آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

- وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ

- وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ


(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر : 9] 
بالله عليكم يا إخوانى لو وُجد هذا الصنف فى أى مجتمع هل يحدث فيه كوارث ونكبات؟   ......    أبداً!!!

وحتى لو حدثت كما حدث القحط فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ما الذى أنهى هذا القحط؟ ... ليست المعونات ولا الأقوات وإنما الإيثار الذى تمتع به المؤمنون والمؤمنات، والذى علمهم إياه سيد السادات صلى الله عليه وسلم
يكفى أن إمامهم قد آل على نفسه ألا يأكل إلا الزيت حتى تنتهى المجاعة، يُطعم الناس اللحم والدسم ولا يأكل هو إلا الزيت!! .. وذات يوم أراد أن يصعد المنبر فسُمع أصوات أمعاءه وهى تقرقر فقال بصوت عالٍ:

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ


مراقبة الرقيب عز وجل، هذه المراقبة التي يقول فيها الله فى سورة الحديد:
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)أينما كنت فالله عز وجل مطلع عليك ويراك ويعلم ظاهرك ويعلم سرك ونجواك ولا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء ولا تخفي عليه خافية في العقول ولا في خطرات القلوب ولا في أي أمر يضمه الإنسان بين جوانحه ولا يطلع عليه المخلوقين لكن الله يطلع عليه ويراه.

الاثنين، 3 أغسطس 2015

- هل يعلم الجن الغيب؟.

- هل يعلم الجن الغيب؟.
الجواب:
إن الغيب الكوني المحيط بحياة الإنسان، يجوز أن يعلمه الجن والإنس على حد سواء وذلك مثل أن يفقد شيء من أحد من الناس، فيجوز أن يعرف الجن هذا الشىء المفقود، في أي مكان هو، ومن الذي أخذه، وذلك لأن هذا الشيء المفقود هو غيب بالنسبة لمن افتقده، ومعروف تمامًا لمن أخذه، وتصرف فيه، ومن هنا كانت مهمة الجن البحث عن هذا الشيء بحركته السريعة الخاطفة، وأن يستعين بإخوانه من الجن الموجودين فى أماكن هذه الحادثة، ثم يخبر صاحبه من الإنس الذي استخدمه في تلك المهمة، ويمكن للجن أيضا أن يأتي بهذا الشيء مادام موجودا فى مكان ما، قال الله تعالى : ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾.[39،النمل]. لكن الجن لا يستطيع أن يعلم غيب القدر، أو غيب ما فى النفس او الضمير، إلا إذا كان من صالحي المؤمنين الذين أطلعهم الله على أسرار القدر الإلهي، وسر تصريف القدر العجيب.
وهذا الغيب يستوى فيه الإنسان الصالح مع الجن الصالح، وهذا النوع من الجن لا يقدر أحد أن يستخدمه في كشف هذه الأسرار الإلهية، لأن العهد قد اخذه الله عليهم بكتمانها كالإنسان تمامًا فلا يبيحونها إلا لأمثالهم من صالحي المؤمنين، الذين يحفظون أسرار الربوبية.
وكذلك يمكن للجن أن يعرف ما فى البيت من مال أو متاع أو مصوغات أو طعام، لأن ذلك كله يمكن أن يأتي الجن بخبره فى الحال، وكذلك يمكن أن يخبر الجن بالأحداث التي وقعت في بلاد بعيدة بمجرد وقوعها، وذلك لسرعة حركته الغريبة وهى طاقة وقدرة اعطاها الله له، فسبحان ذي القوة والقدرة الذى بيده الملك والملكوت.
وهذه الأمور التي أخبر بها الجن لم تكن غيبا بالنسبة له إذ أنه رآها وعرفها ولكنها غيب عن الإنسان الذي أخبره بها كما لو أخبرك أحد بشيء لم تعرفه من قبل فيظن الجاهل أن الجن يعلم الغيب وهو لا يعلم من أمره شيئاً.
كتبه
 فضيلة الشيخ محمد على سلامة
من كتابه حوار حول غوامض الجن

- آداب الاختلاف لدى الصحابة وحتى عصرنا


بما أن الاختلاف ثابت بصفاء، ووارد بحسن نية، فلا شك أن له قواعد وآداباً، كانت قد تكونت واتبعت منذ إشرافة فجر الإسلام، وفي عهده الأول، أي في عهد رسول اللَّه  عليه الصلاة والسلام ، وعهد الصحابة، رضي الله عنهم، وعهد من تبعهم وتلاهم من حملة مشاعل الهدى وأعلام الفكر الإسلامي ودعاته.
ونجد الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، رحمه اللَّّه، يرى أن مدلول كلمتي الخلاف والاختلاف واحد، ومع ذلك، قال:  >أن الخلاف بين المسلمين إلى ضروب ثلاثة، ضرب لا خطأ فيه وهو الخلاف في الاجتهادات، وضرب يقتضي الخطأ ولكن دون تكفير أو تفسيق، وضرب يقتضي التكفير، كالجبر والتجسيم، أوكخلاف الخوارج لسبهم علياً، عليه السلام، إلى آخر ما ذكره في أحد مؤلفاته الشهيرة<.

ويعلم من مصادر الرواية وكتب التاريخ والتراجم أن الاختلاف بين علماء الأمة الإسلامية كان قد ظهر منذ بزوغ شمس الإسلام، وأنه لا يعني التضاد والتعارض، كما لايعني التباين والتنافر، لأن الذي يجمعهم ويدعوهم للاتفاق أحادية العقيدة، المبنية على أصول تشريعية منزلة من عند اللَّه الواحد وعلى لسان نبي واحد، وبكتاب محكم محفوظ، وما الخلافات التي برزت وفي مجمل أنواعها وعلى مختلف مراحلها إلا نتائج أراء توصل إليها العلماء والفقهاء، حول نصوص أحادية ظنية، كما هي دليل اجتهادات وصل إليها الباحثون وأولو العلم، لهدف الوصول إلى العبادة الصحيحة، وأداء الفريضة بتحرٍّ ودقة، ولغرض التقرب إلى اللَّه جل جلاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن هذا المنطلق يتبين، أيضاً، أن الاختلافات الفقهية بكل أنواعها وعلى مختلف مراحلها الزمنية، إنما كوَّنت اختلافاً رحيماً، لايجر إلى كفر، ولا يشد إلى فسق، ولا إلى فصل وإخراج أحد من المِِِلَّة المحمدية، فكل مجتهد مصيب، وكلهم كما يقول الشاعر:
وكلهم من رسول اللَّهِ ملتمسٌ                رشفاً من البحِر أو غرفاً من الدّيمِ
 أنواع الاختلاف
الاختلاف بمعناه الشامل نوعان: أحدهما خطير: وهو الاختلاف المحظور الممقوت، ومنه ما هو غير محمود، ويندرج تحته الاختلاف في الأصول القطعية للتشريع الإسلامي، والعقيدة الإيمانية، كاختلاف الإسلام مع العقائد الكفرية، وكتصور المشبهة، وكاعتقاد المجبرة.
والثاني غير خطير: وهو الاختلاف الرحيم، وليس به بأس ولاضير، إذ أنه لايتجسد إلا في فهم النصوص الأحادية، وفي صحة سندها لفظاً ورواية، ويدور هذا الاختلاف حول المسائل والقضايا التالية:
 .1  المسائل الفقهية: وعلى غالب الأمر فإنه لا يبرز إلا في القضايا الاجتماعية، والمسائل الظنية، ولاسيما منها مسائل فروع العبادات وسننها وأشكالها، وبعض قضايا المعاملات، باعتبار أن  الاختلاف لدى العلماء وارد فيها، لعلاقته بفهم ونص الدليل. وقد وقع اختلاف بين مشاهير الصحابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومن بعده في كثير من المسائل، كما تكرر في عهد التابعين وتابعي التابعين من بعدهم، ومع الأئمة المجتهدين والمحققين، ومازال لدى من وصل إلى مرحلة الاجتهاد حتى عصرنا.
  .2 الاختلاف السياسي: وكان قد ظهر هذا النوع من الاختلافات عقب وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك حينما اختلف المهاجرون والأنصار في اختيار خليفة رسول اللَّه، ليقوم بأمر الأمة وشؤون المسلمين، حتى استقرت البيعة لأبي بكر الصديق، رضي اللَّه عنه، بمبادرة من عمر بن الخطاب، رضي اللَّه عنه، حسماً للخلاف الذي كان قد وصل بين الحضور من الصحابة إلى حد رفع الأصوات، ثم تلاه الخلاف بين الصحابة مع عمر فيمن يخلف عمر، في خلافته على المسلمين، حيث كان قد أوصى بها محدداً ستة أشخاص يختار كبار الصحابة أحدهم لخلافته. وتأتي الفتنة الكبرى حين استُشهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي اللَّه عنه، من أوائل الاختلافات السياسية في تاريخ المسلمين، ومن أشدها أثراً على وحدة الأمة، كما يعتبر خروج معاوية بن أبي سفيان على إمامة الإمام علي بن أبي طالب، كرم اللّه وجه، من أكره وأبغض أوجه الاختلاف السياسي الذي حدث في صدر الإسلام، حيث جر إلى انقسام الصحابة آنذاك إلى قسمين، أغلبهم من تابع علياً، وأقلهم من لحق بمعاوية، كما أدى إلى خروج المسلمين عن الجادة، وفرق صفوفهم وجعلهم فرقاً متباينة، ونحلاً متشاكسة، ومذاهب مختلفة، وسار سوس الاختلاف ينخر في عظم الأمة الإسلامية، إذ انتقل من الخلاف المحمود إلى الاختلاف المذموم. واعتبر لدى بعض الشيعة اختلافاً في أصل من أصول التشريع، وهي الإمامة لنصوص رويت في خلافة الإمام على، ومن الصحابة من اعتبره خلافاً سياسياً، وبأي مقياس، فإن ذلك الاختلاف قد  أحدث ثلماً في وحدة الأمة الإسلامية، حيث جر إلى أنواع من تصدع وانقسام في صفوف المسلمين، ينهى عنه الإسلام بل يحرمه تحريماً قطعياً. وهناك أنواع من الاختلافات السياسية، ومردها الاجتهاد في نوعية الحكم في الإسلام، ولكنها مقبولة تحت أي مسمى، مادامت ملتزمة بحدود النصوص التشريعية، وفي إطار وظيفة الدولة الإسلامية.


