آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 15 مايو 2017

- برهان صدق الإيمان.

أنزل الله بني الإنسان إلى هذه الأكوان على أدوار، بعد أن صنع هذا الهيكل من أطوار، ليرى صدق إيمانهم، ومدى صفاء ردودهم، فيعطي لكل منهم درجاته التي إدخرها له عنده عزَّ وجل،َّ ولذلك أشار إلى هذه الحقيقة وقال عزَّ شأنه:

{ الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون َ}

وهذا لا يكون ... لماذا يا رب؟!!

{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }

- ما الحكمة؟ وما السر يا إلهي؟

{فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }

إذ كيف سيعرف هذا من ذاك؟، فعند البلاء تظهر حقيقة الأنباء التي رددها الإنسان في عالم الطهر والصفاء، وهذا سر تقدير البلاء على الناس أجمعين في هذه الدنيا.

أما اجتباء وابتلاء المرسلين والنبيين والمؤمنين فهو لرفع درجاتهم، ولتعظيم مقاماتهم، لأن الله لا يختبرهم.
-------------------------------------------------------------------------
🌹 الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

الأربعاء، 5 أبريل 2017

- مُعْـجِزَةُ الإِسْـرَاء

مُعْـجِزَةُ الإِسْـرَاء
عَجَائِبُ الإِسْــرَاء
سِرُّ تَعَدُّدِ رِوَايَاتِ الإِسْرَاء
حِكْمِـةُ الْمِعْــــرَاج
عَرْضُ الإِسْرَاء عَلَىَ أَهْلِ مَكَّةَ
بَيَـــانُ الْمِعْرَاجِ للْمُؤْمِنِين
الإِسْـــرَاءُ وَالعَصْرُ الْحَدِيث
الرَّبْـطُ بَيْنَ الدِّيـنِ وَحَقَائِقِ الْعِلْم
ضَوَابِطُ الْرَّبْـطِ بَيْنَ الْدِّيـنِ وَالْعِلْم
تَنْقِيَّـةُ الْقَصَصِ الْدِّيِنِي مَنْ الْخُرَافَات
إِعْجَازُ الْقُرْآنِ الْعِلْمِى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الوهَّاب العليم، يفتح على عباده المؤمنين من علومه العليَّة، وأسراره الوهبية، ما لا يخطر على البال، ولا يَمُرُّ بعقلٍ ولا خيال، وإنما هي مِنَحٌ من فضل ووهب الواحد المتعال عزَّ وجلَّ.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عَبْدِ الله، الذي جعله الله عزَّ وجلَّ نوراً ساطعاً لكل روح آمنت بالله في مُلك الله أو ملكوته، فهو صلى الله عليه وسلم في كل حركة من حركاته، أو سكنة من سكناته، أو طرفة من طرفاته، كنوز من العلوم والأسرار، لا يَدْرِى بها إلا الأخيار. فصلوات الله وسلامه عليه، صلاة نقع بها جميعاً على كنزِ الكنوز، وسرِّ الأسرار، سيدنا ومولانا محمد وآله الأخيار، وأصحابه الأبرار، وكل من تبعهم إلي يوم القرار، أمين .
إخواني وأحبابي: كل عام وأنتم بخير جميعاً. رحلة الإسراء انفردت بصفات ونعوت غريبة وعجيبة، فهي معجزة، والمعجزة هي الأمر الخارق للعادة الذي يأتي على غير السُّنن المرعية، والقوانين الإلهية التي تنظم الحياة الكونية.
والمعجزات تفضل الله عزَّ وجلَّ بها على كلِّ الأنبياء والمرسلين، فما مِنْ نَبِيٍّ أو رسول إلا وأيدَّه الله بمعجزات من عنده. وحكمة المعجزة كأن الله يقول للمُشَاهِدِ لها، و المُبَلَّغين بها: (هذا عبدي ورسولي، وصدق فيما بلغكم عني، فاتبعوه). أي أنها دليل على صـدقه، وتأييد من الذي أرسله عزَّ وجلَّ.
لكن لو نظرنا إلي معجزات السابقين، نجد أن المعجزة لمن هم حاضرون وقتها، يعني حتى الناس المعاصرون لهذا الزمن - ولكن في مكان آخر - لا يرونها. أما معجزة الإسراء فنجدها تختلف عن كل المعجزات، فهي معجزة للسابقين، ومعجزة للاحقين، وفي كل زمان يظهر إعجازها لأهل هذا الزمان، مع أن الزمن الذي حدثت فيه انتهى، لكن في كل زمان تنكشف أسرار من هذه المعجزة الباقيـة، وليس هذا فقط، بل أنها معجزة للبشر جميعاً!!
فهي معجزة للمؤمنين كما أنها معجزة للكافرين، ومعجزة للإنس والجن وللملائكة على كافة أصنافهم وأنواعهم وأشكالهم، وكل واحـد منهم له نصيب معلوم وقدر صرفه له الحيُّ القيوم في هذه المعجزة الباقية الخالدة، وتظل بعد ذلك تلك المعجزة على هيئتها وعلى حالتها، وكلٌّ يبيِّن على قدره، ولكن قدر هذه المعجزة لا يعلمه إلا الذي قال في شأنها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [1الإسراء].
وكلمة ﴿سُبْحَانَ﴾: تعني التنزيه الكامل لله عزَّ وجلَّ، فكل الأفكار التي وردت في عقول العلماء، وكل الأسرار التي أذاعها الحكماء عن رحلة الإسراء والمعراج، لم تصل إلي الغاية أو إلي القَدْرِ الذي شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكل من رأى، أو بيّن، أو خطر على باله، أو أُلهِمَ من الله عزَّ وجلَّ بشيء في شأنها، عليه أن يعتقد في نفسه وفي قلبه، أنه ما أوتى من العلم في هذه المعجزة إلا أقل القليل من الله عزَّ وجلَّ.
وهذا حتى لا يأتي أحد ويقول: الذي عرفته في شأن هذه المعجزة لا يوجد غيره!! أو يأتي أحد ويقول: تفسير فلان لهذه المعجزة لا يوجد غيره!! أو الحِكَم التي اكتشفها ووضحها الشيخ فلان لا يوجد غيرها!! لأن فيها كنوز ليس لها حدٌّ، وأسرار ليس لها عدٌّ، وإمداد من الله عزَّ وجلَّ، والله عزَّ وجلَّ لا نفاذ لقدرته، ولا نهاية لكلماته عزَّ وجلَّ.
عَجَائِبُ الإِسْــرَاء
ومن العجب أن الإسراء المعجزة الخالدة تكشَّف بعض منها في هذا العصر، وما زالت البقية تأتي، لأننا نعتقد أن هذا العصر هو عصر القرآن؛ أي عصر بيان القرآن: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [19القيامة]. أي نحن نبيِّنه، فأنت تقوله وتردده، ونحن نبيِّنه!! كيف نبيِّنه؟ كل زمان على حسب علماء الزمان، وأحوال الزمان، وعقول أهل هذا الزمان! فيبين الله عزَّ وجلَّ إلهاماً على لسان العلماء في هذا الزمان شيئاً من أسرار هذه المعجزة الكريمة.
ولذلك فأنا أهمس في أذن إخواني من العلماء بارك الله فيهم؛ أننا يجب أن نمشي على روح هذا العصر. فالعلماء السابقون لم يكن عندهم سوى الروايات التي سمعوها، وهذه الروايات - لأن العصر كان عصر قصص وحكايات وروايات - دخل فيها كثير من الإسرائيليات، وكثير من الخيالات، مثل قصة الإسراء والمعراج التي ينسبونها لعبد الله بن عباس رضي الله عنه وهو منها برئ. ولذا فعلينا أن نمحص هذه الروايات، ونتحقق من هدفها، وخاصة أننا نجد القصة الصحيحة مذكورة في البخاري ومسلم وكتب السنن، وقد جمع الإمام السيوطي رضي الله عنه وأرضاه معظم هذه الروايات (67رواية) للإسراء والمعراج عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سِرُّ تَعَدُّدِ رِوَايَاتِ الإِسْرَاء
لماذا تعددت الروايات؟ لأن القصة لما وقعت لم يكن القوم يستطيعون تَحَمُّلَهَا، والعقول ليست متشابهة في درجة الذكاء والإدراك، وكذلك القلوب تتفاوت في التسليم والإيمان. ولذا فرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رجع من رحلته، تحدث عن الإسراء فقط في مكة، أما المعراج فلم يَرْوِ منه شيئاً في مكة، لكن لما ذهب إلي المدينة، وجلس مع المؤمنين في المدينة، كان يحدِّثُهُم عن المعراج، فكلما يجالس قوماً يحدثهم على قدرهم، وعلى قدر ما تستوعبه عقولهم، وعلى قدر ما تتحمله قلوبهم. فهذا سمع رواية، وهذا سمع رواية أخرى، وهذا سمع رواية ثالثة، والكل نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقى في صدره صلى الله عليه وسلم أكثر من هذا، وإليه الإشارة بقول الله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [10النجم].
إذاً تعدد الروايات كان لتعدد الحظوظ العقلية، وحظوظ السامعين في الفهم والإدراك، وهذه كانت بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْنَا أَنْ نْكَلمَ النَّاسَ عَلَى قَدَرِ عُقُولِهِمْ}[1]
فلا يأتي في جلسة عامة ويتكلم عن المشاهد الخاصة في الإسراء والمعراج؛ لأن هذا لا يجوز، ولا يأتي في جلسة خاصة ويتكلم عن نصيب العـوام في الإسراء والمعراج، بل يؤتي كل روح حقها ونصيبها من رحلة الإسراء والمعراج الشاملة للجميع، والتي فيها معاني وأسرار للسابقين واللاحقين.
فالذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأنبياء والمرسلين، ذكر عنه صلى الله عليه وسلم لمحات قليلة جداً!!، والذي دار بينه وبين أهل كل سماء في الروايات هو: {مَنْ ؟ جبريل، ومَنْ معك؟ محمد، مرحباً به فَلَنِعْمَ المجيء جاء}، وكل أهل سماء كانوا مستعدين لهذا اللقاء، وهذا اللقاء كان فيه أسئلة واستفسارات، وفيه علوم وفيه حقائق!! أين هي؟ لم يذعها رسول الله! وكان يحفظها كل أهل سماء لأنهم مؤمنون، وأمروا أن يتَّبعوا سيَّد الأولين و الآخرين.

حِكْمِـةُ الْمِعْـرَاج
وكان الهدف الأسمى من الرحلة أن يعطى صلى الله عليه وسلم لكل طائفة نصيبها، وقد قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
وَحِكْمَةُ إِسْرَاءِ الحَبِيبِ إِغَاثَةٌ           لِعَالَمِهِ الأَعْلَى وَرَحْمَةُ حَنَّانِ

وَلَمْ يَكُ رَبُّ العَرْشِ فَوْقَ سَمَائه         تَنَزَّهَ عَنْ كَيْفٍ وَعَنْ بُرْهَانِ
وَلَكِنْ لإِظْهَــــــــــارِ الجَمَالِ لأَهْلِهِ       مِنْ العَالمِ الأَعْلَى وَنَيْلِ أَمَانِ
فكانت الرحلة لكي يعطى لكل طائفة نصيبها من رحمة الله عزَّ وجلَّ؛ لأنه رحمة الله للخلائق أجمعين، وما نصيب هؤلاء؟ لم يبح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله، لأنهم لا يستطيعون تحمُّله، ماذا دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ملائكة الجنَّة حين زارهم؟. لم يذكره لأننا لا نستطيع تحمله!.
فكلُّ رُوحَانيّ من عوالم الله عزَّ وجلَّ، كان له نصيب في تلك الليلة من رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل زمان له نصيب، فالذين كانوا مع الرسول في زمانه لا يعرفون إلاَّ بيت المقدس، فلا يعرفون السماء؟ ولا النجوم؟ ولا الكواكب؟.

