آخر الأخبار
موضوعات

الخميس، 29 سبتمبر 2016

- هل نظام الغرب حقق لأهله السعادة

حنى الان لم يستطيع نظام فى العالم ولا امة من الامم ان تحقق لشعوبها ما تتطلع االية من الحرية والعدل والكرامة ولا حتى الدول الغربية المتقدمة التي هيمنت على قسم واسع من الأرض في التاريخ القريب أن تحقق الأمان والحبور الدائم للعالم، ولا الشعوب الاشتراكية والشيوعية في الشرق،وذلك قد أوقع الجميع في أزمة انعدام الثقة... بل في الريبة والشك في كل الوعود فوقفت الإنسانية اليوم كل نظام يعرض عليها موقفَ الشك والقلق والاستهزاء.. لأنها باتت تعتقد أن الأنظمة التي فُرضت عليها حتى اليوم لم تعمل كما ينبغي، بل عجزت عن العمل، وبالتالي هناك خلل في الأنظمة كلها!. وهذا يقتلع المحاسن التي غرستها تلك الأنظمة، فلا يبقيها في ذاكرة البشر إلا خيالاً بائساً.عجزِت عن احتضان الفئات كلها، والقصورِ في إنجاز وعودها، والضعفِ في الاستجابة للحاجات الإنسانية؛ و إغفالها مجموعة من القيم الإنسانية، بل تأجيج بعضها مشاعر الحقد والبغض والغيظ بين البشر.بناء على ذلك، فإن أمتنا ابتداء، ثم الإنسانية جمعاء، بحاجة ماسة إلى فكر سام يقوي إراداتنا، ، ويبعث الأمل في قلوبنا، ولا يعرضنا للخيبة مرة أخرى. نحن بحاجة شديدة إلى أفكار وغايات وأهداف سامية، ليس فيها فجوات عقلية أو منطقية  . ,وهنا لابد ان يكون لكل امة هدفسامي. لقد تعرضت أمم عديدة في الماضي، كما تتعرض في الحاضر، إلى هزات شديدة لتقاعسها في ربط سياساتها السارية بهدف سام وسليم، وقصر باعها في النفوذ إلى قلوب البشر.فالواجب علينا الآن -مع وضع هذه السلبيات نصب أعيننا- أن نضع أمامنا أهدافا سامية نتخذ في سبيل تحقيقها قيمنا الذاتية أسسا لصياغة سياسات ومشاريع مستقبلية، حتى يتحقق الاستقرار في سياساتنا.فيحوزالهدف السامى الخالى من الاهواءعلى الاحترام من كل الفئات، فيستحوذ على العقل والمنطق والعواطف، ويكثف الحركات كلها في نقطة واحدة. فكانت هذه القوة في إطار الشروط العادية والأخذ بالأسباب كافية لتحقيق الهدف المقصود. وحتى نجنِّب أمتنا من الفظائع والفواجع التي لا مفر منها في حال سقوطنا،... فنتشبث بالسعي مستعينين بالله تعالى، ونستهدي التوفيق الإلهي في وحدة الأمة وتوافقها، ثم نركز على كينونتنا الذاتية ونتعقب أهدافنا وغاياتنا السامية.ومن الظاهر عيانا وبيانا، أننا لن نتغلب بمشاريع سبق أن تعودناها، على كل هذه السلبيات في مرحلة عاصفة تواجهنا فيها مهاوٍ سحيقة متشابكة، وجسور منهدة وطرق منقطعة، وبأمة متعبة بمحن متنوعة لم نشهدها في تاريخنا إلا قليلا.ولذلك، نؤمن -في هذا الوقت الذي نرجو فيه أن نكون أمة عظيمة- بضرورة منهج ومشروع بعقلية محترفة ومتخصصة، بل قبل ذلك، بضرورة إعداد أجيال مثالية تحلم وتستهدف لإنشاء أمة عظيمة.بتوجه القلوب المخلصة إلى الله تعالى، ومَنُّ الله تعالى بزيادة الإحسان على هذه الأمة التي توارثت العز من أعماق تاريخها....ولتحقيق هذا كله، لا حاجة إلى تلقين المسلم فهما جديداً للإسلام، ولا إلى إعادة تعليم الإسلام للمسلمين من جديد. وإنما المطلوب العمل على تفهيم المسلم الأهمية الحيوية لما يعرفه عن الإسلام فعلاً، وقوة تأثيره، وديمومته الأبدية. لكن المؤلم حقا أن الأقوال في هذه المسألة مختلفة اختلافاً بيناً إلى درجة تحير العقول... فهوى الرغبات يتقدمُ العقلَ ويقيم في ظل الخيمة الإلهية، والأحاسيس تصدر أحكاما من فوق عرش المنطق. ونحن نعرف هذا الانحراف في نفر من محترفي الإنكار والإلحاد والكفار المدمنين على التحرش بالدين، لكن قد يقع فيه أيضا بعض المتعصبين المحرومين من الحياة القلبية والروحية من الذين يحسبون أنفسهم متدينين. هذان الصنفان مختلفان فيما بينهما، لكنهما كفرسي رهان في الإضرار بالأمة والوطن والدين.الصنفان كلاهما لا يوقر روح الدين، وكلاهما لا يتسامح في التفكير الحر، وكلاهما مختوم على قلبه، فلا يَعي فكرة المشاركة والتقاسم. رأس مالهم الأعز هو الفرية والزور والتشويه، وأجود فنونهم هو النميمة واللمز على من لا يحسبونه منهم... لا يهمهم إلامَ يلجؤون، ولا على من يستندون؛ فالمهمّ أن يهضموا ويأكلوا من لا يستسيغون وجوده. والحقيقة أن حرصهم وسعيهم في هذه المسألة عظيم وحثيث إلى درجة أظن أنهم لو صرفوه فيما يليق لعمّروا العالم كله.وبدهي في هذه الأجواء المظلمة الخانقة، وفي ميدان الذين لا يفكرون ولا يبصرون ولا يعلمون، لن توجد الحياة الفكرية والعشق إلى الحقيقة والتحري في سبيل العلم والبحث... وإن وجدت، فلن تنمو وتتطور، وإن نمت وتطورت فلن تغادر عالم الأحلام والفانتازيا. وإنّ حالنا المنكسر البائس شاهد على ما نقول بألف لسان، وليس بلسان واحد.لكن الحال يقتضي في الواقع أن تكون عقلية أمتنا عقلية إعمار وإنشاء... وأن ننجو من هذه الحالة التي نتخبط فيها والتي نعاني فيها من فقر التفكير وغياب الأهداف. ونحن اليوم بحاجة ماسة -قبل كل شيء- إلى غاية مأمولة سامية بعيدة المرام، هي انبعاثنا برؤيتنا الحضارية وبثقافتنا الذاتية. ولابد لأمتنا أن تصبر على أوجاع وعذاب وزمانٍ يسلب العاقل عقله ويدع الحليم حيران، من أجل الارتقاء إلى العلياء كصرح سامق يرتكز على أركان القيم التاريخية لأمتنا. إنَّ مراعاة سير تطور الحوادث ضمن طبائعها، تتعلق بسعة المعرفة بهذه الطبيعة. القرآن الكريم يخاطب سيدنا صلى الله عليه وسلمفيقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾(التوبة: 42)، فيُسَرّي عنه صلى الله عليه وسلمويُوبّخ المتخلفين المتهاوين في الطريق.وحسب المنظور الإسلامي، يُعَدُّ المقصود حاصلاً بنوال الهدف البدهي لكل حركة أو حملة، وهو رضى الله تعالى. فسواء بعد ذلك إن تحققت نتيجة الخدمات المقدمة باسم أمتنا بارتقائها إلى المكان اللائق بها في التوازن الدولي، أو لم تتحقق؛ فإن المؤمن يسعى لنوال رضاه تعالى في كل خدمة إيمانية وكل فعالية دعوية. فبهذه النظرة يتحول غيرها من الأهداف إلى أهداف إضافية واعتبارية، ومحض وسائل تؤدي إلى 

