آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 1 مايو 2016

- بحث فى وسـائل نيل المجـد الإسلامي

- بحث فى وسـائل نيل المجـد الإسلامي
الحنين إلى هذا المجد :
كل مسلم آمن بالله سبحانه و برسوله صلى الله عليه وسلم  ، و صدق بيوم الحساب يحن إلى هذا المجد الذي تفضل به على سلفنا الصالح ، بعد أن وفقهم للإيمان و أعانهم على العمل الصالح ، بدليل قوله تعالى  )   وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْوَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٥٥﴾
  سورة النور آية (55) .  و صدق الله العظيم ، فإن الله سبحانه و تعالى جعلهم خلفاء في الأرض ، بعد أن أذل بهم الأكاسرة و القياصرة و جبابرة الجاهلية ، و محا بهم ظلم الظالمـين ، و مكن لهم في الأرض بالحق ، منحهم الأمن بعد الخوف ، و جعلهم أئـمة للهدى ، يقيمون حدود الله بسلطان الله و قوته ، و لو على أنفسهم أو الوالدين و الأقربين ، فكانت صورهم صور الأناسي ، و أعمالهم أعمال الروحانيين عمار ملكوت الله الأعلى ،     و كان الله معهم ، أعطاهم كلمته ، و صرفهم في عوالم كونه ، أخضع بهم الكفرة الظلمة ،   و سخر لهم ملائكته ، فكان العالم أجمع بين مقهور بهم  - من أهل الفساد في الأرض -  أو مطيع لهم  - من سكان الملكوت -  بل كان الله يطيعهم و يستجيب لهم ، حتى كان المسلم إذا عمل له غير المسلم عملا ، فقال : هداك الله ، أو رحمك الله ، لا يكاد يفارقه إلا و قد ملأ الله قلبه إيمانا ، استجابة لدعاء المسلم . و أي شرف و مجد و عز فوق استجابة الله لعبده        و طاعته له ؟  .

و من فهم قوله تعالى  )   إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)(  سورة المائدة آية (112) ، أن معناها هل يطيعك ربك ، تحقق أن الله يطيع من أطاعه و يستجيب لمن استجاب له .


 و قوله تعالى  )  شَيْئًاوَمَن كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(، أي من خالف السلف الصالح و ترك العمل بما كانوا عليه ، و عملوا برأيهم لحظهم ، و تركوا سنة أئمة الهدى ، و اتبعوا غير سبيل المؤمنين .  و من ترك العمل بالسنة فهم الفاسقون ، الذين خرجوا من وعد الله فأصابهم ما أصاب جماعة المسلمين في هذا العصر ، لتركهم ما كان عليه أسلافنا رضي الله عنهم ، و أي مسلم لا يحن حنين الثكلى إلى هذا المجد و العز ، و الخير في الدنيا و الآخرة ، و يبذل نفسه و ماله و والديه و عشيرته ، و أرضا يسكنها ، ليعود هذا المجد للمسلمين ، الذي بعودته يفوز المسلم بكل أنواع السعادات في دنياه ، و في برزخه و في  آخرته ؟!  .


وسائل تحقيق المجتمع الإسلامي :


الوسائل المنتجة لعمل المجتمع الإسلامي بالكتاب و السنة حتى يفوز كل فرد بأنواع الخيرات ، و يكون جميع المسلمين هم أهل المدينة المنورة في كل بقاع الأرض ، الذي يظهر لي أنها أربع وسائل :

أولا : أن تكون اللغة التي يتفاهم بها جميع المسلمين  - مع بعضهم بعضا أو مع غيرهم -  هي لغة القرآن و السنة .

ثانيا : أن يجمع جميع المسلمين على إمام واحد يكون هو خليفة رسول الله ، و يكون أكمل الناس شبها به صلى الله عليه وسلم  ، في العلم و العمل و الأخلاق و المعاملات ، بحسب أهل زمانه ، فلا نزنه بالخلفاء الراشدين ، لأن ذلك لا يكاد يوجد ، لكن نزنه بقدر أهل زمانه ، و متى أجمع المسلمون لا نختلف عليه سواء كان عربيا أو عجميا .

ثالثا : أن تقام حدود الله ، بمعنى أن يكون العمل بكتاب الله و بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

رابعا : أن تكون تربية المسلمين مؤسسة على التربية الدينية ، بحيث يكون التعليم أولا  قاصرا على تعليم الإيمان ثم القرآن ، ثم يكون تعليم الصناعات أو الزراعة أو التجارة ،     أو تعليم فنون الجهاد ، و تدبير المدن ، و سياسة المجتمعات ، و يكون تعليم تلك الفنون كله مؤسس على الدين ، لأنها وسائل لإعلاء كلمة الإسـلام ، و حفظ ثغوره ، و جلب الخير لأهله ، و قوة سلطان المسلمين .


أولا : اللغة العـربية :


أكتب في هذا الموضوع كتابة لأخي الذي منحه الله عين العبرة ، و قلب الفكرة ، فنظر بقلبه إلى ما كان عليه السلف الصالح و ما نحن عليه الآن ، فشعر بالفرق البين ، بين عز و مجد و علو في الأرض في الدنيا ، و جوار رب العالمين في مقعد صدق يوم القيامة ، هذه حال سلفنا .  و بين ذل لمن كانوا عبيدا لنا ، و فقر لمن كانوا تبعا لنا ، و خوف ممن كانوا يعوذون بنا ، يتخطفنا من أرضنا من كانوا أهل ذمة أو أرقاء نتصرف فيهم متى شئنا   و كيف شئنا ، هذا كله في الدنيا ، و العذاب الأليم يوم القيامة ، أعوذ بالله من مخالفة السنة   و العمل بغير كتاب الله .



من كان يشهد هذا الفرق العجيب يين الآباء و الأبناء كيف لا تحصل له الحيرة       و يبكي نادما على ما فرط في جنب الله ؟  و يبحث عن هذا المجد الذي تفضل الله به على أجدادنا الذين كانوا في جاهلية عمياء قبله ؟  و كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الله به من ذنوبهم ؟  فأصبحنا كما تعلم و يشهد التاريخ و الآثار الباقية .