عَرْضُ الإِسْرَاء عَلَىَ أَهْلِ مَكَّةَ
ولذلك فقد حدَّث الذين في مكة عن بيت المقدس!! فطلبوا الدليل عليه بأن يذكر لهم الأبواب والنوافذ، فذكرها ووصفها وبيَّنها لهم صلى الله عليه وسلم، فطلبوا دليلاً مادياً على سيره من مكة إلي بيت المقدس،  فأخبرهم عن قافلتهم التي تاه منها جمل فدَلَّهم عليه، وقد عرفوه بصوته، وأخبرهم عن القافلة الأخرى التي نزل عليها وكشف سقاءها وشرب من مائها،  وهذا دليل مادي للذين يقولون أن الإسراء بالروح!! وهل الروح تشرب؟!! فأعطاهم دليلاً مادياً.
حتى أن أبا سفيان عندما ذهب عند هرقل وسأله عن رسول الله، فأحبَّ أن يضع شيئاً عليه صلى الله عليه وسلم يفقدهم الثقة فيه، فقال: إنه يزعم ويدَّعى أنه جاء عندكم وزار بيت المقدس ورجع، وكان بالمجلس أحد الرهبان الذين يعملون في بيت المقدس، فقال أنا أعرف هذه الليلة!! هو يريد أن يضعها - أي أبو سفيان – وشاية، فجعلها الله عزَّ وجلَّ دليلاً!!!!- قال الراهب: أليست ليلة كذا؟ قال: نعم، قال: وكيف عرفت؟ قال: أنا كلَّ ليلة لا أنام إلا عندما يطمأن الخدم على غلق أبواب المسجد، وفي هذه الليلة كان هناك بابٌ لم يستطيعوا إغلاقه، فأحضرت النجار، وحاول غلقه فلم يستطع!! فقلت له: اتركه حتى الصباح، فبات هذا الباب مفتوحاً - وهو الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلما جاء الصباح! لم يحتج الباب إلي نجار!!! فكان هذا الحديث على قدر عقول أهل مكة!!!

بَيَـــانُ الْمِعْرَاجِ للْمُؤْمِنِين
وعندما جاء إلي المؤمنين بالمدينة - وهم يعرفون الجنَّة، والنَّار، وسدرة المنتهى، والعرش، والكرسي، والملائكة - فأخبرهم عن هذه الأشياء، ليبيِّن الدلائل للذين يريدون أن يعرجوا بعده بأرواحهم إلى الله عزَّ وجلَّ.
فقال لهم: تعالوَا أعطِي لكم العلامات التي وضعها المرور النبوي على الطريق!! حتى يأخذوا بالهم من المطبات، والعثرات، والأماكن التي تمنعهم من الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ!! فيبيَّن لهم العلامات الخاصة بهم، فالعلامة الأولى هي الدنيا، وهكذا وهذا للجماعة الثابتين الذين يريدون السير إلى الله عزَّ وجلَّ.
أما الواصلون؛ فقد وصف لهم كيفية اجتماعه بالأنبياء في بيت المقدس، ثم مشاهدتهم له في السماوات العلا، وعندما يذهب إلى النبيِّ، والنبيُّ يسأل سيدنا جبريل من؟ فيقول: جبريل. ومن معك؟ فيقول: محمد. فيقول: أو قد بعث؟!! فالذي يسأل آدم، وعيسى، ويحي، وهارون، ويوسف، وكل واحد منهم يسأل بالكيفية التي أوردناها، وقد صَلُّوا وراءه صلى الله عليه وسلم!! بل أن سيدنا موسى سلَّم عليه في القبر، ورجع صلَّى وراءه، ثم قابله في السماء السادسة!! إذن فهو هنا يعلِّمهم الأحوال العليَّة، والهيئات النورانيَّة التي تتشكل فيها العوالم الروحانيَّة.
وهذه علوم خاصة، وأسرار خاصة، لا تتكشف إلاَّ لخاصة الخاصة. فكلُّ جماعة لهم عِلْم، ولهم حَال، ولهم أسرارٌ في رسالة الإسراء والمعراج.

الإِسْـــرَاءُ وَالعَصْرُ الْحَدِيث
الذي أريد أن أقوله لإخواني أننا الآن لسنا في عصر الرواية، فعصر الرواية قد انتهى، وعصر القصص والروايات قد انتهى، وماذا يلائم عصرنا من حديث الإسراء؟!!
أن نبيَّن الحِكَمَ والأسرار التي أظهرها العصر، وأظهرتها علوم العصر في كتاب الله، وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله وَعَدَ بهذا حيث قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [53 فصلت]. ولم يقل: سنريكم، لأنكم آمنتم - والحمد لله - وسلمتم، بل قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، أي: الكافرين والمشركين والجاحدين، ولم يقل: "نريهم"، بل قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، يعني في المستقبل!! فالسِّينُ للمستقبل، سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي الأنفس، لماذا؟!! حتى يتبين لهم أنَّهُ الحقّ، أي حتى يعرفوا أن هذا الكلام هو الحقّ، وأن الله هو الملك الحقّ، وأن سيدنا محمد هو النبيُّ الحقّ صلى الله عليه وسلم. فكيف بيَّنهــا لهم؟ هم يرونها الآن!! ولكني أريد أنا وأنت أن نربطها لهم بالآيات القرآنية، والأحاديث المحمديَّة، لأنه لا يعرف آيات القرآن، ولكن من أين يعرفها؟ منك أنت!!
فالرجل العالم الكندي "كينيث مور" الذي أَلَّفَ أكبر مرجع في علم الأجنَّة (سبع مجلدات) - وهذا هو المرجع المعتمد في كلِّ كليات الطب في العالم - عندما تقابل مع عالم مسلم في يوم من الأيام، ودار بينهما حوار، وقال (العالم المسلم) له: هذا الكلام الذي قلته يوجد عندنا في آية واحدة!! فقال له: أين؟!! فتلى عليه قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [12-14 المؤمنون].
ترجم له معانيها بالإنجليزية - مع أن كلمات القرآن مستحيل أن تُترجم، لكن الله يمنُّ على الناس الصادقين، ويضع في الترجمة (ما دام فيها صدق) شيئاً من إشراقات أنوار اليقين - وأول ما قرأ الآية، قال الرجل: هذا الكلام هو الذي أفنيتُ عمري أدرس فيه!! وقد ذكر كل هذه الحقائق بالتفصيل.

الرَّبْـطُ بَيْنَ الدِّيـنِ وَحَقَائِقِ الْعِلْم
فهؤلاء الناس يريدون منَّا أن نتابعهم، ونوجِّهَهم، ونربط بين الآيات القرآنية والأحاديث المحمدية وبين الأشياء العلمية. هذا هو البيان الملائم للعصر!! لا يحتاج مني أن أحكي القصة - لأن الناس حفظتها - ولكن استلهم العبر من الأشياء التي في القصة.
مثل: لماذا بدأ الله الآية بــ (سبحان)، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [1الإسراء]؟ لأن هذا شيء فوق طاقة البشر، فالسابقون سمعوها هكذا وسلَّموا، لكن نحن الآن وبهذه المعجزة نزيد إيمان ويقين البشر!! فالبشر الآن لما أراد الله عزَّ وجلَّ أن يبيَّن كتابه؛ ألهمهم صنع التليسكوبات الفلكية الهائلة، وألهمهم صنع مركبات الفضاء، وألهمهم صنع أنواع الوقود التي لا عدَّ لها ولا حصر لها - ومنها الوقود النووي - لينطلقوا في الأكوان!!! لماذا؟ ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [101يونس]، لينظروا قدرة الله، فيخروا ساجدين لكلام الله عزَّ وجلَّ.
ولذلك أنتم جميعاً تذكرون أن أول رائد فضاء أمريكي أسلم في القاهرة عندما سمع الآذان!! وقال: ما هذا؟!! قالوا له: هذا آذان المسلمين. فقال: هذا الذي سمعته على القمر!!- مع أن العلم يقول: أنه على سطح القمر لا يوجد هواء ينقل الصوت، ولا يوجد شيء يشير إلى الحياة، كماء أو زرع - إذن الله أرسله إلى القمر، ليؤمن هنا في القاهرة، فكان هذا سبب الهداية!! فالحمد لله؛ العلم هو الذي هداه للإيمان.
إذا كنا الآن في العالم الذي نعرفه - حتى الآن - نرى قدرات مذهلة لله عزَّ وجلَّ، ولأنها فوق طاقات البشر، فلابد أن تكون هناك قوى عظمى لله عزَّ وجلَّ أوجدت هذه الطاقات، فعندما يأتي الإنسان الآن ويرى بالأجهزة الحديثة الكلام الذي قاله القرآن - وكان قد نَزَلَ على رَجُلٍ أُمِّيّ، لم يكن عنده أجهزة ولا بحوث علمية ولا قوانين كونية - فإن ذلك يعطي مؤشراً أن هذا الكلام من الله!! وأن هذا الرجل جاء به من عند الله!! وأن هذا الدين هو الدين الحقّ!! هذه يا إخواني الأشياء التي يجب أن نلتفت إليها، ونبيُّنها لإخواننا المسلمين، لأن الملحدين يشككون في هذه الأشياء.
فمثلاً قصة الإسراء والمعراج، كلُّ المستشرقين في الفترة السابقة كانوا يشككون فيها، ولما جاء عصرنا .. أصبح العصر نفسه شاهداً على إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم!! لأن العصر نفسه اكتشف أن هناك سرعة اسمها: (سرعة الضوء)، وهي ثلاثمائة ألف كيلومتراً في الثانية، وعندما حسبها العلماء وجدوها السرعة المذكورة في كتاب الله عزَّ وجلَّ : ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [47الحج].