- رسالة الصالحين الاجتماعية

نشر المحبة والمودة بين الناس ، واقتلاع جذور الأحقاد والشحناء والإحن من النفوس ، والسعي للإصلاح بين المتخاصمين ، ونشر التكافل الإجتماعي ، وإحياء القيم الإسلامية بالقدوة الطيبة والأخلاق الكريمة ، ومقاومة التيارات المادية والإلحادية كالوجودية والعلمانية .
وأعظم ما في رسالة الصالحين أنها تربِّي الفرد تربية أخلاقية مثالية ، وعن طريق تربية الأفراد الفاضلة نصل إلى مجتمع متكامل متكافل.
وقد تحدثنا عن هذه الصور من أنشطة الصالحين بشيء من التفصيل في كتابنا " الصوفية والحياة المعاصرة " .
فليتنا معشر المسلمين والمؤمنين في هذا الزمان ...!!
 نطرح الخلافات السطحية والشخصية جانباً .........
 ونتخلى عن العصبيات المذهبية والطائفية .......
 ونتكاتف ،.........ونتعاون .............
 ونضع أيدينا في أيدي بعض.........
لنعلي شأن دين الله ، ونعمل على تطبيق شرع الله ، وتنفيذ سنة حبيبه ومصطفاه ، لا طمعاً في زخارف فانية ، أو مناصب دانية ، وإنما طمعاً في رضاء الله جلَّ في علاه .
ونردد قول الإمام أبو العزائم رضى الله عنه وأرضاه :

هيــَّـا لله   يا رجـــــال الله نســعى لرضاه بشريعتـــه
لمحة يا إخـــوان  تحيي الإيمـــــان بحقيقتــــه
نظرة ياكــرام تعلى الإســـــلام بهدايتــــه
منحة يا أبــدال تقــوى الأحــوال بعنايتــــه
ألفة بيقـــــين   يا أهــل التمـكين بمحبتــــه
نهضـة بعـــزم  همــــة بحــزم لمودتــــه
عمــل لا قــول جِـدَّوا الوصـــول لمعــــيته
أحيــوا السنَّــة  وامحــوا المحنـــة لمعونتـــه
الدين يا قـــوم  حتّــام النـــوم عن حكمتـــه
يقظـة يا نــاس     امحـوا الوســواس لصيانتــــه
صـافوا واصـفوا وافــوا وأوفـــوا في نصرتـــه
لا تفترقــــوا أو تحترقــــــوا في رفعتــــه
صفُّـوا الأقــدام أحيـوا الإســـلام بصداقتـــه
وعــد الرحمــن  نــص القـــرآن عن نصرتــه
لبـّوا بيقــــين سر التعيـــين لشريعتــه
إن المختـــار يدعــوا الأخيـار   ردوا الكفــار عن سنتـــه
لبيك مــولاي في ذاك منـــاي    قلـبي وعيناي في خدمتــه
مــولاي اشرح صـدري وافتـح قلـبي واسـمح بشهادتـــه
وانظـر بصفـا إخوان صفـــا وأدم عطفـــاًبصداقتــه
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
منقول من كتاب رسالة الصالحين
لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