هذا المجد حقا لم يكن إلا بقوة الاتحاد و الائتلاف و التعصب لإعلاء كلمة الله ،      و العمل بكتابه و سن نبيه ، و لا اتحاد إلا بدين و لغة و نسب و وطن ، و لم تجمع تلك المعاني كلها إلا في الإسلام ، فان للدين لغة هي لغة القرآن و لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و لغة أئمة الهدى من عرب و عجم ، فإن أكثر أئمة الهدى كانوا من العجم و لغتهم هي لغة القرآن .  هذا سيدنا سلمان الفارسي ، و هذا سيدنا بلال الحبشي الذي جعله أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب سيداﹰبقوله : أبو بكر سيدنا و أعتق سيدنا  - يعني بلالاﹰ  ،  و هذا صهيب الرومي الذي ورد فيه ( نعم العبد صهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه ) ، كلمة أثنى الله بها على رسله الكرام ، و هي كلمة ( نعم العبد )  ، و قد أثنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  على صهيب ،  و هذا سيدنا أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و سيدنا حارثة ، و سيدنا زيد بن حارثة ،      و سيدنا أسامة بن زيد ، الذي أمـﳲره رسـول الله على أئمة المهاجرين و الأنصار         و غيرهـم ، و من لا يحصى عددهم من الأعاجم ، لم تكن لهم لغة إلا لغة القرآن .   ثم قام بتنفيذ تلك السنة أئمة المسلمين في كل زمان ، فكانوا إذا فتحوا مدينة من المدن ، حثوا من أسلم على تعليم اللغة العربية ، حتى يفهم أسرار الدين و تنكشف له أنواره ، و كأن اللغة العربية أصل من أصول الدين ، لا يكون الدين كاملا إلا بها ، و بدونها لا يكون المسلم مسلما كاملا ، بل يكون مقلدا لا تشرق على قلبه أنوار الإسلام ، و لا يظهر لنفسه جمال الإسلام الحقيقي .

و ما عين رأت من خلف سـتر                      كعين شـاهدت حسا و معنـى



و لما كان الدين الإسلامي هو كتاب الله و كتاب رسول الله ، كان لا بد للمسلم أن يحفظ من القرآن ما يجب عليه أن يحفظه فرض عين أو سنة مؤكدة ، ليس المراد بحفظه أن يكون كالببغاء ، يتكلم بما لا يفهم ، فإن ذلك لا يكون به المسلم مسلما قد أقام الصلاة و نطق بكلمة التوحيد ، فعلى كل مسلم أن يجعل أول مهم يبذل قصارى همته في نيله تعليم اللغة العربية ، و فهم معانيها بقدر ما يخرجه عن أن يكون كالببغاء ، بل يحفظ رتبته في الوجود ، فلا يعمل عملا إلا و يعلم سره ، و لا يعتقد اعتقادا إلا بعد أن يطمئن قلبه به ، إما بنور التسليم أو بواضح الحجة ، و من قال : إني مسلم ، و لم يتعلم اللغة العربية تعصبا للغته ،    و رأى لغته أحب إليه من لغة القرآن ، و أخذته الغيرة على لغة آبائه و أجداده ، التي لم يكن المراد منها إلا التفاهم فقط ، كان هاويا في هاوية الذل في الدنيا ، و في حطمة العذاب في الآخرة ، لأنه يصير ممن لغة آبائه أحب إليه من لغة كتاب الله و سنة رسول الله ، و لو تدبر أخي المسلم  - بصـﳲره الله بعيوبه و نقائصه -  في هذا الأمر ،  لتحقق أن عمله غير سـنة ، و محض جهالة لا ينتفع بها في الدنيا ، بل تضره في الدنيا و توبقه العذاب الأليم في الآخرة ، لأنه  - لجهله باللغة العربية -  يحرم فهم أسرار دينه ، و علم جمالاته الحقيقية ،  و ما كان عليه الأئمة الهداة المرشدون من العوائد الحسنة و الشمائل الجميلة و العزيمة الموجبة لرضوان الله تعالى ، و كل تلك الكمالات لا يتحصل عليها إلا بتعليم اللغة العربية .



و لقائل أن يقول ، إن أكثر من يتكلمون باللغة العربية يجهلون كل تلك المعاني ، فأجيبه : إن جهالة المتكلمين باللغة العربية بتلك المعاني أنتجت لهم المذلة و الخسران في الدنيا لأنهم أهملوا تعليم لغة القرآن و السنة ، و اقتصروا على اللغة العامة ، و اجتهدوا في التفنن في تعليم اللغات الأعجمية ، و لو أنهم تعلموا اللغة العربية لفهموا أسرار القرآن ،      و لفقهوا أحكام الله سبحانه و تعالى .

شرف اللغة العربية بالقرآن :
أيها المسلم : دينك الإسلام و وطنك الإسلام و نسبك الإسلام ، و لغة القرآن هي لغـتك ، فلمﹶتلقي بنفسك من الأفق العلي إلى المكان السحيق ؟  تبعد نفسك عن الله تعالى    و عن رسوله صلى الله عليه وسلم  ، و تقطعها من أخوة المؤمنين فتقول : إني تونسي ، أو أفغاني أو تركي أو مصري أو بخاري .  نعم ، أنا أقول تلك الكلمة عند التعارف لأميز نفسي أمام غيري ،      و لأرفع الستار عن منزلتي من إخوتي المؤمنين ، فربما كان المتكلم معي له قرابة بي لها واجب شرعي غير واجب الأخوة الإسلامية ، من صلة أو إحسان ، لكن يلزم أن أكون موقنا أن الإسلام وطني و نسبي كما أنه ديني ، و أن لغتي هي لغة القرآن التي لا أتكلم إلا بها     - و لو مع غير المسلم كائنا ما كان -  من غير نظر إلى أني تركي أكره أن أتكلم بلغة العرب ، أو أني صيني و هي لغة العرب ، بل لأنها لغة القرآن ، لا لأنها لغة العرب .  فـإن تـﹷـعصـﹷب العـربي لها لأنهـا لغته و لغة آبائه فقط ، بذلك يكون فاسقا ضالا ، كما يحصل التـعصب للغة العربية من نصارى مصر و الشام ، زعما أنها لغة آبائهم ، أو أنها اللغة الفصحى التي من دونها كل اللغات ، فمن تعصب للغة العرب بتلك المعاني فقط فليس بمسلم ، و إن كانت في الحقيقة هي اللغة حقا ، و يجب على كل عاقل من أنواع بني الإنسان أن يتكلم بها لغزارة مادتها ، و خفة ألفاظها على النفس ، و لتأثيرها الروحاني على أهل العقول ، و حسن أساليبها ، و لكن مجدها الحقيقي و شرفها الحقيقي من جهة أنها لغة القرآن فقط ، فمن لم يتعلمها بعد علمه أنها لغة القرآن و قال : أنا مسلم ، فقد ظلم نفسه      و أساء إليها .



