشيطان التى يروجها فى أسواق الشهوات أربع وهى: الحسد للعلماء، والكيد للنساء، والظلم للحكام، والخيانة للتجار وبئست البضاعة.



وله نوافذ يدخل منها على قلب السالك بالحسد منها نظره إلى عمله وحاله وسابقيته، وهذا النظر يجعله ينظر إلى إخوانه بعين الاحتقارـ فإن منَّ الله عليه بذوق أو وجدٍ أو بحسن مراقبة أو رعاية أو محاسبة أو شهود أو شوق أو فقه فى دين الله دعته نفسه إلى أنه أوْلى بهذا منهم وأحق به لسابقيته ومجاهدته:

فيحسدهم أولاً، ويقوى عامل الحسد فى قلبه حتى ينقلب فيكون شيطاناً، فيوقع بين الإخوان بالعداوة والبغضاء كذباً، ثم تقوى شرارة الشيطان فى قلبه حتى ينكر عليهم ويرميهم بما ليس فيهم وينقصهم أمام المرشد ذاكراً سابقيته وأعماله وخدمه للمرشد وناسياً أن تلك السابقية والأعمال والخدم لو كانت خالصة لوجه الله لأقبل الله عليه بوجهه وآنسه بجماله وجمله بالمقامات العلية والأحوال السنية وحفظه من لمة الشيطان الرجيم.



وقد يبلغ به الفساد الأكبر مبلغاً حتى يخرج من الإيمان من حيث لا يعلم كما خرج إبليس، فإنه تمنى زوال نعمة آدم لينالها، فلما لم ينجح أنكر على ربه سبحانه وتعالى فخالف أمره، وأراد أن يقيم على الله سبحانه الحجة فقال: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) سورة الأعراف آية 12، فانظر إلى نار الحسد كيف تحرق الإيمان، وأججت الشرارة فى قلب إبليس حتى طرده الله ولعنه، ودامت حتى وقف أمام ربنا سبحانه وقال: (اجعلنى من المنظرين) وقال: (لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) سورة الحجر آية 39 ، وكذلك الحسود يقوى فيه موجب الحسد حتى يكون فى الدرك الأسفل من النار، فيكون شراً من إبليس أعاذنى وأهلى وإخوانى المسلمين جميعاً.



وقد يدخل عليه الحسد من نسيان يوم الحساب، فيعتقد أن الدنيا هى دار الحيوان والبهجة واللذة والبقاء والراحة، ويجهل أنها دار العناء والبلاء والمجاهدة وخلاص النفس من مهاوى الغضب والعذاب، فإذا نسى السالك يوم الحساب مالت نفسه إلى الدنيا وطلبها والعمل لها والمسارعة إلى نيل حطامها الفانى وسلبها من يد من يسرها الله له وقدرها، فلا ينال منها إلا ما قدره له، ويحسد أهل الثراء ويكون ممن شنع الله عليهم بقوله : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) سورة الإسراء آية 18، فيأكل الحسد كل حسناته، وقد يأكل العقيدة مع ما أكل، أعاذنى الله وأهلى وأولادى وإخوانى من هذا الداء العضال.



وكل سالك قال أنا، وقع فى العنا، ولا يقولها إلا من أعمى الله بصيرته فنظر إلى عمله المردود عليه وعباداته التى لم تقبل وقرباته التى لم تكن لله، ولأنه لو أخلص فيها لرفعت إلى الله تعالى وغابت عن بصيرته وبصره، ولما شاهدها لنفسه، لأنه بإخلاصه يذكره الله نعمه عليه من أول النطفى إلى يومه الذى هو فيه ويشهده فضله العظيم عليه من العرش إلى الفرش، قال الله تعالى: (إِنَّ فى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التى تَجْرِي فى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة البقرة آية 164، أقول قولى هذا لمن فقه قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) سورة فاطر آية 10، ومن فهم عن الله تعالى معنى هذه الآية ورأى قربات أو عبادات أو أعمالاً فقد ظلم نفسه بدعوى الفهم عن الله تعالى، وهذا النوع من الكبائر، أعنى الحسد، أحق أن يعالجه السالكون بأشد المجاهدات.



ومن ذاق حلاوة التوحيد وتيقن أن المقدر هو الله والمعطى هو الله والمانع هو الله، وعلم أن النعمة والفتح والفقه والحال فضل الله تعالى يتفضل به على من يشاء لا بعمل ولا لنسب ولا لمجاهدة، تعرض لفضل الله وغض بصره عن الحسد وشكر الله تعالى على نعم لا تحصى، ولكن لعن الله إبليس يقعد على الصراط كالجبل أمام السالك فيصده عن الحق، ويدخل فى قلبه فينفخ فيه نفخة الباطل ليطفئ نور الإيمان والتوحيد، فيرى السالك عمله وقرباته وخدماته وينسى نعم الله عليه بالعلم والاستقامة والذكر والمذاكرة.

-3-

ثم يرى المسكين نعم الله وإحسانه عليه ونعماً منه على الله ويطالب الله بحقوقه ولو تبصر أنه كان بولة من أبيه وبولة من أمه ثم تفضل الله عليه بما لا يحصى من النعم وأن الموفق له والهادى والمعين والمتفضل بالعلم والحال والحكمة هو الله لا غيره لا لعلة دعته إلى ذلك تنزه، ولا لغرض إلى العبد دعاه تنزه وتقدس بل بمحض فضله وإحسانه افتتح إيجادناً وبكرمه افتتح إمدادنا وكيف يرضى السالك أن يبدل نعمة الله كفراً وشكراً الله شراً وبطراً، أعوذ بالله من الحسد مصدره إبليس ونتيجته اللعنة والطرد وكيف يرضى السالك أن يكون مع إبليس وهو يسارع أن يكون مع الله ورسول الله وقد بينت مضار الحسد فى كتاب أصول الوصول فى باب مخصوص.



وقد يدخل إبليس على السالك من باب الحسد فيفهم أن مرشده خير الخلق أجمعين فإذا لقى دالاً على الله خيراً من مرشده ورأى إقبال الناس عليه حسده وأنكر عليه وسعى فى تفريق الناس عنه فيكون صاداً عن سبيل الله متكبراً على الحق، وتقوى تلك الشرارة فى قلبه حتى يوقع الناس فى الشر ويجعل المسلمين يشتغلون  بما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد شنع الله على أهل الحسد بقوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) سورة الأعراف آية 146 والسالك ضالته المنشودة الحكمة إن كان سالكاً حقاً متى وجدها التقطها على لسان من صدرت منه كائناً من كان وليس بالسالك من يحصر نعمى الله وفضله فى واحد من الخلق وأن العلم كله فى العالم كله.

وقد يدخل إبليس على السالك من البلايا، و ينال غيره من الخير فى الطريق فيقول أنى أعمل أكثر منه ولم أنل خيراً من الدنيا ولم أر رؤيا كما رأى ولم أنال خيراً كما نال فيفتح على نفسه باب الشر: قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) سورة الحج آية 11.

وقد يدخل على السالك من باب أخفى من هذا: من ذلك أنه يناله خير فيأتيه الشيطان ويدخل فى قلبه أن فلاناً من أخوانه يكره له الخير ويتمنى زواله منه فيحسده على هذا ويسعى فى أذيته بمجرد الظن الذى لا يخطر على قلب أخيه ويقوى الحسد حتى يظاهره بالعداوة ويوقع أخاه فيما كان لا يشعر به.

وقد يدخل عليه من باباً هو شر الأبواب كلها : فقد يأمره المرشد بعمل من الأعمال بأن كان فى الأسباب فيأمره بالتجريد أو فى التجريد فيأمره بالأسباب، أو كان نائباً عن المرشد فيقيم غيره نائباً عنه لمقتضيات اقتضاها واجب الوقت فيأتيه الشيطان فيقول له أن المرشد سمع فيك كلاماً فيعادى أخوانه ثم يقوى هذا الحسد حتى ينكر على المرشد ويسعى فى تفرقة أخوانه كبراً وعلواً وفساداً فى الأرض وهو أضر أنواع الحسد على السالك ولا يبتلى به إلا الذين لم تسبق لهم الحسنى أعاذنى الله وأخوانى من كيد الشيطان ودسائسه.



وهناك منافذاً  أخرى يدخل منها الشيطان من حيث لا يعلم السالك المسكين لا تخفى على ذى بصيرة لذلك أنبه أخوانى السالكين جميعاً أن يعرضوا خواطرهم وأمراضهم على المرشد قبل قوة سلطانها على القلب وأن يجتهدوا أن لا يخفوا عن المرشد أمراضهم مهما كانت قبيحة ليداويهم بما يناسب من العلاج والشافى هو الله أسال الله تعالى أن يعيذنا بوجهه الكريم من الشيطان الرجيم وأن يجملنا بفضله وكرمه بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلنا وأولادنا والمسلمين جميعاً.



الشفاء من الطمع والحسد:

قدمت لك الأدوية النافعة من الطمع: وهنا أبين لك دواء يجب أن يقوم به السالك والله تعالى هو الشافى.

أعلم أنه من مبادئ الطريق تحقيق السالك أن المرشد بمعناه والد رءوف رحيم حريص على خير السالك الخير الحقيقى الذى هو خير له فى دنياه وآخرته وأنه أعلم به بما به كمال نفسه وجسمه الكمال الذى يبلغ به مقامات القرب ومنازل الحب ليفوز بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ويسعد بالسعادة الحقيقية الدائمة من غير سابق سؤالاً ولا عقاب.