- أخلاق المسلم بين النظرية والتطبيق

هنا محور الواجب علينا لدعوة الإسلام نحو جميع الأنام:
عندما يسمع رجلٌ الآن عن الإسلام ومميزاته وخصائصه، وينظر إلى ما عليه المسلمون مِنْ غشٍّ في تعاملهم، ومِنْ خديعة في أحوالهم لبعضهم، وبينهم وبين أقاربهم وإخوانهم، ومن تدليس في بيعهم وشرائهم، يظن أن ذلك هو الإسلام! لا يعتقد أن العيب في المسلمين، بل ينسب العيب للدين الذي اختاره المسلمون! فيعيب الإسلام لما رأى عليه من أحوال المسلمين.
عندما نقول له إن الإسلام قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم للمجاهدين الأولين:
{ لا تقتلوا إمرأة ولا طفلاً ولا شيخاً كبيراً، ولا تحرقوا زرعاً ولا تقتلوا ماشية }. ، عندما يسمع الإنسان غير المسلم بذلك، ثم يرى على شاشات وسائل الإعلام تقتيل شباب المسلمين بعضهم بعضاً بدون شئ يستوجب ذلك، ماذا يقولون عن أحوال هؤلاء الذين يدَّعون أنهم زعماء الإسلام؟! أولهم وصاية على أحكامه؟! أو كلَّفهم الله بتطبيق شريعته؟!!
نَعِيبُ زَمَانِنَا وَالعَيْبُ فِينَا وَما لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا
كانت تلك الأخلاق الإيمانية هي التي تجذب هؤلاء القوم إلى ديننا الإسلام، فإذا طبقنا فيما بيننا حقَّ المسلم على المسلم، وحقَّ الجار على جاره، وحقَّ الأب على إبنه، وحقَّ الصديق على صديقه، وحقَّ الزميل على زميله، وحق الأخ على أخيه، وحقَّ الزوجة على زوجها، وحقَّ الزوج على زوجته، إذا طبقنا هذه الحقوق ... فلن يكون في مجتمعنا أمرٌ يضرُّ مسلماً، أو يُنَرْفِزُ جسمه، أو يوتِّر أعصابه، لأنه لا يجد فيمن حوله إلاَّ ما يُحِبُّه. يجد مَنْ حوله أحرص عليه مِنْ نفسه، ويحبُّون له الخير كما يحبونه لأنفسهم.
نحن جميعاً الآن - حُماة الإسلام - في مفترق طرق، والعالم كلُّه ينظر إلينا الآن، ينظر إلينا على أننا مسلمين، ولا يعرف من حقيقة هذا الدِّين، إلا ما يراه من أوصاف المسلمين، وسلوكيات المسلمين، وتعاملات المسلمين، وأحوال المسلمين مع بعضهم في مجتمعاتهم. فأنتم العارضون لجمال ومكارم هذا الدِّين.
ما الذي ينبغي علينا جميعاً الآن نحو دِيننا؟ ونحو إلهنا؟ ونحو قرآننا؟ ونحو نبيِّنا؟ ونحو إخواننا؟ ونحو أنفسنا؟ ونحو الخلق أجمعين؟
العالمُ لم يرَ في هذه الآونة الماضية إلا مظهراً شكلياً لهذا الدِّين، تحلىّ به بعض المنتسبين للإسلام في المظهر، وفى الجلباب، وفي السواك، وفي النقاب، في الشكليات وهى مظهرٌ جميلٌ لظاهر هذا الدِّين، لكن ليست هى كلُّ الدين. جوهر الدين هو الذى يجذب غير المسلمين إلى جمال وكمال هذا الدين.
العالمُ لم يرَ في هذه الآونة الماضية إلا مظهراً شكلياً لهذا الدِّين، تحلىّ به بعض المنتسبين للإسلام في المظهر، وفى الجلباب، وفي السواك، وفي النقاب، في الشكليات وهى مظهرٌ جميلٌ لظاهر هذا الدِّين، لكن ليست هى كلُّ الدين. جوهر الدين هو الذى يجذب غير المسلمين إلى جمال وكمال هذا الدين
.يريدون أن يروا أخلاق القرآن ظاهرة وماثلة، وموجودة ومشهودة، في الشوارع وفي المنازل، وفي الطرقات وفي المجتمعات، وقد تجمَّل بها المسلمون! .. يريدون أن يروا صدق الكلمة، والوفاء بالعهد والمودة، والتراحم والتعاطف والشفقة، والحنان والحب، وهذه الصفات ذكرها القرآن، وجاء بها النبى العدنان، وكان على هَدْيِها ومُتخلقاً بها في كل وقت وآن، ولذلك يقول له ربُّه عزوجل:
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (159آل عمران)،
بماذا أرسله؟ بالرحمة لجميع خلق الله، وفسّر هذا فقال صلى الله عليه وسلم : { إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ }.
جمال هذا الدِّين سطع على سيِّد الأولين والآخرين، ومنه انتقل إلى أصحابه والتابعين، والسلف الصالح أجمعين، فدخل الناس في دين الله أفواجاً بدون خطب ولا شرائط ولا فضائيات ولا كلمات، ولا كتب ولا مراجع، وإنما نَظَرَ الخَلْقُ إلى هديهم، وإلى سَمْتِهم، وإلى أخلاقهم وإلى سلوكياتهم، فأعجبوا بهذا الدِّين الذي أسس هؤلاء الأفراد، فدخل أهل أندونيسيا، وأهل جُزر الملايو، وأهل أفريقيا وغيرهم، في دين الله أفواجاً لما رأوه من العارضين لهذا الدِّين.
فهذا هو المظهر الإلهي الذي أمر الله أن يكون عليه أتباع هذا الدِّين، لكن إذا نظر أهل الغرب الآن إلى المسلمين فيما بينهم وبين بعضهم، من غشٍّ، وتطفيف في المكيال والميزان، وكذب لا ينفكّ واحدٌ عنه في كل وقتٍ وآن، وخيانة للعهد، وشقاق ونفاق، وكُره وبُغض وأحقاد وأحساد، واستيلاء القوى على الضعيف، وقطع للطرقات، وقضاء على الإقتصاد الذى أوشك على الممات، ولا يرحمون أنفسهم ولا ينظرون إلى المهمَّة التى كلَّفهم بها ربُّهم، وأمرهم أن يكونوا عليها نبيُّهم.
ماذا يقولون عن الإسلام الآن عندما يرون جماعة المسلمين وقد تركنا كل ما كان عليه النبي وصحابته الكرام، وتدثّرنا ولبسنا أخلاق الشياطين اللئام؟ قلّ ونَدُرَ أن تنظر إلى طائفة من المسلمين إلا وتجدهم يعيبون على بعضهم!! ويُشككون في نوايا وسلوكيات إخوانهم!! ويتعدُون بالألفاظ البذيئة على أئمتهم وكُبرائهم!! هل هذا من أخلاق هذا الدِّين؟ إننا بذلك نُسيء إلى أنفسنا، ونُسيء إلى دِيننا، ونُسيء إلى نبيِّنا، ونُسيء إلى كتابنا، لأننا أخذنا من الدين القشور وتركنا الجوهر المُمتلئ بالنور، الذي هو كالشمس التي تجذب الخلق إلى هذا الدِّين، وهو الدِّينُ الحقّ.
..................................................................
🌱 اشراقة من كتاب اصلاح الافراد والمجتمعات فى الاسلام
🌱 لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- إشارات في رحلة سيدنا موسى والخضر