ضَوَابِطُ الْرَّبْـطِ بَيْنَ الْدِّيـنِ وَالْعِلْم
فالحقائق العلمية تشرح وتوضِّح الآيات القرآنية، وعصرنا الآن هو عصر العلم، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {إِنَّكمْ قَدْ أَصبَحْتُمْ في زمانٍ، كثيرٌ فقهاؤُهُ، قليلٌ خُطَباؤُهُ، كثيرٌ مُعْطُوهُ، قليلٌ سُؤَّالُهُ، العَملُ فيهِ خيرٌ مِنَ العِلْمِ، وسيأتي زمانٌ- وهو الذي نحن في الآن -  قليلٌ فقهاؤُهُ، كثيرٌ خطباؤُهُ، وكثيرٌ سُؤَّالُهُ، قليلٌ مُعطوهُ، العلمُ فيهِ خَيرٌ مِنَ العَملِ}[2]. العلم فيه خيرٌ من العمل: لأنني عندما أردُّ مسلماً عن شكوكه التي في عقله نحو مسألة من مسائل الدين أو العقيدة، هل هذا أفضل للمسلمين أم صلاة النافلة التي قد أشعر فيها بنفسي فامتلأ غروراً وتكبراً؟!! عندما أردُّ هذا المسلم إلى الحقّ، وأبيِّن له الطريق المستقيم؛ فهذا عمل أفضل، لأن نفعه تعدَّاني إلى غيري، وهذا العمل داخل في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [8آل عمران].
فمن الذي يردُّ الناس من الزيغ؟ العلماء العاملون والصالحون الذين كُلُّ همِّهم تثبيت اليقين في قلوب المؤمنين، وزيادة الإيمان في قلوب الموحدين، ونمو الإحسان في قلوب المحسنين، وصفاء القلوب لصفاء المشاهدة في أرواح المؤمنين.
فالجهاد الأعظم يا إخواني في هذا العصر، هو: جهاد العلم!! ولكن هناك ضابطان: الضابط الأول: ألا أحضر شيئاً علمياً، ثم أضعه على كتاب الله أو سُنَّة رسوله، أي أحضر نظرية لعالم افترضها ولم تثبت علمياً بعد، وألوى الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية لتأكيدها. وإنما القوانين العلمية التي أصبحت ثابتة ويقينية؛ هي التي لا تتعارض إطلاقاً مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا ما يجعل كل يوم علماء - لا حصر لهم ولا عدَّ لهم - من دول الشرق والغرب يدخلون في دين الله.
لأنه بعد أن يصل إلى العلم اليقيني؛ يذكر له شخص مسلم آية قرآنية واحدة يكون هو قد وصل إلى نتائجها بعد التجارب العلمية والأبحاث والاكتشافات والمجاهدات، وقد ذكرها الله في القرآن في آية بسيطة! أو في كلمة واحدة! وهذه الكلمة لا يستطيع أن يغيِّرها، أو يبدلها، أو يجئ بكلمة أخرى تحل محلها!
من أين هذا الكلام؟ يعرف عندئذ أن هذا الكلام من عند الله عزَّ وجلَّ، وأنه تنزيل من الحميد المجيد، وأن هذا هو الصدق الذي جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهكذا .. فالقوانين العلمية اليقينية هي التي قد نؤيد بها حقائقنا الدينية.
فلا يجوز الآن في عصرنا أن نركِّز في حديثنا لشخص تارك للصلاة على عذاب القبر الذي يتعرض له فقط! ونعتقد أن هذا وحده هو الذي يجعله يلتزم بالصلاة، لكن لابد أن أوضح له: ماذا تفيد الصلاة بالنسبة للمخ والجوارح؟، وكيف تفيده نفسه؟ لأنه يريد أن يعرف هذه الأشياء التي تفيده؟ والقرآن بيان لهذه الأشياء في هذا الزمان. وهذا لا يعني أننا نلغي كلام السابقين، ولكن لكل زمان دولةٌ ورجال.
وهذا هو النهج الصحيح للعلماء الذين سبقونا، والذين كانوا على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم. فالإمام الشافعي في بغداد عمل مذهباً فقهياً، ولمَّا جاء إلى مصر وجد أن أهل مصر لهم أحوال وأعراف تختلف عن أهل بغداد، فترك مذهبه السابق - وهو فِقْهٌ مُقَنَّن ومقيد - وعمل مذهباً جديداً يتلاءم ويتواكب مع أهل مصر.
 وغنى عن التعريف ما حدث له مع ابنة سيدي أحمد بن حنبل، عندما تركوا له الماء ووجدوا في الصباح الماء كما هو، وسألها أبوها: ما رأيك في الشافعي؟!! فقالت له: فيه ثلاث خصال ليست في الصالحين!! لم يقم الليل، وصلى الفجر بدون وضوء، وملأ بطنه من الطعام!! قال لها والدها: إذا عُرف السبب بطل العجب، وعلينا أن نسأل الإمام الشافعي في ذلك، فقال لهم عندما سألوه:
في هذه الليلة أكرمني الله عزَّ وجلَّ وحللت مائة مسألة كلَّها تَهُمُّ المسلمين! فهل حل المائة مسألة أفضل، أم صلاة ألف ركعة؟!! قال: والفجر صليته بدون وضوء!! لأني منذ صليت العشاء وأنا متوضأ ولم أنم، فقيامه: أن يجلس بين يدي المتفضل يطلب العلم والفضل من الله، ويستمطر كنوز المعرفة من الله؛ هذا قيامه!!!
وهذا كان نظام الأئمة الأعلام رضي الله عنهم وأرضاهم ولكل زمان دولته ورجاله. فالثوب واحد، ولكن حُلَّة هذه السَّنة وموديلها غير السَّنة السابقة أو اللاحقة، وإن كان هو نفس القماش!! ولكن على العَالِم أن يفصِّل القماش على قدر الزمان!! ولا يصحُّ لعالِم من أهل اليقين أن يقف على المنبر ويفصِّل للناس جلباباً كان موجوداً في القرن الثاني أو الثالث!!

تَنْقِيَّـةُ الْقَصَصِ الْدِّيِنِي مَنْ الْخُرَافَات
 في عصور الجهل انتشرت الخرافات، وعلينا الآن أن نُنقِّي تراثنا من هذه الخرافات، ومن ذلك الكتاب الذي سمُّوه " وفاة النبيِّ"، لكي يكثر توزيعه بين أصحاب المكتبات، وكتبوا عليه:"وفاة النبيِّ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه"، وسيدنا معاذ لا يعرف الكتاب ولم يؤلفه!!، ولكنهم يريدون المكاسب الباهظة من أي وجه، وكتاب وفاة النبيِّ نجد فيه أشياءَ لا يقبلها الإنسان العادي - وليس الإنسان المتعلم - عن الموت وشدته وضربات السيف، ولكن العلم الحديث لم يقل هذا الكلام، ولا النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا القرآن. فعندما يأتي شخص ويحكي هذا الكلام للناس، هل ينشر الإسلام بذلك أم يحاربه؟!! عندما تكلَّم النبيُّ عن الموت قال: {لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلتُبْعثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ}[3]. هذا كل شيء، والمؤمنون عندما يموتون يقول فيهم الله عزَّ وجلَّ : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [32النحل]. لم يضربوهم، بل حيُّوهم وقالوا لهم: (سلامٌ عليكم).
 فالذي جاء من المطار إذا كان مجرماً أو مطلوباً يلقون القبض عليه، إذا كان معه ما يستلزم دفع جمارك أو غرامات يخرج من الخط الأحمر، وإذا كان رجلاً عادياً يخرج من الخط الأخضر، وإذا كان من الوجهاء والأعيان يستقبله الحرس الجمهوري ويخرج من قاعة كبار الزوار.
ونفس الشيء يحدث في الآخرة، فأنا من هنا طالع على مطار الآخرة؛ فإذا كنت من وجهاء المؤمنين؛ فالاستقبال رائع حرس من الجنة، وحرس في كل سماء من السماوات السبع، كما قال الحديث: {يُشَيِّعَهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا}[4]. أين الضرب؟!! لأناس آخرين، قال الله فيهم: ﴿الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [50الأنفال]، إذن هذا ليس للمؤمنين، وإنما للكافرين والجاحدين لعنة الله عليهم أجمعين، وعلى هذا فأنا محتاج أن أظهر البيان القرآني الصحيح، وأنقي منه هذه الأشياء الغريبة.
 بعض الأخوة الأفاضل يقول الناس تحبُّ القصص، فنقول له: هذا شيء جميل، قصص القرآن موجود، وفيه الكفاية!! وقصص النبوة أيضاً فيها الكفاية!! لكن لا ينبغي أن أردِّد الروايات التي وضعها اليهود ليظهروا الدعوة الإسلامية بصورة لا تليق.
إِعْجَازُ الْقُـرْآنِ الْعِلْمِي
 وهناك بند آخر هو الآيات الكونية الموجودة في القرآن، فمعجزة القرآن التي كانت موجودة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ملائمة للعصر، فلأن العرب كانوا أناساً في قمة البلاغة والفصاحة، أظهر لهم الله عزَّ وجلَّ قمة البلاغة والفصاحة في الكلمات القرآنية والآيات الإلهية. أما الآن فلم يعد مجال الإعجاز القرآني في الفصاحة والبلاغة فقط، بل هناك الإعجاز العلمي في الآيات الكونية التي في القرآن.
 فلو تحدث أحد من العلماء عن تفسير الزلزال للقرطبي عندما فسَّر ظاهرة الزلزال وقال: إن الأرض يحملها ثور على قرن واحد، فإذا تعب الثور نقلها على القرن الآخر فيحدث الزلزال؛ فمثل هذا لا يجوز!! وإنما يجب أن أدرس ظاهرة الزلزال وكيفية حدوثها، وأطبقها على كلام الله، وَسَأَجِدُ أن كلام الله هو القول الفصل، كما قال صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ}[5].
وكذلك قول الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [32 الأنبياء]. فالنجوم والكواكب، والشمس والقمر، وهذه الأجرام كلها، لها سقف غير سقف الأرض التي بها ماء وهواء، فلماذا لا تنزل؟!! لأن لها جاذبية عملها الله! وهي من سقفها في حدود مائتي كيلو متر تحفظها، لأنه لو كان هناك ثقب صغير لتسرب الهواء!!
وكذلك الطبقة التي تمنع الأشعة الشديدة من السقوط على الثلج الذي خزنه الله، لأنه مخزن الماء لنا. فالماء جزء منه في الهواء!! وجزء منه في البحر!! وجزء منه في المناطق القطبية جمَّده الله عزَّ وجلَّ، وعندما تنزل هذه المياه على هيئة ثلوج مجمَّدة، تطفو ولا تهبط إلى القاع (لأن الحقيقة العلمية الثابتة أن المواد تنكمش بالتبريد فتزيد كثافتها وكذلك الماء، حتى يصل إلى أربعة درجات مئوية وهى أقل درجة يمكن أن تعيش فيها الأسماك وتستمر الحياة البحرية، وعندها - وهذه خاصية علمية عجيبة أعطاها الله للماء فقط - يبدأ في التمدد وليس الانكماش فيخف وزنه ويطفو إلى أعلى، وبزيادة البرودة يتجمد ويطفو ويصبح هناك طبقة تحت الثلوج الكثيفة بها ماء يجرى، درجة حرارته لا تقل عن أربعة درجات مئوية تحفظ الحياة!!
وسبحان الله، حتى لا تجف البحار ويموت السمك من البرودة الشديدة، ولكن تسير على وجه الماء لكي تذوب وتحفظ درجة حرارة الماء في المناطق السفلى، كي يعيش السمك والحيوانات، فلو ذاب الثلج كله؛ لصار طوفاناً مثل طوفان نوح عليه السلام. فالسقف المحفوظ شيء آخر غير المعلومات التي عرفناها من قبل، إذن لابد أن نجدِّد معلوماتنا، ونعرِّفُها للناس في هذا الزمان؛ لنبين لهم جمال القرآن، وتبيان القرآن الذي يقول فيه الله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [19القيامة].
وطبعاً لا يوجد رجل واحد يستطيع أن يبينه كله، ولكن كل عالم في تخصصه: فالمهندس يحاول أن يبين هندسته في كتاب الله عزَّ وجلَّ، وعالم الطبيعة يبين الظواهر الموجودة في كتاب الله عزَّ وجلَّ ، والمحامي يبحث في القوانين الإلهية ويقارنها بالقوانين الوضعية. لأن العالم كله في القريب العاجل راجع لكتاب الله، فالعالم كله يتخبَّط؛ وفي النهاية سيجد الاقتصاديون أنه لا ينفع إلا القوانين الاقتصادية التي في كتاب الله، وسيجد المشرّعون أنه لن ينفع أبداً إلا قوانين وأحكام القرآن وهكذا.
فنحن نريد أن يوضح كل شخص من إخواننا الجمال الذي في القرآن الذي يتناسب مع العصر الذي نحن فيه، ويطبق معاني القرآن الصالح لكل زمان ومكان على العصر الذي نحن فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {كُونُوا كَالْطَّبِيبِ الْرَّفِيقِ يَضَعُ الدَّوَاءَ فِي مَوْضِعِ الْدَّاءِ}[6]. وكذلك يراعي الإنسان مستوى السامعين: فعندما يقول بعض العلماء: من لا يخرج الزكاة يجئ له الشجاع الأقرع في قبره ... إلى أخره، أقول أنا له شيئاً آخر يلائمه: (عندما تخرج الزكاة تكون قد وقَّعْتَ تأميناً مع الشركة الإلهية، وبمقتضى هذا العقد تُخرج أنت العشر أو نصف العشر، وهم يتولون حفظك، وحفظ أولادك، ويعطوك بركة في أرزاقك، ويعطوك بركة في عقول الأولاد). وهكذا عندما توضح له هذه النواحي العلمية سيقبل على كتاب الله وعلى رسوله. وليس معنى ذلك أن نترك تراثنا الماضي، ولكن هذا ما أمرنا به الله عزَّ وجلَّ عن القرآن: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [49 العنكبوت].
ولذلك فأجدادنا السابقون الذين أخذت أوربا عنهم العلم، كانوا يربطون بين العلم والدين، فمثلاً: ابن سينا طِبُّهُ مربوط ربطاً وثيقاً بآيات الله وأحاديث رسول الله، والرازي، وكذلك البيروني في علم الفلك، والخوارزمي كذلك، كلهم كانوا يربطون بين العلوم وبين القرآن. وعندما ذهبت هذه الكتب إلى أوربا: وكان رجال الكنيسة يفرقون بين الدين والعلم، طبقوا ذلك على اتصال الدين بالقرآن.
أما نحن فعلينا أن نرجعها إلى عهدها السابق، وإلى ما كانت عليه في البداية، فنربط آيات الله عزَّ وجلَّ بالعلوم الحديثة التي ثبتت مصداقيتها، وأصبحت علوماً ثابتة، وهذا هو الجهاد الأعظم في زماننا الآن، ومن فضل الله عزَّ وجلَّ علينا أنه هيَّأ كثيراً من المسلمين وغيرهم لإثبات هذه الحقائق، وعليك أنت أن تزيح الستار عمَّا في هذه الكتب، وتبيِّن جمالها لإخوانك المسلمين، وهذا جهاد العلماء في هذا الزمان.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا العلم النافع، والقلب الخاشع، والعمل الرافع، وأن يجعلنا قرآنيين في أخلاقنا، وفي تذكيرنا، وفي علمنا، وفي سلوكنا، إنه ربُّ الخير على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.