ومعلوم أن السالك إنما اتصل بالمرشد لا لينال وجاهة فى الدنيا ولا شهرة بين الناس ولا وسعة فى ماله وإنما اتصل به لتستبين له سبل الله ويتضح له الصراط المستقيم فيسلك عليه بالله تعالى ويتلقى منه أسرار الحكمة فى إيجاده وإمداده حتى يعرف نفسه ما هى وما هى عيوبها وكمالاتها، وإذا كملت ما الذى تفوز به من الخير والسعادة وإذا لم تكمل ما الذى تناله من الشر والعذاب وهى بدايتها ونهايتها حتى تنكشف له علم يقين أو عين يقين أو حق يقين حقيقتها ومكانتها فى مراتب الوجود ومقامها الأخير الذى ترقى عليه وتناله بفضل الله تعالى ومقرها إن هى أهملت وخالفت أحكام الله سبحانه ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدرك الأسفل من النار حتى يحصل له الشوق المزعج إلى نيل كمالاته والخوف المحرق من الوقوع فى النقائص فيفر من كل ما يشغله عن الله من حظ أو شهوة أو هوى أو جاه أو شهره أو مال أو أهل أو ولد فراره من النار الحمية تتصل بجسمه لما ينكشف له حقائق الأشياء وأسرار الأحكام الشرعية وسر النشأة الأولى والنشأة الآخرة وما ينبلج له من أنوار البدء وأنوار الإعادة فيلوح له فى كل نفس نوراً يؤجج شوقه ونار محبته تجذبه بكليته إلى الملكوت الأعلى فيفر مسارعاً إلى مغفرة من ربنا سبحانه وجنة عرضها السموات والأرض، ومن كل ما تميل إليه النفوس النجسة حتى من نفوذ الكلمة والجلوس على عرش الملك وحتى من كلمة (كن) هذا الأصل هو الذى يجب عليه السالك فى طريق الله الراغب فى نيل القرب منه الباذل ماله ونفسه فى نيل رضوانه تنزه وتقدست ذاته.



ومن دسائس الشيطان التى تعوق السالك عن السير

ثالثاً :الحرص

ومن دسائس الشيطان التى تعوق السالك عن السير فى طريق الله تعالى نوع من الحرص قال أطال الله عمره ونفعنا به آمين:

الحرص نوعان محمود ومذموم فالمحمود هو الشفقة والرحمة والرأفة التى تدعو إلى القيام بما ينال به الخير دنيا وديناً وآخرة لكل العالم ولا يكون بأكمل معانيه إلا فى فرد واحد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه الحريص على نجاة العالم أجمع الرءوف الرحيم بالمؤمنين وقد تحمل من البلاء فى سبيل ذلك ما لا يتحمله كل رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ومع هذا فكان صلى الله عليه وسلم يقول: (رب أهد قومى فإنهم لا يعلمون)وكم أهلك الله تعالى إمما بالدعاء عليهم من الرسل عليهم الصلاة والسلام فظهرت حقيقة شفقته على العالم أجمع التى هى الحرص عليهم، وكل من له شفقة على آخرين يحرص على خيرهم.

والحرص المذموم هو الشره الذى يجعل صاحبه يسارع فى نيل ما لا يستحق غير مبال بضرر الغير وأذيته وعمل ما يمكنه من الحيلة والبطش فيستعمل خدع القوى الشهوانية وافتراس القوى السبعية إن لم يتحصل على ما يحرص عليه، هذا كله إن لم يقوى سلطان القوى الروحانية.



وقد كانت تلك الأمراض الثلاث التى هى الطمع والحسد والحرص: أول أمراض نشأت فى العالم أجمع، فكان الطمع من أبينا آدم والحسد من عدونا وعدو الله إبليس لعنة الله عليه، والحرص من ابن آدم الذى قتل أخاه حرصاً على زواج أخته.



أتكلم عن هذا المرض فى السالكين فإن قبحه فى غيرهم ظاهر جلى. ولم تسفك دماء بريئة ولم تبح أعراض عفيفة ولم تنهب أموال محصنة إلا بمرض الحرص أعاذنى الله وأولادى وأخوانى من الحرص على ما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأساله سبحانه وتعالى إن يهب لنا الخير الحقيقى والإقبال على حضرته والقبول منه.



أسباب الحرص عند السالكين:

السالك فى بدايته مقبل بكليته على تزكية نفسه وطهارتها لينال القرب من الله وفضله سبحانه ورضاه، ولكن عدو السالكين إبليس لا يتركه فى سيرة بل يقعد له على صراطه المستقيم، فإذا منحه الله نعمة من حكمة أو حال أو آية أو رؤيا صالحة أو إقبال الخلق عليه أو ثنائهم عليه فرح بالنعمة وحرص أن يعمل حرصاً على بقائها وحفظها له ناسياً قصده الأول ومطلبه العلى ثم تقوى وسوسته فى قلب السالك حتى يلقى فى قلبه أن تلك النعمة قد يزاحمه فيها غيره فتسلب منه لجهله أن فضل الله العظيم يسع العالم أجمعين.

ولو أن كل ذرة من الثرى وقطرة من الماء وهب الله لها من النعم ما لا يحصيه العادون لما نقص من خزائن فضل الله شىء، فينتقل السالك بعد أن كان فرحاً بالنعمة حريصاً عليها مشغولاً بها عن المنعم إلى أن يكون حريصاً عليها من أن يسلبها غيره من الخلق فيقع فى معاداة الخلق والسعى إلى ضررهم من غير ذنب إلا للحرص الذى دعاه إليه شيطانه.



والمريد فى الحقيقة طالب الحق فيجب ألا يحرص إلا على نيل رضاه سبحانه وفضله العظيم، ولا يعمل إلا ابتغاء وجهه الكريم، فإذا  قوى هذا الحرص فى قلب السالك قد يدعوه إلى عمل ابن آدم الأول وإذا بلغ السالك فى المرض حتى أقبلت عليه وجوه الخلق حرص على تلك البلية فاستعمل الخلق آلة للفساد والبلية، وما حصلت العداوة والشحناء والبغضاء بين السالكين وبين من سادوا إلا بسبب الحرص، وهذه بلية من أكبر البلايا التى أصابت أهل السيادة والعلم والسلوك، وكم قتل الرجل أخاه وقتل الولد  والده وقتل المسلم أخاه حرصاً على أن ينال ما فى يد الآخر من النعمة وكم سعى جاهل بقلبه عالم بلسانه للتشنيع على نظيره أو على خير منه حرصاً على الشهرة أو السيادة أو الوظيفة.



مضرة الحرص:

قد يحرص السالك على نيل مرتبة سمع بها أو مقام علمه فيعمل الأعمال الفادحة غير متوسط فى سلوكه حريصاً على هذا العمل  متهاوناً فى كل واجب عليه لغيره حتى يضر نفسه ويفسد صحته ويعصى ربه، كل ذلك من الحرص الذى يعينه عليه الشيطان، وكم من مقبل أدبر ومسارع أبطأ وعامل للخير عمل الشر بسبب الحرص، والحرص يجعل صاحبه يعادى أحب الناس إليه ويقاطع أبر الناس به ويظاهر ارحم الناس به، ولو علم السالك أنه افتتح سلوكه رغبة فى العمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسارعة إلى الفوز بالنجاة يوم لا ينفع  مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وزهداً فى الدنيا وحرصاً على نيل الخير الحقيقى، لراقب الله فى عمله ولحاسب نفسه، لكن لعن الله الشيطان حيث يقول (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) سورة ص آية 83 وكيف يحرص المريد على ما يفنى ويترك ما يبقى ويهتم بما يبعده عن الله ويهمل ما يقربه إلى الله.



دواء الحرص

انفع علاج للحرص أخذ جرعة من طهور (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة فاطر آية 2 والتدبير فى قوله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) سورة الحديد آية 20 وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ) سورة يونس آية 7 وقوله سبحانه (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) سورة آل عمران آية 14 ودهان تلك الجروح بالمرهم المركب من قوله صلى الله عليه وسلم: (أن هذا الدين ميتن فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهر أبقى)والتوقى من الحظ والهوى بالحمية فى حصون قوله صلى الله عليه وسلم: (الناس هلكى إلا العالمين والعالمون هلكى إلا المخلصين والمخلصون على خطر عظيم)فيحتمى بحصون الحمية من أن يغذى قلبه بخاطر حيوانى أو بوارد حظ خفى أو بخاطر أى باطل أو بقصد ما يفنى ويكتفى بالأغذية التى يتناولها من الكتاب والسنة مجاهداً نفسه أكبر الجهاد والله تعالى الشافى سبحانه.

الحرص لابد منه لأنه من فطر النفوس فاجتهد أن يكون حرصك حرصاً محموداً، فأحرص أن تحب لأخوتك ما تحب لنفسك وأن تحسن إلى من أساء إليك وتصل من قطعك، وتحب فى الله وتحافظ على حدود الله، وتفرح بنعمة الله لغيرك وتسال الله دوامها وتشكره عليها، لأن المسلم خزانة المسلمين، وإن أنعم الله عليك بنعمة فأسأل الله أن يعينك بها على طاعته، وأفرح بفضل الله وبرحمته عليك شاكراً الله، مقبلاً على المنعم جل جلاله غير مشغول بنعمته عنه، فإنه غفور يكره أن يشتغل عباده عنه بنعمته، إنما يتفضل بنعمته ليجذب لها أهل محبته إلى الإقبال عليه سبحانه.

- أدب شباب الاسلام فى سفرهم

الأول: أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزم نفقته، وبرد الودائع إن كانت عنده، ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب ليأخذ قدراً يوسع به على رفقائه، وقال ابن عمر رضى الله عنهما: من كرم الرجل طيب زاده فى سفره، ولابد فى السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام وإظهار مكارم الأخلاق، فإنه يخرج خبايا الباطن، ومن صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: بينما نحن فى سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل على راحلة، فجعل يضرب يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان معه فضل ظهر به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)قال فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا فى فضل.



الثانى: أن يختار رفيقاً فلا يخرج وحده، فالرفيق ثم الطريق، وليكن رفيقه ممن يعينه على الدين فيذكره إذا نسى ويساعده إذا ذكر، فإن المرء على دين خليله ولا يعرف الرجل إلا برفيقه، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن أن يسافر الرجل وحده وقال الثلاثة نفر، وقال صلى الله عليه وسلم: (وليؤمروا أحسنهم أخلاقاً وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة)عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير-فكان أبو لبابة وعلى بن أبى طالب زميلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالاً نحن نمشى عنك- قال: (ما أنتما بأقوى منى وما أنا بأغنى عن الأخر منكما).