أولا: إن خرق السفينة التي ركبها سيدنا موسى والخضر لتوصيلهما إلى مقصدهما، يشير إلى ضرورة قيام السالك في طريق الله تعالى بخرق عوائده ومألوفاته، حتى لا تتحكم فيه عاداته ولا مألوفاته من الأكل والشرب واللبس والراحة والنوم واللهو البريء، والأنس بالخلق والتسلي بهم، فلا تكون للسالك طريق الله ورسوله عادة تقطعه أو تحجبه عن الله عزَّ وجلَّ وعن رسوله صلى الله عليه وسلم لأن السالك يجاهد نفسه في التخلي عن هذه المألوفات والعوائد طلبا للترقي وتحصيلاً للعلم النافع والعمل الصالح، وترسما لخطوات إمامه واقتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن سيدنا الخضر خرق السفينة بآلة حادة كانت معه لمنعه سيدنا موسى، أو حاول  منعه على الأقل تحاشيا للضرر ومحافظة على السفينة وأصحابها، ولكن سيدنا الخضر خرقها بأصبعه فلم يشعر سيدنا موسى بالخرق إلا بعد أن وقع، وكان مع سيدنا الخضر لفافة خاصة سد بها هذا الخرق حتى يمنع من تسرب الماء إلى السفينة، ولم يعلم بهذا الخرق أحد من الركاب ولا من أصحابها، وإلا لألقوا بهذين الرجلين في وسط البحر لأن أصحابها أرادوا أن يكرموا هذين الرجلين الصالحين فأنزلوهما في مكان خاص بهما بعيدا عن بقية الركاب حتى يتم ما أراده الله عزَّ وجلَّ وكذلك يجب على السالك أن يصحب شيخه ولو بمقدار تصحيح أحواله ومشاهداته وخواطره وكذلك تصويب أعماله وأقواله ومعتقداته على كتاب الله وسنة رسوله وهدي الأئمة الراشدين.
ثانيا: في خرق السفينة أيضًا إشارة إلى أنه يجوز للشيخ أن يختبر أتباعه بأمور لا تشق عليهم، تمكينًا لهم في مراتب السير والسلوك، ثم على الشيخ أن يخبرهم بنتيجة هذه الاختبارات والفائدة منها، إذا لم يلحظوا معناها ولم يدركوا مغزاها حتى لا يتركهم في حيرة من أمرهم لأن بغية الشيخ أن يكمل أتباعه، وأن يزكي نفوسهم، وأن يوصلهم إلى المقامات الرفيعة والدرجات العالية أسوة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته لأصحابه رضي الله عنهم قال البوصيري رضي الله عنه:
لم يمتحنا بما تعي العقول به     حرصًا علينا فلم نرتب ولم نَهِمِ
وقد اختبر بعض العارفين أبناءه، بأن أعطى كل واحد منهم حمامة، وقال له اذبحها في مكان لا يراك فيه أحد، ثم تعال بها إلي، فذبح كل واحد منهم حمامته، وأتى بها إلى الشيخ إلا رجلاً منهم جاء بحمامته إليه ولم يذبحها فقال له الشيخ لِمَ لَمْ تذبح حمامتك يا بني؟. قال لأنني كلما توجهت إلى مكان لأذبحها فيه وجدت أن الله يراني وينظر إلي، وأنت أمرتني بذبحها في مكان لا يراني فيه أحد، فقال له الشيخ أمام أصحابه أنت صاحب الأمر من بعدي ومثلك يصلح لإرشاد الناس. وقد اختبر رجل آخر من العارفين أحد مريديه فوضع له حمامة في إناء وغطى هذا الإناء، وقال له اذهب به إلى فلان وأعطه له ولا تكشف هذا الإناء، فأخذت نفس المريد تراوده أثناء الطريق، ماذا عسى أن يكون في هذا الإناء، وألحت عليه نفسه في ضرورة التعرف على ما فيه فكشفه فطارت الحمامة، فلما رجع إلى شيخه وأخبره بالذي حصل منه، قال له يا بني مثلك لا يؤمن على أسرار الربوبية وكثير من العارفين كان يختبر أبناءه ليستخرج ما بقي في نفوسهم من الحظ والهوى، والاختبار يجب أن يكون على قدر المريد، وبقدر ما يصلح من حاله وشأنه، وقد اختبر بعضهم أحد أبنائه فقال له صل بنا إمامًا يا بني، فلما وقف في المحراب دخل العجب في نفسه وقال: إنما قدمني الشيخ إمامًا لما رأى فِيَّ من التقوى والصلاح أكثر من إخواني فلما انتهى من الصلاة قال الشيخ في أذنه أعد صلاتك يا بني فإن الله لا يقبل صلاة عبد أعجب بنفسه.
ثالثًا: حادثة قتل سيدنا الخضر للغلام الذي لقياه في طريقهما، إشارة إلى أن السالك في طريق الله تبارك وتعالى لا بد له من مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء حتى تستجيب وتنتهي عن مخالفة الله ورسوله، وهناك كثير من أهل الله وخاصته، قتلوا هذه النفس، وتخلصوا منها فأبدلهم الله بها نفسًا زكية وراضية مرضية قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، [54، البقرة]. وقد قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
نفس لقد قتلت بالحب فاتحدت     بالحب أشرق نور مشرق عال
وإن النفس الأمارة لها ولع بالمعاصي والسيئات كولع الغلمان باللهو واللعب، وإن النفس الأمارة لها دلال وتأثير على صاحبها كتأثير الغلمان ودلالهم على آبائهم وأمهاتهم وأهليهم وقديمًا قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وهكذا تشير هذه الرحلة الكريمة إلى معان تسامت عن البيان، وجلت عن التبيان، اللهم إلا ما يلهمه الحق تبارك وتعالى لبعض عباده الذين علمهم الله من لدنه علماً فترجموا به لإخوانهم المؤمنين على قدر قواهم الروحانية قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، [76، يوسف]. فليس كل ما يُعْلم يُقال.
رابعًا: بناء الجدار الذي بناه سيدنا الخضر وسيدنا موسى وإقامته للغلامين اليتيمين فإنه إشارة عجيبة جدًا وهي أن السالك في طريق الله تعالى بعد أن خرج من عوائده ومألوفاته وانتصر على نفسه الأمارة بالسوء، وبعد أن تخلص من جميع العقبات يقيم حقيقته الإنسانية الباقية، وهيكله المعنوي الروحاني الذي يعيش به العيشة الهنية، والحياة السعيدة السرمدية في معية الأخيار من عباد الله المقربين بل في معية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الطاهرين.
ويبني جداره من لبنات أكرم وأغلى من لبنات الذهب والفضة والجواهر الكريمة والدرر اليتيمة وهي لبنات المعارف الإلهية واللطائف القدسية والآدابِ المحمدية والأخلاق النبوية والأسرار القرآنية ومصاحبة العارفين ومجالسة الصالحين، وبذلك يكون قد بني بيت المجد والعز والشرف، بل بنى هيكل الرب المقدس الذي هو أجل من بيت المقدس، بل ومن الكعبة المشرفة، فإن حرمة هذا العبد عند الله أكبر من حرمة البيت العتيق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{إن حرمة المؤمن عند الله أكبر منك}.[1]
خامسًا:إن بناء هذا الجدار بالليل يشير إلى حقيقة من حقائق السير والسلوك وهي أن السالك في طريق الله تعالى، ينتهز فرصة صفاء الليل، وسكونه وخلوه فيه من الأعمال الكونية، فيقوم لله عزَّ وجلَّ بما يتيسر له من العبادات والقربات والصالحات حتى يستكمل بناء ذاته وإقامة كيانه الروحاني والجسماني قال الإمام علي رضي الله عنه:
أقبل على النفس واستكمل فضائلها     فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانٌ
وقال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
وطاف ساقي الوصول ليلا     يسقي السهارى رضى السماح
وإن السالك يحن إلى الليل أكثر من حنين العشاق إلى أحبابهم، وأعظم من هيام النشاوى إلى أنسهم وطربهم، لأن في صفاء الليل وسكونه أكبر دافع لهم على الإخلاص والصدق في العبودية لله والوفاء له عزَّ شأنه بحقوقه وواجباته قال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
يا ليل يا عين هيا وفيا ديني     والليل سِترٌ ولكن حجبة الزَينِ
فالليل في الشطرة الأولى هو الجسم، والعين فيها أيضًا هي الروح، ولذلك طلب الإمام منهما الاتحاد والتعاون في القيام بشئونه وفي تسديد ديونه، أما الليل في الشطرة الثانية فهو المقابل للنهار، ولذلك كان سترا يستر أهل الله وخاصته عن أعين الناس عند مناجاتهم لله عزَّ وجلَّ، وتملقهم إليهم وحنينهم وأشواقهم عليه جلَّ جلاله.
وأيضًا كان هذا الليل؛ حجابًا يحجبهم عن السمعة والتظاهر والرياء، وعن كل ما يدخل على النفس الإنسانية من العوارض والقواطع التي تؤثر على علاقتهم بالله عزَّ وجلَّ.
نسأل الله من فضله أن يجعل لنا حظًا ونصيبًا من هذه المقامات السنية، والمنازل العلية إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



 رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي.[1]  