الحقبة الأولى: الاختلاف في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقد حدث بين الصحابة، رضي اللَّه عليهم، ولكنه سرعان ما كان يحسم الأمر فيه، بموافقته  عليه الصلاة والسلام ، عليه أو نهيه عنه، وعلى سبيل المثال: الحديث المروي عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: سمعت رجلاًً قرأ آية سمعت من رسول اللَّه خلافها،  فأخذت بيده، فأتيت به رسول اللَّه  عليه الصلاة والسلام ، فقال: "كلاكما محسن"، قال شعبة: "أظنه، قال: "لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"، ومن مفهوم هذا الحديث نستخرج: أن الاختلاف بين الصحابة حدث، وإنه لمجرد الخلاف أمر غير محمود، بل ومنهي عنه، كونه يؤدي إلى التفرق وشق عصا الإسلام، ويؤثر على وحدة صفوف المسلمين.
الحقبة الثانية: الاختلاف في عهد الخلفاء الراشدين والصحابة من بعدهم، وكانت هذه الحقبة قد ظهرت لحظة لحاقه عليه الصلاة والسلام ، بالرفيق الأعلى وعقب وفاته، كما امتدت حتى نهاية القرن الأول للهجرة النبوية، حيث ظهرت فيها بين الصحابة اختلافات متعددة، ومتنوعة: ومنها ما كان ذا علاقة بذات النص النبوي الأحادي، ومنها ما تعلق بفهم الصحابي لمضمون النص، ومنها ما سار عليه الصحابة في أداء العبادة والسنن، ومنها ما كان ذا صلة بالاختلاف السياسي والمصالح الشخصية، وأغلبها كانت تحل بالعودة إلى الدليل مع التحري في صحته، أو التسليم بموقف الجماعة، ومثلنا على ذلك: موقف عبد اللَّه بن مسعود، رضي اللَّه عنه  من الصلاة في منى، حيث كان رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام ،  وأبوبكر وعمر وصدر من خلافة عثمان يصلونها ركعتين قصراً، ثم صلاها عثمان أربعاً، فلما بلغ ابن مسعود ذلك استرجع ثم قام فصلى أربعاً، فقيل له استرجعت يابن مسعود ثم صليت أربعاً؟، فقال: الخلاف شر، وهناك أمثلة كثيرة ترد في مكانها.
الحقبة الثالثة: وكانت هذه الحقبة قد ظهرت في مطلع تحول الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض، واستمرت حتى فترة الجمود الاجتهادي، أي عصر مابعد عهد الصحابة وأوائل التابعين، وتلك الحقبة الثالثة كانت قد عرفت بزمن الاجتهادات الفقهية وتعددها، وتكاثر الآراء الفلسفية والفكرية فيها، لكنها كانت على إجمالها، وفي بعض أشكالها اختلافات محمودة، أثبتت سَعةَ الدين الإسلامي، وصلاحيته لكل عصر، حيث ارتبطت حركة الاجتهاد بالعقل، والأخذ بالدليل مع التكيف بعوامل انتشار الإسلام، وظهور علوم جديدة جدة ذلك العصر، اعتبرت في نظر الكثيرين من علماء الإسلام وأئمته علوماًً هامة يجب العلم بها، وتعلمها، كما أصبحت معرفتها ضرورة لتوسيع مدارك المتعلمين وتوسعة معارفهم، لفهم مكامنها والاستفادة منها في تقوية شوكة الإسلام، وللدفاع بها عن جذوته، وصلاحيته لكل عصر، بخاصة وقد كانت هناك مبررات وأسباب أخرى أتاحت فرص وجودها على الساحة الإسلامية كلها، كما كانت هي ومعارفها في حد ذاتها سبباً في اختلافات المسلمين  وتعدد مذاهبهم الفكرية والفقهية، وحتى حياة المسلمين اليوم.
الحقبة الرابعة: وهي الحقبة العصرية: وكانت قد بدأت عقب انحسار الاجتهاد الفقهي، في معظم الساحة الإسلامية، وقصره على بعض الأئمة المشاهير، وتمتد تجاوزاً حتى زماننا الذي نحياه، وهي الحقبة التي مال فيها الأغلب من علماء المسلمين ومفكريهم إلى التقليد الأعمى، والتقوقع على المنقول، إلا من توفق وبرز إلى قمة المعرفة. ولعل من أبرز وأهم أسباب تنوع وزيادة المسائل الخلافية فيها، لدى المجتهد ين المتأخرين، وهم قلة، يعود مردها إلى تنوع العلوم وتعدد مناهجها، وتعدد المدارس الفكرية فيها، وأخيراً إلى انتشار المذاهب الديالكتيكية الجدلية، ومصاحبتها لتهور كبير من قوى الاستكبار، بغرض خلخلة قواعد وأصول التشريع الإسلامي، في محاولة للنيل من الإسلام، والتشكيك في صلاحية كيانه، وقدرته على حلول المشكلات، وتحديات العصر التي تواجه المسلم، ديناً وكياناً، مما كان له أثر بالغ لدى جانب من الجهلة الذين ينتسبون إلى الإسلام، حتى ألصق به ما لا يحتمله، وتم وصفه بما ليس فيه، مما مكن الفئة الجاهلة من تقبل الأفكار الهدامة، وجعلها في مراكز القادرين على تشويه القيم والمقدسات الإسلامية الجليلة،واصبح بعض المسلمين يحتكرون الاسلام واصبحو اوصياه عليه وانهم هم على الصواب ومن خافهم من المسلمين من الفسه الضالين وتلك محاولة من أعداء الإسلام، الذين استهدفوا ومنذ زمن بعيد، بجهد الخاسر طمس الهُوِيَّة الإسلامية، مستعملين شتى الأساليب ومختلف الوسائل، لحجب شمس الإسلام ونشر الجهل في صفوف المسلمين، وتشويه دوره في بناء الحياة كلها لصالح البشرية أجمع، {ويأبى اللَّه إلا أن يُتمَّ نورهُ ولوكره الكافرون} (سورة التوبة، من الآية: 32).
اختلاف المسلمين رحمة من اللَّه
روي في الحِلْية، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، عن القاسم بن محمد أنه قال: كان اختلاف أصحاب محمد رحمة لهؤلاء الناس (وجاء التعبير بالرحمة في قول الإمام مالك للرشيد) وأن اختلاف العلماء رحمة من اللَّه على هذه الأمة، وقد ورد القول على ألسنة علماء ومحدثين قولهم: "إن اختلاف هذه الأمة رحمة من اللَّه لها، كما أن اختلاف الأمم السابقة كان لها عذاباً وهلاكاً، ولأئمة الشريعة الإسلامية وفقهائها أقوال كثيرة حول الاختلاف. ويرى العلامة القسطلاني المتوفى سنة 923 هـ  في "المواهب اللدنية" أن الاختلاف من خصائص هذه الأمة المحمدية: حيث يقول: >إجماعهم حجة، واختلافهم رحمة<، وحكى الشيخ ابن تيمية، رحمه اللَّه، في مجموع الفتاوي عن أحد العلماء ولم يُسَمّه أنه كان يقول: "إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة". وقد وجدت هذه المقولة الطيبة الصادقة في كلام ابن قدامة في مقدمة كتابه: >المغني<، وكان عظماء رجالات السلف ينظرون إلى اختلاف الأئمة أنه توسعة من اللَّه تعالى ورحمة منه بعباده المكلفين غير القادرين بأنفسهم على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساس . ويقول القاسم بن محمد بن أبي بكر، أيضاً: لقد نفع اللَّه باختلاف  المسلمين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، في أعمالهم، لايعمل العالم بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سَعَةٍ، ورأى أن أخاً خيراًً منه قد عمله، وروى ابن عبد البر: ماذكر مسنداً أن عمر بن عبد العزيز، قال: >ما أحب أن أصحاب رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام ، لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سَعَةً< . وقال الإمام السيوطي، رحمه اللَّه، في أوائل رسالته: >جزيل المواهب في اختلاف المذاهب<: فصل (اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعَمِِيَ عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي عليه الصلاة والسلام ، جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة ؟! ، إلى أن قال: فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه المِلة خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة، ومن سَعَتِها أنه وقع فيها التخيير بين أمرين، شرع كل منهما في ملة كالقصاص والدية، فكأنما جمعت الشرعين معاً، وزادت حسناً بشرع ثالث: وهو التخيير الذي لم يكن في إحدى الشريعتين. ومن ذلك مشروعية الاختلاف بينهم في الفروع، فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة كل مأمور به في هذه الشريعة، فصارت هذه الشريعة كأنها عدة شرائع بعث بها النبي  عليه الصلاة والسلام ، بجميعها، وفي ذلك توسعة زائدة لها، وفخامة عظيمة لقدر النبي عليه الصلاة والسلام ، وخصوصية له على سائر الأنبياء، حيث بعث كل منهم بحكم واحد، وهو بعث  عليه الصلاة والسلام ، في الأمر الواحد بأحكام متنوعة يحكم بكل منها، وينفذ، ويصوب قائله، ويؤجر عليه، ويُقتدى به، ويؤكد علماء سابقون أن الاختلاف يفتح الآفاق ويُعمل العقل، ويُثري الفكر ويزيد في محصلات العالم والمتعلم على السواء.
 وهناك من العلماء ممن يرى أن الاختلاف غير مشروع، مستدلين بآيات وأحاديث صحيحة تبين أن طريق التشريع واحد، وأن الاختلاف منهي عنه، ولنا أن نسلم بذلك عند وضوح النص وثبوت الدليل، فإذا كان غير كذلك، فإن الاختلاف وارد حتماً ولاضير فيه، وإذا ثبت وجود دليلين صحيحين حول قضية واحدة فإنه يجب الترجيح، والأخذ بالأحوط، سنداًً ورواية ودراية، حتى لا تضيق السبل، أو نضلَّ الهدى، وإذا علمنا أن الدين الإسلامي دين يسر واتفاق، لادين عسر وافتراق، فإن الرحمة في الأثر تعني استخدام العقل وإعمال النصوص التشريعية إعمالاً ينسجم مع رحابة الدين الإسلامي، ولهذا التزم العلماء المبرزون منهج الاجتهاد، والدعوة إليه، في الوقت الذي أوجبه آخرون، وفق قاعد اصطلاحية وأسس مسلم بها ومتفق عليها، كما أغلق الجميع باب التكفير والتفسيق إلا بدليل قاطع، ولذلك أتت ثمار الاختلاف طيبة هنيئة، لتؤصل روح التسامح، وتعمق رحابة الدين الإسلامي الواحد، ولتؤكد رفض الشريعة للتعصب والجمود أو التشدد، مع الالتزام بترك التضاد والتباين والتدابر بين الفرق الإسلامية، عملاً بدليل الكتاب والسنة في رفض التفرق في جوهر الإسلام وعلاقات الأخوة الإسلامية، وما يصلح أمر الأمة المحمدية.
ويؤكد علماء الشريعة الإسلامية أن الاختلاف إذا ما وجد، فإن له

ضوابط وقواعد يجب الأخذ بها ومراعاتها عند افتراضه،ومنها:
.1 أن يكون لكل من المختلفين دليل مقبولٌ يصح الاحتجاج به.
.2 ألا يؤدي الأخذ بالرأي المخالف إلى محذور أو باطل.
.3 ألا يستند الاختلاف إلى نص ظني معارض للنص القطعي.

آداب الاختلاف لدى الصحابة
يتبين الباحث المدقق من خلال النصوص التشريعية، ظنية كانت أو قطعية، متواترة أو أحادية، ويتوصل من واقع المرويات عن الصحابة، رضي اللَّه عليهم، أن اختلاف الصحابة كان في مجمله اختلاف تشاور فيما بينهم، وتناصح لما يصلح أحوالهم، وليس اختلاف تباين أو تقاطع، ولم يثبت نقلاً صحيحاً أن فيه اختلافات المتأخرين، وأنه لم يكن في أي حالة من الحالات مطية أو مطلب  أحد، ولا مقصد أي فرد منهم، كما هو حتى في ذات الحين لم يكن مطلب أحد من التابعين ومن تبعهم من أئمة العلم وفقهائه، وما الاختلافات الفقهية، والتعددية المذهبية، الثابتة حتى يومنا إلا نتاج آراء، وحصيلة اجتهادات، كانت قد تكونت وتكومت بعد عصر الصحابة، رضي اللَّّه عنهم، وبسبب إخضاع النصوص الظنية للفهم وإعمال الرأي بغرض استنباط الدليل منها. أما ظهور الاختلافات في عهد الصحابة، فليس إلا قبل علمهم بالدليل أو التوصل به، وبعده لا وجود للاختلاف الفقهي بينهم، لذلك تجد الاجتهادات التي ثبتت عنهم في الإطار الفقهي، كانت قد سارت وفق قواعد معتبرة مليئة بالآداب الفاضلة، كما بعدت عن التعصب للرأي المناوىء للقواعد الإسلامية،
ومن أهم تلك الآداب مايلي:
أولاًً: الالتزام بآداب الإسلام في التقاط أطيب الكلام وأحسنه، والتحلي به.
ثانياً: ألا يكون الاختلاف مقصوداً لذاته، مع جعله في أضيق الحدود، وبعيداً عن المرِاء والجدال... .
ثالثاً: التخلي عن العمل بالرأي والاجتهاد عند العلم بالدليل وثبوت صحته، "وقبول الحق ممن جاء به مع الرضاء والتسليم".
رابعاً: عدم الجمود والتشدد في التمسك بالرأي، وما وصل إليه الفهم، وتغليب نفسية التصافح والتسامح والتغافر، ومن ثم البعد عن التشفي وأساليب التعيير والتوبيخ والانتقام.
خامساً: الاعتراف بالخطإ دون شعور بالغضاضة، مع " البعد عن وسائل التشقيق والشغب".
 لذلك وصفوا بأنهم كانوا وقََّافين عند النصوص التشريعية، وإعلام الآخرين بها، مستجيبين للحق، ومستحضرين نية الوفاء عهد اللَّّه في تبيين الحق وعدم كتمانه، وإحياء العمل به، كما ينبغي له، وكانوا شديدي الاحترام لأهل العلم والفضل والفقه، كما كانوا مثالاً لإكرام كبرائهم وفقهائهم، لا يجاوز أحد فيهم قدر نفسه ولايغمط حق أخيه، وكل منهم يرى أن الرأي مشترك،. كما كان من آدابهم التسليم للحق وبالحق، مع التمسك بالأخوة الإسلامية، والدعوة لها قبل الاختلاف، وما نظرتهم إلى استدراك بعضهم على بعض إلا من باب المعونة والمشورة، يقدمها المستدرك منهم لأخيه، وليس نقداً يصوبه عليه، لأنه لا سياسة لهم دنيوية إلا  نشر الدعوة، وإلا نصرة الرسالة النبوية، بأسلوب عقلاني حضاري مجرد عن هوى النفوس، في صحة عقيدة وإخلاص نية، وصدق أداء وحسن عمل، نصحهم لعالمهم وأجرهم لأخيهم وزميلهم، وقّافون عند الشبهات، حذرين من الدسائس، آدابهم وسماتهم عند الاختلاف آداب الإسلام، لا تفارقهم حين الدعوة إلى الحق، ولا يتجردون عنها حين الأخذ والرد، لذلك كانت المسائل والقضايا الخلافية بينهم محدودة ومعدودة، لم تتجاوز مسائل الرأي والاجتهادات الفرعية، أذكر نزراً منها للدلالة فقط.