*************
 1    كانت هذه الإشراقات في احتفال الإسراء والمعراج الخميس 21 رجب 1413هـ ، 14 يناير 1993م
[1] رواه الديلمى عن ابن عباس رضي الله عنهم، وفى رواية أبى نعيم ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم في مسند الأحاديث والمراسيل: (لاَ تُحَدثُوا أُمَّتِي مِنْ أَحَادِيثِي إلاَّ من بِمَا تَحْمِلُهُ عُقُولُهُمْ)، وفى رواية أخرى لإتمام بيان المعنى المراد: عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قَالَ: "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَسْمَعُ مِنْكَ نُحَدثُ بِهِ كُلَّه؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِلاَّ أَنْ تُحَدَّثَ قَوْماً حَدِيثاً لاَ تَضْبِطُهُ عُقُولُهُمْ فَيَكُونَ عَلٰى بَعْضِهِمْ فِتْنَةً"، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يُكِنُّ أَشْيَاءَ يُفْشِيهَا إِلى قَوْمٍ.
[2]  عن حِزام بن حيكمٍ بن حِزام عن أَبيهِ في مجمع الزوائد ، وفى ومسند الشاميين عن عبد الله بن سعد ، كما رواه جلال الدين السيوطي في جامع المسانيد و المراسيل عن عبد الله بن سعيد الأنصاري.
[3] ورد في السيرة الحلبية لعبد الله الخفاجي، وفى نور اليقين لمحمد الخضرى.
[4] رواه أبو داود وأجمد وفى مشكاة المصابيح عن البراء بن عازب، كما رواه صاحب الترغيب والترهيب وهو حديث طويل نذكر منه : (إِنَّ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ في انْقِطَاعٍ مَنَ الدُّنْيَا وإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلْيهِ مَلاَئِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، وَيَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ قالَ: فَتَخْرُجُ فَتَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأَخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا في ذلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ، قالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلاَ يَمُرُّونَ عَلَى مَلاءٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ إِلاَّ قالُوا: مَا هذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولاَنِ: فُلاَنُ ابْنُ فُلاَنٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كانَ يُسَمَّى بِهَا في الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ فَيُشَيِّعَهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرِّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا ، حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ)، وللحديث بقية طويلة لمن أراد أن يستزيد.
[5] في الحديث المشهور الذي رواه الإمام على بن أبى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض بيانه عن كتاب الله.
[6] حكاية عن قول عيسى عليه السلام كما في الإحياء للغزالي وقوت القلوب لأبى طالب المكِّي.
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

الاثنين، 13 مارس 2017

- توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات

واعلم أن توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات:
الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصِمُ النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نَفْيُ الشركاء والأنداد، والصاحبةِ والأولاد، والأشباه والأضداد.
الثانية: توحيد الخاصة، وهو أنْ يَرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإنَّ ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مَقامُ الخاصة يقينٌ في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاعُ إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجوا الله، ولا يخاف أحداً سواه، إذ ليس يَرى فاعلاً إلا الله، فيَطْرَحُ الأسباب، وينبذ الأرباب.
الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيبَ عن النظر إلى الأكوان في شهود المُكَوَّن، وهذا مقام الفناء، فإن رُدّ إلى شهود الأثر بالله سُمي مقام البقاء. اهـ. قال بعضَه ابنُ جُزَيّ باختصار.
قلت: وفي التحقيق أنهما أنهما مقامان؛ مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوّضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف.
(أهل الدليل والبرهان عمومٌ عند أهل الشهود والعيان)؛ لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحقّ تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟- متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه؟ ومتى بَعُد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟- ولله در القائل:
لقد ظهرتَ فما تَخْفَى على أحدٍ ** إلا على أَكْمَهِ لا يُبْصِرُ القمرَا

لَكِنْ بَطَنْتَ بما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِبا ** وكيفَ يُبْصَرُ مَن بالعزةِ استترَا
وقال آخر:
ما لِلحِجَابِ مَكَانٌ في وجُودِكُمُ ** إِلا بِسِرِّ حُروفِ انظُرْ إلى الجَبَلِ

أنتُم دلَلْتُمُ عليكُم مِنكُمُ ولكُمْ ** دَيمُومَةٌ عبَّرتْ عَنْ غاَمِضِ الأزلِ

عَرَّفْتُم بكُم هذا الخبيرَ بِكُم ** أنتُمْ هُمُ يا حياةَ القلْبِ يا أمَلِي

ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية، فكلما قَويَ التوحيدُ في القلب قويت المحبة؛ لانحصارها في واحد، ذكرها بأثر التوحيد.

الأربعاء، 15 فبراير 2017

- حلية الإيمان وزينته

إن الإيمان هو الزينة الحقيقية التي من تزين بها كان في أبهى صورة وأكمل زينة ظاهرا وباطنا، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف نعمة اللباس وإنزاله للناس ليكون لهم زينةً وستراً وجمالاً قال عز وجل: { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ }[الأعراف:26]، إذ إن لباس التقوى وحلية الإيمان هو في الحقيقية الحلية الحقيقية والزينة التامة الكاملة التي من فقَدَها فقَدَ الخير والفضيلة وفَقَد الحُسن والجمال.
ولقد امتنّ الله سبحانه وتعالى على أهل الإيمان بأن أكرمهم بهذه الزينة ، وجمّلهم بهذه الحلية ، وأصبحوا لمخالطة الإيمان قلوبهم ولتذوقهم طعمه وحلاوته ولمعرفتهم بقدره ومكانته أصبحوا يحسُّون بمكانة هذه الزينة ويجدون ذلك في قلوبهم ، قال الله تعالى في سورة الحجرات : { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [الحجرات:7-8] ، والشاهد قول الله عز وجل :{وَزَيَّنَهُ } أي الإيمان { فِي قُلُوبِكُمْ } ؛ فأصبح قلب المؤمن الذي منّ الله سبحانه وتعالى عليه بذوق هذه الحلاوة وشهود هذا الطعم والهناءة بهذه اللذة يجد هذه الزينة في قلبه ويحس بها.
ولقد كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم:" اللهمَّ زيِّنا بزينةِ الإيمانِ ، واجعلْنا هداةً مُهتدينَ".

وهذا التزين والتجمل بحلية الإيمان وزينته يتطلَّب من العبد الموفَّق مجاهدةً للنفس واستعانةً بالله عزّ وجلّ كما وجه الله تعالى عباده إلى هذا المعنى في سورة الفاتحة التي يقرأها المؤمن في صلواته عدة مرات في اليوم والليلة:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}{الفاتحة)، وكما قال عليه الصلاة والسلام : " احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ..."؛ فيجاهد نفسه على التحقق بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام ساعياً في تكميل نفسه بذلك وتتميم جماله الظاهر والباطن بتحقيق ذلك ، وهو في كل ذلك يطلب من الله مدده وعونه ، وهو في هذا الشأن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نُقلت عنه دعوات عظيمة مباركة يحسن بالمسلم أن يُعنى بها :
منها بالإضافة إلى ما سبق ما ثبت في صحيح مسلم من دعائه عليه الصلاة والسلام : "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِى دِينِىَ الَّذِى هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ... ".
وكذلك ما جاء في دعاء الكرب : " اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلاَ تَكِلْنِى إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ " .
وما جاء عنه في أذكار الصباح والمساء: "يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِكَ أستغيثُ أصلِح لي شأني كلَّهُ ولا تَكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ".

وإذا كان من الله تعالى العون والمدد تحقق للعبد السعادة والهناءة واللذة والطمأنينة وراحة النفس ونيل ثواب الله سبحانه وتعالى وأجره والفوز برضاه عز وجل .
وإذا بدر من العبد عصيان أو تقصير فإن إيمانه يدعوه إلى المسارعة إلى التوبة والاعتذار وشعاره دوما: "لك العتبى حتى ترضى" .. قد انصبغت نفسه بصبغة الإيمان الدائمة التي لا يعتريها زوال ولا يغيرها طول الأيام. قال تعالى: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة:138]"صبغة الله" .. قال ابن عباس: دين الله، وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب.
وزينة الإيمان هي زينةٌ تتناول ظاهر العبد وباطنه ؛ فهي زينةٌ للقلب بحقائق الإيمان وأصول الدّين ، وأعظم ذلك أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الله وتقوم عليها هذه الزينة: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" وهذه أصول وقواعد وأسس يقوم عليها هذا الجمال العظيم والزينة العظيمة ؛ زينة الإيمان ، قال الله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } [البقرة:177]، وقال الله تعالى :{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[البقرة:285]، وقال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء:136].

فهذه أصول وقواعد تقوم عليها شجرة الإيمان ، وقد قال الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}[إبراهيم:24] ، فهذه الشجرة الجميلة البهية الحسنة التي لا أزين منها ولا أحسن تقوم على أصل ثابت ، ومن هذا الأصل تتفرع الفروع الجميلة البهية الحسنة - فروع الإيمان - وهي أنواع الطاعات وصنوف القربات التي يتقرب بها المسلم لربِّه جلّ وعلا ، ثم بعد ذلك تأتي الثمار الجميلة الحسنة البهية التي يجنيها المؤمن {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }[إبراهيم:25] ومن أكرمه الله سبحانه وتعالى بالعناية بالأصل الذي وُجد لأجله وخُلق لتحقيقه وسأل ربه سبحانه وتعالى العون على ذلك والتوفيق لتحقيق ذلك هُدي بإذن الله عز وجل إلى صراط الله المستقيم ، وفاز بعون الله عز وجل ومدده وتوفيقه بالزينة الحقيقية والجمال الكامل الذي يفوز بآثاره الدنيوية والأخروية ؛ ومن هذه الآثار المباركة على سبيل المثال ما جاء في قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}[مريم:96] أي محبة في قلوب الخلق، وقوله جل وعلا :{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}[النور:55] ، وقوله سبحانه وتعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[النحل:97]وقوله تعالى عما أعده لهم في الآخرة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف:107] ، وقوله جل وعلا : ، وقوله جل وعلا : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } [القمر:54-55] ، وقوله جل وعلا : { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا } إلى آخر الآيات [النبأ:32-33] .
فلا يزال المؤمن يجني من ثمار هذه الشجرة الجميلة البهية في كل وقتٍ وحين في دنياه وأخراه ، من سعادةٍ ، وراحة قلبٍ ، وقرة عينٍ ، وهناءة نفسٍ ، وسعة رزقٍ ، وذهاب همٍّ ، وزوال غمٍّ إلى غير ذلك من الثّمار في هذه الحياة الدنيا ، وثواب الآخرة خير وأبقى .

الأربعاء، 8 فبراير 2017

- دلائــل اليقيــن


اليقين أعلى منازل عبادات القلوب، وعليه مدارها، وهو بمنزلة الروح لأعمال القلوب التي هي أرواح لأعمال الجوارح.

كان بعض السلف يقول: باليقين طلبت الجنة، وباليقين هرب من النار، وباليقين أديت الفرائض، وباليقين صبر على الحق، وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتقاربون في العافية، فإذا نزل البلاء تفارقوا.