أيها المسلم  - الحبشي و النوبي و الفارسي و البخاري و التركي -  : تعلمك اللغة العربية و نطقك بها لا ينسيك نسبك لآبائك ، الذي به التعارف و التمييز ، و لكنه يجملك بالنسب الرباني ، و يجعل لك ملكا يدوم و لا يزول ، تنتقل منه من ملك الدنيا إلى الملك الكبير الأبدي في جوار رب العالمين ، و أنت أيها العربي المدعي أنك أشرف الخلق ، و أن اللغة العربية هي أعظم اللغات ، إن كنت تقول ذلك لأنك مسلم مؤمن بالله و رسوله ، فأنت صادق لأن أكرم الخلق على الله الأتقياء ، و إن حكمت بشرف اللغة العربية لأنها لغة القـرآن فصدقت ، و هذا ما يقول به أخوك التركي و الفارسي و الهندي و الصيني          و السوداني .



و أي مسلم من أنواع الخلق تقول له :  اللغة العربية أفضل اللغات و يجب تعلمها لأنها لغة القرآن يقول لك : لا  ؟    و أي مسلم من أي أنواع الناس تقول له : إني عربي مؤمن بالله و رسوله عامل بكتاب الله و سنة رسول الله فأنا كريم على الله و يقول لك المسلم : لا  ؟  .  إذاﹰتنبه من غفلتك أيها العربي و احفظ لإخوانك المسلمين حقوقهم . إن كان ما يفتخر به اليهودي و النصراني و المجوسي  - ممن يدعون أنهم عرب -  هو فخر لك ، فاستعذ بالله أيها الإنسان ، فمن افتخر على إخوته المؤمنين بما يفتخر به هؤلاء فليس بمسلم عند العلماء ، و كيف يرضيك أن تقول : إني عربي ، و أنت تعين الكافر الذي يتعصب للغـته ليفرق  كلمة إخوتك المؤمنين من ترك أو فرس أو هنود أو أفغانيين ؟  إذا كنت تعادي إخوتك المؤمنين لأنهم ترك ، و تحب النصارى و اليهود لأنهم عرب ، أعوذ بالله ممن أعماه الحظ و أضله الهوى .



كل مسلم يتعصب لجنسه فقط ، أو للغته فقط ، بدون النظر إلى الدين  -  كما يتعصب اليهود و النصارى للغة العربية أو للعرب -  فذلك عدو لا نصلي عليه إذا مات ،   و لا ندفنه في قبور المسلمين ، و لا نزوجه منا ، لأنه مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية .



و أنت أيها الأخ التركي و الفارسي و الهندي و البخاري ، بل و كل من تفضل الله عليه بالإسلام و اختارهم لتوحيده و لكتابه المجيد ، اعلموا أن النصارى و اليهود  - ممن يدعون أنهم عرب -  شياطين يسعون في جماعة المسلمين ، ليفسدوا ببث روح التفرقة بين المسلم و المسلم بشيء ما أنزل الله به من سلطان ، و هذا سلمان الفارسي من آل بيت رسول الله ، كالعباس بن عبد المطلب و حمزة رضي الله عنهم ، و أبو لهب الهاشمي مقـطوع من هذا البيت الكريم ، و بـلال الحبشي من نسب رسول الله ، و زيد بن حارثة جعله رسـول الله صلى الله عليه وسلم  ابنه كالقاسم ، و زوجه سيدة من سادات بني هاشم ، ليس الأمر يا إخوتي بنسب الآباء و لغتهم .



أقول قولي هذا و أنا  - و الحمد لله -  حسني حسيني من والدي و والدتي ، و إنما الأمر ببذل النفس و المال و الجاه و النسب و اللغة و استبدال كل ذلك بنسب الإسلام و لغة القرآن و عزة الإيمان لنيل رضوان الله الأكبر ، و لإعلاء كلمة الله ، و إذلال أعداء الله ،    و لعلونا جماعة المسلمين في الأرض بالحق ، حتى يكون الله و رسوله أحب إلينا مما سـواهما ، و تكون لغة القرآن أحب إلينا من لغة أنفسنا ، و نسب الله و رسوله أحب إلينا من نسب آبائنا ، إلا بالقدر الذي به نصل رحمنا و نتعارف ببعضنا .



دعوة إلى تعميم اللغة العربية :



يا إخوتي الترك : إن الله تعالى منحكم الإمامة و مكن لكم في الأرض ، كل ذلك بالإسلام لا بغيره ، و بسر روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و يعلم الله فيكم الخير ، فإن الله أعلم حيث يجعل إمامته ، قال الله تعالى  )  قَالَإِنِّيجَاعِلُكَلِلنَّاسِإِمَامًاقَالَوَمِنذُرِّيَّتِيقَالَلاَ  يَنَالُعَهْدِيالظَّالِمِينَ(  سورة البقرة آية (124)  ، و شكر الله تعالى واجب ، فاشكروا الله بأن تجعلوا لغة القرآن لغتكم ، و نسب رسول الله نسبكم ، فيصبح جميع المؤمنين إخوة لكم آنسين بكم ، يتفاهمون معكم و يأمنون جانبكم .