بعض المسائل الفرعية والقضايا الاجتهادية التي اختلف فيها الصحابة.
 بالرغم من تحاشي الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، الاختلاف فيما بينهم، ونفورهم عنه وميلهم إلى التمسك بالدليل واقتدائهم وتأسيهم بسيد المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام ، وبالرغم من سعيهم الجاد لمعالجة وتدارك قضايا الاختلاف في الرأي، فإنهم كانوا يستسلمون للدليل الصحيح، وإذا كان الاختلاف قد  وقع في عهد الرسول الأعظم  عليه الصلاة والسلام ، فكيف لايختلفون بعده، سيما والاختلاف في المسائل الظنية، والقضايا الاجتهادية تكاد تكون سنة فطرية وطبيعة فردية، ولذلك وجدت له سلوكيات وآداب، تمسك بها الصحابة، فجعلت منه محكاً لتلاقح الأفكار وتوسعها وتكاملها، بما يرأب الصدع ويجمع الشتات، ويحفظ للدين جذوته وشوكته، وتثبت كتب التراجم والسير أن الصحابة الراشدين، رضوان اللَّّه عليهم، سايروا ذلك الاختلاف بروح عالية وقدرات إسلامية فائقة، وأخلاق فاضلة ونبيلة، أثبتت أن اختلافهم في كثير من المسائل كان ذات صلة بميادين ترجيح الرأى، وقضايا إعمال العقل، وفي  جوانب حياتية متعددة وقضايا عرفية متنوعة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

ما حدث عقب انتقال الرسول  عليه الصلاة والسلام ، إلى الرفيق الأعلى، مباشرة كالمسائل التالية :
.1  حقيقة وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حيث أصر عمر بن الخطاب أنه  عليه الصلاة والسلام ، لم يمت، واعتبر الخبر إرجافاً من المنافقين، وامتطى سيفه منفعلاً متوعداً، حتى جاء أبوبكر، رضوان اللَّه عليهم، وقرأ على الناس الحضور قول اللَّه تبارك وتعالى: {وما مُحَمَّدٌ إلا رسول ٌقد خلتْ من قبلهِ الرسلُ  أفإن  ماتََ أو قُتِلَ انقلبتُم على أعقابكم ومَنْ ينقلبْ على عَقبيهِ فلن يَضُرَّ الله شيئاً وسيجزي اللهُ الشاكرين} (سورة آل عمران، الآية: 144)، وقول اللَّّه تعالى: {إنك ميتٌ وإنهم لميتون} (سورة الزمر، الآية: 30)، فسقط السيف من يد عمر، رضي اللَّه عنه، واستيقن أن الرسول عليه الصلاة والسلام ، قد مات، كما استيقن انقطاع الوحي.
.2 اختلافهم في دفنه عليه الصلاة والسلام ، فمن قائل ندفنه في مسجده، ومن قائل ندفنه مع أصحابه، وصار الأمر في أخذ ورد، وحين ظهر أبوبكر عليهم، روى حديثاً كان قد سمعه، حيث  قال: إني سمعت رسول اللَّّه يقول: >ماقبض نبي إلا دفن حيث قبض<. فسلم القوم، ورفع فراش رسول اللَّه  عليه الصلاة والسلام ، الذي توفي عليه، وحُفرََ له تحته، وهذان أمران كانا قد أزيل الاختلاف فيهما بعد الرجوع إلى كتاب اللَّه في القضية الأولى، وإلى الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبوبكر، رضي الله عنه، في القضية الثانية.
.3 اختلافهم في خلافة رسول اللَّه  عليه الصلاة والسلام ، وفي من تكون؟، أفي المهاجرين أم الأنصار؟ وصار في الأمر ما صار، كما حكته كتب التاريخ، وذكره الرواة والمحدثون، فقال عمر بن الخطاب: "فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون والأنصار، وتدافع الناس لمبايعته" هكذا استطاع الصحابة، رضوان اللَّّه عليهم، حسم الخلاف بينهم، حفاظاً على جذوة الإسلام، ومضى المسلمون قدماًً برسالة الحق إلى حيث شاء اللَّه لها أن تنتشر وتعلو،

ومنالاختلافات ما حدث في عهد الخلفاء الراشدين وبينهم، ومن ذلك مايلي:
أ)  اختلافهم حول قتال مانعي الزكاة، وبالحوار الإسلامي، وبفضل إيمانهم القوي وتسليمهم بوحدة الدعوة، وتحليهم بصدق النية وسلامة الطوية مع قوة في العزيمة تمكنوا من وأد الاختلاف بالوصول إلى اتفاق كل الصحابة على قتال مانعي الزكاة. أخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي، قال: أتيت المدينة، فإذا الناس مجتمعون، وإذا في وسطهم رجل يقبل رأس رجل، ويقول: أنا فداك ! لولا أنت هلكنا، فقلت: من المقبل؟ قال ذاك عمر بن الخطاب، رضي اللَّّه عنه، يقبل رأس أبي بكر، رضي اللَّه عنه،  في قتال أهل الردة الذين منعوا الزكاة .
ب) وبروح من الإيمان القوي ولتوحيد الرأي خدمة للإسلام، تمكن الصحابة من الاتفاق بعد اختلاف حول قتال المرتدين ردة كاملة. تلك من الأمثال على الدالة على ثبوت الاختلاف على المستوى الجماعي، وهناك قضايا ومسائل غيرها.
  أما وجود الاختلاف على المستوى الثنائي بين بعض فقهاء الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، فمن ذلك ما يأتي.
أولاً: اختلاف عمر وأبي بكر في نحو من ثلاثين مسألة وقضية، ومنها: ما سأشير إليه على سبيل المثال فقط ( حتى لايطول العرض) التالي:
.1 سبي أهل الردة، فأبو بكر سبا أهل الردة، وعمر نقض الحكم.
.2 مسألة قسمة الأراضي المفتوحة.
.3 مسألة المفاضلة في العطاء.
.4 مسألة الاستخلاف، فإن عُمَر كان يرى الاستخلاف، بينما كان أبو بكر لايرى ذلك. ولقد كان لكل واحد منهما رأيه واجتهاده الذي وصل إليه، وتمسك به، ولذلك نفذ كل منهما رأيه في عهده في المسائل التي ذكرتها.
وهناك مسائل خلافية أخرى ورد ذكرها في الموطأ، فمن أراد الإلمام بها فليرجع إليه وإلى كتب الحديث والسير الأخرى.
ثانياً : اختلافات عمر مع عبد اللَّه بن مسعود حول مسائل فقهية عديدة، يذكر ابن القيّم: (إن المسائل الخلافية الفقهية التي بلغت بين ابن مسعود وعمر نحو مائة مسألة)، وذكر، منها أربع، وهي:
.1 مسألة أم الولد وموضوع عتقها من نصيب ولدها.
.2 موضوع التطبيق في الصلاة، حيث كان ابن مسعود يطبق، وعمر يضع اليدين على الركبتين.
.3 موضوع اليمين: هل هي طلقة، أم يمين، فعمر يقول: إنها طلقة، وعبد اللَّه بن مسعود يرى: خلاف ذلك.
.4 مسألة زواج الرجل بزانيته، فعمر يأمر الزاني أن يتزوج التي زنى بها، وابن مسعود يرى أنهما مايزالان زانيين.
ثالثاً: اختلاف عمر مع بعض أفراد الصحابة، حول دية الطفل التي جاء أمه الطلق عندما دعاها عمر، عقب مقولات حكيت عنها في غياب زوجها، حيث قال عمر: إنه لادية عليه وقال آخرون يحملُ الدّيه عمر، حتى سئل علي،  كرم اللَّّه وجهه، فأجاب قائلاً: >إن على عمر حملُ الدّيةَ<، وبقول الإمام علي، عليه السلام،  أخذ عمر بن الخطاب، رضي اللَّّه عنه، دون غضاضة أو تردد، (والقصة مشهورة).
رابعاً: اختلاف الإمام علي،  كرم اللَّّه وجهه، مع الخليفة عثمان بن عفان، رضي اللَّّه عنه، وذلك في مسألة القرآن في الحج، حيث بنى بها علياًً قاصداً معلناً، بينما عثمان يرى خلافه.
خامساً: اختلاف أبي موسى مع الإمام علي، عليه السلام، حول مسائل، ومنها امتناعه من تبعيته ومن حضور مشاهده.
سادساً: اختلاف أم المؤمنين عائشة وابن عباس في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام ، للَّه عز وجل ليلة المعراج، وأن جمهور الأمة على قول بن عباس، مع أنهم لايبدعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين، واختلافها في سماع الأموات دعاء الأحياء، ولا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال، كما ثبت عن رسول اللَّّه عليه الصلاة والسلام ، وهناك مسائل عديدة يصعب سردها أو تبيان أنواعها كاملة في هذا المداخلة، وتجدها مفصلة في مراجع هذا البحث، وغيرها من كتب السير والتراجم وكتب الفقه، وبالرغم من كثرة المسائل المختلف فيها، فإن ذلك الاختلاف لم ينقص من حب أحدهم لصاحبه، ولا أضعف من تقدير ومودة لأي منهم، وفيما يلي بعض مما وصف الصحابة به بعضهم البعض.