ومن روائع ابن القيم رحمه الله في وصف منزلة اليقين قوله: وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون،  وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وعمل القوم إنما كان عليه، وإشاراتهم كلها إليه، وإذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما حصول الإمامة في الدين قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } السجدة 244 .

الدعاء باليقين وأنه أفضل ما يؤتى العبد
ولجلالة منزلة اليقين في عبادات القلوب حثت السنة النبوية على أن يدعى الله ويسأل أن يرزق به، فقد ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - فاختنقته العبرة وبكى - ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر يقول عام أول: سلوا الله العفو والعافية واليقين في الأولى والآخرة فإنه ما أوتي العبد بعد اليقين خير من العافية.

اليقين ضد الشك
واليقين في اللغة: هو زوال الشك مع العلم وتحقيق الأمر.
وتأكيد هذا المعنى ورد في السنة النبوية كما في الحديث الثابت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين... ).
فجعل اليقين ضد الشك، فاليقين هو العلم المتحقق الذي لا يداخله تردد أو ضعف ثقة به.

اليقين هو الإيمان كله
أما من حيث المعنى الاصطلاحي لليقين، فإن من العلماء من يدقق في معنى اليقين ويذهب إلى أنه يطلق على معنيين:
الأول: أصل الإيمان بأركانه وشروطه المعروفة.
والثاني: منزلة رفيعة من منازل الإيمان لاينالها إلا الكُمّل من المؤمنين.

ولا يطلق على أحد بأنه موقن إلا إذا استقر في قلبه العلم والعمل مطمئنًا بذلك.
وقد جاء في السنة النبوية المطهرة ما يدل على أن اليقين هو الإيمان المنجي، كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت يصير إلى القبر. فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشعوف. ثم يقال له فيم كنت؟ فيقول كنت في الإسلام. فيقال له ماهذا الرجل؟ فيقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه. فيقال له هل رأيت الله؟ فيقول ما ينبغي لأحد أن يرى الله فيفرج له فرجة قبل النار. فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا. فيقال له انظر إلى ما وقاك الله. ثم يفرج له قبل الجنة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له هذا مقعدك. ويقال له على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعًا مشعوفًا. فيقال له فيم كنت؟ فيقول لا أدري. فيقال له ماهذا الرجل؟ فيقول سمعت الناس يقولون قولاً فقلته. فيفرج له قبل الجنة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له انظر إلى ماصرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا. فيقال له هذا مقعدك، على الشك كنت. وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى).

وقد ثبت عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: اليقين الإيمان كله.

ويشرح الحافظ ابن رجب قول ابن مسعود هذا فيقول: واليقين: هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به، وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله.. ولم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان، إنما مراده: أن اليقين هو أصل الإيمان كله، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة فنشأ ذلك كله عن اليقين.

اليقين هل يقوى ويضعف؟
والصحيح أن اليقين يرتفع وينخفض ويقوى ويضعف، ويزيد وينقص لعلاقته بالإيمان كما تقدم، قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: اليقين يقوى ويضعف.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن كثيرًا من الناس لا يصلون إلى اليقين الكامل، ولو أتيح لهم من يشككهم لشكوا، ولكنهم ليسوا كفارًا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ تلك الشكوك، ولا عندهم من قوة الحب للّه ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة والفتنة وماتوا دخلوا الجنة لأن معهم من الإيمان ما ينجيهم، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توقعهم في التشكك، فإن لم ينعم اللّه عليهم بما يزيل تلك الشبهات، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق.

كيف يكتسب اليقين؟
يتحصل اليقين ويكتسب بأمور من أهمها :

أولًا: حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بإخلاص وصدق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).

وقد قال العلماء رحمهم الله: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضا الله عز وجل، وإيثار ذلك على عرض الدنيا.

ثانيًا: تدبر القرآن، ومن المواسم التي تسنح للمسلم في كل سنة شهر رمضان، وهو شهر القرآن الذي أنزل فيه، وتتحقق فيه من الفرص لسماع القرآن وتدبره ما قد لا يحدث في باقي أيام السنة لكثير من الناس، فشهر رمضان فرصة ثمينة لكل مسلم ليتدبر كتاب الله عزوجل ليزيد من يقينه ويبني رصيدًا كبيرًا وقويًا له يستعين به على تحقيق أمله في بلوغ رضا الخالق عزوجل.

ثالثًا: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق، التي تبين أنه حق، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} «فصلت: 53»، ومن ذلك مشاهدة العبر التي تحدث للعصاة والطغاة، والتأملات في السماء والفلك وسائر مخلوقات الله عزوجل فإن هذه المشاهدات المصحوبة بالتدبر تورث علمًا وطمأنينة في القلب.

رابعًا: العمل بموجب العلم، فاليقين ليس علمًا نظريًا فقط بل لابد من أن يصدقه العمل، والعمل بالطاعات والصالحات، يعزز اليقين ويرسخه.

دلائل اليقين ومؤشراته
لليقين دلائل ومؤشرات، وسنكتفي بها عن الحديث عن ثماره وفوائده، فإذا أردت أن تعرف قربك أو بعدك من اليقين، فاعرض نفسك على هذه المؤشرات، ومنها:
أولًا: إن مما يضاد اليقين التلون وانقلاب المفاهيم والتصورات بحيث يكون الحق في وقت باطلًا، ويصبح الباطل في وقت آخر حقًا، وما أجمل ما قاله الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان لأبي مسعود لما دخل عليه وقال له: اعْهَدْ إِلَيّ فَقَالَ حذيفة: أَلَمْ يَأْتِكَ الْيَقِينُ؟!
قَالَ : بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّي!
قَالَ حذيفة: فَاعْلَمْ أَنَّ الضَّلاَلَةَ حَقَّ الضَّلاَلَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ وَأَنْ تُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ.
فمن أهم المؤشرات الدالة على وجود اليقين: الثبات على الحق مع اختلاف الزمان والمكان بما في ذلك وقوع الفتن التي يُزين فيها الباطل، ويُشوه فيها الحق وأهله، وتقوم فيها سوق الشبهات والأباطيل، ويُضعف أهل الحق والصادعون به.

ثانيًا: التعامل مع المصائب والابتلاءات بقلوب مطمئنة إلى موعود الله وصابرة على قضائه وقدره، ففي الحديث الحسن المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا جلس مجلسًا لم يقم حتى يدعو لجلسائه بهذه الكلمات وزعم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهن لجلسائه اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكثر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا.
ثالثًا: ألا يرضي العبد الناس بما يسخط الله رغبة بما عندهم أو خوفًا منهم.
رابعًا: الاعتقاد الجازم بأن الرِّزْقَ لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، مع العلم بأن الإنسان لو هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت.
خامسًا: ومن دلائل ضعف اليقين: أن يثق العبد بما في يده أكثر من ثقته بما في يد الله عز وجل.
سادسًا: ومن دلائل ضعف اليقين: ضعف العمل بالطاعات والخيرات والاغترار بما عند الله مع عدم العمل.
سابعًا: صدق التوكل على الله في الأمور كلها.
ثامنًا: الخوف من الله وخشيته بالغيب حين يخلو الإنسان بمحارم الله.

الاثنين، 28 نوفمبر 2016

- الغيوب الإلهية

الغيوب الإلهية
 ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ):
تعريف الغيب
الغيب كل ما غاب عن حس الإنسان، عن العين، وعن الأذن، وعن كل الحواس، لا يراه الإنسان بالعين، ولا يسمعه بأذنه، ولا يلمسه ببشرته، وكل هذا يسمى غيب.
أنواع الغيوب
يوجد غيب كوني ويوجد غيب ملكوتي، ويوجد غيب إلهي، ويوجد غيب ذاتي فيك
الغيب الذاتى فى الانسان:
يوجد غيب ذاتي فيك، أين يوجد العقل؟ الموجود في الرأس المخ، والعلم يسير مع الدين، فالمخ سنترال، فيه عشرة بليون خط تليفوني لكل أجزاء المملكة، كل جزئية بسيطه لها خط تليفوني، إذا حدث أي شيء يتصل السنترال مباشرة، فالمخ هو الذي يشرف على الجهاز العصبي للإنسان.
لكن العقل الذي يوجد فيه العلوم التي حصَّلتها، والخبرات التي اكتسبتها، والتجارب التي مارستها، وما عرفته من الخلق، وسكان الأرض، وعندما أحتاج أى معلومة من هؤلاء تأتي في أقل من لمح البصر، أنا لم أعلم يا فلان أين رأيتك؟ في لحظه يرسل لي المعلومة وأتذكره، أنا كنت في المكان الفلاني ورأيتك، وقلت لك كذا، وقلت لي كذا، أين هذه الشرائط؟ في العقل، أين يوجد العقل؟ لا يعلم العقل إلا من خلق العقل، مع أنه في الإنسان، ولكنه غيب من غيوب الإنسان.
الروح في الإنسان، عندما يتحرك بيننا ويأتي ويذهب ويعمل ويأكل ويشرب تكون فيه الروح، فإذا توقفت أجهزة الإنسان نقول خرجت الروح، كيف خرجت ولم نرها؟! ومن أين خرجت؟! وأين ذهبت؟! هذا غيب لا يعلمه إلا عالم الغيب، هذه اسمها غيوب ذاتية في الإنسان.
الغيب الكونى
وتوجد غيوب في الأكوان التي نحن فيها، فيها غيوب لا عدَّ لها، ولا حدَّ لها، حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن بعضها، وعن الغيوب المستقبلية وما سيحدث في الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أليست هذه غيوب؟ اللحظة القادمة بالنسبة لي ولك غيب، لا أقول غداً، بل اللحظة القادمة غيب، هل أنا أعلم ما أفعل فيها؟ أو أعلم ما يحدث لي، فهذه بالنسبة لي غيب، لا يعلمه إلا عالم الغيب عزوجل، معي الكرام الكاتبين والحفظة:( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (11الرعد) الذي يحفظه من الأمام، والذي يحفظه من خلفه، والذي يحفظه وهو نائم، والذي يحفظه وهو مسافر، أين هم؟ من فينا يراهم أو يعلمهم؟ أحدهم يحرر شيكات الحسنات، والآخر يسجل محاضر المخالفات، وقبل أن يكتب المحضر يقول له الآخر انتظر قليلاً لعله يتوب، هل يوجد فينا من يسمع هذا الهمس؟ هذا غيب.
معنا عوالم خفية لا يعلمها إلا رب البرية، الجن منهم، إذا نظر أحد منا إلي أي بقعة من التي حولنا، أو حتى على جلدك بمنظار مكبر تجد ملايين الكائنات، من ينجح أن يدخل يسبب المرض، هل أنت تراه؟ من أين يدخل؟! غيوب لا يعلمها إلا علام الغيوب عزوجل.
الغيب الملكوتى:
وهناك غيوب ملكوتية، وهي الملائكة، والجنة، والنار، وما جهزه الله عزوجل في الملكوت للأخيار والأطهار والصالحين والأبرار، وهناك غيوب إلهية؛ الحضرات العلوية، حضرات العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، وحضره الهوية، وحضرة الإلهية، وأشياء ليس لها مثل ولا شيء قريب نستطيع أن نقرب معانيها به، وإنما غاية ما يقال فيها:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )(11الشورى) فالمؤمن لا بد أن يؤمن بكل الغيوب التي أنبأنا بها علام الغيوب في كلامه المكتوب، أو تفوَّه بها وذكرها لنا الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابه ذات مره يوضح لهم شيء من ذلك، أخذهم ذات مرة إلى المقابر، فمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ::
{ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ }[1]
هل يوجد أحد فينا عندما يذهب إلى المقابر يرى هذه المناظر؟ لا، وإلا ستتكدر المعيشة علينا، فمن رحمة الله بنا أن حجب عنا هذه الغيوب، حتى نستطيع أن نحيا الحياة الطيبة في الدنيا، ونسعى لرضاء علام الغيوب عزوجل: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وفصَّل الله عزوجل هذا الإجمال في آخر الملف

منقول من كتاب تفسير آيات المقربين 
لفضيلة السيخ فوزى محمد أبوزيد

[1] البخاري ومسلم عن ابن عباس y

الأحد، 27 نوفمبر 2016

- شروط الإيمان وخصال المؤمنين 2

شروط الإيمان وخصال المؤمنين
إذا علم الإنسان شرائط الإيمان وخصال المؤمنين، علم ما الإيمان ويعرف من المؤمن  بالحقيقة.