الثالث: أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء، وليدع عند الوداع بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم صحبت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما من مكة إلى المدينة، فلما أردت أن أفارقه شيعنى وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال لقمان إن الله تعالى إذا استودع شيئاً حفظه وإنى أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد أحدكم سفراً فليودع إخواته فإن الله تعالى جاعل لهم فى دعائهم البركة)عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ودع رجلاً قال: (زودك الله التقوى ووجَّهك إلى الخير حيث توجهتَ).



الرابع: أن يصلى قبل سفره صلاة الاستخارة وهى أربع ركعات، وروى أنس بن مالك رضى الله عنه أن رجلاً أتى النبى صلى الله عليه سلم فقال إنى نذرت سفراً وقد كتبت وصيتى فإلى أى الثالثة أرفعها: إلى إبنى أم أخى أم أبى؟- فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (ما استخلف عبد فى أهله من خليفة أحب إلى الله من أربع ركعات يصليهن فى بيته إذا شد عليه ثياب السفر، يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثم يقول: اللهم إنى أتقرب بهن أليك فاخلفنى فى أهلى ومالى- فهى خليفة فى أهله وماله وحرز حول داره حتى يرجع إلى أهله).



الخامس: أذا حصل على باب الدار فليقل: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، رب أعوذ بك أن أضل أو أضلَّ أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل على- فإذا مشى قال: (اللهم انتشرت وعليك توكلت وبك اعتصمت وإليك توجهت، اللهم أنت ثقتى وأنت رجائى فاكفنى ما أهمنى وما لا أهتم به وما أنت أعلم به منى، عز جاهك وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، اللهم زودنى التقوى واغفر لى ذنبى ووجهنى للخير أينما توجهت)، فإذا ركب الدابة فليقل: ما كان يقول صلى الله عليه وسلم، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على البعير خارجاً إلى سفر (كبر ثلاثاً ثم قال: سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون)- ثم يقول: (اللهم إنا نسألك فى سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى وهون علينا سفرنا هذا، اللهم أنت الصاحب فى السفر والخليفة فى الأهل والمال، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر وكأبة المنقل وسوء المنظر فى المال والأهل).فإذا رجع قالهن وزاد فيهن: (آيبون تائبون لربنا حامدون)، وقال: (اللهم بارك لى فى بكورها)، ويتحسن أن يبتدىء فى الخروج يوم الخميس، وروى أبو هريرة رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لأمتى فى بكورها يوم خميسها)

السادس: والتشيع للدعاء مستحب وهو سنة- قال صلى الله عليه وسلم: (لأن أشيع مجاهداً فى سبيل الله فأكتنفه على رحلى غدوة أو روحة أحب إلى من الدنيا وما فيها)



السابع: أن يرفق بالدابة إن كان راكباً، فلا يحملها ما لا تطيق، ولا يضربها فى وجهها فإنه منهى عنه، ولا ينام عليها فإنه يثقل بالنوم وتتأذى به الدابة- كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسى فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم)وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا سافرتم فى الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم فى السنة فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل)، ويستحب أن ينزل عن الدابة غدوة وعشية يروحها بذلك، فهو سنة، وفيه آثار عن السلف، وكان بعض السلف يكترى بشرط أن لا ينزل ويوفى الأجرة ثم كان ينزل ليكون بذلك محسناً إلى الدابة، ومن آذى بهيمة بضرب أو حمل ما لا تطيق طولب به يوم القيامة إذ فى كل كبد حراء أجر- قال أبو الدرداء رضى الله عنه لبعير له عند الموت: أيها البعير لا تخاصمنى إلى ربك فإنى لم أك أحملك فوق طاقتك، وفى النزول ساعة صدقتان: أحدهما ترويح للدابة، والثانية إدخال السرور على قلب المكارى.

- أدب الاسلام مع الزوجة لحياة سعيدة

الآداب الأول: حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهم ترحماً عليهن لقصور عقلهن: قال الله تعالى: () سورة النساء آية 19، وقال فى تعظيم حقهن: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) سورة النساء آية 21، وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) سورة النساء 36، قيل هى المرأة.

وآخر ما وصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث كان يتكلم بهن حتى خفى كلامه- جعل يقول: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله فى النساء، فإنهن عوان فى أيديكم (يعنى أسراء) أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)وقال عليه الصلاة والسلام: (من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه ومن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسية امرأة فرعون).



وأعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوماً إلى الليل.

وراجعت امرأة عمر رضى الله عنه عمر فى الكلام فقال: أتراجعينى يا لكعاء-قالت: إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه وهو خير منك- فقال عمر: خابت حفصة وخسرت إن راجعته- ثم قال لحفصة: لا تغترى بابنة ابن أبى قحافة فإنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخوفها من المراجعة.



وروى أن إحداهن دفعت فى صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزجرتها أمها- فقال عليه الصلاة والسلام: (دعيها فإنهن يصنعن أكثر من ذلك)وجرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخلا بينهما أبا بكر رضى الله عنه حكماً واستشهده- فقال لها رسول الله (تتكلمين أو أتكلم؟)فقالت بل تكلم أنت ولا تقل إلا حقاً-فلطمها أبو بكر حتى دمى فوها وقال: يا عدوة نفسها أو يقول غير الحق؟ فاستجارت برسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت خلف ظهره- فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: (لم ندعك لهذا ولا أردنا منك هذا)وقالت له مرة فى كلام غضبت عنده: أنت الذى تزعم أنك نبى الله- فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل ذلك حلماً وكرماً وكان يقول لها: (إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية وإذا كنت عنى غضبى)فقالت: من أين تعرف ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا كنت عنى راضية تقولين"لا ورب محمد" وإذا كنت عنى غضبى قلت"لا ورب إبراهيم") قالت قلت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك.



عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شىء فى الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج)وقال عليه الصلاة والسلام: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة حجة الوداع: (إتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهم ألا يواطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).



وعن أنس رضى الله عنه: آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وكانت انفكت رجله، فأقام فى مشربه تسع وعشرين ليلة ثم نزل فقالوا يا رسول الله آليت شهراً فقال إن الشهر يكون تسعاً وعشرين. وقال جابر: عزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين ثم نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) سورة الأحزاب آية 28، فبدأ بعائشة رضى الله عنها وقال: (يا عائشة إنى أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلى فيه حتى تستشيرى أبويك- فقالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلى عليها الآية فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوى؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذى قلت- قال: لا تسألى امرأة إلا أخبرتها أن الله تعالى لم يبعثنى معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثنى معلماً ميسراً).



وقالت عائشة رضى الله عنها: كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله عز وجل: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فى قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) سورة ألأحزاب آية 51 قلت: ما أرى ربك إلا يسرع فى هواك، عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى وإذا مات صاحبكم فدعوه)وعن أنس رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرأة إذا صلت خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها وأطاعت بعلها فلتدخل من أى أبواب الجنة شاءت)وقال صلى عليه الصلاة والسلام: (لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)وقال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح-وفى رواية-إلا كان الذى فى السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)وقال أنس رضى الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالنساء والصبيان.



الثانى: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة ومزاح والملاعبة، فهى التى تطيب قلوب النساء:

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال والأخلاق حتى روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة فى العدو فسبقته يوماً وسبقها فى بعض الأيام فقال عليه الصلاة والسلام: (هذه يتلك).

وفى الخبر أنه كان صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع النساء، وقالت عائشة رضى الله عنها: كنت ألعب بالبنات عند النبى صلى الله عليه وسلم وكان لى صواحب يلعبن معى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقنعن منه فيسر بهن فيلعبن معى.

وقالت عائشة رضى الله عنها: سمعت أناس من الحبشة وغيرهم وهو يلعبون فى يوم عاشوراء فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتحبين أن ترى لعبهن؟)قالت قلت نعم- فأرسل إليهم فجاءوا وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البابين فوضع كفه على الباب ومد يده ووضعت ذقنى على يده وجعلوا يلعبون وأنظر، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسبك، وأقول: إسكت، مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: ( يا عائشة حسبك)-فقلت: نعم- فأشار عليهم فانصرفوا – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله)وقال عليه الصلاة والسلام: (خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائى)وقال عمر رضى الله عنه مع شدته: ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى، فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلاً.

وفى الخبر أن الله تعالى يبغض الجعظرى الجواظ (قيل هو الشديد على أهله المتكبر فى نفسه) وهو أحد ما قيل فى معنى قوله (عتل) قيل العتل هو الفظ اللسان الغليظ القلب على أهله، وقال عليه الصلاة والسلام لجابر: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك).



الثالث: ألا ينبسط فى الدعابة وحسن الخلق والموافقة بإتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها:

بل يراعى الاعتدال فيه، فلا يدع الهيبة والانقياض مهما رأى منكراً، ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات ألبته، بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض- قال سيدنا الحسن رضى الله عنه: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله فى النار، وقال عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الزوجة)وإنما قال ذلك لأنه إذا أطاعها فى هواها فهو عبدها، فإن أرسلت عنانها قليلاً جمحت بك طويلاً وإن أرخيت عذارها فتراً جذبتك ذراعاً وإن كبحتها وشددت يدك عليها فى محل الشدة ملكتها، فينبغى أن تسلك سبيل الاقتصاد فى المخالفة والموافقة وتتبع الحق فى جميع ذلك لتسلم من شرهن فإن كيدهن عظيم والغالب عليهن سوء الخلق وركاكاة العقل، ولا يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة، وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل المرأة الصالحة فى النساء كمثل الغراب الأعصم بين مائة غراب- والأعصم يعنى الأبيض البطن)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يفلح قوم تملكهم امرأة)، فالخشونة والسياسة علاج الشر، والمطايبة والرحمة علاج الضعف، فلينظر الرجل أولاً إلى أخلاقها بالتجربة ثم ليعاملها لما يصلحها كما يقتضيه حالها).