أنتم يا إخواني الأتراك حفظتم حوزة الدين زمانا طويلا ، و نشرتم الإسلام في بلاد الروم ، و لأسلافكم الصالحين تمسك بالقرآن و عمل بالسنة ، بها مكن الله لهم في ألأرض ، و لكن اشتغالهم بالجهاد و بالفتوحات لم يمكنهم من تعميم اللغة العربية ، و جعل التفاهم بها ، و ها أنتم و الحمد لله شعرتم بهذا النقص ، و بالفراغ الواسع بينكم و بين إخوتكم المؤمنين ، فسارعوا إلى تعليم اللغة العربية يا إخوتي ، أيد الله بكم دينه ، و جدد الله بكم مجد المسلمين ، و أذل بكم أعداء الدين ، و اجتهدوا أن تجعلوها هي اللغة التي يجب أن يتكلم بها غير المسلم مع المسلم و غيره ، في بلاد الإسلام ، حتى تزول التفرقة التي أوجدها من ليسوا مسلمين في المسلمين ، طمعا في إضعاف سلطان المسلمين و تمزيق المجتمع الإسلامي ، و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون ، يقول الله تعالى  )  إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَإِخْوَةٌ (  ، و هذا نسب الله الذي يحكم به و حكمه الذي أخبرنا به ، فكيف نترك العمل بكتاب الله تعالى و نعمل  بهوانا فنقو ل : المصري أخو المصري ، و الشامي أخو الشامي و التركي أخو التركي      و الفارسي أخو الفارسي ؟  .



إذا وفقنا الله و أعاننا بأن نجعل لغة القرآن هي اللغة التي يجب أن يكون التفاهم بها  و التحرير بها ، أكرمنا الله أولا بالائتلاف و الاتحاد حتى نكون كالجسد الواحد ، و ثانيا يحفظ الله مجتمعنا من تداخل الأجنبي بيننا بالفساد  بوجوه :

أولا : أنه لا يتكلم معنا إلا باللغة العربية ، فلا يمكنه أن يدس دسيسة باللغة العربية لأنه يخشى أن ينفضح أمام المسلمين ،

ثانيا : أن غير المسلمين  - ممن يدعون أنهم عرب -  لا يجدون لهم باب شر يدخلون منه على جماعة المسلمين ليفرقوهم .

ثالثا : أني لو قلت : أنا تركي ، و الأخر قال : أنا عربي ، و نحن نتكلم باللغة العربية ، لا تحصل عداوة بيننا لأننا نمثل رجلين ، كل رجل من قبيلة يفتخر بقبيلته ، لا دخل للدين في الموضوع ، كما يفاخر بنو هاشم بني أمية .

رابعا : يحصل خير عظيم بتعليم اللغة العربية و جعلها لغة التفاهم ، لأن الشياطين الذين يدخلون بين المسلمين بالتفريق  - بدعوى أن الخلافة تركية أو عربية -  لا يجدون سبيلا ،  و كم من عدو للمسلمين يسهر الليل ليكيد لهم بسبب اللغة التركية و العربية ، و لو أن إخوتنا الترك محوا هذا الشر لجددوا مجد الإسلام ، و ردوا له ما كان في عصر سلفنا الصالح .



هذا ما يحصل من الخير في الدنيا ، أما ما يحصل من النعيم المقيم يوم القيامة ، فذلك بما ينكشف للعقل من أسرار القرآن ، و ما يتجلى للروح من أنواره ، و ما يطمئن به القلب من أدلته و حججه ، حتى ينعقد القلب على توحيد الله تعالى ، و الصدق في معاملته ،        و الإخلاص لذاته الأحدية ، بما يفهمه من كتاب الله ، و ما يمد به من روحانية رسول الله عند قراءة كلامه صلى الله عليه وسلم  .  هذا ، و إن الإفرنج يتعلمون اللغة العـربية  - يا إخوتي -  لغرض دنيء من أغراض الدنيا ليكيدوا لنا ، و قد نالوا ما نالوه بتعليم اللغة العربية ، و الأخذ بعمل السلف الصالح في الاستعمار و الأخلاق و المعاملات ، فإذا كان الإفرنج يتعلمون اللغة العربية  - التي ليست لغة دينهم و لا لغة أوطانهم و لا لغة آبائهم -  فكيف بنا و هي لغة كتاب الله و لغة رسول الله ، و لغة العلوم و الفنون و الآداب ، و لغة أئمة الهدى من عجم    و عرب ، و قد فرض علينا تعليمها ؟  .



أنا  - و الحمد لله -  على يقين أن أخوتنا الأتراك فقهاء في الدين ، لا فرق بين التركي و صميم العربي في اليقين الحق ، و ربما كانوا على جانب من الآداب و الاحترام للقرآن الشريف ينبيء عن كمال اليقين الحق ، قد لا يبلغه إلا أهل المعرفة من غيرهم ، فلم يبق سوى إيثار لغة القرآن و لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم  على غيرها من اللغات ، حتى يبرهنوا أنهم يؤثرون الله و رسوله و لغة كتابه العزيز على أنفسهم  و آبائهم و لغتهم ،  فينالون بذلك الرضا من الله تعالى و المعونة منه سبحانه ، بالتمكين في الأرض ، و قطع جراثيم الضلال الذين يسعون بين جماعة المسلمين بالإفساد بسبب اختلاف اللغات ،  و بذلك يسد باب الفتنة فلا يحصل الخلاف لتركي و عربي ، لأن أقباط مصر الذين يتكلمون باللغة العربية يحسبون بين المسلمين عربا ، و كذلك نصارى الشام الذين هم من أبناء الرومان ، يدعون أنهم عرب لتكلمهم باللغة العربية ، و يتعصبون للعرب بسبب ذلك للإفساد ، و لبث السم في الدسم ، أعاذ الله جماعة المسلمين من التعصب لغير الحق ، و من التمسك بما يضر في الدنيا و الآخرة ،  و لا ينفع في الدنيا و لا في الآخرة ، منحنا الله جميعا التعصب للحق و لو على أنفسنا حتى نكون مع الحق سبحانه ، و يكون الحق معنا .