الإيمان مقول على نوعين: ظاهر وباطن.
الإيمان الظاهر: هو الإقرار باللسان بستة أشياء:
( أ ) الإقرار بأن للعالم صانعا واحدا، حيا قادرا، حكيما أحدا، صمدا عالما، مريدا    مدبرا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، غنيا بذاته عن المكان والزمان، منزها   عن الكم والكيف والنظير والند والضد، عليا عن الإدراك إذ لا يعلم حقيقته إلا هو  وحده سبحانه، وهو الله خالق الخلق كلهم ومدبرهم لا شريك له في ذلك .
( ب ) الإقرار بأن له ملائكة صفوة الله من خلقه، أقامهم لعبادته وطاعته وجعلهم  حفظة لخلقه، ووكل كل طائفة بالقيام بشأن مما قدره ودبره وأراده من شئونه، التي  يبديها في خلقه ولا يبتديها في عالم سماواته وأرضه ) لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ((1).
( جـ ) الإقرار بأنه قد اصطفى صفوة من بني آدم، وهم رسله وأمناؤه الذين يبلغون الناس كلامه سبحانه المنزل عليهم، ويدعونهم إلى توحيده سبحانه والعمل بما أمر.
( ء ) الإقرار بأن هذه الأشياء التي جاءت بها الأنبياء عليهم السلام من الوصايا والأنباء   باللغات المختلفة، منزلة معانيها من الله سبحانه وتعالى وحيا أوحى الله به إليهم بطرق  الوحي المعلومة شرعا وثبتت عقلا.
( هـ ) الإقرار بأن القيامة لا محالة كائنة وهي النشأة الآخرة، وأن الخلق كلهم يبعثون    ويحشرون ويحاسبون ويثابون بما عملوا من خير ومعروف، ويجازون بما عملوا من شر        ومنكر، أو يغفر الله وهو الغفور الرحيم، وذلك قول الله تعالى: ) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا  أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ((2). وقال: ) وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ((3).
( و ) ويكمل الإيمان الظاهر بأن يقر المؤمن بأن سيدنا ومولانا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل  وخيرهم، وأن كتابه مهيمن على جميع الكتب، وأن الدلائل والبراهين التي أقامها الله    تعالى في القرآن تكفي لمن سلم قلبه من العناد وطهرت نفسه من الخبث، أن يتحقق أنه  رسول الله، وأن القرآن كلام الله، وأن من لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم كافر، وأن القضاء والقدر  خيره وشره من الله تقديرا وإرادة وإيجادا، وأن التكلم فيه بدون علم وتسليم ربما أدى  إلى سلب الإيمان، ولا يكمل الإيمان الظاهر إلا بالعمل على قدر الاستطاعة بما أمر الله  به، والنهي مطلقا عما نهى الله عنه إلا لضرورة شرعية.
ومجموع هذا هو الإيمان الظاهر الذي دعت الأنبياء عليهم السلام الأمم المنكرة لهذه  الأشياء إلى الإقرار بها، وهو يؤخذ تلقينا كما يتلقن الصغار من الكبار والجهال من العلماء.

الإيمان الباطن:
عقد القلب على اليقين الحق بما أقر به لسانه فهذه هو حقيقة الإيمان، بحيث يكون
عقد القلب كعقد قلب من شهد بعيني رأسه عقدا لا يعتريه شك ولا ريب.

المؤمن ظاهرا:
هو المقر بهذه الأشياء بلسانه، المتميز من اليهود ومن النصارى والصابئين والمجوس   والذين أشركوا، وبهذا الإقرار يجري عليه أحكام المسلمين من الصلاة والزكاة والحج     والصوم وما شاكلها من مفروضات شريعة الإسلام وسنة المؤمنين.

المؤمن ظاهرا وباطنا:
أما الذين مدحهم الله في كتبه ووعدهم الجنة، فهم الذين يتيقنون بضمائر قلوبهم  حقائق هذه الأشياء المقر بها، وأما الطريق إليه سبحانه فهو بالتفكر والاعتبار والقيام    بشرائطها وواجب حقها كما قال الله تعالى: ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا  مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ((1).

أكمل شرائط المؤمنين
أولا: التوكل على الله
منها التوكل على الله كما قال الله تعالى: ) وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ((2) وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ((3) وأريد أن  أبين ما التوكل ومن المتوكل على الله بالحقيقة ؟؟ .
اعلم يا أخي أن التوكل هو الاعتماد على الغير عند الحاجة بأن ينوب عنك فيها، واعلم أنه إذا كان المتوكل عليه ثقة يكون قلب المتوكِّل عليه ساكنا ونفسه مطمئنة، وإذا كان غير ثقة يكون قلب المتوكل عليه غير ساكن ونفسه غير مطمئنة.
واعلم يا أخي أن الناس كلهم متوكلون ولكن أكثر توكلهم على غير الله، من ذلك توكل الصبيان على آبائهم فيما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللبس وغيرها من  الحاجات، فهم طول النهار مشغولون باللعب لا يفكرون في أمر المعاش ولا يهمهم طلبه  لاتكالهم على آبائهم وقلوبهم ساكنة ونفوسهم هادئة ليقينهم بآبائهم، وهكذا العبيد
مشتغلون بخدمة مواليهم لا يفكرون في طلب المعاش اتكالا على مواليهم فيما يحتاجون  إليه، وهكذا جنود السلطان وخدمه لا يفكرون في طلب المعاش اتكالا على السلطان في   أرزاقهم المفروضة لهم، فهم مشتغلون في خدمة سلطانهم.

وأما غير هؤلاء من الناس فهم طائفتان: الأغنياء والفقراء، فأما الأغنياء فاتكالهم على ذخائرهم وأموالهم وقلوبهم ساكنة ونفوسهم هادئة، ولكن الحرص والرغبة والطمع    في الزيادة تحثهم على الطلب، وهم في الطلب متوكلون على رأس أموالهم وحرفهم  وحذقهم بالبيع والشراء في طلب الربح، وأما الفقراء فهم الصناع الذين يعملون   بأبدانهم واتكالهم على صناعتهم وقوة أبدانهم، وأما الكذابون فاتكالهم على الناس في  مواساتهم من فضل ما في أيديهم.

فبهذا الاعتبار لا تجد أحدا متوكلا على الله حسن التوكل إلا الأنبياء وصالح المؤمنين، وذلك أن الأنبياء قبل أن يوحى إليهم يكونون كأحد أبناء الدنيا في طلب المعيشة، حتى  إذا جاءهم الوحي والنبوة تركوا طلب المعاش واشتغلوا بتبليغ الرسالة، ويتوكلون على الله فيما يحتاجون إليه من عرض الدنيا، ويتيقنون به عز وجل وتطمئن به نفوسهم، لأنهم  يعلمون ويتيقنون بأن مرسلهم يكفيهم ما يحتاجون إليه في طاعتهم إذا اشتغلوا في خدمته، كما أن الملوك يكفون جنودهم ما يحتاجون إليه في طاعتهم، هكذا المؤمنون المحققون الذين هم ورثة الأنبياء يقتدون بهم ويسلكون مسلكهم فيما دلهم الله عليه، قال تعالى: ) لَقَدْ  كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ((1) فالتوكل إذن أحد الخصال التي يبين بها من المؤمن حقا .
ثانياً: الإخلاص في العمل والدعاء:
من أكمل البراهين على أن المؤمن كامل الإيمان ذائق حلاوة الإخلاص في العمل  والدعاء لما أمر الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى: ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ((2) وقال تعالى: )  لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ((3).

1- فالإخلاص في العمل:
هو أن لا يطلب بما يعمل جزاءاً ولا شكوراً من أحد من  خلق الله، مثل إخلاص الوالدين في تربيتهما الأولاد، فإنهما لا يطلبان جزاءاً ولا شكوراً

لأنهما قد علما بأنها واجبة في الجبلة، ومثل إخلاص العبيد الصالحين الذين يخدمون  مواليهم من غير خوف من الضرب ولا طلب للعوض، لأنهم قد علموا بأن خدمتهم هي      شيء تقتضيها الحكمة، فالعبد الذي يخدم مولاه خوفا من الضرب أو طلبا للعوض عبد   سوء، وهكذا من لا يطيع ربه إلا خوفا من النار أو رغبة في الأكل والشرب والجماع في   الجنة فهو أيضا عبد سوء، والعبد السوء لا يكون مخلصا في الدعاء ولا في العمل .

2- الإخلاص في الدعاء:
لا يكون المؤمن مخلصا في دعائه حقيقة الإخلاص ما دام    له تدبير وحول وقوة في دفع ما يدعو لكشفه، حتى يتحقق بالعجز عن دفعه بحوله وقوته وماله وأهله والناس أجمعين، مثال ذلك ما يحصل لأهل السفينة فإنهم يدعون الله تعالى   مع اعتمادهم على الربان ( رئيس النواتية ) وعلى الملاحين ( النواتية ) فإذا علاهم موج  كالظلل وجزع الربان والملاحون ودهشوا عند ذلك يخلص الكل الدعاء لله، كما قال  سبحانه وتعالى: ) دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ((1) .
وقد يحصل الإخلاص الحقيقي في الدعاء للأفراد الذين كوشفوا بحقيقة التوحيد  وتحققوا أن الضار والنافع هو الله، فإنهم لخشيتهم من الله لا يتحققون بنفع الأشياء النافعة   ولا بضرر الأشياء الضارة، فهم يدعون الله مخلصين أن يدفع عنهم الضر ويمنحهم   النفع، ولا تخلو الأحوال التي تصيب بني آدم في أبدانهم وأموالهم وأهليهم من الحكم الربانية فيفزعون إلى الله تعالى ويسألون العارف أن يدعو الله لهم ليكشف الله عنهم ما ألم   بهم، فإن دعاء العارف يتلقنه الجاهل ويهدي النفوس إلى معرفته سبحانه، فيعلمون  عند ذلك بنظرهم التجاء العقلاء في دعائهم وتضرعهم إلى الله تعالى، ليكشف عنهم           ما هم فيه، أن لهم إلها جبارا عالما قادرا يسمع دعاءهم ويعلم ما هم فيه، وهو قادر على نجاتهم، يراهم وإن كانوا لا يرونه، ولا يدرون أين هو.وعلى هذا القياس كل ما يصيب الناس من الجهد والبلاءـ فيضطرهم ذلك إلى الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، مثل الغلاء والوباء والآم الأطفال ومصائب الأخيار وما شاكلها من الأمور السماوية التي لا سبيل لأحد في دفعها عنهم إلا الله تعالى، فيكون ذلك دلالة لهم على الله عز وجل، وهداية إليه كما قال سبحانه: ) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ  إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ((2).

ثالثاً: الصبر
الصبر هو الصفة التي يتجمل بها من عرف الله، ويتحلى بها من يرجو ثوابه وهي  علامة اليقين وحصن المتقين، كما قيل: ( الصبر رأس الإيمان ) وقال تعالى: ) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ((1). وقال للمؤمنين: ) اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ((2) الآية.
واعلم يا أخي أن الصبر هو الثبات في حال الشدائد بلا جزع لما يرجى من محمود العاقبة، والصبر مشتق من مرارة الصبر.
واعلم يا أخي أن الناس أكثرهم يصبرون في الشدائد ولا يكون صبرهم بالله ولا  لله، لأنهم يجزعون ويضطربون ويشكون ويظنون بالله ظن السوء كما قال الله تعالى في قصة المنافقين: ) وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ((3) وذلك أن منهم من ظن أن  تلك الشدائد التي أصابتهم جور منه إذ قضاها عليهم، ومن ظن أنه ليس من قضائه  وحكمه، ومنهم من ظن ليس يعلم ما هم عليه من الجهد والبلوى، ومنهم من يعلم  أنه يعلمه ولكنه يظن أنه لا يفكر فيهم ولا يهمه أمرهم، ومنهم من يظن أنه قاسي القلب قليل الرحمة وما شاكلها من ظنون السوء.