الرابع: الاعتدال فى الغيرة:

وهو ألا يتغافل عن مبادىء الأمور التى تخشى غوائلها ولا يبالغ فى إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع عورات النساء، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من الغيرة غيرة يبغضها الله وهى غيرة الرجل على أهله من غير ريبة)، لأن ذلك من سوء الظن المنهى عنه، أما الغيرة فى محلها فلا بد منها وهى محمودة وقال صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من غيرة سعد؟! أنا والله أغير منه، والله أغير منى)ولأجل غيرة الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولأجل ذلك وعد الجنة، وقال عليه الصلاة والسلام لأبنته فاطمة عليها السلام: (أى شىء خير للمرآة؟ قالت ألا ترى رجلاً ولا يراها رجل- فضمها إليه وقال: ذرية بعضها من بعض).



الخامس: الاعتدال فى النفقة:

فلا ينبغى أن يقتر عليهن فى الإنفاق، ولا ينبغى ـ أن يسرف بل يقتصد- قال الله تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) سورة الأعراف آية 31، وقال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الإسراء آية 29، وقال صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته فى سبيل لله ودينار أنفقته فى رقبة ودينار تصدقت له على مسكين ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذى أنفقته على أهلك)ولا ينبغى أن يستأثر على أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه، فإن ذلك مما يوغر الصدور ويبعد عن المعاشرة بالمعروف.
الامام محمد ماضى ابو العزائم

- الآداب للوالدين وشباب الاسلام

ليست فى مقام تقرير حقيقة خفية ولكنها ثابتة شراعاً وعقلاً، وجلية تؤثر على القلوب والحواس تأثيراً يؤدى إِلى الانفعال النفسانى والجسمانى بالعواطف والاعتقاد والانقياد وبالغيرة والحمية. مالى وللتكلم فى واجب فطرت على مراعاته النفوس الكريمة!! وجبلت على القيام به العقول السليمة، حتى صار من المقرر عقلاً وعادة أن الولد إِذا لم يقم لوالديه فيما من شأنه أن يقوم به أهل العواطف ظلم أمه.

وسمعت أن بعض أولياء الله المتوسمين جلس فى مجلس فرأى رجلاً يؤذى والده فذم الناس أم العاق، فقال الولى: الولد من ظهر أبيه إِلا أن أباه كثير الحلف بالطلاق. فيظهر من هذا أن المرأة إِذا حفظت فرجها وحفظ الرجل لسانه من يمين الفسق وبطنه من الحرام رزقه الله بأولاد بررة يكونون له كعينه ويديه ورجليه.



وبعيشك أيها الأخ هل تتصور أن إِنساناً عاقلاً يتوهم أن اليد اليمنى تضر اليسارى أو تضر الرأس أو العين وهى جزء من الجسد؟ لا أشك أنك تقول لا! لا أتصور ذلك، إِذاً فكيف تتصور أن خلاصة الجسد الحقيقية بل وثمرة شجرته تؤذى الأصل؟ إِلا أن تكون من أصل آخر لا يجمعها عليه أصول دانية ولا عالية. فالوالد العاق إِما أن يكون من حرام عملاً أو غذاء أو قولاً، لأن الولد زهرة الشجرة التى هى الوالد والوالدة.

والوالد والوالدة هما مظهر الشفقة والرحمة والحنان والبر والإِمداد والإِيجاد الإِلهى، ولذلك فقد أوجب الله الشكر لهما، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة تحت أقدام الأمهات وجعل الوالد على باب الجنة. قال سبحانه وتعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) سورة النساء آية 36، وقال الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) سورة الأنعام آية 151 وقال سبحانه وتعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) سورة الإِسراء آية 23 وقال سبحانه وتعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلى الْمَصِيرُ) لقمان آية 14وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول اللهِ مَنْ أَحَقُّ بحُسن صحابتى- أو صُحبتى؟ -قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أمك)وقال صلى الله عليه وسلم: (رَغِمَ أنْفهُ، رَغِمَ أنفه، رغم أنفه، قيل: مَنْ يا رسولَ الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أنها قالت: قدِمت علىَّّ أمَّى وهى مشركة فى عهد قريش فقلت: يا رسول الله إِن أمى قدِمت علىُّ وهى راغبة أفأصِلُها؟ قال: (نعم، صليها). وفى الحديث الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رضا الرب فى رضا الوالد، وسخط الرب فى سخط الوالد)وعن أبى الدر داء رضى الله عنه أنه قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فحافظ على الباب أو ضيَّع)هذه الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة قد بينت لنا حقوق الوالدين وشرحت لنا مقدار السعادة التى تنالها ببرهما والشقاء الذى يناله العاق).

ومن كمال البر أن تبذل مالك وتحفظ ما لهما، وتأكل بعد أكلهما، وتنام بعد نومهما، وتلبس بعد لبسهما، وتجتهد أن تعمل ما يسرهما ولو كانا كافرين، حتى لو طلبا منك أن تسقيهما الخمر فاسقيهما، وعليك أن لا تخالفهما إِلا إن جاهداك على أن تشرك بالله ما ليس لك به علم فالواجب عليك أن لا تطيعهما كما قال: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلى ثُمَّ إلى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة لقمان آية 15، وإياك أن يدفعك الطمع فتوفر مالك وتنفق من مالهما أو تأخذ من مالهما شيئاً تدخره لنفسك أو لأولادك، وتجمل امرأتك بشىء لم تجمل به والدتك، فإِن ذلك عقوق تعذب به يوم القيامة وتعاقب به فى الدنيا بعقوق أولادك لك.

وكن على يقين أن برك لوالديك سعادة لك فى الدنيا بالعافية فى بدنك والنسيئة فى عمرك والوسعة فى رزقك ونجابة أولادك وسرورك بهم، ولو تحققت ذلك يا أخى لبذلت النفس والنفيس فى إِدخال السرور على والديك، فإنك لا تدرى متى يفارقاك.

لو تصورت يا أخى كيف كانا يفرحان بك صغيراً، ويبذلان نفائس أموالهما لسرورك، وكيف تحملت والدتك فى حملك ورضاعك وفى تمريضك، وما تحمَّله والدك فى تربيتك لبذلت وسعك لتسرهما وتكرمهما ليموتا راضين عنك، داعيين لك، وتعيش بعدهما مطمئن القلب بأنك ستنال الخير ببركة دعائهما، والذرية الصالحة ببركة رضاهما، مع ما يحصل لك من البهجة والسرور عندما تتذكر أنك أحسنت إِلى والديك وأن الله سبحانه وتعالى سيدخلك الجنة مع الأبرار البارين. تلك البهجة يا أخى خير من الدنيا وما فيها.



وأظنك تقول: أبنائى وزوجتى، أنت يا مسكين لا تدرى أهم أبناؤك حقاً أم التصقوا بك، ولا تعلم أرزقت بهم ليكونوا لك خيراً فى الدنيا والآخرة أو شقاء لوالديهما فى الدنيا والآخرة، فكيف يا أخى تترك الأمر الجلىّ خيره، البينة سعادته، وهو بر والديك الذين أحسنا إِليك وأوجب الله عليك أن تقوم لهما بالإِحسان، وتجتهد فى الأمر المشكوك فيه الذى لا تعلم عاقبته وهو أن تدخر لأبنائك وتهمل الحقوق الواجبة عليك لوالديك؟ أعاذنى الله وإِياك يا أخى مما يوجب المقت والسخط.

ولو أنك ادخرت لأبنائك نفساً عالية ترفعهم عن سفاسف الأمور، وعقلاً ذكياً يعقلهم عن مهاوى المقت، وخلقاً جميلاً حسناً تحسن به معاشرتهم لأرحامهم وأقاربهم، وكنزاً من الدين يمنحهم الله به السعادة فى الدنيا والآخرة، لكان خيراً من نفائس الأموال وكنوز الذهب والفضة.



والله تعالى يا أخى يجعلنى وإِياك من الأبرار البارين لوالديهم إِنه مجيب الدعاء وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

-----------------

ومن بر الوالدين بعد موتهما الاستغفار لهما والصلاة عليهما، وصلة الأرحام التى توصل بهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، ومن إكرامهما فى حياتهما أن تبر يمينهما فترى الفاسق إِذا مات والداه أو أحدهما دعاه الطمع الأشبعى والغرور بالدنيا ونسيان يوم الحساب أن يقوم فيحارب أخواته وإخوانه، ويعتقد أنه لا عدو فى الأرض إِلا أبناء والديه، ما ذلك إِلا لأن الجهل أنزل المال عنده منزلة الإِله المعبود الذى يأمره فيطيعه.

ومن الضلال من يسلط الناس على إِخوته الأشقاء أو أبناء العلات ليستريح من منافستهم له فى هذا العرض الزائل.

ولعمرى أن هذا العمل لا يعمله رجل من أهل الجنة ولا من ذاق حلاوة الإِيمان.

كن يا أخى على يقين أنك إِن بررت والديك بعد موتهما بصلة أرحامهما، أن الله تعالى يبارك لك بركة تدوم لك حتى تكون فى الفردوس الأعلى، ومن اغتر بمال يفنى وملك يزول ورياسة تتحول ورياش يبلى واستعان بأهل الزور والبهتان فقطع أرحامه ليكثر ماله فرحاً بالمال والسيادة والرياسة، كان كمن عرض نفسه لشقاء الدنيا، فإِن قطيعة الرحم تعجل عقوبتها فى الدنيا، خصوصاً وأن قطيعة الرحم عقوق للوالدين، وعقوق الوالدين موجب لسوء الخاتمة نعوذ بالله.