وصف الصحابة لبعضهم البعض
من المعلوم من سير الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، ومما روي عنهم، في كتب التراجم والسير: عدم التأثيم والتخطئة للمخالف فيما اختلفوا فيه من المبرآت وغيرها، كما أن أحدهم لم ينقض حكم الآخر في  حياته، بالرغم من اختلافهم في المسائل الظنية الاجتهادية، وما نقل عن علي وزيد في تخطئة ابن عباس في ترك العول، وانه خطأهم فيه، حينما قال: من باهلني باهلته، إن اللَّّه لا يجعل في مال واحد نصفاً ونصفاً وثلثاً، فإنما هو على كون كل واحد لم يهتد إلى الأمارة التي عند مخالفه، وأنها لديه أقوى دلالة على الحكم. وهذه المسألة هي الوحيدة التي احتملت على التخطية، وبما يحتمله القول والكلام، فإني لم أجد للتخطئة فيها ريحاً، ولا للتأثيم تلميحاً، ولربما حُمِِلََ على التشدد في الرأي، والتمسك بالاجتهاد، لذلك لايعتبر قول ابن عباس حجة، في أن الصحابة كانوا يخطئون المخالف ويحكمون بتأثيمه، لما روي عنهم من سلوك إسلامي مثالي، في الحوار والأخذ بالدليل، ولثبوت أن كل مجتهد مصيب، ولو كان الأمر كما احتمله الآخرون، لما ثبت تعظيم بعضهم البعض قولاً وعملاً، ولما ملئت كتب التراجم والحديث بما مدح به بعضهم بعضاً. وفي مجال وصف بعضهم البعض بأحسن ما يقال،  حكى الإمام الهادي ابن إبراهيم الوزير، في كتابه المعروف بتلقيح الألباب في شرح أبيات اللباب، وما نظمه، أيضاً، في قصيدته المشهورة بالبسامة أن علياًً، عليه السلام، كان يترضى على الخلفاء، رضوان اللَّه عليهم، كما ذكر الإمام أحمد بن يحيى المرتضى، في كتابه يواقيت السير شرح كتاب الجواهر والدرر، "أنه حين مات أبو بكر، رضي اللَّه عنه، قال علي، عليه السلام،: >رضي اللَّّه عن أبي بكر، واللَّه لقد كان بالناس رؤوفاً رحيماً<،  وروى أئمة الحديث والسير عن أمير المؤمنين علي،  كرم اللَّه وجهه، أنه كان يترضى على الصحابة ويترحم عليهم، ويمدحهم ويبالغ في الثناء عليهم، ومما يدل على التسامح والوقوف مع الحق ما أخرجه البيهقي في سننه، عن أبي حبيبة مولى طلحة، رضي اللَّه عنه،  قال: دخلت على علي، رضي اللَّه عنه،  مع عمران بن طلحة بعدما فرغ من أصحاب الجمل، قال: فرحب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني اللَّه وأباك من الذين قال اللَّه عز وجل: {وَنزَعْنا ما في صدورهم من غِلٍ إخواناً على سُررِ متقابلين} (سورة الحجر، الآية:47)، وعن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال علي، رضي اللَّه عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال اللَّه في حقهم وذكر الآية ، ومنها ما أخرجه البيهقي، أيضاً، عن أبي البحتري قال: سئل علي، رضي اللَّه عنه، عن أهل الجمل أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون اللَّه إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وبنفس الروح الإسلامية الطيبة، يأتي قول عبد اللَّه بن مسعود، لقد علم أصحاب رسول اللَّه  عليه الصلاة والسلام ، أني أعلمهم بكتاب اللَّه عز وجل، ولو أعلم أحداً أعلم به مني لرحلت إليه.
ومنها ما روي عن ابن عباس، رضي اللَّه عنهما، أنه لزم بركاب زيد، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبل زيدٌ يده، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، إلى غير ذلك من المواقف المصحوبة بعبارات الثناء والمدح من الصحابة لبعضهم البعض، كثناء عمر بن الخطاب على الإمام علي، كرم الله وجهه، في أكثر من موقف وأكثر من مناسبة،  ويزنها قولا أبي بكر وعمر كل بمفرده : لولا علي لهلك أبوبكر، ولولا أبو الحسن لهلك عمر، أو كما روي، وكذلك ثناء الإمام علي على الخليفة عمر بن الخطاب، ووصف عبد اللَّه بن مسعود لعمر في أحد أوصافه له، إذ قال: إنه كان للإسلام حصناً حصيناًً، يدخل الناس فيه ولايخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن، وكان عمر يصف عبد اللَّه بن مسعود بأنه >كنيفٌ مليء فقهاً وعلماً، هكذا كانت نظرة عمر لابن مسعود بالرغم من ثبوت اختلافهما في مسائل اجتهادية كثيرة جداً، وروي أن ضراراً وصف الإمام علي أمام معاوية بن أبي سفيان وصفاً جليلاً يستحقه حتى بكى معاوية، والقصة معروفة والوصف مشهور نقُلا في أكثر من مصدر.
ويجسد الإمام علي، كرم اللَّّه وجهه، أدب الاختلاف الإسلامي في قوله عن خصمائه بعد وقعة الجمل حين وصفهم بقوله المشهور: >إنهم إخوة بغوا علينا< فلم ينفِ أخوتهم الإسلامية، ولم يكفرهم بالرغم من خروجهم عليه، وإشهارهم السلاح ضده. وموقف آخر حين أتى أحد أفراد القوم: فنالَ من أم المؤمنين عائشة، رضي اللَّه عنها، بمحضر عمار بن ياسر الذي كان على غير موقفها يوم الجمل، فيقول، رضي اللَّه عنه،: اسكت مقبوحاً، أتؤذي محبوبة رسول اللَّه، فأشهد أنها زوجة رسول اللَّه في الجنة، لقد سارت فينا أمنا عائشة مسيرها، وإننا لنعلم أنها زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ، في الدنيا والآخرة، ولكن اللَّه ابتلانا بها ليعلم آية نطيع أم إياها. وكذلك كان اختلافهم، كله آداب، وكله حكمة، وأي أدب بعد هذا الأدب وأي وصف أليق بهذا الوصف، وأمثاله كثيرة محشورة في المسانيد وغيرها. قال القاضي يحيى بن سعيد الأنصاري أحد التابعين:(ما برح أولو الفتوى يفتون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولايرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه)، وليعلم الناشئة وغيرهم أن الاختلاف لدى  الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، لم يفسد للود بينهم قضية، ولا حتى كان يتجاوز زمن الموقف، ولاحين الحوار، وتلك هي أخلاق المسلم الصحيح في الحوار، كما هي سمة المؤمن القوي عند الجدل وتبادل الرأي. ومن تلك البراهين عن اختلافات أصحاب رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام ، نقتبس النهج السليم،  وبالهدي النبوي نخطو الطريق القويم، فلنا في رسول اللَّه وآل بيته المطهرين وأصحابه الراشدين نقتفي حتى نصل إلى الحق، بإيمان قوي وطرائق مقبولة عند رب العزة جلت قدرته، وأختتم هذه المداخلة المتواضعة بمايلي:
 الخاتمة :
 في ضوء ما تقدم حول الاختلاف لدى الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، وفي إطار آداب الحوار الإسلامي المبني على الدليل الصحيح، والحكمة والحقائق التاريخية، يتبين أن الاختلاف بين أئمة وفقهاء علماء الإسلام لم يثبت إلا في المسائل الظنية، وفيما التبس فيه نص ومفهوم الأحاديث الأحادية، وبخاصة منها ما احتمل الرأي الفردي والاجتهاد الفكري، كون الاختلاف فيما ثبت قطعياً وهو القرآن الكريم، والأحاديث المتواترة، وما ثبت صحة سنده من أحاديث الآحاد، يُعَدُّ خروجاً عن الجادة الإسلامية، التي هي طريق الحق والإيمان، تلك الطريقة هي التي التزمها وسار عليها الصحابة الراشدين، رضوان اللَّه عليهم، وتمسك بها جمعهم، وبما أن الصحابة كانوا أشد الناس حرصاً على تطبيق الشريعة الإسلامية، كما وردت وأنزلت، ومعنيين بالتبليغ بها، كونهم من أوائل الشهداء على الناس بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ، فقد ثبت أن اختلافهم في الرأي كان مبنياً على أسس الأخلاق الإسلامية وسلوكيات الدعوة المحمدية، تمسكاً وحفاظاً على نقاء الشريعة المطهرة، واتباعاً لنهجها السليم والدعوة إلى اللَّه، بالكلمة الطيبة، والقول الحسن، وبما يجمع كلمة المسلمين، ويلم شملهم، على الحق  ومعه أينما كانوا وحيثما حلُّوا. وتثبت مراجع التاريخ الإسلامي، وتراجم رجاله، وكتب الرواية والدراية أن مجمل الصحابة، رضوان اللَّه عليهم، كانوا أكثر التزاماً بالأخذ بالدليل والتمسك به. وتحضرني قصة تعتبر عبرة ومثالاً جيدا ًلأثر الحوار الطيب مع المخالف، وتلك قصة رواها عبد اللَّه بن مسعود عن عودة بعض الخوارج إلى حضيرتهم الإسلامية، بعد مناظرة ابن عباس لهم وفي جمعهم، والقصة معروفة، ومروية عن عبد اللَّه بن المبارك، أيضاً، قال حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي، قال:  سمعت ابن عباس، يقول: قال. علي، كرم اللَّه وجهه، >لا تقاتلوهم ـ أي الخوارج ـ حتى يخرجوا، فإنهم سيخرجون< ـ وسرد قصة دخوله على الخوارج ومناظرته معهم، وبقوة حجته، وبما كان يستشهد به من آيات اللَّه البينات حين يرد على كل سوأل يُسأل به ـ إلى أن قال: >فرجع منهم ألفان وبقي ستة آلاف<، وتلك دلالة قوية وبرهان نير على أن الحوار المبني على صحة الدليل، وقوة الحجة، وسلامة النية، وحسن الطوية، له أثره الكبير والفاعل في إقناع المخالف مهما غلظ قلبه، وتحجرت بصيرته، يقول اللَّه تعالى: {ولو كنتَ فظّاً غليظَ القلبِ لانفضّوا من حولِك} ( سورة آل عمران، من الآية: 159).
وبالكلمة الطيبة والخلق الحسن، ولين القول، وحجية الدليل، تقوى أواصر الأخوة الإسلامية وتتحد الآراء، ولكن أين نقع نحن المسلمين الآن من مثل ما كان عليه آل رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام ، وأصحابه الطيبين الطاهرين، لذلك فإسلامنا اليوم بأمس الحاجة إلى العمل بكل جد للتعريف بأن الإسلام دين تسامح، دين محبة، دين توحد، لاعوجَ فيه ولا أمتاً، وأن الشريعة الإسلامية ما كانت قد أنزلت على رسول المحبة والهدى عليه الصلاة والسلام ،  إلا ليسعد بها الناس في الحياة الدنيا والآخرة، {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} (سورة الأنبياء، من الآية: 107)، وأن الدين الإسلامي ما هو إلا دين يسر لا دين عسر {يريدُ اللَّهُ بكمُ اليسرَولايريدُ بكمُ العسرَ} (سورة البقرة، من الآية: 185)، وقوله عز وجل في آية أخرى: {وما جعلَ عليكم في الدينِ من حرجٍٍ} (سورة الحج، من الآية: 78).
ـ الدعوة لاستمرارية الحوار الإسلامي بين علماء ومفكري الأمة الإسلامية وفق آداب وأخلاق الدين الإسلامي، حتى يدرك الجميع أن أخوة ووحدة المسلمين، قرينة التوحيد، وحتى يعرف  الجميع أن أسباب الخلاف والاختلاف إنما هي لغرض أداء الفرائض والسنن بوجهها الصحيح، لا سبب له سواها، وأن الاتفاق ما أمكن أولى وأفضل، يقول اللَّه تعالى: {واعتصموا بحبل اللَّّه جميعاً ولاتفرَّقوا} (سورة آل عمران، الآية: 103)،  ويقول عز من قائل: {ولاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (سورة آل عمران، من الآية: 105) .
ـ بذل الجهد تخطيطاً وتنفيذاً، والمال دعماً وعطاءً، لتكوين الشباب المسلم معرفياً وعلمياً، وتعريفهم بأهمية وضرورة التزود بآداب الدين الإسلامي والعمق فيه، حتى يحفظوا لدينهم جذوته، ولدينهم ومعتقدهم قوته وسلامته، ويتمكنوا من إدراك وتحاشي المخاطر الهائلة المحدقة، والتحديات الكثيفة الخطرة التي يعدها لهم ولدينهم أعداء الإسلام، وليتمكنوا من الوقوف أمام التيارات المضادة للدين الإسلامي، وقد تسلحوا بسلاح الإيمان، سلاح العلم والمعرفة السليمة، وحتى يتحرروا من التعصب الذميم.
ـ دعوة الجامعات الإسلامية والمعاهد والهيئات والمتخصصين بإجراء المزيد من البحوث والدراسات حول الاختلافات بين المسلمين، وتبيين آفاقها، وإظهار الاختلاف في حقيقته الصافية، حتي يعم العلم بما يجمع كلمة المسلمين، ويوحد صفوفهم على كلمة سواء.
ـ دعوة الجامعات الإسلامية إلى فتح باب دراسة الفقه الإسلامي وقواعده دراسة حرة خالية من التعصب المذهبي، والجمود الفكري، اقتداء بما كان عليه توجه وسلوك الأئمة المجتهدين الأعلام.
 المصادر والمراجع
القرآن الكريم
 .1 هداية العقول إلى غاية السؤول في علم الأصول: الإمام المجتهد الحسين بن القاسم، ط. 2 ،1401  هـ .
.2 ميزان الاعتدال في نقد الرجال: محمد أحمد شمس الدين الذهبي، ط. 1، دار إحياء الكتب العربية، مصر، 1382هـ.
.3 درُّ السحابة في مناقب الصحابة: محمد الشوكاني، تحقيق د. حسين عبد اللَّه العمري، ص1 ،1404  هـ، دار الفكر، دمشق.
.4 أسد الغابة في معرفة الصحابة: الآمدي، تحقيق وتعليق محمد إبراهيم البناء، ومحمود عاشوراء، ومحمود عبد الوهاب فايد، كتاب الشعب، 1390هـ.
.5 الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، دار إحياء التراث، بيروت، ط. 1، 1328هـ.
.6 القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد:  محمد علي الشوكاني، دراسة وتحقيق، محمد عثمان الخشت، مكتبة القرآن، غير مؤرخة.
.7 أضواء على السنة المحمدية: أو دفاع عن الحديث، الشيخ محمود أبو رية، دار المعارف، مصر، ط. 5، غير مؤرخة.
.8 الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بهامش الإصابة في تمييز  الصحابة: ابن عبد البر يوسف القرطبي.
.9 حياة الصحابة:  محمد بن يوسف الكاند هلوي، تعليق د. محمد بكر إسماعيل،      ط. 1، المكتب الثقافي، ودار الحديث، القاهرة، مصر، 1418هـ.
.10 فضائل الصحابة: للإمام أحمد بن شعيب النَّسائي، تحقيق ودراسة د. فاروق حمادة، دار الثقافة، الدار البيضاء. غير مؤرخة.
.11 منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول: الأمام أحمد بن يحيى المرتضى، دراسة تحقيق الدكتور أحمد علي المأخذي، ط. 1، 1412 هـ، دار الحكمة اليمانية، صنعاء.
.12 الإحكام في ضوء أصول الأحكام: أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، دار الكتب العلمية،  بيروت، ط.  1405 هـ.
.13 إيثار الحق على الخلق: أبو عبد اللَّه محمد بن المرتضى اليماني، المعروف بابن الوزير، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. 2 ، 1407 هـ.
.14 إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد بن علي الشوكاني، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، ط، 1414 هـ.
.15  إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين: الإمام الشيخ الشنقيطي، دراسة وتحقيق: الطيب بن عمر بن الحسين الجكني، دار ابن حزم، بيروت، ط. 1، 1418 هـ.
.16 طبقات الفقهاء:  أبو إسحاق الشيرازي الشافعي،  دار الرائد،  بيروت، ط. 2.
.17 ضوابط الاختلاف في ميزان السنة، الدكتور عبد اللَّه شعبان، دار الحديث، القاهرة، ط. 1، 1417هـ.
.18 أدب الاختلاف في الإسلام، د. طه جابر العلواني، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر، ط. 1، 1416 هـ.
.19 الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الشيخ ولي اللَّه الدهلوي، مراجعة وتعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، دار النفائس، بيروت، ط. 2، 1414هـ.