و قد تبين لنا أن اللغة العربية إنما نتعصب لها لا لأنها لغة العرب بل لأنها لغة القرآن الشريف و لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و كل شيء من الله و رسوله هو أحب إلينا من أنفسنا و من آبائنا ، حبا في الله و في رسوله صلى الله عليه وسلم  ، و إيثارا لله  و رسوله على أنفسنا  و على من سواهما و ما سواهما ، و ليس ذلك بالأمر الصعب ، لأن تعليم اللغة العربية إذا كان عن رغبة في الله سبحانه و رسوله صلى الله عليه وسلم  ، تيسر للكبير و سهل على الصغير ، و قد لا تمضي شهور إلا و الكل يتكلمون باللغة العربية مع الرغبة و الحب ، و لا شك أن هذا الأمل إذا حققه الله تعالى أصبح المجتمع الإسلامي كما كان أولاﹰ، لهم السيادة و السلطان و المنعة و القوة و التمكين في الأرض بالحق .



كل الذي قررته حقائق بديهية ، لا اشك أن كل من تكلم بغير اللغة العربية منا يشعر في نفسه بنقص ، لا أقول : في كمالياته ، بل في ألزم ضرورياته التي بها صحة دينه        و سعادته في الدنيا ، و  راحة قلبه ، و ذلك لأن المسلم الذي يتكلم بغير لغة القرآن الكريم يجهل دينه و ما به من الكمالات و الأخلاق و المعاملات التي بها ساد سلفنا الصالح ،        و يـلزم على ذلك أن الصناعات و التجارات و الفنون و الحرف التي حث عليها القرآن ،   و أمرنا بالمسارعة إلى عملها ، و العمل فيها للدين ، تهمل أو تكون كتبها بغير لغة القرآن الشريف ، و يختص بها أعداء القرآن ، و هي ضرورة لحفظ ديننا و راحتنا في الدنيا ، فيحصل الضعف لمن تركوا التكلم بلغة القرآن في دينهم و دنياهم ، و تنحصر العلوم القرآنية  - التي تتجاوز الألف علم عداﹰ-  في غير الإسلام .



كل ذلك يحصل لأن المسلمين يتفاهمون بغير لغة القرآن الكريم ، و المسلمون مذ كانت لغتهم لغة القرآن الكير ، كانوا لا يهتمون إلا بما هو خير لجميع المسلين ، و الله سبحانه و تعالى أسأل أن يوقظ قلوبنا جميعا من نومة الغفلة و رقدة الجهالة ، و يبصر العربي منا بتقصيره في التعصب للحق و تعصبه للغته بدون ملاحظة أنها لغة القرآن ، و ينبه إخواننا بالنقص الناشيء بترك لغة القرآن و تعصبهم للغتهم ، عنادا لأهل الجهالة من المفسدين الذين يثيرون شحناء المفاسد بيننا ، لإيقاع العداوة بين الأخ و أخيه في الله تعالى ، بعد أن اتصل نسبنا بالله سبحانه و برسوله صلى الله عليه وسلم  ، فصرنا إخوانا في الله تعالى ، كما قال سبحانه و تعالى   )  وَنَزَعْنَامَافِيصُدُورِهِممِّنْغِلٍّإِخْوَانًاعَلَىسُرُرٍمُّتَقَابِلِينَ (سورة الحجر آية (47) ، و قد تمكنوا من قلوب المسلمين ، حتى شغلوهم بعداوة بعضهم ، و بعمل المكايد لبعضهم فالتفتوا عن العمل الصالح من تقوية الثغور و فتح دور الصناعات لإعداد العدة و جمع القلوب للعدو ، و نشر العلوم القرآنية بين جماعات المسلمين ،  و نشر الدين بين العالم بالطرق التي سلكها سلفنا الصالح ، حتى يسعد المسلمون بقوة السلطان في الدنيا ، و السعادة الأبدية في الآخرة ، و لكن ترك الجماعة الإقتداء بالسلف ، و شغلهم أهل الفساد ، حتى حصل ما لا يخفى على مسلم .



أسأله سبحانه أن يجمع قلوب المسلمين بروح منه سبحانه ، لتقوى الرغبة فيما عند الله تعالى ، و تشتد محبة المسلم للمسلم ، و يسارع كل مسلم في خير إخوته المسلمين ، حتى يعود الإسلام كما بدأ ، سر قوله صلى الله عليه وسلم  ( بدأ الإسلام غريبا و سيعود كما بدأ ) ، و معنى الحديث ظاهر لمن ألقى السمع و هو شهيد ، و قد قال الله تعالى  )   هُوَالَّذِيأَرْسَلَرَسُولَهُبِالْهُدَىوَدِينِالْحَقِّلِيُظْهِرَهُ  عَلَىالدِّينِكُلِّهِوَلَوْكَرِهَالْمُشْرِكُونَ(  سورة الصف آية (9)  ، و سنة الله تعالى في عباده لا تبديل لها ، و سيجعل الله للمسلمين التمكين في الأرض ، و يظهر دينه على الدين كله كما وعد سبحانه ، و لا تبديل لكلمات الله ، و صلى الله على سيدنا محمد و آله و سلم ، آمين .





شفاء مرض التفرقة :



هذا المرض الجاهلي  - و هو العصبية للآباء و الأجداد لتأسيس ملك أسس على الظلم و الجور -  هدم الإسلام ، هذا العماد الباطل الذي جعل المجتمع الإنساني كغابة جمعت أنواع الوحوش و الحيوانات ، يفترس القوي و الضعيف ، حتى بلغ الظلم مبلغا عبد الإنسان فيه الإنسان ، فلما أن أشرقت أنوار الإسلام على العالم ، محت تلك الضلالة ، فجعل نسب المسلمين هو الإسلام ، و قد ورد ( كل نسب و كل حسب مقطوع إلا نسبي و حسبي ) .