أحق ما يجب للوالدين بعد موتهما دوام الصلاة عليهما والاستغفار لهما خصوصاً عقب الصلوات الخمس وعقب مجالس الذكر والعلم، ويلى هذا الواجب واجب مقدس أوجبه الشرع وفطرت عليه النفوس الفاضلة وهو صلة أرحامهما، والأرحام فى الأصل كل من لك به قرابة توصلها بك أمك نسبة للرحم، ولكن العرف الشرعى أطلق اللفظ وجعلها عامة لكل من لك قرابة تدلى إِلى أمك أو أبيك، وجعل قرابة الأم أولى بحسن العاطفة وإِن كان للعصبة تأثير على النعرة بالنسب والحمية للقرابة، فابدأ أيها الأخ أيدك الله بالتوفيق بصلة أرحامك معتقداً أن ذلك سعادة لك فى الدنيا والآخرة، وليكن ذلك بقدر استطاعتك.

وابدأ بنفسك ثم بمن تعول. ومن يدفعه الأمل إِلى الطمع فيقصَّر فى حقوق الصلة ويحتال فى سلب ما فى أيديهم فيكون قد ارتكب جريمتين، جريمة التلصص وجريمة قطيعة الرحم واللص الذى يتلصص على الأجنبى أقل وزراً منه.كيف يكون سرورك أيها الأخ إِذا أنت أكرمت إِخوتك وأقاربك وتحققت أن الله تعالى يكرمك فى الدنيا بأن يجعل فى قلوب أبنائك الرحمة والعاطفة لبعضهم وشهدت ذلك فى حياتك، وانتقلت إِلى الدار الآخرة شاكراً ربك على ما وهبهم من التعاطف والتواصل والتآلف والمساعدة والمسارعة إِلى جلب الخير لبعضهم ودفع الضر عن بعضهم، وانتقلت إِلى البرزخ فوجدت قبرك روضة من رياض الجنة فكمل سرورك وتمت بهجتك، ولم يكن ذلك كله يا أخى إِلا لقيامك بالواجب لوالديك وأقاربك بما تفضل الله به عليك من حسن العناية والتوفيق لما يحب.



ثم انظر يا أخى للعاق لوالديه القاطع لرحمه كيف تصب عليه البلايا صباً بكثرة القضايا والخصومات، ثم يجعل الله له أبناء فجرة يبددون ما جمع فى حياته، وينغصون عيشه بما يقع بينهم من الخصومات والعداوات، وما يناله منهم من قبيح أعمالهم مع الناس حتى يتمنى أنه لم يكن تزوج، بل وأنه لم يوجد فى الدنيا، فيعيش طول عمره فى شقاء وكبائر حتى يفارق الدنيا فينتقل من آلام بدنية فكرية إِلى حفرة من حفر النار، نعوذ بالله من قطيعة الأرحام. ولا يصبر أبناؤه حتى يواروه فى التراب، بل تقع بينهم المنازعات والمخاصمات، وربما تلاكموا وتضاربوا بالعصى وتزاحموا على تفتيش الحجرة التى هو فيها، وربما وطئوه بالنعال وهو ملقى بينهم وهو الذين كان يسهر ليجمع لهم ويخاصم أقاربه ليجدد لهم.انظر يا أخى بعينك عاقبة هذا الأمل ونتائج هذا الطمع. صِلْ رَحِمَكَ يا أخى ليرحمك الرحمن، وأكرم أقاربك ليقرَّبك القريب، وبِرَّ والديك ليبرك البر الودود، قال الله تعالي: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) سورة النساء آية 36 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَْرْضِ وَتُقَطَّعُواْ أَرْحَامَكُمْ)وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يُبْسَطَ له فى رزقه وينسا له فى أثره، فليصل رحمه)وقال صلى الله عليه وسلم: (خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوى الرحمن فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا ربى، قال: فذاك)وقال صلى الله عليه سلم: (لا يدخل الجنة قاطع الرحم)(أحاديث صحيحة). وفى الحديث الحسن يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم)وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أَحْرَى أن يعجَّل الله لصاحبه العقوبةَ فى الدنيا مع ما يدَّخر له فى الآخرة من البغى وقطيعة الرحم).

يجب عليك يا أخى أن تبر أَهْلَ وُدَّ أبيك ممن كان يودهم ويحبهم، ولا تتشبه يا أخى بمن أبعدهم الله عن أعمال الخير الذين إِذا تمكنوا أساءوا إِلى أهل ود والديهم، واضرب لك مثلاً: قد يكون للرجل ولد يسىء الأدب ويكون لوالده إِخوان صدق فيشددون على الولد، يأمرون والده بالتشديد عليه ليتحسن مستقبله، فيظن الجاهل أن ذلك الرجل العاقل صديق أبيه يعين أباه على مضرته، فإِذا توفى أبوه قام فحارب صديق أبيه وآذاه. وقد يكون الرجل متزوجاً امرأة غير أمه وتكون محظية عند والده محبوبة لديه ولم ترزق من أبيه بأولاد، فإِذا مات أبوه قام فجعلها أعدى أعدائه وأشر أَلِدَّائه ولم يراع حقوق والده، وقد يكون للوالد عامل مخلص فى عمله له محافظ على أمواله، ويكون الولد مسرفاً فيشدد عليه العامل وهو صادق أمين، فإِذا تمكن المسرف من المال أو الميراث حارب العامل الصدوق الأمين وطرده من عمله ولم يراع حقوق والده. وقد ورد عن سيدنا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما وأرضاهما أنه كان راكباً على جمل فمرّ به أعرابى فنزل عن الجمل فقابله وحياه، ثم أخذ بزمام الجمل وأعطاه إياه وانصرف، فقيل له: ما هذا؟ قال: هذا الرجل كان يضحك والدى إِذا رآه فأحببت أن أبر والدى بإكرام من كان يضحك لرؤيته. وهكذا فليكن البر ومن هذا الإِمام يؤخذ. فقم يا أخى بإِكرام أهل ود أبيك لتكن باراً. ومن كمال البر وفاء عهودهما بأن تفى لهما بما عاهدا عليه بعد موتهما، وكن على يقين أنك تفوز بالمسرات فى الدنيا والسعادة فى الآخرة، والله تعالى يمنحنى وإياك التوفيق لما يحب ويرضى إِنه مجيب الدعاء.



يا بنىُّ، لا تجهل من أنت ولا ما يجب عليك ولا ما يجب لك، لعلك يا بنى تظن أنك بما تجده من عواطف أمك وأبيك ومن حرصهما على سرورك وخيرك ومن بذل نفائس أموالهما فيما فيه راحة بدنك وزيادة صحتك أن ذلك واجب عليهما أو حق لازم عليهما لك، فتجهل قدرك وتنسى قدر النعمة عليك من ربك، فتقوم مطالباً بحقوق توهمتها لم يوجبها الشرع ولم يستحسنها العقل، فتكلف والدتك بخدمتك أو تغضب عليها إِن تهاونت بشأنك، أو تأبى أن تلبس أو تأكل ما قدم لك، أو تستقل ما أكرماك به، فتكون كالذباب الذى يطزف حول النار لا رضى بضوئها وحرارتها حتى يسقط فى لهبها، فإِنك يا بنى إِن توهمت ذلك وقادتك رحمتهما وحنانتهما وعواطفهما لارتكاب شىء من ذلك، أسرع بأن تعلم منزلتك وأنب إِلى ربك تائباً وإِلى والديك متذللاً متملقاً. لَمْ يبذلا لك ما بذلا من المال والنفس لواجب عليهما، بل لأنك زهرة شجرتهما ومرآة حقيقتهما، فإِن نظرت إِليهما بنظر الابن للوالدين نظر تعظيم وإِطاعة لأمرهما وحب لهما ورغبة فى نوال رضاهما، منَّ الله عليك بأن جعل عاطفتهما عليك فى مزيد، وجعلك لهما ظهيراً ونصيراً بعد كبرك، فتكون لهما والداً شفوقاً ويكونا لك كولدين رحيمين. وتكون قد قمت بالواجب عليك لله ولرسوله وللوالدين.



يا بنى، إِن والديك لهما عليك بعد الله تعالى المنة، وقد اكتسبا من التجارب علوماً تجهلهاـ فإِياك يا بنى أن تجتمع على أمثالك الصغار فيحسَّنون لك ما يقبَّحه والدك مما قد تراه حسنا فى سنك، فإِن ذلك ينتج احتقارك لوالديك ومخالفتك لأمرهما والكذب عليهما والمضرة لمن اتصف بهذا. يا بنى إِنك فى صغر سنك تستحسن أشياء هى فى الحقيقة قبيحة، وتستقبح أشياء هى فى الحقيقة حسنة، فجاهد يا بنى نفسك أن تتروى قبل العمل، وأن تستشير والديك قبل الإِقدام، وتعلَّم يا بنى الملاحظة وتباعد عن كل ما يضطرك أن تكذب على والديك، بل اترك كل عمل يلجئك أن تستحى منه إِذا رآك غيرك. ثم اعمل بعد ذلك ما شئت. فإن أعمالك يا بنى إِن صدرت عن تقليدك لوالديك الحكيمين أو عن روية وملاحظة ولو كان العلم خطأ فإنك لا ترى نفسك ذليلاً عند تأديبك عليه، بل تقبل اللوم والتأديب بسرور لأنك تحب الحسن من كل شىء، وتكره القبيح من كل شىء. يا بنى لا تضيع أوقات شبابك وفراغك من هموم الدنيا ما دام والداك قائمين بما لابد لك منه، أجهد نفسك يا بنى فى هذا الزمن لتتحصل على ما به تكون من أهل الشرف والمجد من العلوم الدينية، ومن الأغنياء عن شرار الخلق بالصناعات والفنون، ومن المحترمين المعظمين عند الناس بالأخلاق والآداب، قبل أن تضطر لشغل قلبك وتعب بدنك فى جلب ما لابد لك منه من قوت ولباس ومسكن وزوجة وخادم. يا بنى، من شب على شىء شاب عليه. تجنب صحبة الشرار والعلم الموجب للعار، وأجعل لعبك فيما ينفع فى منزل والديك من خدمتهما عند فراغك من التعليم، وتنظيم منزلك ونظافة ثيابك ومكانك، لتكون عوناً لوالديك من طفوليتك. وإِذا منّ الله عليك بأن جعلك غنياً عن أشرار خلقه عالماً فكن رجلاً خارج المنزل، فإِذا دخلت على والديك فكن طفلاً كما كنت أولاً، عبداً كما كنت سابقاً تُملك ولا تَملك، واجعلهما يدبران لك شأن داخليتك وإِن أخطآ، وحسَّن شأن خارجيتك فإِنك لا تدرى متى يأتيهما الموت.