الاثنين، 27 يوليو 2015

- التيارات الإسلامية المعاصرة ومنهج السلف الصالح

السلف في اللغة تعني ما تقدمك من الزمان وما مضى وسلف الرجل أبواه أو آباؤه المتقدمون، في القرآن الكريم {..وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَينِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفْ..}[النساء:23] أي ما مضى، {..فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ..}[البقرة:275] هذا المعنى في دلالة اللغة أي أن كل ما سبقك وتقدمك في الزمان ومضى فهو سلف وما يعقبه فهو خلف.
وفي الاصطلاح أصبح مفهوم السلف الصالح المعرف بأل العهدية يطلق على أهل القرون الثلاثة الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين لأن هذا الجيل يعتبر هو الجيل المؤسس الذي أقام الدين على منهاج النبوة ومزج بين العلم النافع والعمل الصالح فنالوا بهذه الخيرية هذه المكانة التي بوأتهم فهو سلف صالح. ولهذه المسألة مزية انطلقت من مؤشرات شرعية فالنبي صلى الله عليه وسلم قال "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ثم ورد في القرآن الكريم في الثناء على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام {وَالْسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنهُ..}[التوبة:100] فتحقق الرضى لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وشرط فيمن جاء بعدهم أن يتبعم بإحسان، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" والأمنة جمع أمين، إما أن يكون بمعنى أنهم أمناء على هذا الدين بلاغا وبيانا ونشرا وهداية أو أنهم مؤتمنون عليه وأنهم أمان لهذه الأمة من ظهور الأهواء فإذا سلكت الأمة سبيلهم أمنت وإذا انحرفت وتنكبت طريقهم وقعت في مضلات الأهواء والفتن، هؤلاء هم الصحابة ثم أخذ عن جيل الصحابة التابعون وأخذ عنهم تابعو التابعين، هذا بمجموعه يمثل مصطلح السلف الصالح.
أما الذين جاءوا من بعدهم هم ينتسبون إلى هذا لأنه منهج ممتد ولذلك من جاء بعدهم كالأئمة الأربعة وكسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي والليث بن سعد والمبارك وأضراب هؤلاء من أئمة الهدى سلكوا ذات السبيل وانتهجوا هذا المنهج فكانوا أيضا على منوالهم، فليست العبرة فقط بأن هذه الخيرية انقطعت، صحيح أن هذه الخيرية هي خيرية ذكرت لأهل هؤلاء القرون ولكن كل من تلبث بهذا المنهج واستقام عليه فإن الله تعالى يقول {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِيْنَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ}[الواقعة:39، 40]..
وهنالك فرق بين الانتماء إلى هذا المنهج الواسع الرحب الفياض وبين سلفيات حركية أو مذهبية أو حزبية تسمت بهذا الاسم وانتسبت إلى السلف الصالح في جزئية من الجزئيات، فهذه السلفيات أنواع تتعدد ولا تنحصر في جانب واحد، منها سلفيات أخذت جانبا معينا تمثل في بعض قضايا العقيدة بعضهم تمثل في تلك المجابهات التي حصلت بين سلفنا الصالح وبين فرق ومذاهب ضلت وانحرفت عن جادة الطريق وهنالك سلفيات جمدت على كل ما قاله الأقدمون باعتبار أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان وهنالك سلفيات إحيائية أخذت المنهج ولكنها بذات المنهج استطاعت أن تعالج قضايا عصرها وقضايا زمانها، فعلينا أن نفرق بين الانتماء إلى السلف كمنهج واسع رحب وبين سلفيات نشأت حملت هذا العنوان أخذت من السلف بعضا وتركت جانبا آخر.
إن السلف الصالح ليس رؤية فقهية واحدة ولا اجتهادا فكريا معينا، السلف الصالح منهج رحب، هم التقوا على الأصول وعلى الكليات وعلى الثوابت وعلى القطعيات وعلى المحكمات وما دون ذلك اختلفوا في الفروع، في فروع العقيدة، هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج؟ خلاف وقع بين الصحابة أنفسهم، كذلك في مصادر الاستدلال وقع اختلاف في المصادر الفرعية، الاستصحاب، الاستحسان، براءة الأصل، وقع اختلاف في فروع الفقه وما أكثر هذا الاختلاف، وقعوا في علوم التزكية في بعض تطبيقاتها. إذاً حينما نقول الانتماء إلى السلف الصالح نحن نقول انتماء إلى منهج تنوعت فيه الآراء تعددت فيه الأفكار اختلفت فيه بعض المسائل، هذا الانتماء فيه رخص ابن عباس فيه عزائم ابن عمر فيه فقه أبي حنيفة فيه أثرية ابن حنبل فيه مقاصدية الشاطبي فيه ظاهرية ابن حزم فيه رقائق الإمام الجنيد فيه اجتهاد أبي حامد الغزالي وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الديم. فلا ينبغي أن نجعل لاجتهادات بعض الأئمة أو بعض الأشخاص من الأقدمين عنوانا للانتماء إلى السلف الصالح ثم نطرح بقية الرؤى وتنوع الأفكار يعتبر خارج إطار هذه السلفية، هذا لون من الحزبية السلفية الضيقة الذي ضيق ما كان واسعا عند سلفنا الصالح، ولذلك كانوا يقولون "إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة" فاعتبروا أن الاختلاف في الفروع مظهر من مظاهر الرحمة وهذا من التوسعة التي جاءت بها شريعة الإسلام.
تعدد السلفيات وملامح المنهج السلفي الصحيح
منهج السلف الصالح أصابته عند كثير من هذه التيارات ضبابية، هنالك سلفية جهادية تبنت خطا في مجال التكفير أو التفجير أو غير ذلك، هنالك سلفية إحيائية اجتهادية زاوجت بين المقاصد والنصوص بين الأصل وبين العصر، هنالك سلفية اعتبرت نفسها امتدادا لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ركزت على محاربة الشرك الشعائري وما رأته من الاختلال في قضايا البدع، هنالك سلفية أرادت أن تزاوج بين هذا وذاك، إذاً هنالك سلفية ما تسمى اليوم بالسلفية العلمية هنالك السلفية الجهادية هنالك السلفية الإحيائية هنالك السلفية التي تمثل امتدادا لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عادت هنالك سلفيات ولذلك أصبح من الضروري أن نحرر مفهوم الانتماء إلى السلف الصالح تحريرا يعطيه السعة والشمول والغنى حتى نقوم بإخراجه من هذه الدوائر الضيقة التي حصرته في هذه الأبواب. فهنالك من جعل مجرد اختيارات الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وما رآه الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط هذه المحطات الأربعة هي عنوان للانتماء إلى السلف الصالح..
هؤلاء أعلام هدى ولكن ليسوا وحدهم الذين يعبرون فقط عن منهج السلف الصالح، فهذا خلل في هذا المفهوم بني على أن القضايا التي أثيرت في تلك العصور من محاربة الشرك من مواجهة البدع من الحديث عن الفرق هو فقط العنوان لقضية السلف والسلفية ولكن هذه جزئيات لا ينبغي أن تكون وحدها عنوانا للانتماء إلى السلف الصالح،
 السلف الصالح اجتهدوا وجاهدوا، أقاموا الدين وعمروا الدنيا فانطلقوا في كل زويا الأرض نشروا هذا الخير فلماذا نعتبر.. اليوم هنالك حركات إحياء إصلاحية انتمت إلى السلف الصالح في زاوية من الزوايا، في البناء التربوي الحركة السنوسية، في البعد الجهادي الحركة المهدية، هنالك الكواكبي هنالك مدرسة المنار الشيخ رشيد رضا، هنالك ابن باديس، هنالك الخطابي هنالك الفاسي هنالك البنا هنالك حركات إحيائية إصلاحية استفادت من هذا التراث في جانب من الجوانب وانتمت إلى السلف الصالح ولكنها لم تدّع الاحتكار لجانب من الجوانب على أنها هي المهيمنة أو الباسطة أو المالكة لمنهج السلف الصالح فهو أوسع من أن تحتركه فرقة أو أن تنتمي إليه طائفة وتخرج بقية المسلمين وسائر الجماعات التي ائتمت بهذا الهدي المبارك من هذه الدائرة.
أبرز ملامح هذا الاتباع أولا صفاء العقيدة لأنها هي الأساس والذي يمثل المدخل الصحيح لسلامة الدين ولذلك قالوا "جماع الدين أصلان، ألا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع"، تحقيق العبودية لله وأن تكون هذه العبودية بما شرع الله، هذه واحدة. الأمر الثاني مسألة مصادر المعرفة، المزاوجة بين صحة النقل وصراحة العقل فمن الناس من انكفأ بالعقل دون النقل ومن الناس من جعل النقل لا مجال فيه لفهم العقل، إذاً صحة النقل وصراحة العقل هذان يمثلان مرتكزان. المرتكز الثالث مصادر المعرفة أيضا الكتاب المسطور والكون المنظور، فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتأمل آياته وهذه الآيات نوعان، آيات تنزيلية في كتاب الله المقروء وآيات كونية في صفحة الكون المنظور، لدينا كتاب مسطور وكتاب منظور فالكون هو الذي يمثل مصدر المعرفة الطبيعية والوحي هو الذي يمثل مصدر المعرفة الشرعية، فالكون والوحي مصادر المعرفة والوسائل لهذين المصدرين الحس والعقل {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئَاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمَعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ..}[النحل:78]. التلازم بين الظاهر والباطن اتباع الحق ورحمة الخلق، إحسان الظن بالمخالف، العدل والإنصاف للمخالفين كذلك، رعاية اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات وهذا ملمح مهم في منهج السلف الصالح، أيضا التأكيد على السكوت عما لا ينبني عليه عمل والتكلم فيما ينبني عليه عمل فهذا أيضا ملمح، الملمح الأخير أن السلف الصالح عاشوا قضايا عصرهم وتحديات زمانهم فليس من السلف الصالح والانتماء إليهم في شيء أن يستدعي الإنسان معارك التاريخ وأن يغفل عن معالجة قضايا العصر وإشكاليات الزمان، ثم النقطة الأخيرة وهي الموازنة بين الائتلاف والاختلاف، تعظيم الجوامع المشتركة والتراحم في قضايا الاختلاف وإعذار المختلف فيه والنأي عن تكفير أهل القبلة، كل من شهد الشهادتين واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، كل من توضأ فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا. هذه أبرز الملامح التي كان عليها سلفنا الصالح والذي ينبغي أن نحيي قاعدة التأسي بهم في شمول هذا المنهج لا في جزئيات أقوالهم أو التصدي لبعض مشكلات عصرهم التي تجاوزها الزمن وعفا عليها فـ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ..}[البقرة:134]
"هل تعتبر الطرق الصوفية من الحركة السلفية؟ وإن كانت كذلك فما هو الفرق بينها وبين الفرق الأخرى؟"
أول قضية علينا أن نؤكد أن هناك شعبة عظيمة من شعب الدين أطلق القرآن الكريم عليها وصف التزكية {.. َيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ..}[البقرة:129]، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}[الشمس:9]، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}[المدثر:4] وأطلقت السنة المطهرة عليها وصف الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه"، وأطلق العلماء عليها فقه الباطن في مقابل فقه الظاهر أو أعمال القلوب في مقابل أعمال الجوارح، هذا القدر مسلم به عند جميع أهل الإسلام. وهذا العلم أصابته في مسيرته شوائب كدرت صفاءه، المطلوب هو أولا أن نحقق هذا التلازم بين الظاهر والباطن، أهل التصوف قديما اعتنوا بقضية أعمال الباطن الحقائق والرقائق والدقائق وبعضهم لم يربطها بقضية الاتباع، السلفيون المعاصرون ركزوا على ظاهر الاتباع، والحقيقة هي المزج بين علم الظاهر والباطن، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أخذ منها الفقهاء مشروعية طهارة الثوب وأخذ منها أهل الرقائق مشروعية لطهارة الباطن، والعرب ربما أطلقت الثياب وأرادت بها النفس الباطنة
 كما قال عنترة فشككت بالرمح الأصم ثيابه - ليس الكريم على القنا بمحرم
تلازم الظاهر والباطن هو المعادلة التي عالجها السلف وعلى هذا كان المتقدمون من أهل التصوف مثل الإمام بشر الحافي ومعروف الكرخي وأبو سليمان الداراني والسري السقطي والحارث المحاسبي والإمام الجنيد كان يقول "طريقنا هذا مسدود، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في علمنا هذا"، عبر عنه حاتم الأصم حين سئل كيف تصلي؟ أعطى الظاهر حقه والباطن حقه قال "أتوضأ فأسبغ الوضوء ثم آتي موضع الصلاة بسكينة ووقار فأكبر تكبيرا بتوقير، أقرأ قراءة بترتيل، أركع ركوعا بخشوع، أسجد سجودا بتذلل" هذا حق الظاهر، حق الباطن "أتمثل الجنة عن يميني والنار عن شمالي والكعبة بين حاجبي وملك الموت فوق رأسي وعين الله ناظرة إلي وذنوبي محيطة بي ثم أتبعها الإخلاص ما استطعت وأسلم وأنا لا أدري أتقبل صلاتي أم ترد علي". مشكلتنا أن بعض التيارات السلفية المعاصرة حولت هذا المعنى إلى التماس الهدي الظاهر دون أن يستصحب معه الهدي الباطن ولذلك قال الإمام ابن الجوزي "تجد أحدهم يقصر ثوبه وفي قلبه كبر فرعون" لأنه هنا التلازم المطلوب أن يتخلى الإنسان عن داء الكبر والخيلاء "من جر ثوبه لا يريد بذلك إلا المخيلة.." فالمزج هو أن نحقق هذا التلازم بين الظاهر والباطن كما فعله الأقدمون، أوجدوا مشروعية الاتباع ولكنهم جعلوا لهذا الاتباع معنى تقوم بها رقائق القلوب. وإذا أردنا أن نجسد بعض الكتابات "مدارج السالكين" بين منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] "حكم ابن عطاء الله السكندري" نموذج لهذا المزج، ما كتبه شيخنا الشيخ يوسف في رسائله سلسلة السلوك في ضوء الكتاب والسنة كتب منها التوكل والنية والإخلاص والتوبة والزهد والورع والعلم نموذج لهذا. فنحن نحتاج إلى هذا المزج نأخذ من ما أراده السلفيون من الاتباع وما أراده أهل التصوف من تحقيق المعاني الباطنية فهذا هو المزج ولكن للأسف نحن بين السلفية الناطحة والصوفية الشاطحة ضاع هذا المسلك الذي ينبغي أن يعيدنا إلى طريق أسلافنا الذين قدموا هذا العلم نقوه من الشوائب وبسطوه للأجيال وهذا الذي نحتاجه اليوم، أما الذي يقول بأن نلغي كل هذا العلم بما فيه من درر وبما فيه من كنوز فهذا خطأ لا نقبله بجملته ولا نرده بجملته وإنما نعمل على تنقيته من الشوائب وتقديمه سهلا قريبا للأجيال
إذاً لا بد من معالجة الصوفية الشاطحة أيضا بطريقة ما؟ كما نعالج السلفية الناطحة.
نعم. إذاً لا بد أن يكون هناك توازن ما بين الأمرين،
يعني ظاهرة الاختلاف السلف اختلفوا وتحاوروا وتناظروا ولكن كان هناك التراحم فيما بينهم، رأينا إماما مثل الإمام الشافعي أخذ عن الإمام مالك وخالفه وألف كتابا سماه "اختلاف مالك والشافعي" ومع ذلك كان يقول "إذا ذكر العلماء فمالك النجم" "مالك حجة الله على خلقه" "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مالك" "لولا مالك وابن عيينة لذهب العلم من الحجاز"، جاء الإمام أحمد أخذ العلم عن الشافعي وخالفه في مسائل ومع ذلك قال الإمام أحمد "والله ما بت ليلة ثلاثين سنة إلا ودعوت فيها للشافعي" قال ابنه "لقد سمعتك تكثر الدعاء له، من هذا الشافعي يا أبت؟" قال "يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟
ومن يكن علم الشافعي إمامه
فمرتعه في باحة العلم واسع"
وبالمقابل غادر الشافعي بغداد ومع مخالفة أحمد له في مسائل قال "لقد تركت بغداد وما خلفت فيها أورع ولا أعلم ولا أهدى من أحمد بن حنبل" ثم قال
قالوا يزورك أحمد وتزوره
قلت المكارم لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله
فالفضل في الحالين له
وقال الإمام أحمد "لم يعبر الجسر مثل إسحق بن راهويه وإن كان يخالفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا" وقال الشافعي لأحدهم "يا فلان ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق على مسألة؟" كان بين السلف الصالح التراحم ولكن للأسف أصبحت اليوم القسوة والغلظة والجفاء والشدة على المخالف بل تبديعه وتفسيقه وتضليله وتجهيله، أشياء مجرد خلاف في الرأي، "السيف المشهور على أهل التبرج والسفور" حينما تقرأ كلمة التبرج والسفور يتبادر إلى ذهنك التبرج وحينما تقرأ الكتاب تجد أن الكتاب يتوجه إلى تضعيف الرأي الذي يقول بأن الوجه والكفين ليسا من العورة، هذا الرأي الذي يقول به الجمهور تحول إلى أن يشرع في وجهه سيف وسيف بتار وسيف مشهور! هل مجرد القضية الفرعية تستأهل أن نشرع فيها كل أنواع الأسلحة الفتاكة بما يذهب رحم الأخوة ورحم العلم ورحم الإيمان؟ هذا الذي خالفنا به منهج سلفنا الصالح الذين اختلفوا ورحم بعضهم بعضا، وأختم برجل وقف مع عبد الله بن المبارك لأن عبد الله خالف أبا حنيفة في مسألة فوجد فرصة يريد أن ينتقص منها من قدر أبي حنيفة فقال له ابن المبارك
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق
على الرأس لا تشفق على الجبل
فمنهج السلف الصالح كان هو التراحم وما أحوجنا أن نحيي هذا الرحم رحم العلم بين أهله.
التيارات الإسلامية المعاصرة ومنهج السلف الصالح
كل انتماء صحيح للسلف الصالح لا بد أن يكون دعوة تجديدية وكل تجديد ينطلق من أصول الإسلام لا بد أن ينتسب إلى منهج السلف الصالح، فالسلفية ليس معناها مجرد عودة إلى الوراء، السلفية الحقة هي دعوة متجددة والتجديد الحق لا بد أن ينتمي إلى السلف الصالح لأن السلف عاشوا قضايا عصرهم ولذلك حينما نعيش قضايا عصرنا ونقدم أجوبة وحلولا لمشكلات هذا الزمن فنحن ننتمي إلى سلفنا الصالح وحينما نستعيد معارك التاريخ الجهمية، المعتزلة، المعطلة، أمثال هؤلاء ولا نعيش قضايا العصر ولا تحديات الزمن ولا نقدم حلولا لهذا العصر فبهذا المعنى لا نكون قد انتسبنا إلى السلف، فالسلفية والتجديد صنوان يكمل بعضهما بعضا، السلفية الحقة هي دعوة إلى التجديد والإحياء والإبداع والتجديد الحق ليس نقضا للثوابت ولا هدما للمسلمات وإنما هو ارتباط بالأصل واتصال بالعصر، هذه هي المعادلة التي نريد أن نحياها تماما، وكثير من الحركات الإحيائية الإصلاحية زاوجت بين كونها قدمت مشروعا حضاريا لنهضة الأمة وفي ذات الوقت انطلقت مما كان عليه سلفنا الصالح، أما الذي يفهم بأن السلفية هي الوقوف فقط عند جزئيات أقوال علمائنا وآرائهم التي بنوها على اختلاف الزمان وتطور البيئات وانتهى إلى هذا فنقول له هذا ليس من السلف في شيء لأن السلف كما اجتهدوا لعصرهم علينا أن نجتهد لعصرنا كما عاشوا لقضايا زمانهم علينا أن نعيش لقضايا زماننا بذات المنهج الواسع الذي يحتمل ضروبا من تنوع الرأي واحتمال الفكر.
لابد من  المراجعات في المواقف وفي الفكر هذا منهج شرعي، أولا كما قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كتاب القضاء "فلا يمنعك قضاء قضيته اليوم فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" وإذا كان هذا يعتبر سنة لنا "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" فالمراجعة في الفكر في المنهج في المواقف في الطرائق في الوسائل، في الآليات هذا أمر ينبغي أن يكون عامل إحياء وتصويب لمسيرة العاملين في الحقل الإسلامي. وأعتقد أن كثيرا من هذه الدعوات التي يقف كل منها إلى دائرة التعصب عند ما انتهى إليه من آراء أو من اقتدى به من إمام يعتبر أن هذه غاية الغايات هذا هو التعصب المقيت الذي نهينا عنه، ولذلك هذه الدعوة مطلوبة. ماذا يعني الانتماء إلى السلف؟ ينبغي أن نحوله من مذهبية إلى منهج، أن نحوله من عصبية إلى اقتداء، وبالتالي فأتصور أن قضية الدعوة إلى المراجعات دعوة حق تتوجه إلى كل التيارات إسلامية وأنا أقول من لم يتجدد يتبدد، من لم يتقدم يتقادم، من لم يتطور يتدهور فالماء الراكد يأسن والذي يقف عند جزئيات وعند آراء لا يريد أن يطور فكره ولا آلياته فيها فإن الماء الراكد يأسن والخلايا إذا لم تتجدد تموت، ولكن نعلم أن التجدد المطلوب هو الذي يكون في الوسائل والآليات ويكون في ظنيات الآحكام وفي الاجتهاد المبني على المصالح والعلل والأعراف التي اختلفت باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات وليس في  قطعيات الشريعة ولا في أصولها وثوابتها.
إن تعدد الحركات والتيارات الإسلامية إذا كان هذا التعدد في الجماعات تعدد تنوع وتخصص بمعنى أن الإسلام أشبه بالنهر العظيم وكل هذه روافد كل طائفة تخصصت، هذه في العمل الخيري، هذه في تصحيح المفاهيم، هذه في البناء الاجتماعي، هذه في مقاومة الفكر الوافد، تخصصت في جوانب ولم تعتبر كل طائفة منها أنها هي مالكة لمعايير الصواب والحق وقبلت ما عند الآخرين ومدت جسور التواصل وأحسنت الظن بالدعوات الإصلاحية الأخرى وعظمت المشتركات والجوامع فحينئذ يكون التعدد تعدد تنوع يشكل عامل خصوبة وإثراء، أما إذا تحولت هذه التعددية إلى تكفير وتفسيق وإرجاف واتهامات متبادلة وكل يتسقط عثرات الآخر ويسيء الظن به ويكيل التهم يعني عليه فهذا يكون عامل إضعاف بالنسبة لواقع الأمة الإسلامية، ولذلك هذه الجماعات وسائل وليست غايات حين تتحول إلى غايات وتعتبر أن الانتماء إليها هو انتماء عليه معقد الولاء والبراء، من كان معي قديس، من ليس معي إبليس، من كان معي فمعه الحق المطلق، من ليس معي معه الباطل المطلق، هذا يؤدي إلى حالة التشظي والفرقة والشتات في الأمة، هذه كلها اجتهادات يخطئ ويصيب فيها الإنسان ولكننا نتكامل بمجموع هذه الطاقات وأيضا بالمستقلين الذين يثرون الحياة الإسلامية وليس لديهم انتماء لا لجماعة ولا لحزب ولا لطائفة.
هناك أزمات كثيرة، أولا هناك أزمة متعلقة بوحدة الأمة، وحدة الأمة اليوم تتعرض لأخطر قضية ما يمكن أن يسمى بتجزئة المجزأ أو تقسيم المقسم أو تفتيت المفتت، إما على أساس عرقي كما يقال في دارفور عرب وأفارقة، في شمال أفريقيا عرب وبربر، في العراق عرب وأكراد وتركمان، في الخليج عرب وفرس، أو قضية مذهبية أو على قضية متعلقة بالأقليات الدينية. كيف نحافظ على وحدة الأمة التي قامت على وحدة الجوامع الخمسة، وحدة العقيدة، وحدة الشريعة، وحدة القيم، وحدة الحضارة، وحدة دار الإسلام، هذه إحدى الأولويات الكبرى، الأولوية الثانية كيف تقدم هذه الحركات الإصلاحية نموذجا للإصلاح، الإصلاح في الحكم الرشيد في مقابل الاستبداد، الإصلاح في العدالة الاجتماعية في مقابل الظلم الاجتماعي، الإصلاح في مواجهة حالة التخلف التقني والعلمي والتكنولوجي، كيف ننهض بالأمة، حالة الوهن الأخلاقي، حالة التبعية والاستلاب. هناك أمر آخر من الأولويات الاحتلال الذي جثم على صدر الأمة في مقدساتها وفي كثير من البلاد، ثم جانب آخر كيف تتحرك هذه الدعوات لتقديم مشروع نهضة لنهضة الأمة ينقلها من دائرة الوجود العادل إلى الشهود الفاعل، نهضة تقوم على العقيدة الموافقة للفطرة، على العبادة الدافعة للعمارة، على العقل المهتدي بالوحي، على العلم المرتبط بالإيمان، على الأخلاق المترقية بالإنسان، على العدل المؤيد بالإحسان، على التشريع المحقق للمصلحة، على الفن الملتزم بالقيم، على القوة المقترنة بالحق، على الخير المتوشح بالجمال، لا يوجد مشروع لنهضة الأمة شامل ومشروع إصلاح يحاول أن ينشئ علاقة تنهض بهذه الأمة في كل هذه الجوانب. قضية العولمة وإفرازاتها وتحدياتها، قضية الحداثة وما بعد الحداثة، إشكاليات ضخمة في واقع الأمة، بدل أن نستدعي معارك التاريخ التي عفا عليها الزمان على الدعاة أن يتصدوا لمشكلات العصر وواقع الزمان بعقل نقي بقلب تقي بجهد متضام، بحراك واجتهاد وإحياء حتى نستطيع أن نجيب على هذه الإشكاليات ويكون انتماؤنا انتماء إلى السلف الصالح انتماء منهج وليس انتماء مذهبية ضيقة تعمل على شتات شمل الأمة.
كثيرا ما ترتبط السلفية المعاصرة بشخصي ابن تيمية وابن القيم وكتاباتهما ابن تيمية وابن القيم من أعلام الهدى ومن الأئمة الكبار الذين قادوا حركة تحررية في موضوع الاجتهاد ونبذ التعصب ومحاربة الخرافة والبدع ونحو ذلك، أما أن نعتبر التمركز بالنسبة للسلف الصالح جميعا فقط عند هذين الإمامين ومن قبلهما الإمام أحمد ومن بعدهما الإمام محمد بن عبد الوهاب على جلالة قدر هؤلاء الأئمة فهذا خطأ ليس صحيحا، فهؤلاء من أعلام الهدى لهم ما لهم عليهم ما عليهم اجتهدوا أصابوا في الكثير وهم إن شاء الله بين أجري الإصابة وبين أجر الخطأ الواحد كسائر أعلام الأمة، هم أيضا وقعوا ضحية بين المغالين في التعصب لهم والمغالين في التعصب عليهم، وأنا أعتقد أن الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم هم من أكثر العلماء الذين أنصفوا التصوف والمتصوفة، ابن تيمية له مجلدان "التصوف والسلوك" وابن القيم في "مدارج السلوك" كتب كتابا عظيما وهو في قمة عطائه الروحي ومن آخر ما ألف وكتب، كيف التمس المعاذير للإمام الهروي ويستدرك عليه بعض المسائل وينصفه ويقول "العصمة لم تضمن لأحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام". المشكلة أننا لا نتأسى بابن تيمية وابن القيم في منهجهما وإنما نتأسى بهما في جزئيات أقوالهما أي أننا نريد أن نثير القضايا التي أثارها الشيخان وقد لا يكون لهما مقتضى في عصرنا وهذه هي مشكلتنا بين السلفية الحزبية وبين سلفية المنهج، إن الاقتداء بابن تيمية أن نتصدى لقضايا عصرنا كما تصدى ابن تيمية لقضايا عصره لا أن نردد ذات الأقوال، ولذلك هذا هو المنهج الذي ابن تيمية قدمناه على أنه الذي يشهر سيفه في وجه المخالفين لكن لم نقدمه ذلك الإمام الرباني الذي كان يحيي ليلته ويقعد بعد صلاة الفجر ويتعبد حتى يتعالى النهار ويقول "هذه غدوتي لو لم أفعلها سقطت قواي"، هذا الرجل بهذه الروحانية المشرقة، وقد كتبت بحثا أسميته "صفحات مطوية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية"، إنصافه للمخالفين، لماذا لا نقتدي بابن تيمية في إنصافه للمخالفين ونركز فقط على قضايا الخلاف التي أثارها مع علماء عصره؟