ظهر الحق للمسلمين فتمسكوا به و رفضوا ما سواه ، فكان الله سبحانه معهم و لهم ، و صار المسلمون جميعا جنسا واحدا ، الله تعالى ربنا و سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  نبينا ، و القرآن إمامنا ،    و الإسلام ديننا و وطننا و نسبنا ، و قمنا لله مخلصين له الدين ، لنخلص العالم أجمع من ظلمات الجاهلية ، و ضلالات أهل الكتاب ، و ألوهية الجبابرة ، فأسرع العالم أجمع إلى هذا المجد بعد أن علموا أنه الحق اليقين ، انتشر هذا النور بسرعة أدهشت العقول ، فكان أسرع من انتشار أشعة الشمس في أفقها ، فأذل تيجان الجبابرة ، محا كسرى و قيصر و ملوك اليمن و جبابرة جاهلية العرب ، و طغاة الهند و الصين ، و ظلمات آسيا و أفريقيا ،         و جهالات الإقيانوسية ، و عم النور من المسلمين غيرهم من أهل الذمة ، و دام مدة التمسك بهذا النسب و رفض التعصب للجنس .  حتى فتحت الدنيا فتنافسوها فتفرقوا شيعا ، و سرى هذا المرض في أعضاء المجتمع ، بعد انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين ، فهاجر رجال بني أمية إلى المغرب ، و إلى أواسط أفريقيا في السودان ، فتكونت مملكة في الأندلس و أخرى في السودان و هي مملكة الفتح ، و تعدد الخليفة ، فتنبه الإفرنج للحملة عليهم ،     و لكن قوة الإيمان في قلوب المسلمين أضعفت مساعي الإفرنج .



اشتد هذا المرض حتى استقل كل عامل بإقليمه ، و قوى عامل الحسد و الطمع ، فصارت الجيوش الإسلامية  - التي كانت تحمل النور و التوحيد لجميع الأمم -  معاول للتفرقة و آلات لهدم المجد الإسلامي ، و لو أن العالم أجمع قاموا لحرب المسلمين  - و هم مسلمون حقا -  لنصرهم الله تعالى عليهم ، و لكنهم التفتوا عن الله تعالى فالتفت الله عنهم .  انتهز الإفرنج تلك الفرصة فأثاروا ثائرة الحرب الصليبية لمحو النور الإسلامي ، فهب المسلمون من كل أرض هبوب قواصف الريح ، فمحوا طغيان أهل الظلم ، و أخرجوهم من الأراضي الإسلامية ( مصر و سوريا ) ، و جـدد الله للمسلمين مجدهم ، فقامت الدولة العثمانية لخدمة الإسلام في آسيا و أوروبا ، و أخضعت ملوك أوروبا ، صارت آسيا         و أفريقـيا و البلقان من أوروبا مملكة إسلامية .



 مكث المجتمع الإسلامي ينشر الأنوار ، حتى غدر الأسبان بدولة المسلمين في الأندلس ، و سلبوا فنونها و صناعاتها ، و انتشرت في أوروبا تلك العلوم و الحضارة ،      و طمع الإفرنج في الشرق عندما اشتغلت الدولة العثمانية بحوادث داخليتها ، فأرسلوا الفساد على أيدي البغاة و باعة الخمر و الميسر ، و أخذوا في الخبث و الخديعة حتى تمكنوا من إفساد العقائد و الأخلاق ، و استحسن من لا خلاق لهم عوائدهم ، حتى أعادوا الجاهلية الأولى و هي الجنسية ، فانتشر هذا المرض حتى عادى المسلم أخاه ، و فارق من كان يتولاه ، و لا غرابة ، فإن أمة الترك و الفرس  - و هم أبناء رجل واحد -  تعصب الترك لطهران ،     و الفرس  لإيران ، و هما أخوان شقيقان ، كل ذلك من نار الجنسية و شرار إفساد أوروبا ، ثم تعصب كل مجتمع لاسم بلده ، و اشتدت تلك الحمية حتى ضرب المسلم وجه أخيه المسلم ، و هذا يقول : تونسي ، و الآخر يقول : مصري ، و غيره يقول : سوري ، و عراقي        و عربي و تركي ، أو أفغاني و هندي ، كل ذلك بسبب ترك النسب الديني ، خدم رجـال الترك الإسلام و المسلمين فأثبتت نهضتهم الأخيرة نهضة السلف الأولى ،  فكانوا للدين كالروح التي سرت فأحيت الجسد ، و أعادت له العافية الأولى .



لم تطفأ نار أوروبا عن الشرق ، و لكن قامت تبث الدسائس ، و تعلن الحروب على الخلافة العظمى ، طورا مجتمعة ، و أخرى متفرقة ، حتى كانت حروب البلقان .  و لم تكتف بها ، بل شغلت طرابلس و اليمن و الشام و مصر و العراق و الحجاز و بلاد العرب بالفتن  و الأطماع و الخروج على الخلافة ، بغضا للشرق و أهله و طمعا في محو الخلافة الإسـلامية ، و الله غالب على أمره .



أيد الله المسلمين و عزز رجال الخلافة ، فقاموا لله و رسوله و لوطنهم لدفع العدو الظالم ، و ليس من العجيب أن تظهر بعض دول أوروبا ما تكنه من العداوة و البغضاء للإسلام و المسلمين ، و لكن العجب أن تقوم فئة من المسلمين فيخرجون على الخليفة مسارعين في أعداء الله !  يضرب المسلم وجه أخيه !  و يزعم باطلا أنه عربي و أنه شريف هاشمي !  و هي دعوة لا حجة عليها ، انظر إلى الحجاز و خروجه على الخلافة و سكونه إلى أعداء الله و رسوله ، و إلى أهل الشام و خلافهم على  رجال الخلافة ، و معاونتهم لأهل الحرب ، و انظر إلى اليمن و إلى القائم فيها على الخلافة ، و هو يدعي شرف النسب ،      و إلى العراق و إلى المسلط عليها السال سيفه على المسلمين ليؤيد سلطان المسلمين على المحاربين ، الذين غرتهم الحياة الدنيا فأعمتهم عن الحق و من يحبه سبحانه ، فوالـوا من عاداه و حاربوا من والاه ، و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .



لا  - و من أنزل القرآن و أرسل حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم  و أيده -  لينصرن الله من ينصره و رسله بالغيب كما هو وعده ، قال تعالى  )  وَكَانَحَقًّاعَلَيْنَانَصْرالْمُؤْمِنِينَ(  سورة الروم آية (47)  ، و قال سبحانه  )  مَّنكَانَيُرِيدُالْعَاجِلَةَعَجَّلْنَالَهُفِيهَامَانَشَاءلِمَننُّرِيدُثُمَّ  جَعَلْنَالَهُجَهَنَّمَيَصْلاهَامَذْمُومًامَّدْحُورًا(  سورة الإسراء آية (18)  ، و قال تعالى  )  يَاأَيُّهَاالَّذِينَآمَنُوالَاتَتَّخِذُواعَدُوِّيوَعَدُوَّكُمْأَوْلِيَاءتُلْقُونَ   إِلَيْهِمبِالْمَوَدَّةِوَقَدْكَفَرُوابِمَاجَاءكُممِّنَالْحَقِّ(  سورة الممتحنة آية (1) ، و قال تعالى  )  لَاتَجِدُقَوْمًايُؤْمِنُونَبِاللَّهِوَالْيَوْمِالْآخِرِيُوَادُّونَمَنْ  حَادَّاللَّهَوَرَسُولَهُوَلَوْكَانُواآبَاءهُمْأَوْأَبْنَاءهُمْ  أَوْإِخْوَانَهُمْأَوْعَشِيرَتَهُمْأُوْلَئِكَكَتَبَفِيقُلُوبِهِمُ   الْإِيمَانَوَأَيَّدَهُمبِرُوحٍمِّنْهُوَيُدْخِلُهُمْجَنَّاتٍتَجْرِي  مِنتَحْتِهَاالْأَنْهَارُخَالِدِينَفِيهَارَضِيَاللَّهُعَنْهُمْوَرَضُوا   عَنْهُأُوْلَئِكَحِزْبُاللَّهِأَلَاإِنَّحِزْبَاللَّهِهُمُالْمُفْلِحُونَ   (  سورة المجادلة آية (22)  . و قد أظهرت تلك الحوادث أعظم معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم  في هذا الزمان ، قال صلى الله عليه وسلم  ( ليضربنكم عليه عودا كما ضربتموهم عليه بدءا ) و معنى هذا الحديث أن العرب ضربوا الأمم جميعهم لإعلاء كلمة الله و نجاة العالم من الكفر و من ظلم الظالمين ، ثم ارتدوا في هذا العصر عن الحق و نصروا الباطل ، و قام أنصار الله تعالى من الترك و من والى الله و رسوله معهم من الفرس         و الأفغان و الهند و القوقاز و أذربيجان ، حتى ظهر الحـق للهنـدوس عـﹹبـﳲـاد الـشمس و البقر ، فسارعوا لنصرة الخلافة و رجالها ، وفـق الله هؤلاء المسـلمين و هم من الترك و العجم ، لأن يضربوا العرب بالسيف ليرجعوا إلى العمل بأحكام الإسلام ، فهم الذين نشروه بينهم ، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و قامت الحجة أن النسب هو الإسلام ، و أن النسب الطيني لا قيمة له ، و كيف لا ؟  إنا لنرى المغرورين بالنسب الطيني قد استعملهم أعداء الله تعالى في إطفاء نور الله و رسوله ، إلا من عصمهم الله تعالى .



و ها هي المجتمعات الإسلامية في كل أرض ، فترى المدعين الشرف في السودان ، و في مصر و في الحجاز و في الشام و في العراق و غيرها من المجتمعات ، هم المسارعون في أعداء الله تعالى المعينون على هدم دين الإسلام ، و المسارعون إلى إطفاء نور الحق بأفواههم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره .



فيا رجال الترك و من أقبلوا على الله و رسوله معهم : إنكم الآن تقومون بعمل قام به أصحاب رسول الله و السلف الصالح معهم ، فاشكروا الله الذي أقامكم مقام أصحاب نبيهصلى الله عليه وسلم  من الأنصار ، و انظروا إلى زهرة الحياة الدنيا و زينتها بعيون الإيمان و بأحداق البصائر ، ليكون الله تعالى معنا دائما ، و لنا دائما ، و يعيد بنا مجد السلف الصالح ، و يمكن لنا في ألأرض ، و أعيدوا النسب الإسلامي بمحو التعصب للجنسية ، حتى يكون كل مسلم في أي أرض أخا لكم من والدكم الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلم  ، فإن الله تعالى يقول  )  النَّبِيُّأَوْلَىبِالْمُؤْمِنِينَمِنْأَنفُسِهِمْوَأَزْوَاجُهُأُمَّهَاتُهُمْ        (سورة الأحزاب آية (6)  ، فلا تجعلوا لكم والدا غير رسول اللهصلى الله عليه وسلم  ، و لا أما غير أمهات المؤمنين ، و لهذا النسب الشريف فغاروا ،  و عليه فحافظوا ، تفوزوا بالتمكين في الأرض في الدنيا ، و بجوار رسول الله يوم القيامة ،  و احذروا يا إخوتي  فأوروبا دست السم في الدسم ، فنشرت بين المجتمع الإسلامي التعصب للجنسية و اللغة القومية ، ثم هجمت هجوم الجبابرة و الطغاة فقطعت الأيدي و الأرجل من المجتمع الإسلامي ، و خدرت القلب و الرأس منه ، بغضا في الإسلام و مناوأة لأهله .  فأعيدوا يا إخوتي ، أعزنا الله و أيدنا بروحانية رسول ، هذا المجد ، و هو اتصال نسبنـا بنسبه ، و اعلموا أنه قال صلى الله عليه وسلم  ( آل محمد كل تقي )  و قال ( سلمان منا أهل البيت )  و قال ( أخرج الكفر أبا لهب من نسبي ) ، و قد نفى الله نسب ابن سيدنا نوح و حكم عليه بالكفر .