لعلك يا بنى إِذا تزوجت صارت زوجتك أحب إِليك من أبيك وأمك وأخوتك، وهى إِنما رضيت بك لأنك قوى سوىّ غنى، ولو ذهبت صفة من تلك الصفات ذهبت معها وكانت حرباً على زوجها، فاصحب زوجتك حذراً منها، واعلم أن حظك منها كحظ الحمار من الأتيان وكن عبداً لله مطيعاً لوالديك. يا بنى بعض الضالين الذين حرموا الكمالات الإِنسانية يتهاون بشأن والديه ويعتنى بشأن زوجته، أعوذ بالله أن أكون منهم أو تكون منهم، فإنهم عبيد لشهواتهم، وعباد الدراهم والدنانير أقرب منهم للإنسانية. انظر إِلى والديك تراك غصن شجرتهما وصورة حقيقتهما وخلاصة حياتهما، فلا تعبد يا بنى شهوتك وتكفر بربك سبحانه وتعق والديك، واجعل والديك فى أعلى المراتب من قلبك، واجعل زوجتك كالمرحاض تأتيها عند الحاجة، وأكرمها بقدر تلك الحاجة، وقم لها بما فرض الله تعالى وما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تنس الفضل بينك وبينها، ولا تجعلها سبباً فى عقوق والديك وقطيعة رحمك، فإِن الإِنسان لا يدرى لعله يجمع المال ويحرم منه أرحامه ثم تحوزه الزوجة وتنفقه على زوج أجنبى. أحب يا بنى زوجة أبيك وإِن كانت كدراً لوالدتك برًّا بوالدك، إلا أن توفيت والدتك فاجعلها فى منزلتها وأحبب إِخواتك منها كحبك لإِخوتك، واجعلهم لك أنصاراً وأعواناً وكنوزاً وجمالاً لتكون كثراً بهم. اجتهد يا بنى إِن كان ورَّثك والدك مجداً وشرفاً أن تحافظ على ميراث والدك، وأن تجتهد فى أن تزيده وتنميه ليحى والدك، وإِن ورثك مالاً وعقاراً اكتسبته بنفسك لتورثه لأولادك كما ورثك أبوك، وعليك أن تجعل أهل بلدك يعلمون أن هذا العقار والمال ميراث أبيك لك ليحيى ذكر أبيك، وأن هذا المال والعقار هو ما اكتسبته بنفسك لتحى ذكرك، واجتهد أن تورث أبناءك هذا المبدأ الشريف ليدوم عقار المسلمين ومالهم فى خزائن المسلمين. واعمل يا بنى أن بعض أهل الغواية الأنذال المفسدين الذين هم مرض فى جسم العائلات يتمنى الخبيث منهم أن يموت والده ليرث ماله، فإذا مات والده قام فبذل المال فى شهواته وحظوظه حتى إِذا لم يبق فى يده ما يستعين به ندم ولات حين ندم، فتمنى أن والده عاش له بعد أن أحوجته الضرورة إِلى خدمة من كان خادماً عنده، أو أرتكب ما به يحشر إِلى السجون أعاذنى الله وإِياك يا بنى من أعمال الأشرار وفعل الخبثاء إِنه مجيب الدعاء. وإِلى هنا أقول لك أيها الولد البار: اجتهد فى صحبة العلماء العاملين، وداوم على مجالسة الأتقياء الصالحين وتعلم منهم وتشبه بهم، والله يتولانى وإِياك إِنه ولى المؤمنين و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الامام المجدد محمد ماضى ابوالعزائم

- هل الاجتماع على الخلق مع السلامة منهم خير؟ أم العزلة عن الناس خير؟

أختلف أئمة الفرقة الناجية فى: هل الاجتماع على الخلق مع السلامة منهم خير؟ أم العزلة عن الناس خير؟ فكان رأى أكثرهم أن الاجتماع بالخلق مع السلامة منهم صفة الكمل المتمكنين المتجملين بالأخلاق، لأن اجتماعهم على الناس يكسبون به مكاسب روحانية منها: تحملهم أذية الخلق، ومنها بذل النصيحة للعالم، وفضل العلم والجاه والمال، والسعى فى الإصلاح، ودفع المظالم، كل ذلك بعد الجهاد فى سبيل الله-ولا يستوى القاعد والمجاهد فى سبيل الله عند الله، وأما الذين اعتزلوا الخلق فإنهم فضلاً عن تركهم القيام بما لابد لهم منه من طلب العلم والمعاش وشهود الجماعات ومعاونة أهل الحاجة فإنهم فى عمل كثيره قليل العمل مع الناس إلا إذا كانت معاشرة الناس تؤدى إلى ما يغضب الله تعالى فالعزلة خير.



وتفصيل هذا الموضوع: أن من قوى على معاشرة الناس وتمكن من السلامة منهم فالأولى له الاجتماع على الناس، ومن لم يقوى على معاشرتهم فالأولى العزلة له إلا ما لابد له منه.



ولما كان على كل مسلم لكل مسلم حق تقتضيه الشئون، وكانت تلك الحقوق تسمى الآداب الإسلامية التى يسارع لها من تزكت نفسه وتأدب بآداب القرآن الكريم، أرى أن السلم يجاهد نفسه الجهاد الأكبر حتى يتأدب بالآداب المحمدية وأن يجتهد أن يعاشر الناس ويجالسهم لينتفع وينفع ويتمرن على المجتمعات التى تكسبه الثواب فى الآخرة وحسن الأحدوثة فى الدنيا- خصوصاً إذا كان مطالباً بنفقة لزوجة وأولاد وأقارب أو كان عالماً أو ذا صنعة مفيدة لإخوته المؤمنين- فيجب عليه أن يجاهد نفسه حتى يكون متجملاً بالأخلاق التى تجعله محبوباً عند الناس، أما من كان مسترشداً على يد مرشد فو مع الأستاذ بالخيار: إن أمره الأستاذ بالعزلة بادر إليها، وإن أمره بمعاشرة الخلق ومجالستهم سارع إليها.



ولما كانت الآداب التى تجملت بها الفرقة الناجية من التشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم الرءوف الرحيم بعشرائه وجلسائه الحريص على تأليف القلوب عليه كان الواجب على كل مسلم أن يتأدب بتلك الآداب الفاضلة وأن يتجمل بتلك الأخلاق الكاملة حتى يفوز بجميل الثواب يوم القيامة ولسان الصدق فى الآخرين.



حسن المجالسة:

أما حسن المجالسة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشى على أخيه ما يكره)فآدابها: ألا يعين ظالماً على ظلمه، ولا يفتح باب شر على أحد من الناس أمام من يمكنه أن يؤذيه، ولا يذكر غائباً بسوء إلا إذا كان متفضحاً وسئل عنه على سبيل نصيحة أو مشورة، ويلزم أن يغض بصره فى المجالس عن عورات المجلس خصوصاً إذا جلس مع رجال ونساء، فيجب عليه أن لا يحدق ببصره إلى النساء ولا أن يصغى بأذنه إلى أثنين يتكلمان فى المجلس إلا إذا دعياه إلى سماع الكلام.



ومن آداب المجالسة: أن لا يتكلم سراً مع جليسه إذا كان معهما ثالث فإن ذلك يحزنه، ولا يتكلم بلغة لا يفهمها الثالث، وليتجنب واللمز والهمز والإشارة باليد أو بالعين أو باللسان- قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات آية 11 وعلى كل مسلم أن يكون بشوش الوجه لمجالسيه ما داموا فى خير، فإذا تكلموا فى غير الخير فالواجب عليه أن يذكرهم بحكمة ويبين لهم شر التكلم فيما يضر ولا ينفع أو يصمت إن خاف عنادهم أو يفارق المجلس أن كان ذلك لا ضرر فيه عليه.



ومن آداب المجالسة أن يجتهد المسلم فى إدخال السرور على جليسه بقدر استطاعته فلا يذكر عورة من عوراته يريد بها احتقاره، ولا ينتقد عليه فى عمل مباح عمله- قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليقول الكلمة فى المجلس لا يلقى لها بالاً يضحك بها الناس يهوى بها فى النار سبعين خريفاً)وجلساء الرجل: إما أن يكون مضطراً أن يجالسهم أو غير مضطر، أما الذين لابد من مجالستهم كمن معه فى مزرعته أو مصنعه أو شركاؤه فى تجارة أو معه فى بيت واحد، فإخوانك الذين معك فى المزرعة أو المصنع أو التجارة يلزمك أن تجتهد فى استجلاب مودتهم لك وحبهم بما يمكنك مما لا يغضب الله سبحانه وتعالى ولا يخالف السنة، ويجب عليك أن تحفظ لسانك عن ذكر عوراتهم وهفواتهم أمامهم أو خلفهم، فإن كل إنسان لا يخلو من عيوب يجتهد أن يخفيها عن الناس ولكنها تظهر قهراً عنه، وكما أنك يا أخى تحب أن تخفى صغائرك وهفواتك عن الناس، فالواجب عليك أن تخفى هفوات أخيك وصغائره وعيوبه عن الناس وعنه فى حضوره ما دامت لا تضره دنيا ولا ديناً، فإن كانت تلك الأعمال مما يضره دنيا أو دينا فالواجب عليك أن تختلى به وتنصحه بطريقة يقبلها لا تريد بذلك احتقاره ولا تهديده والتنديد به.