فأما الأنبياء والمؤمنون فإنهم يصبرون في الشدائد والبلوى ويكون صبرهم بالله ولله،  وذلك لأنهم يرون ويعتقدون أن الشدائد التي تصيب الخلق فيها ضروب من المصلحة لهم  وإن كان يخفى على كثير من العقلاء ما تلك المصلحة والحكمة، كما بينا في باب الدعاء  والإخلاص عند الشدائد، ومن حكمه في آلام النفوس الحيوانية دون غيرها من نفوس        النباتات والجمادات، حكمة ذلك أن آلام نفوس الحيوانات رحمة من الله تعالى بها  لتسارع إلى دفع الأمراض المسببة للألم لتحافظ على سلامة أجسادها من التلف والفساد.
رابعاً: الرضا بالقضاء والقدر
هو طيب النفس بما يجرى على الإنسان من المقادير, وجريان المقادير بالقضاء هو علم الله السابق بما رتبته القدرة وخصصته الإرادة فيما كان وما يكون، وإبراز ذلك في  زمانه ومكانه، والرضا بالقضاء والقدر صفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وورثتهم من  الصديقين والشهداء وقليل ما هم، لأنه عن التحقق بحقيقة التوحيد ومكاشفة حق

اليقين، قال الله تعالى: ) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ((1) وقال تعالى: ) رَضِيَ   اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ((2) والحقيقة أنه لا يرضى بمرارة ما يجري به القضاء بطيب نفس إلا العارفون بالله تعالى، وفي رضاء هابيل بالقضاء حتى قتل ولم يمد يده، ورضاء  السحرة بالقضاء حتى صلبهم فرعون، ورضاء سيدنا الخليل بإلقائه في النار وقتل ولده طيبة بذلك نفسه، ورضاء سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر رباعيته وبالأذيات،   كل ذلك هو الرضاء حقيقة عن حق اليقين، ورضاء الصحابة رضوان الله عليهم طيبة   نفوسهم بالقتل في حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم .

علامة المؤمنين المتحققين:
أن لا يخافوا ولا يرجوا غير الله تعالى لكمال توحيدهم وصدق يقينهم، كما أن الأولاد  لا يخافون ولا يرجون إلا الآباء والأمهات، وهكذا الصبيان لا يخافون إلا من المؤدب،  والتلامذة لا يخافون إلا من الأساتذة، وهكذا الجند لا يخافون إلا من صاحب الجيش،     والناس كلهم لا يخافون إلا من سلطانهم القادر على أنفسهم، وكما حكى عن الملائكة     فقال: ) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ((3) فالملائكة لا يخافون إلا من  ربهم وهكذا العلماء، وقال الله تعالى: )  إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ((4) الذين يشاهدونه ويرونه كما قال تعالى: ) وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ((5) وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم   حين سأله الأعرابي ما الإحسان؟ فقال: » الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنتراه فإنه يراك « فهذه الرؤية والمشاهدة بعين الحقيقة وهي أن لا ترى في الدارين أحداً غيره، والتباعد عما نهى .

الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة :
من أكمل شرائط الإيمان وخصال المؤمنين كما رغب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ((1) وقال: )بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ  خَيْرٌ وَأَبْقَى ((2) وآيات كثيرة في القرآن في التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. واعلم يا أخي أن الإنسان مطبوع على أن لا يترك النفع الحاضر والعاجل ويزهد فيه،ويطلب الغائب الآجل ويرغب فيه، إلا بعد ما يتبين له فضل الآجل على العاجل. واعلم بأن المؤمنين والحكماء والأنبياء إنما زهدوا في الدنيا وتركوا عاجل شهواتها،  ورغبوا في الآخرة وطلبوا آجل نعيمها على نعيم الدنيا، وشاهدوها بعيون قلوبهم ونور   عقولهم كما شاهد أبناء الدنيا أمورها بحواسهم.

واعلم يا أخي بأن الطريق إلى معرفة حقيقة الآخرة ومشاهدة أحوالها، بالاعتبار والتفكر في أمور الدنيا  والمقارنة بينها وبين أمور الآخرة بالعقول السليمة من الآراء  الفاسدة، والنفوس الصافية من الأخلاق الرديئة، ونتائج المقدمات الصحيحة   الضرورية، بيان ذلك أن العاقل اللبيب إذا فكر في قول الجمهور من الناس، وتسميتهم  هذه الدار التي نشأوا فيها باسم الدنيا وذمهم نعيمها، يدل على الدار الآخرة وشرفها، لأن لفظة الدنيا تدل على الآخرة، كما أن لفظة الآخرة تدل على الأولى، لأنهما من جنس   المضاف.

ومن وجه آخر إذا اعتبرت أحوال الناس في الدنيا وجدتهم كلهم طائفتين: أخياراً،  وأشراراً، فأما الأخيار فهم الذين يعملون من الأعمال مارسهم لهم من الشريعة الإلهية،  ولا يطلبون على ذلك عوضاً من جر منفعة إلى أجسادهم أو دفع مضرة عنها فعند ذلك   يقال لهم أخيار على الإطلاق وأنهم من أبناء الآخرة.

وأما الذين يطلبون العوض فيما يعملون من الخير والشر من جر المنفعة إلى أنفسهم أو دفع المضرة عنها، ولا يفكرون في المعاد ولا يرجون في الآخرة الخير، ولا يخافون  العقاب ولا يهمهم أمر النفس ولا النظر في حالها بعد الموت، فيقال عند ذلك إنهم أشرار وإنهم من أبناء الدنيا.
ووجه آخر إذا اعتبر أحوال هؤلاء الأخيار الذين تقدم ذكرهم، وأنهم قد أفنوا
أعمارهم كلها فيما وصفنا من أعمال الخير، ثم ماتوا ولم يحصل لهم عوض على ما عملوه    قبل الموت، فتعلم العقول وتقضي بالحق، لأن ذلك لا يضيع عند الله شيئاً، فيصح بهذا  الاعتبار أنه بعد الممات الذي هو مفارقة النفس الجسد حالة أخرى يجازي فيها الأخيار، وهي التي تسمى الدار الآخرة، وهكذا إذا اعتبر حال الأشرار الذين سعوا في الأرض بالفساد طول أعمارهم ثم ماتوا ولم يعاقبوا على ما فعلوا، فتعلم العقول وتقضي بأن   هؤلاء لم يفوزوا، وأن حالهم بعد الممات ليس كحال أولئك الأخيار، وذلك قوله  تعالى: ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا  الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ((1).

هذا وإذا قد ذكرنا طرفا من خصال المؤمنين وشرائط الإيمان وخصال الكافرين وماهية الكفر، فنريد أن نذكر طرفا من علم المؤمنين الراسخين، وخصال العارفين    المستبصرين، الذين هم ورثة النبيين وأنصار المرسلين وإخوان الصديقين المتألهين    الربانيين، الذين هم في أعلى رتبة الإنسانية أعلى عليين، ونذكر أيضا طرفا من صفة  إخوان الشياطين الضالين المضلين الذين هم في أدنى رتبة الإنسانية مما يلي رتبة البهيمية أسفل السافلين، ونبين كل ذلك في مذكرة السالكين التي سنشرح فيها بمشيئة الله تعالى   الطريقة المستقيمة واصطلاحات أهلها وآدابهم وأحوالهم، وإن سبق لي أني تكلمت في    قسم علوم اليقين من كتاب: ( أصول الوصول ) على بعض علوم أهل اليقين، إلا أني سأوضح ما يتعلق بالطريق في كتاب: ( التذكرة ) بمشيئة الله تعالى وعنايته وحسن   توفيقه. والله تعالى أسأل أن يمن عليّ، وعلى جميع اخوتي المؤمنين، بمنن التوبة والإنابة   والإخلاص والصدق والمحبة والمعرفة والسعادة في الدنيا والآخرة إنه مجيب الدعاء.
استفت قلبك ولو أفتاك وأفتوك المفتون:
لا يكون الإنسان إنسانا له قلب إلا بعد معرفة نفسه مبدأ ونهاية، وبقدر ما ينكشف له   من الكمالات والفضائل التي تأهل للتجمل بها، والتكمل بمعانيها، والترقي لمراتبها،   تكون معرفته للفضائل والرذائل عن كشف وعيان، وتتفاوت مراتب المعرفة، فقد  تكون فضائل رتبة رذائل أخرى بالنسبة لمبلغ العلم بالنفس واستعدادتها، وبالنسبة  للمقادير التي اكتسبها العقل من التجارب والنظر، لأن للعقل وسائط يستمد بها الحكم
على الأشياء بيقين أو بظن وحدس تخمين تكون كالمقدمات المنتجة، وبقدر يقين تلك  المقدمات تكون النتائج، فكلما كانت المعلومات والتجريبات أكثر، كلما كان للقلب    طمأنينة بالحكم وسكون، وهذا في حيطة المعقولات.

فإذا زكت النفس واستعد الخيال للتمثيل، واجه القلب حضرة الملكوت الأعلى، بعد معرفته بكمالات الملك الأدنى، وفطرته على الأجمل من لوازمه والأكمل من  أموره، وبمواجهة القلب للملكوت الأعلى لا يحتاج إلى العقل، لأنه صار عقلا يعقل عن  الملكوت، ويمد الخيال بصور الكمالات الملكوتية، وبديع الجمالات الروحانية، فتكون  تلك الصور منطبعة في لوح الخيال أمام النفس المدركة التي قام بها الإنسان، فترى الإنسان يحاول أن يتجمل بتلك الفضائل والكمالات، ويتحلى بحلل تلك المعاني  الجميلة، وتحصل المواجهة بين الصورة الملكوتية، وبين صورته الإنسانية، فيرى نفسه  في حاجه إلى تكميله، وتتميم حقيقته بتلك الجمالات، ولذلك فإنك ترى أهل النفوس  الزكية يرون أنفسهم دائما مسيئين لمواجهتهم للملكوت، وانتزاع الخيال لتلك الصور العلية الجميلة، التي تتعشقها النفس، فتشتاق أن تتشبه بها ويكون القلب في هذا الحال  بالنسبة للأحكام الشرعية هو الحاكم حقيقة، لأن الأحكام الشرعية حدود الله، التي من    تعداها أو داناها هلك أو كاد.

فإذا اقتضى الوقت حكما من أحكام الشريعة، وعرضه على قلبه فربما لا يطمئن   القلب إليه، لأنه متحقق أنه الحد، ويجب أن يجعل له حيطة، خشية من أن يداني   الحد، فيقع بين حكم المفتي وحكم قلبه، فيكون الترجيح لحكم القلب، لأنه إنما                      يطالب بالأكمل والأجمل والأحوط، ويكون تلقيه عن القلب، لأنه تلقى عن الحق، وعمله به عمل بالحكم الشرعي لمقامه ورتبته.

وتزكية النفس هو الجهاد الأكبر، لأن الإنسان مسكين بين جاذب ودافع، إن كان   له قلب فقلبه يدفعه عن حظه وهواه العاجل إلى حظه وهواه الآجل، ونفسه الحيوانية  وأعضاؤه العاملة وما في فطرته من الاحتياج، وما جبل عليه من الأمل تجذبه إلى  ما يلائمه ويلذذه ويعظمه أمام الخلق إلى المنافسة وإلى التكاثر، وهي أمور محسوسات سريعة الإنتاج، تشغل القلب والجوارح، وكثيرا ما يكون السالك على المنهج القويم مخلصا في العزم، صادقا في القصد، مفطورا على الخير، فيناله من عمله وحاله إقبال   الناس ومواساتهم بما يلائمه وما يسد الضرورة والكماليات فتبتهج نفسه، وتأنس
جوارحه، ويطيب بما نال، فيتناسى المقصد الأول والعزم، ويغيب عن الحضور والمراقبة، ويعمل عمل المعتاد بدون استحضار، وربما – والعياذ بالله تعالى – انحط إلى   أن صار العمل لقصد هذا النوال الدنيء وبلوغ هذا المتاع القليل.