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

- كيف يربى الاسلام الانسان

الحمد لله على نعنمه، والصلاة والسلام على باب فضله وكنز جوده وكرمه، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد ...
ظهر فى الآونة الأخيرة مدى شدة حاجة العالم كله للإسلام؛ وتأكدت تلك الحاجة وأصبحت أكثر إلحاحاً يوماً بعد يوم .. وخاصة بعد إنهيار أنظمة عالمية كثيرة وكبيرة، أنظمة من وضع البشر؛ سياسية وإجتماعية ومالية كانت كلٌّ منها تدعى أنها القادرة على رسم سبل إصلاح وسعادة البشرية! وبإنهيار تلك النظم وتفتتها- والباقى منها فى سبيله لذلك - أصاب الخواء الروحى والتخبُّط النفسى والإجتماعى بل والإقتصادى مؤخراً! من آمن بها من جموع الناس وعاشوا فى كنفها ردحا من الزمان .. وما أكثر من نادوا بها؛ بل وحاولوا جاهدين أن يرغموا الناس عليها!؛ فصاروا يبحثون عن النظام الذى لم يفشل أبداً! بل ويزداد قوة وثباتا وجسارة مع الأيام! فلم يكن إلا الإسلام!
فالإسلام! يزداد إنتشاراً على مرور الأيام ويتأكد لكل ذى فهم وعيان قدرته البالغة ونظرته الصائبة لصلاح الخلق على مرور السنين وتوالى الأعوام، وقدرته الهائلة على التكيف والإستنباط بالتوازى مع متغيرات الزمان والمكان.
ومن أهم ما يميز الإسلام عن تلك الأنظمة البشرية الوضعية المنهارة أو التى تصارع جولاتها الأخيرة على مسرح الحياة؛ أن الإسلام تفرَّد بأنه يؤسس حضارته ويقيم دولته على أساس بناء الفرد أولاً بناءاً صحيحاً متكاملاً.
ذلك لأن الفرد هو الذى لديه الصلاحيات لتشغيل كلَّ ما فى الكون من طاقات، والإستفادة بكلِّ ما فيه من العناصر وتطويرها تقنيا وتكنولوجيا وإجتماعيا بحسب ما يحتاج إليه الإنسان فى كل عصر، وهو اللبنة الأولى التى تتكون منها الأسرة ثم المجتمعات .. ولذا يعرج الإسلام فى بناء حضارته من الفرد إلى الأسرة .. فالجيران والأقربون .. فالمجتمع ....
ولما كان لتربية الفرد فى الإسلام تلك الأهمية البالغة؛ تناولها الإسلام فى كلَّ ما يحتاجه الفرد فى هذه الحياة من جميع جوانبه النفسية والعقلية والجسدية والروحية والمجتمعية والإقتصادية بصيغة متوازنة، ميزانها قول النبى صلى الله عليه وسلم:
{ أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ }
والإسلام فى تربيته للفرد؛ يوطِّد العلاقة بين الإنسان وربه حتى يصل إلى غاية يقول فيها الصادق المصدوق الذى علمَّه مولاه كل ما ينفع أمته إلى يوم لقائه:
{ الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تراهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ }
ويقيِّم العلاقة بين الإنسان وغيره من بنى جنسه على أساس الأخلاق القويمة والسلوكيات الكريمة، ولا يزال يرقى بالإنسان حتى يرقى به إلى مقام يقول فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم:
{ لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأًّخِيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ }
بل ويجعل الإسلام الفرد متوازنا فى كلِّ تصرفاته، حكيماً فى كلِّ أقواله، عظيماً فى كلِّ أفعاله؛ لأن الإنسان المسلم إختار الله عزوجل له الوسطيَّة فى كلِّ أحواله، وقد قال الله تعالى لنا فى ذلك فى محكم كتابه الكريم فى (143البقرة) :
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).فلكل هذا الذى فصَّلناه وغيره فى هذا الكتاب { تربية القرآن لجيل الإيمان }؛ طالبنا الجمُّ الكثير بإعادة طباعته بعد نفاد طبعته الأولى، فقمنا بمراجعته مع إضافة ما يقتضيه العصر من علوم ومعارف وأحوال جدَّت واستجدَّت، وخرَّجنا أحاديثه، وجوَّدنا طباعته بحيث يلائم ويواكب ما حدث من تطور فى أيامنا هذه.
أسأل الله عزوجل إن ينفع به كلَّ من قرأه، وأن يصلح أحوال المسلمين صغاراً وشباباً وشيوخاً، ذكوراً وإناثاً, أفراداً وقبائل وشعوباً، وأن يجعلهم البلسم الشافى لكلِّ أدواء هذا العصر؛ إنَّهُ ولىُّ ذلك والقادر عليه، قال تعالى فى (10الكهف):.
(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتاب تربية القرآن لجيل الإيمان
| الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ فوزى محمد ابوزيد

- هل يجوز زواج الإنس من الجن

السؤال الثامن والخمسون: هل يجوز زواج الإنس من الجن او زواج الجن من الإنس؟.
الجواب:
لا يجوز التزاوج بينهما شرعًا بحال من الأحوال، وذلك لاختلاف الجنسين، فكل منهما له فطرته وطبيعته التى خلقها الله عليها، ولا تتفق طبيعة كل منهما مع الآخر، وأيضا فانه يشترط فى الزواج التكافؤ وهو أن يكون الرجل كفأ للمرأة فى النسب وفى المال والعلم والهيئة، وغير ذلك من الأمور التي يستقر بها الزواج ويستمر، كما تكون المرأة كفأ للرجل كذلك فى هذه النواحي، وليس هنا أي لون من ألوان التكافؤ في هذا النكاح، ولكن عدم الجواز شرعًا شيء ووقوع هذا التزاوج بالفعل شيء آخر لأنه قد يقع رغمًا عن أحد الطرفين، بحيث إذا لم يستجب عذب أو قتل، وغالبا ما يكون التناكح بين الإنس والجن من هذا القبيل، ويكون سببه شهوة الجن وعشقه لإنسان أو إنسانة ويكون كل منهما مقهورًا للجن، وقد يكون التزاوج بينهما باتفاق ورضا، وذلك نادر جدا، وهو محرم شرعا أيضًا كما ذكرنا، وفى حالات أندر قد يقهر الإنس الجن الذي يستخدمه، على هذا الأمر أي النكاح.
وكل هذه الأحوال سفاح وزنا يحاسب كل منهما عليها حسب أحكام الشريعة الغراء في الدنيا والآخرة وذلك باعتبار أن المغلوب على أمره منهما ليس عليه شيء، وإذا ولد منها ولد فانه يتبع الرجل فى النسب ويتبع اشرفهما في الدين ويجب على المسلم الذي أصيب بشيء من ذلك أن يتبرأ إلى الله منه، وأن يجتهد في التخلص من تسلط الجن عليه فى هذا الأمر، وأن يستعين عليه بأهل العلم والمعرفة في هذا الشأن، وذلك بعد اللجوء إلى الله والتحصن به من هذا اللعين، هذا وإن المؤمن الحق لا يصاب بشىء من ذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. [42،الحجر]. وقد حرم الله هذا الزواج بصغية الإخبار عن حال الجن والإنس، الذين استمتعوا ببعضهم فى شهوة الجنس، وغيرهما من الشهوات، فقال عز شأنه: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾.  [128،الأنعام]. والتحريم في هذه الآية الشريفة مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ ﴾. ردًا على قول الإنس ﴿ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. فإن النار يعذب الله فيها أصحاب الكبائر، الذين ماتوا عن غير توبة، فتبين إذن أن زواج الإنس من الجن وبالعكس واستمتاعهم ببعضهم من المحرمات الكبيرة هذا وإن التحريم بطريق الخبر أبلغ من التحريم بصيغة النهي لأنه يقتضى أن هذا الأمر محرم أصلاً فلا يلزم التنصيص عليه بصيغة التحريم والنهي كما يفيد أن هذا التحريم مقرر فى عرف الجن والإنس وفي عقولهم وأن المعنى العام لهذه الآية الشريفة أن الله يحشر الجن والإنس إلى الحساب يوم القيامة ويقول لهم عز شأنه: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ﴾. أي قد جمعتم حولكم من الإنس نفرًا كثيرًا تضلونهم عن سبيل الله وتضحكون عليهم، وتوبقونهم في المعاصي والمحرمات، وإن الشياطين لم تجب عن هذا السؤال بشيء، لأن سكوتهم إقرار منهم بهذا الفعل الذى نسبه الله إليهم وأيضًا لم يجيبوا عليه لأن شأنهم الإضلال والإغواء لبني الإنسان، إذ أنهم أعدائهم ويتربصون بهم دائما﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ﴾. أي الذين اتبعوهم بولاء وإخلاص، وداروا في فَلَكِهِمْ ناصرين لإفكهم ومؤيدين لضلالهم وإجرامهم، قالوا ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. يعنى ارتكبنا معهم وارتكبوا معنا فاحشة الزنا وبلغنا فيها الغاية من اللذة والشهوة، وإن كلمه ﴿اسْتَمْتَعَ﴾. نص فى اتيان شهوة الجنس قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. [24،النساء]. ولا بأس من أن تتضمن كلمة ﴿اسْتَمْتَعَ﴾. باقي الشهوات واللذات الأخرى علاوة على معناها الأصلي مثل معاقرة الخمرة واستعمال المكيفات والمخدرات، وتناول الأطعمة المحرمة والخبائث من كل شيء من الأقوال والأعمال والأخلاق.

قوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾. أي استمر بنا هذا الحال المؤسف، والشأن المحزن حتى وصلنا إلى نهاية حياتنا الدنيوية، وجاءنا ريب المنون، وخرجنا من الدينا من غير توبة ولا أوبة، هذا الإقرار من الإنس يسجل عليهم أنهم استسلموا لشياطينهم بادىء ذى بدء، وغرقوا في شهواتهم وأمانيهم الخداعة، ولم ينكروا على انفسهم ولم يجاهدوا هؤلاء الشياطين وحتى لم يتخذوا منهم موقفًا حياديًا، فحلت على الجميع شقوتهم بقوله سبحانه ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ﴾. وهذه الفقرة تنص على أن هذه الآية خاصة بالمسلمين من الإنس والجن الذين قارفوا هذا المنكر وارتكبوا مع بعضهم فاحشة الزنا وغيرها من الفواحش، ولذلك لم يحكم الله عليهم بالتأييد فى النار كما حكم على الكافرين، وإنما حكم عليهم بالخلود فيها ﴿إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ﴾. أي إلى المدة التي يخرجهم الله فيها من النار بعد استيفاءهم عقاب هذه الجريمة شأنهم فى ذلك شأن مرتكبي الكبائر من المسلمين الذين ماتوا ولم يتوبوا من كبائرهم إن شاء عفى الله عنهم وإن شاء عذبهم على ذنوبهم ثم يخرجهم من النار بعد ذلك بمشيئته تعالى وقد ختم الله هذه الآية الشريفة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾. والحكيم هو الذى يصنع كل شيء لحكمة سامية قد لا تخطر على بال أحد العقلاء والرشداء، وقد يعلمها الله لهم ويمن بها عليهم، أو حكيم في فعله أي يحكمه ويتقنه ويبدعه حتى يكون هذا الفعل آية في الروعة والجلال والعظمة والكمال، أو حكيم ذو أناة وحلم وصبر طويل على عباده فلا يعالجهم بالعذاب، وإنما يعطى لهم المهلة بعد المهلة حتى ينفذ أجلهم الذي أمهلهم الله إليه فيسلبهم الله مدد الإمهال، ويأخذهم فجاة وهم لايشعرون ، وقوله سبحانه وتعالى ﴿عَليمٌ﴾. يعنى محيط بمعرفة كل شيء من الغيب والشهادة، ومن السر والأخفى ومن حديث النفس والنجوى ويعلم أمر هؤلاء الإنس والجن الذين ظنوا أن الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون أو يقولون أو يبيتون وظنوا أنهم سيفلتون من عذاب الله وعقابه، كلا، لأن العليم جل شأنه قررهم على كبائرهم وأوزارهم وجميع أفعالهم، فأقروا واعترفوا، ولم يكن لهم قدرة على الإنكار لأن أعضائهم ستنطق بما عملت وتشهد على نفسها بما صنعت، والحكيم العليم اخبرنا بهذا الغيب الذى سيكون يوم القيامة حتى نؤمن به بل نتصوره ونستحضره ونستبشع هذا المشهد الأليم، فتنزعج منه القلوب، وترعوي من هوله النفوس ويجاهد كل مسلم من الإنس والجن في تحاشى هذه المنكرات والفرار منها، لأنها شهوات قصيرة عاجلة بعدها نار حامية باقية، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
منقول من كتاب حوار حول غوامض الجن 
لفضيلة العارف بالله الشيخ محمد على سلامة 
مير اوقاف بورسعيد سابقا  

- هل الشيطان يعلم خفايا النفس الإنسانية؟.