ومن أكمل صفات رجال الفرقة الناجية أن يحفظوا أسرار المجالس، ومن أقبح صفات أهل النقائص أن الرجل يجلس فى المجلس ثم يقوم منه فينشر أخباره لكل من لقيه، وقد يبلغ الجهل ببعض الحمقى أنهم ينشرون معاصيهم ورذائلهم حتى خلوتهم بنسائهم- يقول صلى الله عليه وسلم: (المجالس بالأمانات)وورد أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أسبل الله عليه ستره فكشف عنه ستر الله، ومعنى ذلك أن الرجل يعمل المعصية ليلاً أو فى خفاء عن الناس ثم يخرج فيذكر عمله للناس، ومن محاسن الآداب فى المجالسة أن لا يتجسس المؤمن ولا يتحسس، وأن يجتهد أن يجعل فى كل مجلس جلس فيه عملاً صالحاً يرفع له من ذكر الله أو نصيحة أخ أو رد غيبة عن أخ صالح أو توبة عن ذنب علمه فى المجلس.



ومن أداب المجالسة أن يتباعد الرجل عن الجلوس بجوار زوجة غيره، ولا يسارع إلى قضاء حوائجها ما دام معها محرم لها، ولا يلامس جسدها لمعونتها فى مشى أو ركوب أو نزول إلا إذا كان محرماً لها، وإذا دعت الضرورة أن يتكلم معها يجب أن يجعلها خلفه على يمينه أو يساره إذا كان واقفاً، وإن كان جالساً يجب أن يجلسها إن استطاع فى الجهة التى لا تكون مواجهة له بل يجعل محل نظره الجهة التى لا يراها فيها، وإن دعت الضرورة أن يواجهها بوجهه فعليه أن يغمض بصره أو يطأطأ رأسه أو يلفت عنقه، فإن عمله هذا مرضاة لله محمدة عند الناس موجبة لمحبة الخلق وثقتهم وموجبة لكمال حياء المرأة، فإن الأصل فى المرآة الحياء، وإنما يقوى عندها إذا تجمل الرجل به أمامها.



ومن الآداب أن لا تختلى بامرأة أجنبية منك مهما وثقت من نفسك، فإنك أعلم بنفسك من غيرك، فإذا كنت واثقاً من نفسك أن خلوتك بها لا تشغل قلبك ولا تنقض وضوءك لما تراقبه من الخوف من الله سبحانه ومن عقوبته، فهل المرآة بلغت ذلك؟ فإن لم تخف على نفسك يا أخى فخف عليها أن توقعها فى المعاصى.



ومن أداب المجالسة أن يجتهد المسلم فى حفظ لسانه مما يخجل من ذكر العورات، وإذا كان لابد من ذكر شىء من العورات فليعبر عنه بكناية أو إشارة.



ومن الآداب التى يرعاها السلم أن لا يطمع فيما فى يد أخيه ويجتهد أن لا يخسره شيئاً مما له، والأولى أن يكون متفضلاً مسارعاً إلى فعل الخير مساعداً أخاه بماله ونفسه، فإن ذلك من أخلاق المؤمنين الذين يمنحهم الله فضله ورحمته ورضوانه.



وأساس المجالسة التسامح، فإن الرجل المتسامح الكريم الأخلاق إذا سمع كلمة من مجالس تكدره أو رأى عملاً يكدره وحمله من أخيه على أجمل محامله فيدوم بذلك الصفاء.



ومعلوم أن أكثر الخصومات والمنازعات قد تنتج من كلمة يقولها الجليس لجليسه بسلامة نية فيردها عليه بحماقة ويتأولها شر تأويل فتوقد نار البغضاء، ومعظم النار من مستصغر الشرر، فقد يقول الأخ الكلمة الثقيلة على أذن أخيه لا يقصد بها إلا خيراً، ولو حمل الأخ كلمة أخيه على أجمل محامله لدام الصفاء والوفاء ولكن المسلمون كالجسد الواحد كما شبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن اللسان شر أبواب جهنم- يقول صلى الله عليه وسلم: (وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم)وقال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فى السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) سورة أبراهيم آية 24-27.



إذا أردت يا أخى أن تؤاخى إخوان صفاء وخلان وفاء فاجتهد أن تصفى لك إخواناً من المساجد ومن مجالس العلم النافع ومن أهل التقوى، وكل أخ غير هؤلاء فهو عليك لا لك، وكل جليس لا تدعوك الضرورة إلى مجالسته غير هؤلاء فهو مرض ينبغى أن يفارقه الإنسان بحكمة حكيم خصوصاً شياطين الإنس الذين يعينون على معصية الله ومخالفة رسول الله  صلى الله عليه وسلم فإنهم ألد الأعداء وأسوء الجلساء، وقد أمرنا الدين بالاجتماع وعين لنا مكان الاجتماع وزمانه لتدوم صحتنا ونجدد بهجتنا وتقوى أمتنا- قال صلى الله عليه سلم: (ثلاثة من المروءة فى الحضر: تلاوة كتاب الله عز وجل، وعمارة مساجده، واتخاذ الإخوان فى الله تعالى)وكان سعيد بن العاص يقول للجليس: على ثلاث، إذا دنا رحبت به، وإذا حدث أقبلت عليه، وإذا جلس أوسعت له، وقال أبو جعفر محمد بن على لأبنه جعفر رضى الله عنهم: لا تصحبن من الناس خمسة واصحب من شئت: الكذاب فإنك منه على غرور وهو مثل الثراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب، والأحمق فإنك لست منه على شىء يريد أن ينفعك فيضرك، والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه، والجبان فإنه يسلمك ماله ونفسه عند الشدة، والفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو بأقل منها-قلت وما أقل منها؟ قال: الطمع.



ومثل الناس كمثل الشجر:

منهم من له ظل وليس فيه ثمر، وهذا الذى فيه نفع من الدنيا ولا ثمر له فى العقبى ويحتاج إليه فى وقت.ومنهم من فيه ثمر وليس فيه ظل، وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا. ومنهم من فيه ظل وثمر، فهذا الذى يصلح للدين والدنيا وهو أعزها. ومنهم من لا ظل له ولا ثمر وهذا هو الذى لا يُحتاج إليه فمثله فى الشجر مثل شجر الفضا (وهو شجر البرية التى تسميه العامة أم غيلان) تمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب فهؤلاء من الناس لا يضر ولا ينفع- مثله قال الله تعالى: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) الحج آية 13.



فأهل الفرقة الناجية من الصوفية

فأهل الفرقة الناجية من الصوفية يخافون الله فى خلقه ولا يخافون الخلق فى الله. وهكذا يحبون الله فى خلقه ولا يحبون الخلق فى الله. ويتقربون إلى الله فى خلقه ولا يتقربون إلى الخلق فى الله.. فهم فى جميع أحوالهم يعاملون الله فى خلقه.



منحهم الله الرأفة والرحمة بالوراثة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحافظة على كمال إتباعه صلى الله عليه وسلم والإقتداء به، فتراهم يحرصون فى مجالستهم مع الخلق ومعاشرتهم على الفوز برضوان الله الأكبر ببذل ما فى وسعهم من الخير لجليسهم وعشيرهم، فهم العلماء الرحماء الحكماء، يراقبون الله فى كل أنفاسهم ولحظاتهم ويسارعون إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السموات والأرض ويتعاونون على البر والتقوى قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) سورة المائدة آية 2، أحبوا لكل أخ من المسلمين ما يحبونه لأنفسكم، وباءوا بإيثار جليسهم وعشيرهم بالخير على أنفسهم كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)سورة الحشر آية 9، يجوع الرجل منهم ليشبع أخاه، ويتعب ليريحه، ويسهر لينام أخوه.. لا يقصدون بذلك من الخلق جزاء ولا شكورا كما قال : (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) سورة الإنسان آية 9 ولهم فى تلك المعاملة مشاهد روحية مراقبات عن عين اليقين، فهم فى مزيد من المسارعة والتعاون لأن الله سبحانه وتعالى يواجههم فى كل أحوالهم مواجهة يقوى بها حالهم وإقبالهم ورغبتهم فى الله وما عند الله.



ومن آداب المجالسة أن يجلس الجليس يفسح لأخيه عند احتياجه لذلك قبل أن يلتمس أخوه منه، ومن أكمل الآداب أن الجالس ينزل القادم منزلة من التكرمة خصوصاً إذا كان ذا شيبة أو عالماً أو صاحب المنزل أو ذا سلطان فيتنحى له عن المجلس المناسب له مع غض البصر وعدم إظهار التفضل عليه.



ومن آداب المجالسة أن لا يجلس الرجل على محل تكرمة الرجل فى منزله إلا بعد إذنه له، ولا ينصرف من المجلس حتى يستأذن، لأن كل تلك الآداب تقوى روابط المحبة، وبها ينال العبد رضوان الله تعالى ورضوان رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاء إخوته المؤمنين.



ومن آداب المجالسة أن يتوقى الجالس الغضب ولو حصل له ما يغضب، فإنه ربما غضب بما يغضب فأدى غضبه إلى ما لا يرضى الله ورسوله، وليدفع بالتى هى أحسن كما قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هى أَحْسَنُ فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) سورة فصلت آية 34.



ومن آدابهم فى المجالسة أن يجتهد كل واحد منهم فى أن يدخل السرور على قلوب جميع جلسائه، وكانوا إذا جلسوا أو نطق أصغرهم سناً صغوا جميعاً إليه لكمال آدابهم ولطمع أن ينطق بحكمة، وكان أصغر الناس فى مجالسهم أعظمهم ما دام على الحق، وأعظمهم أصغرهم إن وقع فى باطل مع كمال آدابهم، فإن تلك الآداب كانوا يبتغون بها وجه الله تعالى، كانوا إذا سمعوا امرأة تتكلم قالوا أنصتوا عسى أن تنطق بخير.