كل تلك العقبات تجعل الرجل دائم المجاهدة، كثير المفاكرة، طويل المحاسبة لنفسه،  حتى يتمكن الخيال من أن يمثل الصورة الكاملة الملكوتية مثالا لا يحجب عنها، حتى إذا  حصل السهو أو النسيان تذكرت فأبصرت تلك الصورة فحنت وجاهدت ) إِنَّ الَّذِينَ  اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ((1) وفي هذه المنزلة  يكون الإنسان فرحا بالقليل من الدنيا، مطمئنا بالله تعالى، وإذا سخر الله له الدنيا قام   بها هكذا وهكذا، رغبة فيما عند الله وخوفا من أن تلابس قلبه أو تتجمل له فيألف أو  يكاد فهو لا يسأل الناس لأنه تقي، ولا يرد لأنه موحد، وهو مع الله في حاليه إن كان لا يملك قوت يوم، أو كان يملك الأرض وما فيها، فلا العدم يشغل قلبه لثقته بوعد الرزاق الكريم، ولا ادخار الكنوز ينسيه حقيقة اضطراره  وفقره إلى الولي المختار المريد، فهو في احتياجه لقوت يوم غني بربه، وفي ادخاره للكنوز شديد في احتياجه إلى الله   تعالى، وجماله الفقر في الحالين وكماله الاضطرار في المشهدين، حتى إذا كملت تزكية    النفس قلب القلب مقلبه، والبصر مبصره من الملكوت إلى العزة فصح نزل العبودية،وكمل الخوف من مقام الربوبية ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ((2).
الامام محمد ماضى ابو العزائم
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- الفرق بين العلم والإيمان

الفرق بين العلم والإيمان:
إن الله تعالى قد أكثر ذكر المؤمنين في القرآن بالمدح والثناء الجميل عليهم ووعدهم  الثواب الجزيل في الدنيا والآخرة جميعا، وهكذا أيضا قد أكثر ذكر الكافرين بسوء الثناء  عليهم والزجر والتهديد والوعيد في الدنيا والآخرة جميعا. فنريد أن نبين من المؤمن حقا  ومن الكافر حقا؟ إذ كان هذا أمرا قد التبس على كثير من أهل العلم، حتى صار يكفِّر   بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا بغير علم ولا بيان. لكن من أجل أن كثيرا من  أهل العلم لا يعرفون الفرق بين العلم والإيمان، احتجنا أن نبين ما الفرق بينهما؟ وذلك   أن كثيرا من المتكلمين يسمون الإيمان علما، ويقولون هو علم من طريق السمع وما   يعلم بالقياس فهو علم من طريق العقل. فأريد أن أبين حقيقة العلم.

لما كان المعلوم لا يكون علما للنفس إلا إذا تصورت النفس رسوم هذا المعلوم في ذاتها، فالعلم هو تصور النفس رسوم المعلوم في ذاتها.

ولما كانت أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى، بما يجب على الناس أنيصدقوا به من معاني الكمالات الإلهية وتنزيه ذاته عز وجل وما وصف به نفسه سبحانه  وتعالى، لا يمكن للنفوس أن تتصور رسومه وتتبين معانيه قبل الإقرار والتصديق وتزكية  النفس وتطهيرها من كثافة الجهل وظلمات العقائد الباطلة، والآراء الفاسدة والآمال المبعدة، والحظوظ والأهواء، كان الإيمان هو الإقرار والتصديق بدون تصور رسوم المعلوم في ذات النفس.

وبذلك يظهر التفاوت بين العلم والإيمان. ومن أجل هذا دعت الأنبياء أممهم إلى  الإقرار أولا، ثم طالبوهم بالتصديق بعد البيان، ثم حثوهم على طلب المعارف الحقيقية بدليل قول الله تعالى عز وجل: ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ((1) ولم يقل: يؤمنون   بالشهود، ثم حثهم على طلب العلم بقوله تعالى: ) فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ((2)
)  يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ((1) ثم مدح فقال: ) يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا  الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ((2). وقال تعالى: )  الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ((3) وكفى بهذا فرقا    بين العلم والإيمان .

فيجب أن أبين شرائط الإيمان وصفات المؤمنين ليعلم كل إنسان هل هو مؤمن حقا أو شاك مرتاب؟ لأن المؤمنين هم ورثة الأنبياء وتلاميذهم، وأن الأنبياء لم يورثوا دراهم  ودنانير بل ورثوا هديا وعلما وعبادة، فمن أخذ بها فقد نال حظا جزيلا كما ذكر الله جل ثناؤه: ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ  مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ((4). وقال الله تعالى: ) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ((5).

حقيقة العلم والإيمان :

أريد أن أبين حقيقة العلم والإيمان فأقول: إن العلم هو صورة المعلوم في نفس العالم، والإيمان هو التصديق لمن هو أعلم منك بما يخبرك عما لا تعلم. واعلم أنه رُب صورة في نفس العالم ليس لها وجود في الكون المحسوس، فنحتاج أن ننظر في هذا الباب  نظرا شافيا، فإن الشك يدخل الشبه على العلماء من هذا الباب.

وأما الإيمان فهو التصديق للمخبر فيما قال وأخبر عنه، ولكن رُب مخبر بخلاف ما في نفسه فيكون كذابا إن كان قاصدا لذلك، ورب مصدق أيضا لكاذب، وهذا أيضا يحتاج إلى نظر شاف، لأن الشبهة تدخل على القائلين والمستمعين في هذا الباب.

نتائج الإيمان:
اعلم أيها السالك المسترشد أن الإيمان يورث العلم، لأنه متقدم الوجود على العلم،  ومن أجل هذا دعت الأنبياء عليهم السلام الأمم إلى الإقرار بما أخبرتهم، والتصديق بما كان غائبا عنهم عن إدراك حواسهم وتصور أوهامهم، فإذا أقروا بألسنتهم سموهم عند   ذلك المؤمنين، ثم طالبوهم بتصديق القلب كما ذكر الله تعالى: )  وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ  قَلْبَهُ ((6) فإذا وقع التصديق بالقلب سموهم الصديقين، كما قال الله تبارك وتعالى: ) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ((7) .
أول الإيمان:
هو تصديق الأنبياء للملائكة فيما يخبرونهم عنه مما هو فوق إدراك النفوس البشرية  الزكية قبل أن تخبرهم الملائكة، فالتصديق بأخبار الملائكة من الرسل عليهم الصلاة والسلام أول الإيمان، وذلك قبل أن تخبرهم الملائكة، فالتصديق سابق عن الخبر كما قال  الله تعالى: ) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ((1) الخ .

واعلم أن الملائكة محتاجون إلى الإيمان فهم متفاوتون في درجات العلوم، كما أخبر  الله تعالى عنهم فقال: ) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ((2) لأن أشرف الملائكة حملة  العرش الذين هم في أعلى المقامات في العلوم، وهم أيضا محتاجون إلى الإيمان كما أخبر عنهم سبحانه فقال جل ثناؤه: ) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ((3).

وأنت أيها الراغب في السعادة محتاج إلى الإيمان والتصديق بقول المخبر لك الذي هو  فوقك في العلم وأعلى منك في المعارف، لأنك إن لم تؤمن بما يخبرك به حرمت أشرف  العلوم وأجل المعارف، وأعلم أنه ليس لك طريق إلى تصديق المخبر لك في أول الأمر إلا  حسن الظن بصدقه، ثم على مر الأزمان تظهر لك حقيقة ذلك، فلا تطالبه بالبرهان في أوله، ولكن سلم له وذق من لطيف عباراته وجميل إشارته وعليِّ أحواله وشريف   أعماله، ما به تتروح روحك وتزكو نفسك، وينكشف لبصيرتك صدق ما يقول   وحقيقة ما يفعله، والله الموفق لك.

تفاوت المؤمنين:
إن القرآن الكريم بيَّن أن المؤمنين درجات، وأن أهل العلم درجات، لأن الإنسان  لا يبلغ درجة في العلم إلا ويلوح له فوقها درجات لم يبلغها بعد كما ذكر الله تعالى بقوله:   ) وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ((4) فهو من أجل هذا يحتاج إلى الإقرار به والتصديق بقول   من هو أعرف وأعلم منه، وإذ قد بان لك فضل العالم والمؤمن، والعلم والإيمان، لزم  لنا أن نبين أنواع الناس بالنسبة للعلم والإيمان.

أنواع الناس:

أنواع الناس بالنسبة للمعارف أربعة:
1- نوع رزق العلم ولم يرزق الإيمان.
2- ونوع رزق الإيمان ولم يرزق العلم.
3- وفريق قد وفر حظه منهما جميعا فضلا من الله تعالى.
4- وفريق حرم العلم والإيمان.
ودليل ذلك قوله تعالى: ) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى  يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ((1) فأخبر سبحانه بهذا عن  أشرفهم في المعارف، إذ كان علم البعث والقيامة من أشرف العلوم.

وأما الذين أوتوا الإيمان ولم يرزقوا العلم فهم المقرُّون بما في كتب الأنبياء عليهم  السلام من أخبار البعث وأمر المبدأ والمعاد، وأحوال الملائكة ومقاماتهم، وحديث البعث والقيامة، والحشر والنشر والحساب والميزان والصراط، وجزاء الأعمال في   النشأة والآخرة، ونعيم الجنان وما شاكلها من الأمور الغائبة عن الحواس، البعيدة من    تصور الأوهام. وهم مع قلة عملهم ساكنة نفوسهم لما أخبرت به الأنبياء، وما أشاروا  به من الثواب في الميعاد ونعيم الجنان. ومصدقون لهم في السر والإعلان، راغبون فيها طالبون لها عاملون من أجلها، ولكنهم تاركون البحث عنها والتشوف لها والنظر في           حقائقها، كيف وأين ومتى ولم ؟؟ وإليهم أشار بقوله: ) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ  الْيَمِينِ ((2) لهم الأمن واليمن والأمان والإيمان.
وأما الذين رزقوا حظا من العلم ولم يرزقوا الإيمان، فهم طائفة من الناس نظروا في   كتب الفلاسفة والحكماء وبحثوا عنها وارتاضوا بما فيها من الهندسة والتنجيم والطب والمنطق والجدل والطبيعيات وما شاكلها، فأعجبوا بها وتركوا النظر في كتب القرآن   الشريف والسنة، والبحث عن أسرار الحكم والأحكام الشرعية والكشف عن خفيات   مرموزات الآيات القرآنية والإشارات النبوية، فعميت عليهم الأنباء وانطمست  بصيرتهم، فهم شاكون في حقائقها، ومتحيرون في معرفة معانيها، جاهلون بلطيف أسرارها، غافلون عن عظيم شأنها، وإليهم أشار بقوله تعالى: ) فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ((3).
وأما الذين حرموا العلم والإيمان جميعا من طائفة من الذين أترفوا في هذه الحياة  الدنيا، وهم مشغولون الليل والنهار في طلب شهواتها، مغرورون بعاجل حلاوات   لذات نعيمها، تاركون لطلب الآداب معرضون عن العلم وأهله، غافلون عن أمر الديانات وأحكام الشرائع ومفروضات السنن، التي الغرض منها نجاة النفس وطلب   الآخرة، وإليهم أشار بقوله تعالى: ) وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ((1) وقال سبحانه  وتعالى: )  ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ((2). وقال تعالى:)وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ((3).

فأما الذين أوتوا من العلم والإيمان حظا جزيلا، فهم إخواننا المتقون الذين يخشون   الله، والذين إليهم أشار سبحانه وتعالى بقوله: )  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ  أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ((4) وقد بيَّنا عن مذهبهم وأخلاقهم وآرائهم فيما كتبناه من  العقائد والأخلاق والمعاملات، فانظروا فيها أيها الراغبون نوال الحظوة، فلعلكم بفهم معانيها والعمل بها – بمعونة الله وحسن التوفيق وبروح منه – تكونون من أهل المشاهد القدسية والدرجات العلية، وتهتدون لطريق ملكوت السماء وتنظرون إلى الملأ الأعلى، وتساقون إلى الجنة زمرا.
الامام محمد ماضى ابو العزائم
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد
جاري التحميل...