السبت، 18 يوليو 2015

- فهرس الإعجاز في البحار

- فهرس الإعجاز في البحار

الأحد، 12 يوليو 2015

ايمانيات عقائدية

ايمانيات عقائدية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.فصولا في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين، ونهوا عما يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين، ووالوا في اتباعها وعادوا فيها، وبدعوامن اعتقد غيرها، وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها وخيرها، وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها، فاستخرت الله تعالى وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار، والله سبحانه يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله. قلت و بالله التوفيق.
                               
[عـقـيـدة أصـحـاب الـحـديـث]


أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسم، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: (يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه ، تحريف المعتزلة الجهمية،  ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: ا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
                             
[قولـهـم فـي الصفـات]


وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب).
                         
[القـرآن كـلام الله غـير مـخـلـوق]


ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه، ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم، والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي ينزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا، كما قال. عز من قائل: (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) وهو الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلمأمته، كما أخبر به في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه عز وجل، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي " وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة ?يكتب في المصاحف، كيف ما تصرف بقراءة قارئ ? لفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله جل جلاله، غير مخلوق ق فهو كافر بالله العظيم.سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول القران كلام الله غير مخلوق، فمن قال: "إن القران مخلوق" فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.أما اللفظ فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته صنفها لأهل جيلان أن من زعم أن لفظه بالقران مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن.وذكر ابن مهدي الطبري في كتابه الاعتقاد الذي صنفه لأهل هذه البلاد أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه، ووحيه وتنزيله، وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب وهو الكلام الذي تكلم الله عز وجل به، ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم. وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي لاستحساني ذلك منه، فإنه اتبع السلف أصحاب الحديث فيما ذكره مع تبحره في الكلام، وتصانيفه الكثيرة فيه وتقدمه وتبرزه عند أهله.أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبى عمرو المستملي سمعت أبا عثمان سعيد بن أشكاب يقول: سألت إسحاق ابن إبراهيم عن اللفظ بالقرآن فقال: "لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق ".وذكر محمد بن جرير الطبري رحمه الله في كتابه (الاعتقاد) الذي صنفه في هذه، وقال: " أما القول في ألفاظ العباد في القرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي، ولا تابعي إلا عمن في قوله الغنى والشفاء، وفي إتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله،.

أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الخراجي بمرور، حدثنا يحى بن سالوكه عن أبيه عبد الكريم السندي تال: قال وهب بن زمعة: أخبرني الباسافي قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: " من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أومن بهذا الكلام فقد كفر".
                                           
[اسـتـواء الله عـلـى عـرشـه]

وحدثنا أبو الحسن بن اسحق المدني حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي حدثنا شاذان حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني حدثنا جعفر بن ميمون قال سئل مالك بن أنس عن قوله: (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا وأمر به أن يخرج من مجلسه).
أخبرنا أبو محمد المجلدي العدل حدثنا أبو بكر عبد الله ابن محمد بن مسلم الاسفراييني حدثنا أبو الحسين علي بن الحسن حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر بن ميمون الرملي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس يعني يسأله عن قوله: (الرحمن على العرش استوى) قال: فما رأيته وجد من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء، وأطرق القوم، فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه، ثم سري عن مالك فقال: الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه، وإني لأخاف أن تكون ضالا، ثم أمر به فأخرج".أخبرنا به جدي أبو حامد أحمد بن إسماعيل عن جد والدي الشهيد، وأبو عبد الله محمد بن عدي بن حمدوية الصابوني حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون النسوى حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر الرملي حدثنا جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل لمالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال فما رأيت مالكا وجد من شيء كوجده من مقالته، وذكر بنحوه.وسئل أبو علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء، وقيل له كيف استوى على عرشه، فقال: أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه، و لم يخبرنا كيف استوى..
           
[رؤيـة الـمـؤمنيـن لله فـي الآخـرة]

                                       
وروى يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله في الرؤية، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر " فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد: ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد، وقال: ما أشبهك بصبيغ، وأحوجك إلى مثل ما فعل به! ويحك! ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه؟ واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوه، ولا تبتدعوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم. و قصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون للسائل: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به: هي ما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أن صبيغا التميمي أتى أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن (الذاريات ذروا) قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (الحاملات وقرا) قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (المقسمات أمرا) قال: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن (الجاريات يسرا) قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: ثم أمر به فضرب مائة سوط، ثم جعله في بيت حتى إذا برأ دعا به، ثم ضربه مائة سوط أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: (أن حرم عليه مجالسة الناس) فم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئا، فكتب عمر إليه: ما أخاله إلا قد صدق، خل بينه وبين مجالسة الناس.وروى حماد بن زيد عن قطن بن كعب: سمعت رجلا من بني عجل يقال له: فلان- خلته ابن زرعة- يحدث عن أبيه قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلق فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين.و روى حماد بن زيد أيضا عن يزيد بن أبي حازم عن سليمان بن يسار أن رجلا من بني تميم يقال له صبيغ قدم المدينة، فكانت عنده كتب فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي.أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد ابن الحسين بن موسى السلمي أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي بها، حدثنا محمد بن عمير الرازي حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلات التجيبي بمصر، حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع! قيل: يا أبا عبد الله. وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون.أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه حدثنا الربيع بن سليمان عن الشافعي رحمه الله يقول: لأن ألقاه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من ألقاه بشيء من الأهواء.اخبرني أبو طاهر محمد بن الفضل حدثنا أبو عمر والحيري حدثنا أبو الأزهر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جعفر بن برقان- قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب، والأعرابي وانهعما سوى ذلك.أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى القزاز يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول:كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه.أخبرنا أبو الحسين الخفاف حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا الهيثم بن خارجة سمعت الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية قال: أمروها كما جاءت بلا كيف.قال الإمام الزهري إمام الأئمة في عصره، وعين علماء الأمة في وقته: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.وعن بعض السلف: قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم.أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة حدثنا جدي الإمام أحمد بن نصر، حدثنا أبو يعقوب الحسن، حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء.قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله ". (32)أخبرنا عبد الله الحافظ سمعت أبا الحسن المكاري يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا القاسم بن سلام يقول: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله.وروي عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: "يا أيها الناس! من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل ما أسألكم عليه من أجر، وما أنا من المتكلفين)أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس المعقلي، حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثني أبي وعبد الرحمن الضبي، عن القاسم بن عروة عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فجعلت أنظر اليه نظرا شديدا، فقال: إنك لتنظر إلي نظرا ما كنـت تنظره إلي وأنا بالمدينة، فقلت: لتعجبي فقال: ومم تعجب؟ قال: قلت: و ما حال من لونك، ونحل من جسمك ونقي من شعرك؟ قال: كيف ولو رأيتني بعد ثلاثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي، وسال منخراي. في فمي صديدا؟ كنت لي أشد نكرة، حدثني حديثا كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس قال: قلت: حدثني عبد الله بن عباس يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل شيء شرف، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة، لا تصلوا خلف نائم ولا محدث، واقتلوا الحية والعقرب، وإن كنتم في صلاتكم، ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالو ا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يجلد عبده، ويمنع رفده، وينزل وحده، أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي يبغض الناس، ويبغضونه. أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا. أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله. إن عيسى عليه السلام قام في قومه فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال، فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها، فتظلموهم، ولا تظلموا، ولا تكافئوا ظالما بظلمه، فيبطل فضلكم عند ربكم. الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه، فاجتنبوه، وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله عز وجل ".
                       
[الـبعـث بـعـد الـموت و الشفـاعـة]

                                       
 ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، و اختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك، في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر، وغيرها، ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي التوحيد، ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسم، أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أنبانا معمر عن ثابت عن أنس عن الني صلى الله عليه وسلم قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد أخبرنا محمد بن المسيب الأغياني، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم وأكفى. أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين". أخبرنا أبو محمد المجلدي، أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، (ح). وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة أخبرنا جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا علي بن حجر بن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: " لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه".
                           
[مـن آداب أصـحـاب الـحـديـث]

                                         ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة المتخـذة مـن العنب أو الزبيـب أو التمر أو العسل أو الذرة أو غير ذلك مما بسكر، يحرمون قليله وكثيره، ويجتنبونه ويوجبون به الحد. ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات. ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام. ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتما واجبا، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود، والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها.ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع. ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله، والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، و يعادون أصحاب الأهواء والجهالات. و يقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين. ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة. وفيه أنزل الله عز وجل قوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) .                                                          
.[الـحـوض و الـكـوثـر]

                                       
ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حسابا يسيرا، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار ثم إعتاقهم أو إخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها، ولا يخلدون في النار، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبدا، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدا.          

الإيمان بالله تعالى


إن الله واحد احد فرد صمد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا يعجزه شيء ولا إله غيره. قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد. لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام. خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة.
ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته. وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا. ليس بعد الخلق استفاد اسم "الخالق" ولا بإحداث البرية استفاد اسم "الباري" ،, ليس بجسم ولا جوهر بل هو خالق الجسم والجوهر , وهو سبحانه لا يكيفه العقل ولا يمثله الفكر ولا تبينه العباره ولا تعينه الاشاره ولا تحيط به الافكار ولا تدركه الابصار له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق ، وكما أنه "محيي الموتى" بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم ، وكذلك استحق اسم "الخالق" قبل إنشائهم. ذلك بانه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير. وكل أمر عليه يسير. لا يحتاج إلى شيء (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) .

 , موصوف بكل وصف به نفسه من الحياه والعلم والقدره والاراده والسمع والبصر والكلام

 خلق الخلق بعلمه وقدر لهم أقدارا ضرب لهم آجالا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته. ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن. , لا محمولا على شىء ولا يحده الزمان ولا المكان  , على العرش استوي , وقالوا فى الاستواء ما قاله مالك بن أنس حين سأل عن ذلك فقال ( الاستواء معلوم والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعه وكذلك مذهبهم)

 يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا. وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلا من عنده.

الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

 وأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وخبيب رب العالمين. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء.

الإيمان بالقرآن الكريم

 وأن القرآن كلام الله القديم منه بدأ بلا كيفية قولا وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر..

رؤية الله حق

 والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: (( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة )) ، وتفسيره على ما اراده الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا

فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية . .وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، .لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات .

الإيمان بالإسراء والمعراج حق

 والمعراج حق. وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء ومن ثم إلى حيث شاء الله من العلا. وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى : (( ما كذب الفؤاد ما رأى )) ، فصلى الله عليه وسلم في الأخرة والأولى. والحوض الذي أكرمه الله تعالى به حق. والشفاعة التي ادخرها له حق، كما روي في الأخبار.

الإيمان بعلم الله

 والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق. وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه . وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له. والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله.

الإيمان بالقضاء والقدر

 وأصل القدر سر الله في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل. فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه : (( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ))

ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه

 وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقد ذالك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب ، ولا مزيل ولا مغير . ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذالك من عقد الإيمان وأصول المعرفه والإعتراف بتوحيد الله تعالى وبربوبيته،كما قال تعالى في كتابه: (( وخلق كل شيْ فقدره تقديرا )) ، وقال تعالى : (( وكان أمر الله قدرا مقدورا )) .

الإيمان بالعرش والكرسي

 والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.

الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب السماوية

وتقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما. ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين. ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.

 ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين.

 ولا نخوض في الله ، ولا نماري في دين الله ، ولا نجادل في القران ، ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم. وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين.

ولا نكفر أحدل من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله . ولا نقول : لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله. نرجوا للمحسنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة. ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم.

تعريف الإيمان

 والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان . وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد وأهله في أصله سواء . والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. والمؤمنين كلهم أولياء الرحمن وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقران.

والإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى. ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به.

أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار

وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين (مؤمنين) وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه : (( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) ، وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به.

ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم. ولا ننزل أحد منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى.

ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف.

ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة.

اتباع أهل السنة والجماعة

 ونتبع السنة والجماعة ونتجنب الشذوذ والخلاف والفرقة. ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة.

 وقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه.

ونرى المسح على الخفين ي السفر والحضر كما جاء في الأثر.

الإيمان بالملائكة والبرزخ

 والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.

ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين. ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين. وبعذاب القبر لمن كان أهلا له. وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم. والقبر روضة من رياض الجنة وأو حفرة من حفر النيران.



ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان .

والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وأن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا. فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه.

والخير والشر مقدران على العباد، واىستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي من مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال الله تعالى : (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) .

وأفعال العباد خلق من الله وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم ، وهو تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله".

نقول لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد من معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله .

وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضاؤه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها. وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا، تقدس عن كل سوء وحين وتنزه عن كل عيب وشين (( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون )) .

 وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين .

والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى.

حب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم. ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.



ونثبت الخلافة بعد رسو ل الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لعي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهو الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.



وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، رضي الله عنهم أجمعين.

ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق.

وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.

ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. نؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم.

الإيمان بيوم القيامة وما فيه من المشاهد

ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها. ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا. ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام . قال الله تعالى : (( إن الدين عند الله الإسلام )) ، وقال : (( ورضيت لكم الإسلام دينا )) ، وهو بين الغلو والتقصير ، وبين التشبيه والتعطيل ، وبين الجبر والقدر ، وبين الأمن والإياس .

فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه.

إن الدين عند الله الإسلام

 ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ، ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل : المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة، ونحن منهم برءاء وهم عندنا ضلال وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق .



[أفـضـل الـصـحـابـة]

                                       
ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر صلى الله عليه وسلم خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن نبهان عن سفينة "الخلافة بعدي ثلاثون سنة " وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، فرضيناه لدنيانا، وقولهم: قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يؤخرك! وأرادوا أنه صلى الله عليه وسلم قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه والله، وارتفعوا حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف لما عبدا الله. ولما قيل له: مه يا أبا هريرة! قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به. ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه بمكانه في إعلاء الإسلام، وإعظام شأنه وعده. ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه. ثم خلافة علي رضي الله عنه ببيعة الصحابة إياه، عرفه ورآه كل منهم رضي الله عنه أحق الخلق، وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه، فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله عز وجل: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) وفي قوله: (أشداء على الكفار) فمن أحبهم وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقهم، وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج ـ لعنهم الله ـ فقد هلك في الهالكين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله " وقال: "من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله".
                                       
[الـصـلاة خـلـف الـبـر و الـفـاجـر]

                                       
ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين، وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا. ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف. ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل.
                                       
[الـكـف عـمـا شـجـر بـيـن الـصـحـابـة]

                                       
ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم ونقصا فيهم. ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم. وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه رضي الله عنهن، والدعاء لهن ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين.
                                       
[لا نـدخـل الـجـنـة بـالـعـمـل]

                                     
ويعتقدون ويشهدون أن أحدا لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسنا، وطريقه مرتضى إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له لم يهد له أبدا. قال الله عز وجل: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء) وفي آيات سواها.
                                       
[لـكـل مـخـلـوق أجـل]

                                       
ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له عنه فوت، قال الله عز وجل: (ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون) وقال: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا). ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله، قال الله عز وجل: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم).
                                       
[وسـوسـة الـشـيـاطـيـن]

                                       
ويتيقنون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين، ويعتمدون استزلالهم ويترصدون لهم، قال الله عز وجل: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون). وإن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله عز وجل: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا). وقال: (انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون).
[الـسـحـر و السـحـرة]

                                       
ويشهدون أن في الدنيا سحرا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله، قال الله عز وجل: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ومن سحر منهم واستعمل السحر، واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر. وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإن وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم نهى عنه فإن عاد عزر. وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته وجب قتله، لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه.
                                                                   
[الـخـيـر و الـشـر]

                                         ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له. لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا. على ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس عن الني صلى الله عليه وسلم. وقال الله عز وجل: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله) ومن مذهب أهل السنة وطريقهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه، لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الإنفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح " تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك " ومعناه والله أعلم والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا وقصدا، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر أو يا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق والمقدر لها جميعا، لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال: فيما أخبر الله عنه في قوله: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ي البحر، فأردت أن أعيبها) ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله عز وجل فقال: (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك) ولذلك قال مخبرا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: (وإذا مرضت فهو يشفين) فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه.ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره، وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة،ويسخط الكفر والمعصية، قال الله عز وجل: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم).