السؤال الخامس والخمسون: هل الشيطان يعلم خفايا النفس الإنسانية؟.
الجواب:
إن الشيطان لا يعلم ما خفى فى جوانح النفس وطوايا الضمير، وكذلك الملائكة لا تعلم شيئًا من ذلك ولا يعلم ذلك إلا الله وحده، أو من أطلعه الله على الغيب، وعلى ما تخفية الصدور، وقد ورد فى الحديث القدسي عن الله عز وجل ما معناه: ﴿الإخلاص سر من اسرارى استودعته قلب من احب من عبادى فلا يطلع عليه ملك فيكتب ثوابه﴾. [رواه القزويني].
وكذلك كل ما استتر فى القلب، إذ لو اطلع الشيطان على ما يخفية الإنسان في نفسه من النوايا والقصود والفكر، لأفسد فيها وأخبر بها من تتعلق بهم تلك النوايا من خير أو شر، وتفسد الحياة بين الناس بسبب ذلك، ونحن نعلم جميعًا مدى عداوة الشيطان للإنسان، وأنه كان يسترق السمع من السموات فيضع على الكلمة التى يسمعها عشر كلمات كاذبة ويخبر بها أولياءه وأصحابه، ويكذب عليهم وهم اتباعه وأولياءه، فكيف بغيرهم الذين لا صله لهم به؟ إن كذبه عليهم يكون أكثر وأشنع فكيف لو اطلع على ما فى نفس الإنسان وأخبر به؟ إذن لفسدت أمور الإنسان وضاعت عليه مصالحه ولم يستقم له شأن. هذا وإن كل ما فى القلب قد حجبه الله عن الغير حتى لا ينكشف سر الإنسان لأحد غير الله عزَّ وجلَّ، وحتى ينتظم شأن هذه الحياة الدنيا.
ولقد استأثر الله بعلم ما في القلوب لأنه من غيب السموات والأرض الذي يقول فيه: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. [123،هود].
السؤال السادس والخمسون: إن كان الشيطان لا يعلم ما في نفس الإنسان فكيف يسايره ويعينه على هواه؟.
الجواب:
إن هوى النفس هو ميلها إلى الشهوات واللذات والأطماع والأماني واللهو واللعب وغير ذلك من المساوئ والمفاسد، وإن هذا الهوى هو من دسائس الشيطان ووساوسه، وهو من إغواء الشيطان وإغرائه، وهو من تزيين الشيطان وألاعيبه التي يخدع بها المسلم. وإن النفس في الحقيقة هي بنت الشيطان، وعن طريقها يتم ما يريده الشيطان فلا غرابة إذن من دفع الشيطان للإنسان ومسايرته له فى تحقيق هواه وميوله الباطلة، وإن الهوى أخو العمى، وقد يستبد الهوى بصاحبه فيتخذه إلها من دون الله ولا حول ولا قوة الا بالله، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. [23،الجاثية].
وهنا إشارة يجب الالتفات إليها وهو أن المؤمنين لا تصل وسوسة الشيطان إلى قلوبهم، ولكنها تكون فى دائرة الصدور فقط قال الله تعالى : ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. [4-5،الناس] وهذا من فضل الله على المؤمنين فإنه سبحانه وتعالى جعل قلوبهم منطقة محرمة على الشيطان، وأن الصدر دائرة فوق القلب كغلاف بالنسبة له، ومن هنا كان المؤمن دائمًا يطرد هذه الوسوسة بمجرد وقوعها من الشيطان لعنه الله، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. [201،الأعراف]. فيدفع المؤمن الشيطان بالاستعاذة منه كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.  [36،فصلت].
والنزغات الشيطانية هو مكره وكيده وشباكه التى ينصبها ليوقع المؤمنين فى المحرمات والشبهات.
السؤال السابع والخمسون: كيف يتعامل الشيطان مع القلوب على اختلاف أنواعها؟.
الجواب:
سبق أن قررنا أن قلوب المؤمنين والمؤمنات ليس للشيطان تعامل معها لأنها مناطق محرمة على الشيطان لطهارتها بالإيمان، وعمارتها بتقوى الله وذكره ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. [99،النحل].
أما سلطانه فإنما يكون على الذين يستجيبون له، ويتبعون وسوسته من ضعاف الإيمان، أو الذين يشركونه مع الله سيحانه وتعالى وهم الكفرة لعنهم الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾.  [100،النحل].
منقول من كتاب حوار حول غوامض الجن 
لفضيلة العارف بالله الشيخ محمد على سلامة 

مير اوقاف بورسعيد سابقا 

- كيف تقبض أرواح الجن

السؤال الثالث والخمسون: كيف تقبض أرواح الجن وهل يدفنون في مقابر مثل الناس؟.
الجواب :
إن الله عزَّ وجلَّ كما خلقهم قدر أرزاقهم وقدر آجالهم، وأن الله جعل لهم روحًا يحيون بها ويدركون بها ويتحركون بها، ولكنها غير الروح التي نفخها الله فى الإنسان، فلكل كائن من مخلوقات الله حقيقته وصورته وقد أعطى الله كل شيء خلقه المادي والمعنوي ثم هداه إلى كيفية حياته ومعاشه فسبحان العليم الخبير.
فمن الجن من يعمر ومنهم قصير الأجل ومنهم من يعيش إلى يوم القيامة، وذلك على حسب تقدير الله عزَّ وجلَّ لأعمارهم، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وإن المؤمنين منهم يصلون على ميتهم ويغسلونة ويكفنونه على حسب حالتهم لأنهم ملتزمون بفروع الشريعة.
هذا وإننا نرى الشهب وهى تتساقط من السماء لتحرق من يستمع منهم إلى أخبار السماء، وقد نوع الله المخلوقات إلى خفية وظاهرة، وغيبية ومشهودة، لنؤمن بالغيب كما نؤمن بالشهادة، ولنعلم أن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط.
هذا وإن الجن إذا مات يرجع إلى صورته الأصلية التي خلقه الله عليها، أما الصورة التي تشكل بها وقتل فيها فإنها تذهب عنه لأنها أمر عارض ينتهي بالموت، ولا يلزم من مدافنهم أن تكون أبنية ظاهرة مثل قبورنا، ولكنها قبور خفية مثل مساكنهم وقد يدفن الجمع الغفير منهم فى بقعة صغيرة جدًا من الأرض والله اعلم.
السؤال الرابع والخمسون:ورد في الحديث الشريف أن المردة من الشياطين يقيدون فى رمضان فهل هذا التقييد للمردة فقط أو لعامة الشياطين. وإن كان التقييد عاما فكيف تكون الوسوسة للناس فى رمضان؟.
الجواب:
إن الله أراد أن يكرم المؤمنين خاصة في رمضان بنعم كثيرة لا تحصى ولا تعد، منها تقييد الشياطين كلهم في رمضان، هذا التقييد إنما يكون عن المؤمنين المجاهدين لأنفسهم بالصوم والكف عن محارم الله، والمجاهدة في المسارعة إلى مرضاة الله ورسوله، وذلك حتى يحسوا بعطف الله عليهم، وتكريمه لهم فى هذا الشهر الذي فرض الله عليهم صيامه، وسن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه، وإن هؤلاء المؤمنين قد قيد الشيطان عنهم، والتقييد معناه الحد من حركة ونشاط المقيد، وليس المراد منه منعه من الحركة بالكلية، وإنما تكون حركته بطيئة وضعيفة، وعلى ذلك فإنه يكون هناك وسوسة من الشيطان للمؤمنين فى رمضان، ولكنها سرعان ما تنتهى وتتبدد وتزول عنهم لضعفها فليست كالوسوسة فى باقى الشهور، وهذا تفضل من الله عليهم فى رمضان منحه الله للمؤمنين المتمسكين بدينهم أما غيرهم من المفطرين أو المرتكبين للمعاصي في رمضان فإن الشيطان لم يقيد بالنسبة إليهم. قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.[75،مريم].
ولما كان الشيطان عدوا للمؤمنين للشيطان يقوى عند ذلك فقد أيدهم الله وقيد من حركته نصرا لهم على هذا الشيطان.
منقول من كتاب حوار حول غوامض الجن 
لفضيلة العارف بالله الشيخ محمد على سلامة 
مير اوقاف بورسعيد سابقا 