شغلوا بالله سبحانه وتعالى فاتسعت قلوبهم وانشرحت صدورهم ودام أنسهم بالله تعالى، حسن ظنهم فى الله تعالى حتى غلب عليهم حسن الظن فكانوا إذا سمعوا شراً من غيرهم أولوه إلى الخير وأساءوا ظنهم بأنفسهم يئسوا من أن ينالهم نفع أو ضر من الخلق فاستوت عندهم حالة الخلق تعظيماً واحتقاراً وإقبالاً وإدباراً وقامواً بما عليهم من الحقوق لغيرهم ابتغاء مرضاة الله، ولم يطالبوا غيرهم بالحقوق التى هى لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون هينون لينون)وكما قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) سورة الفرقان آية 63.



ومن أداب المجالسة ما ورد أن بعض بنى أمية جلس فى مجلس أحد خلفائهم فقال: إن الناس يبالغون فى على بن أبى طالب وفى علمه وحكمته وإنى قدر رأيته بالأمس فى النوم ووجدته دون ما يخبرون به عنه- فقال: وماذا رأيت؟ قال: رأيته فنبذته وسببته فعقد لسانه سلاماً سلاماً وقال: ما ترك من أهل الحكمة شيئاً.. أراد قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) سورة الفرقان آية 63، فهذه حالتهم ولو مع الجاهل فى الرؤيا المنامية. وسب رجل سيدنا أبا هريرة فقال له: يا هذا إن أغضبت الله فى فإنى أرضى الله فيك. وقال رجل لرجل مرة يا كافر- فقال له: أشهد أن لا إله إلا الله- فقال يا منافق: فقال تبت إلى الله ورجعت إلى الله- فقال أريد أن أغضبك- فقال : من بين لى عيوبى أرضانى.



وآداب المجالسة تتفاوت بحسب مراتب الجالسين، ومجملها أنك إذا جلست مع العالم فأمسك لسانك وأصغ، وإذا جلست مع الولى فأمسك قلبك لترد عليك واردات الحق، وإذا جمع الله والولاية والعلم فى رجل فأمسك قلبك ولسانك، وإذا جلست مع ذى سلطان فجمل له ظاهرك واكتم سره وألن له الكلام فى النصيحة وغض بصرك عن حرمه، وإذا جالست العامة فتجنب المزح والمنافسة فى شىء يسارعون إليه واستخدمهم بما يشرح صدورهم منك إن استطعت، وإذا جلست مع من ليسوا على مذهبك فسلم لهم مذهبهم ولا تعارضهم بمذهبك فإن مذهباً لا يعارض مذهباً، وإذا سئلت فجاوب على قدر السؤال.



ومن آدابهم أنهم إذا مدحوا فى المجالس شكروا الله الذى أظهر الجميل وستر القبيح، وإذا ذم رجل رجلاً من الصوفية قال اللهم إن كان صادقاً فاغفر لى وإن كان كاذباً فاغفر له.. تشبها بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل إلى سيدنا ومولانا الحسن بن على عليهما السلام فقال: يا ابن بنت رسول الله إن فلاناً سبك أمام الخليفة- فقال: اللهم إن كان صادقاً فاغفر لى وإن كان كاذباً فاغفر له، ومن علم أن أعماله وأقواله وأحواله محصاة عليه وأنه سيسأل عنها يوم القيامة بخل بأنفاسه أن يصرفها إلا فى طاعة الله، ومن أحب أن يكون كريماً عند الله محبوباً لجنابه العلى لا يضره احتقار الخلق له ولا يفرحه تعظيمهم إياه، والمؤمن يظهر كمال إيمانه فى ثلاثة مواطن: فى البر والصلة بأقاربه، وفى المسارعة إلى علم ما أوجبه الله، وفى حسن مجالسته ومعاشرته، ومن لم يستطيع أن يقهر نفسه لتتجمل بتلك الآداب فالأولى له أن يخدم الدواب سنين حتى يكتسب منها الصبر والتواضع والطاعة ودفع المضرة وجلب المنفعة، ورجل يكون البهيم الأعجم أكمل منه أدباً هو رجل على مدارج الهاوية.



آدابهم مع من تحت رعايتهم:

رحمتهم بالعمال الذين ولاهم الله أمورهم:

الرحمة بالعمال هى أم صفات  مكارم الأخلاق، لأن معاملة العمال بالحنانة والعاطفة والرفق دليل على رقة القلب وعلم الإنسان بأنه عبد لمولاه، وأن الذى رأسه على هؤلاء قادر أن يجعله أجيراً حقيراً فيشكر المنعم بالإكرام لعماله والإحسان إلى المحتاجين بمعونته وإلى القائمين بخدمته، فإنهم شركاؤه فى الإنسانية مشاكلوه فى الآدمية يسرهم ما يسره من الرحمة، فإذا شاهد هذا المشهد حفظ الله عليه النعم ووسع له الرياسة حتى يجعله سيد أهل عصره وعظيم أهل زمانه، ويزيد على ذلك ما يناله من الفضل العظيم والنعيم المقيم عنده فى دار الخلد فى جوار الله ومعية رسله صلى الله وسلم عليهم أجمعين.



وتلك المعاملة بأن يحملهم دون طاقتهم ولا يعاقبهم إذا تساهوا، بل يضع نفسه موضعهم وما يحب أن يعامل به يعاملهم به ويغض بصره عن هفواتهم ويديم لهم البشر والانشراح والتنشيط حتى يكون عملهم عن قلب مخلص وضمير مستريح فيفوز بنجاح عمله ومحبة عماله وتعزيز جنابه وحسن السمعة فى الدنيا والمثوبة فى الآخرة- قال صلى الله عليه وسلم: (لا تنزع الرحمة إلا من شقى)وقال عليه الصلاة والسلام: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء)وقال صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)وقال صلى الله عليه وسلم: (ما  من امرئ مسلم يخذل امرئ مسالماً فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى فى موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً فى موضع ينتقص من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته)وقال صلى الله عليه وسلم: (من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة)قال صلى الله عليه وسلم: (المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق)وقال عليه الصلاة والسلام: (إن من أعظم ألأمانة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضى إلى امرأته وتفضى إليه وينشر سرها)وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليمط عنه)وفى رواية (المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه).



كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاملون مواليهم معاملتهم لأبنائهم كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا كان فى سفر ركب ومشى مولاه ثم نزل فأركب مولاه ومشى ثم أنزله ومشى معه وأراح الراحلة، ورأى أمير المؤمنين عمر أبا ذر ومعه غلام له عليه حلة أجمل من الحلة التى على أبى ذر فقال أمير المؤمنين: ما هذا يا أبا ذر؟ (كأنه يعنفه) فقال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعى غلام لى أسود فأساء فقلت له يا إبن السوداء فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه سلم مغضباً وقال: (أعيرته بسواد أمه.. إخوانكم خولكم، أطعموهم مما تطعمون وألبسوهم مما تلبسون وحملوهم ما يطيقون)أو كما قال صلى الله عليه وسلم.



كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رحماء بالدواب فضلاً عن بنى الإنسان، يشهدون عناية الله فى كل ما ينتفعون به فيخافون الله فى كل شىء ويطلبون رحمة الله لرحمتهم بعباده وبذلك مكن الله لهم فى الأرض وأعلى بهم كلمته وأحيا بهم سنته وأذل لهم فراعنة الأرض وقياصرها لأنهم تخلقوا بأخلاق الله تعالى فكانوا رضى الله عنهم رحماء حكماء حلماء علماء نظروا إلى من ولاهم الله عليهم نظر رحمة وحنانة وشكروا الله على نعمته فانزلوا الكبير منزلة الوالد والصغير منزلة الابن والمساوى منزلة الأخ وقاموا لكل واحد بما يجب له عليهم غير مشددين فى طلب ما لهم من الواحب فصفت قلوب الموالى وزكت أنفسهم ورضى الله عن الجميع.



وأهل الفرقة الناجية يجاهدون أنفسهم ليتشبهوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل أحوالهم وكم من عالم كان يسىء الخلق مع رئيسه ولا يرى منه إلا اللطف والرفق والشفقة فيسأل فيقول أنا أحق بحسن الخلق منه شكراً لله على ما تفضل به عليه، وسوء الخلق سبب فى زوال النعمة ونزول النقمة نعوذ بالله من سوء الخلق.



آدابهم فى صلة الرحم:

قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أى الناس أفضل- قال: (أتقاهم لله وأوصلهم لرحمه وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر)وقال عليه الصلاة والسلام: (أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتفصح عمن ظلمك)، هذه الصلة توصلك إلى الله تعالى والى الناس وتقربك من الخالق وخلقه، وبها تجد لك ظهيراً من الله ومن عباده ويمن الله بها عليك بالبر من حضرته العلية ومن جميع خلقه ويتعطف عليك بتلك العاطفة قلوب العالم أجمع فتكون بذلك سيداً مطاعاً فى أقاربك ووالداً رحيماً لأنك، بها تكون متخلقاً بأخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام معاناً عند الشدة منصوراً عند المخاصمة فتعيش سعيداً بيسير تبديه وقليل من فضلك توليه وتكون لك اليد العليا والمقام الأعلى، فما أقل ما تصل به أعظم ما يصل إليك.



والصوفية يحرصون أن يكونوا كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن من أين لهم ذلك وإن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وصلوا أرحاماً كانت كافرة وأبروا أهل الشرك تخلقاً بأخلاق الله تعالى وأخلاق رسوله صلى الله عليه وسلم واقتداء بسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أبر حليمة السعدية قبل إسلامها والصوفية إنما يصلون أو يبرون إخوة مؤمنين وآباء مؤمنين لهم حق الإسلام وحق الأرحام.

جاري التحميل...