   

عـواقـب الـعـبـاد مـبـهـمـة

ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بما يختم له، ولا يحكون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان بم ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله. ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها، ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيرا إلى الجنة ولا يبقى أحد في النار من المسلمين. فضلا من الله ومنه، ومن مات والعياذ بالله على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى.

                                     



[الـمـبـشـرون بـالـجـنـة]

                                     

فأما الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك، تصديقا للرسول صلى الله عليه وسلم فما ذكره ووعده لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله عز وجل: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من أرتضى من رسول) وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، وكذلك قال لثابت بن قيس بن شماس: "أنت من أهل الجنة ". قال أنس بن مالك: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة.

                                     



[لا نـدخـل الـجـنـة بـالـعـمـل]                                      

     

ويعتقدون ويشهدون أن أحدا لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسنا، وطريقه مرتضى إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له لم يهد له أبدا. قال الله عز وجل: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء) وفي آيات سواها.

[لـكـل مـخـلـوق أجـل]

                                     

ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له عنه فوت، قال الله عز وجل: (ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون) وقال: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا). ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله، قال الله عز وجل: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم).

[عقـيـدتـهم بنـزول الـرب سبحانـه ومجيئـه]

ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله . وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه، من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) وقوله عز اسمه: (وجاء ربك والملك صفا صفا). وقرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وقال: (وجاء ربك والملك صفا صفا) ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه إذ كنا قد أمرنا به في قوله عز وجل: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) .أخبرنا أبو بكر بن زكريا الشيباني سمعت : أبا حامد بن الشرقي يقول: سمعت أحمد السلمي وأبا داود الخفاجي يقولان: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قال لي الأمير عبدالله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا. كيف ينزل؟ قال، قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدل، حدثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي، حدثني أبو بكر بن أحمد بن محبوب، حدثنا أحمد بن حمويه حدثنا أبو عبد الرحمن العباسي، حدثنا محمد بن سلام، سألت عبدالله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبدالله: يا ضعيف ليلة النصف! ينزل في كل ليلة، فقال الرجل يا أبا عبدالله! كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟ فقال عبدالله: ينزل كيف يشاء " وفي رواية أخرى لهذه الحكاية أن عبد الله ابن المبارك قال للرجل: " إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصغ له ".سمعت الحاكم أبا عبدالله يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبدالله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبدالله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق ابن إبراهيم يعني ابن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: "نعم " فقال له بعض قواد عبدالله يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: " نعم " قال: " كيف ينزل؟ " فقال له إسحاق: " أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: " أثبته فوق " فقال: إسحاق: قال الله عز وجل: (وجاء ربك والملك صفا صفا) فقال الأمير عبدالله: " يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة " فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وخبر نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا خبر متفق على صحته مخرج في الصحيحين، من طريق مالك بن أنس عن الزهري عن الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة. أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا أبو مصعب حدثنا مالك. وحدثنا أبو بكر بن زكريا حدثنا أبو حاتم علي بن عبيدان، حدثنا محمد بن يحيى قال: ومما قرأت على ابن نافع وحدثني مطرف بن مالك رحمه الله، وحدثنا أبو بكر بن زكريا، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم ابن باكويه، حدثنا يحيى بن محمد حدثنا يحيي بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب الزهري، عن أبى عبد الله الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: (من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له ".ولهذا الحديث طرق إلى أبي هريرة، رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رحمه الله. ورواه يزيد بن هارون وغيره من الأئمة عن محمد بن عمرو عن إلى سلمة عن أبي هريرة، ومالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، ومالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وعبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبى هريرة، وعبد الأعلى بن أبى المساور وبشير بن أبي سلمان عن أبي حازم عن إلى هريرة. ورواه نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وموسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله، وعبيد الله بن أبي الدرداء عن علي بن أبي طالب، وشريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ومحمد ابن كعب بن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء وأبو الزبير عن جابر وسعيد بن جبير عن ابن عباس وعن أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهم.وهذه الطرق كلها مخرجة بأسانيدها في كتابنا الكبير المعروف بالانتصار، وفي رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح " وفي رواية سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة زيادة في آخره وهي " ثم يبسط يديه يقول: من يقرض غير معدوم ولا ظلوم ". وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فينادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به، إلا الثقلان الجن والإنس " قال: وذلك حين تصيح الديكة وتنهق الحمير وتنبح الكلاب. وروى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن ميمون عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل من عبادي غير من يستغفر في فأغفر له؟ من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح".أخبرنا أبو محمد المجلدي أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مسم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشهد عليهما أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مذنب؟ هل من مستغفر؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى تطلع الشمس".أخبرنا أبو محمد المجلدى أنبانا أبو العباس يعني الثقفي حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا شبابة بن ثوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبى هريرة أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى هذه السماء، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت فقال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من مضطر أكشف عنه ضره؟ هل من مستغيث أغيثه؟ فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر في كل ليلة منالدنيا".أخبرنا أبو محمد المجلدى أنبانا أبو العباس يعني الثقفي، حدثنا مجاهدين موسى والفضل بن سهل قالا: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سهل عن أبي إسحاق عن الأغر أنه شهد على أبى هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا كان ثلث الليل نزل تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فقال: ألا هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ألا هل من تائب يتاب عليه؟ ".حدثنا الأستاذ أبو منصور بن حماد، حدثنا أبو إسماعيل بن أبي الظما ببغداد حدثنا أبو منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسم: " ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: أنا الملك أنا الملك ثلاثا. من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فاغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر ".سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول سئل أبو حنيفة عنه فقال: "ينزل بلا كيف " وقال بعضهم: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتجلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزها أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف.وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد الذي صنفه وسمعته من حامله أبي طاهر رحمه الله تعالى. باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة من غير صفة كيفية النزول إثبات النزول نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، متيقن بما في هذه الأخبار من ذكر النزول من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء - الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله عز وجل ولم! نبئه صلى الله عليه وسلم بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذلك النزول، غير متكلفين للنزول بصفة الكيفية، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية النزول. اهـ.وأخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو محمد الصيدلاني، حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن صالح المصري، حدثنا بن وهب، أنبأنا مخرمة بن بكير عن أبيه رحمه الله وأخبرنا الحاكم حدثنا محمد بن يعقوب الأصم واللفظ له، حدثنا إبراهيم بن حنيفة، حدثنا ابن وهب عن مخرمة ابن بكير عن أبيه قال: سمعت محمد بن المنكدر يزعم أنه سمع أم سلمة زوجة الني صلى الله عليه وسلم تقول "نعم اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا قالوا وأي يوم؟ قالت يوم عرفة".و روت عائشة رضي الله عنها عن الني صلى الله عليه وسلم قالت " ينزل الله تعالى في النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلا إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معز بني كلب، ويكتب الحاج وينزل أرزاق السنة، ولا يترك أحدا إلا غفر له إلا مشركا أو قاطع رحم أو عاقا أو مشاحنا ".أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة، حدثنا جدي الإمام حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي (ح) قال الإمام وحدثنا الزعفراني عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام الدستوائي (ح) وحدثنا الزعفراني حدثنا يزيد يعني ابن هارون الدستوائي (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون بالإسكندرية، حدثنا الوليد عن الأوزاعي جميعهم عن يحيى بن أبي كثير، عن عطاء بن يسار، حدثني رفاعة بن عرابة الجهني (ح) قال الإمام، وحدثنا أبو هشام بن زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلي عن الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فجعلوا يستأذنون الني صلى الله عليه وسلم، فجعل يأذن لهم فقال النبي صلى الله عليه وسم: "ما بال شق الشجرة الذي يلي النبي صلى الله عليه وسلم أبغض إليكم من الآخر، فلا يرى من القوم إلا باكيا قال يقول أبو بكر الصديق إن الذي يستأذنك بعدها لسفيه، فقام النبي صلى الله عليه وسم، فحمد الله وأثنى عليه وكان إذا حلف قال: والذي نفسي بيده أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى يؤمنوا ومن صلح من أزواجهم وذرياتهم يساكنكم في الجنة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا مضى شطر الليل أو قال: ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعو في فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح " هذا لفظ حديث الوليد.قال شيخ الإسلام: قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعنا كثيرا.وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل (وجاء ربك والملك صفا صفا)؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفا صفا ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.قال أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري أيضا في كتابه: ذكر إبراهيم عن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: إنا لا نؤمن برب ينزل عن مكانه. فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.        



[رؤيـة الـمـؤمنيـن ربـهـم فـي الآخـرة]



ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب (الانتصار) بطرقها.

                                       

[الإيـمـان بالجنـة و النـار و أنهمـا مـخلوقتـان]



ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا يفنيان أبدا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لايخرجون أبدا، وأن المنادي ينادي يومئذ " يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت " على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                     

[الإيـمـان قـول و عمـل و يزيـد و ينقـص]

ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب حدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر عن أبيه عن جده عن عمر بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه سبحانه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي، حدثنا أبي حدثنا أبو عمرو الحيري، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إدريس المكي، وأحمد بن شداد الترمذي، قالوا: حدثنا الحميدي حدثنا يحيى بن سليم: سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا: قول وعمل.وسألت هشام بن حسان فقال: قول وعمل. وسألت ابن جرير فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل. وسألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل. وسألت المثنى بن الصباح فقال: قول وعمل. وسألت فضيل فقال: قول وعمل. وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل. وسألت سفيان بن عيينة فقال: قول وعمل. وأخرنا أبو عمرو الحيري، حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن إدريس سمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد تقول: ينقص؟ فقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لايبقى منه شيء.وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي ومالكا وسعيد ابن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل. ويقولون لا إيمان إلا بعمل، فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيمانا، ومن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة فإيمانه ناقص.وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن باكويه الحلاب يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلا، وأنا أبغضهم عن معرفة. أولا: إنهم لا يرون للسلطان طاعة الثاني: إنه ليس للإيمان عندهم قدر، والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبرائيل وميكائيل.وسمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانيء يقول: سمعت أبا بكر محمد بن شعيب يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قدم ابن المبارك الري فقام إليه رجل من العباد، الظن أنه يذهب مذهب الخوارج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال لا أخرجه من الإيمان، فقال: يا أبا عبد الرحمن على كبر السن صرت مرجئا؟ فقال: لا تقبلني المرجئة. المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة، ثم ذكر عن أبي شوذب عن سلمة بن كهيل، عن هذيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح.سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني يقول: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الحسين بن حرب أخا أحمد بن حرب الزاهد يقول: أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

                                     

[لا يـكـفـر أحـد مـن الـمـسـلميـن بكـل ذنـب]



ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه واخرجه منها إلى نعيم دار القرار.وكان شيخنا سهل بن محمد رحمه الله يقول: المؤمن المذنب وإن عذب بالنار فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار. ومعنى ذلك أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوسا في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال، والمؤمن المذنب إذا ابتلى في النار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن على الرجل من غير إلقاء وتنكيس. ومعنى قوله "لا يلقى في النار إلقاء الكفار " أن الكافر يحرق بدنه كله، كلما نضج جلده بدل جلدا غيره، ليذوق العذاب كما بينه الله في كتابه في قو له تعالى (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم، إذ حرم الله على النار أعضاء سجوده. ومعنى قوله: "لا يبقى في النار بقاء الكفار " أن الكافر يخلد فيها ولا يخرج منها أبدا، ولا يخلد الله من مذنبي الـمؤمنين في النار أحدا. ومعنى قوله: " لا يشقى بالنار شقاء الكفار " أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله، ولا يرجون راحة بحال، و أما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال، و عاقبة المؤمنين كلهم الجنة، لأنهم خلقوا لها و خلقت لهم فضلا من الله و منـة.

                                       

[حـكـم تـارك الـصـلاة عـمـداً]



واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمدا، فكفره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف، وأخرجوه به من الإسلام، للخبر الصحيح: " بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر" وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمة الله عليهم أجمعين إلى أنه لا يكفر ما دام معتقدا لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام، وتأولوا الخبر من ترك الصلاة جاحدا كما أخبر سبحانه عن يوسف عليه السلام أنه قال: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) ولم يك يتلبس بكفر فارقه، ولكن تركه جاحدا له.

                                     

[خـلـق أفـعـال الـعـبـاد]



ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله عز وجل (قل: فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين) وقال: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني) الآية وقال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) الآية. سبحانه وتعالى خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فرقتين، فريقا للنعيم فضلا، وفريقا للجحيم عدلا، وجعل منهم غويا ورشيدا، وشقيا وسعيدا، وقريبا من رحمته، وبعيدا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.أخبرنا أبو محمد المجلدي أخبرنا أبو محمد العباس السراج حدثنا يوسف عن موسى أخبرنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن خفق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات، رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فو الذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ".

جاري التحميل...