- هل يتمثل الشيطان فى صورة انسان

السؤال التاسع والأربعون: هل يتمثل الشيطان فى صورة شيخ صالح ليخدع الرائي له؟.
الجواب:
نعم وقد تمثل فى صورة شيخ عجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى ليلة الإسراء، ووقف على جانب الطريق وأخذ ينادى رسول الله ويقول له يا محمد أنظرني أكلمك، فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتفت إليه، فقال جبريل عليه السلام هذا إبليس لعنه الله ولو أجبته لاتبعته أمتك.
وقد جاء في صورة شيخ نجدي، وحضر اجتماع قريش في دار الندوة حيث تآمروا فيه على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هو صاحب الرأي الذي اتفقوا عليه فى كيفية التخلص من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثيرًا ما كان يتراءى للعُبَادِ والصالحين في صورة ناسك متعمق فى العبادة، وزاهد متقشف ورع ليغتر به من يتمثل له، ولقد أغوى خلقًا كثيرين بهذه الأساليب، ولكن أهل العلم المتمكنين لم يقدر على فتنتهم.
السؤال الخمسون: نرجو توضيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الشيطان لا يتمثل بى أبدًا}. [رواه الترمذي].
الجواب :
هذا الحديث الشريف دليل على تنزيه صورة رسول الله وهيئته من أن يتشكل الشيطان الرجيم بشكلها، ودليل على عصمة جسمه الشريف من الشيطان، فلن يستطيع أن يمسه أو يقترب منه أو يتزى به، لأن صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم  صورة فردية فى الوجود كله، ليس لها مثل، وليس لها ظل وليس لها خليل من البشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا}. [متفق عليه].
وأن الشيطان قد عجز عن التمثل برسول الله مع قدرته على التمثل بأي صورة كانت، لأن صورة رسول الله ظاهرها حق وباطنها غيب، فليس فيها ذرة لغير الله عز وجل، وأن الشيطان إذا حاول أن يتمثل بصورة رسول الله احترق لأن رسول الله أخبر بأنه لا يتمثل به يعني لا يقدر ولا يستطيع أن يفعل ذلك بحال من الأحوال، ولو اجتمع الشياطين كلهم على ذلك لعجزوا، وتلك خصوصية لذات رسول صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله بها دون سائر العالمين.
هذا وقد ورد أن إبليس – لعنه الله – ينتحل لنفسه صفه الربوبية وينادى على بعض العلماء بالله بقصد إغوائهم كما نادى على الشيخ عبد القادر الجيلانى رضى الله عنه وقال له : عبدى عبد القادر. فقال لبيك ربى. قال : قد ابحث لك المعاصى فافعل ما تشاء فرد عليه الشيخ بقوله: اخسأ يا ملعون ما كان الله ليحرم شيئا على لسان رسوله ويبيحه لولى من أوليائه ففر هاربًا.
السؤال الحادي والخمسون: ما هو نصيب ورثه رسول الله من هذا الحديث الشريف:{إن الشيطان لا تمثل بي}؟.
الجواب:
يجب أن نعلم أن العصمة من الشيطان في كل شيء إنما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان سبحانه وتعالى قد جعل على أبواب السموات شهبًا تصعق الشياطين وتحرقهم إذا اقتربوا منها إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا من قبله يلجون من هذه الأبواب ويتسمعون أخبار السموات كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾. [9،الجن]. فكيف بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم وجسمه الشريف، وأما ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قد حفظهم من الشيطان فلم يجعل له عليهم سبيلا، ولكن قد يتمثل الشيطان بشكلهم وصورتهم ليضحك بهذه الصورة على ضعاف المؤمنين الذين يجهلون ألاعيب الشيطان، وإغرائه نسأل الله السلامة منه، والحفظ من شره، إنه مجيب الدعاء.
وقد ورد عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال وهو يجود بنفسه عند سكرات الموت، وقد سأله تلاميذه كيف أصبحت يا إمام؟.
قال أصبحت للدنيا مفارقًا ولإخواني مودعًا ولكأس المنون شاربًا وعلى ربي مقبلاً وعلى أعمالي محاسبًا لا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول:
ولما قسى قلبى وضاقت مذاهبى ........ جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته ......... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فلولاك لم يسلم من إبليس عابد ....... وكيف وقد اغوى صفيك آدما
السؤال الثاني والخمسون: ما رأى فضيلتكم في قول الإمام النووي رضي الله عنه أنه رأى شيخًا على شاطئ النهر فقال له يابنى لا ترفع صوتك بالذكر فتقلقَ النائمين فلما سأله من أنت قال له أنا الناصح للشارد عنى فعرف الامام النووى انه إبليس لعنه الله؟.
الجواب:

قد سبق أن أوضحنا أن الشيطان قد يأتى في صورة شيخ وقور ليوهم الرائى له أنه ليس بشيطان فإذا تكلم معه من كلامه، وذلك لأن من رآه من المؤمنين وهو على علم بالدين ومعرفة بآدابه وأحكامه، فإذا سمع منه أي حديث يتنافى مع آداب الدين، عرف أنه حديث الشيطان، وفي هذه المرة كان حديثه مع الشيخ النووى فيه شبهة لأن الذاكر إذا كان يذكر الله فى جوف الليل والناس نيام لزمه أن يخفض صوته حتى لا يزعجهم، لأن الله جعل الليل لباسًا وسكنًا لعامة الناس، أما إذا جاء وقت الفجر فإن الذاكر يرفع صوته بالذكر ليوقظ الناس لصلاة الصبح، ولذلك سأله الإمام النووي عن هويته فعرفه بنفسه لعنه الله، وقال له: (انا الناصح لمن يشرد ويبتعد عنى) يعنى ينصحه ليقترب منه ويدور فى فلكه ويغتر به ويظن أنه ناصح أمين، فعلم الشيخ النووى أنه إبليس لعنه الله، وذلك لأن النائمين في ساعة صلاة الصبح قد عقد الشيطان على رؤوسهم عقدًا ثلاثة ليستمروا في نومهم حتى تطلع الشمس لكن الذي قام إلى الذكر والصلاة فقد شرد عنه، ونقض العقد عن نفسه، وابتعد عن حبال الشيطان وخدعه وقد سبق أن قلنا أن الشيطان له مداخل كثيرة يدخل بها على العباد والزهاد والعلماء والتجار والصناع والعمال والحكام والأمراء، وعلى السوقة والعامة، وله حيلة مع كل مؤمن ومؤمنة يحاول بها إغرائهما وفتنتهما وهنا لطيفة يستحب ذكرها فى هذا المقام، وهى أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه كان إذا قام قبل الفجر أخذ يذكر الله تعالى بصوت خافت، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا ذكر الله فى هذا الوقت رفع صوته بالذكر وجهر به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لم تذكر الله بصوت خافت يا أبا بكر؟. فقال: يا رسول الله لأسمع من أناجي، وقال رسول الله لعمر: لم ترفع صوتك بالذكر يا عمر؟. فقال يا رسول الله لِأُوقِظَ الوسنان فأقر رسول الله كلاً منهما على حاله هذا وإن بين كل منهما فى الدرجات كما بين مشهديهما فى ذكرهما رضى الله عنهما
منقول من كتاب حوار حول غوامض الجن 
لفضيلة العارف بالله الشيخ محمد على سلامة 
مير اوقاف بورسعيد سابقا 
جاري التحميل...