أعيدوا يا إخوتي ما كان لأنصار رسول الله من الغيرة للإسلام ، و نسيان الجنسية ،   و أنتم تعلمون من هم قبل الإسلام ، كان الرجل يقول : أوسي ، و الآخر يقول : خزرجي ، فأصبحوا بالإسلام إخوانا يقول كل واحد منهم : أنصاري أنا ، و قد أثنى الله تعالى عليهم بقوله )   وَالَّذِينَتَبَوَّؤُواالدَّارَوَالْإِيمَانَمِنقَبْلِهِمْ   يُحِبُّونَمَنْهَاجَرَإِلَيْهِمْوَلَايَجِدُونَفِيصُدُورِهِمْحَاجَةً  مِّمَّاأُوتُواوَيُؤْثِرُونَعَلَىأَنفُسِهِمْوَلَوْكَانَبِهِمْخَصَاصَةٌ وَمَنيُوقَشُحَّنَفْسِهِفَأُوْلَئِكَهُمُالْمُفْلِحُونَ  (سورة الحشر آية (9) .



فسارعوا لتكونوا أنتم هم عند الله تعالى ، و عند رسولهصلى الله عليه وسلم  ، و عند العلماء بالله تعالى ، و إني لأطمع من الله تعالى أن يمنحكم هذا الفضل العظيم ، و أن يظهر بكم دينه على الدين كله .





نداء إلى العرب :



يا أيها العرب : إن الله تعالى نشر دينه على أيديكم و ألسنتكم ، فمنكم صدر الحق    و بكم انتشر ، و البذرة إذا غرست في الأرض أخرجت بذورا كثيرة من نوعها ، فلو غرس الفلاح بذرة قمح فخرجت شعيرا ، أينسبها إلى القمح ؟  أو يضعها في مخزنه ؟  لا  ،      إذا تقرر ذلك فليس هؤلاء بعرب و ليسوا من البذرة الهاشمية ، و الله أعلم بهم ، قال تعالى   ) إِنَّهُلَيْسَمِنْأَهْلِكَإِنَّهُعَمَلٌغَيْرُصَالِحٍ(  سورة هود آية (46)  ، و لو كان الولد من نوح عليه السلام لكان صديقا نبيا ،  أو كان وليا تقيا ،   تداركوا يا رجال العرب فإنكم   تلقون أنفسكم في هاوية سحيقة بها تغضبون رسول الله ، و تهلكون أنفسكم و أبناءكم .     متى كان عدو رسول الله محبا للمسلمين ؟  متى كان المنكر لرسالتهصلى الله عليه وسلم  مواليا للمسلمين ؟  غرتكم الحياة و زينتها ، و نسيتم الآخرة و نعيمها و عذابها ، قال تعالى  )  وَماالْحَيَاةُالدُّنْيَا  إِلاَّمَتَاعُالْغُرُورِ(  سورة آل عمران آية (185)  .



و أنتم أيها المنتسبون للشرف ، الذين أحبهم المسلمون لنسبهم لآبائهم الصالحين ،    قد استوجبتم لعنة الله تعالى لغروركم بزينة الدنيا و زخرفها ، و السيادة فيها و المسارعة في أعداء الله ، هؤلاء أهلكوا أنفسهم و أهلكوا من والاهم ، و ستقوم القيامة و لديها يكونون كما قال الله تعالى )  إِذْتَبَرَّأَالَّذِينَاتُّبِعُواْمِنَالَّذِينَاتَّبَعُواْوَرَأَوُاْالْعَذَابَ  وَتَقَطَّعَتْبِهِمُالأَسْبَابُ(  سورة البقرة آية (166) .



و أنت أيها الزعماء ، تعلمون أن الله تعالى يقول  )  وَتَعَاوَنُواْعَلَىالْبرِّوَالتَّقْوَىوَلاَتَعَاوَنُواْ  عَلَىالإِثْمِوَالْعُدْوَانِوَاتَّقُواْاللّهَإِنَّاللّهَشَدِيدُالْعِقَابِ(  سورة المائدة آية (2)  ،  و يقول تعالى )  وَلاَتَرْكَنُواْإِلَىالَّذِينَظَلَمُواْ   فَتَمَسَّكُمُالنَّارُوَمَالَكُممِّندُونِاللّهِمِنْأَوْلِيَاءثُمَّ   لاَتُنصَرُونَ(  سورة هود آية (113)  ،     و يقول سبحانه  )  وَسَارِعُواْإِلَىمَغْفِرَةٍمِّنرَّبِّكُمْوَجَنَّةٍعَرْضُهَا  السَّمَاوَاتُوَالأَرْضُأُعِدَّتْلِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَيُنفِقُونَ  فِيالسَّرَّاءوَالضَّرَّاءوَالْكَاظِمِينَالْغَيْظَوَالْعَافِينَ  عَنِالنَّاسِوَاللّهُيُحِبُّالْمُحْسِنِينَ (  سورة آل عمران آيات ( 133 ، 134)  ، و يقول  )  وَاعْتَصِمُواْبِحَبْلِاللّهِجَمِيعًاوَلاَتَفَرَّقُواْ   وَاذْكُرُواْنِعْمَةَاللّهِعَلَيْكُمْإِذْكُنتُمْأَعْدَاءفَأَلَّفَبَيْنَقُلُوبِكُمْ  فَأَصْبَحْتُمبِنِعْمَتِهِإِخْوَانًا(  سورة آل عمران آية (103)  .  فاتقوا الله ،  فإن الدنيا زائلة   و نعيمها فان ، و تيقنوا أنكم مسئولون عن أنفسكم و عن من تقودونهم ، فاهتموا بمحو البدع  و الضلالة ، و إحياء السنن و الهداية ، لتنالوا الحسنيين في الدنيا و الآخرة إن ساعد القدر ، أو تفوزوا بالحسنى الدائمة في الآخرة ، و احذروا أن يقودكم الهوى و حب العاجلة فيتمكن العدو من الأمة ، و اعلموا أن النصر من الله ، و أن الظفر مع الصبر ، و أن الله ينظر إلى القلوب ، فعمروها باليقين الحق ، و الثقة بما عند الله تعالى .





تنبيه للعـلمـاء :

و أنتم أيها العلماء ، ورثة الأنبياء و أئمة الهدى ، و مصابيح الدجى ، و المسئولون يوم القيامة عن أمانة الله و ميراث رسول الله ، كشف لكم العلم الحقيقة .  هل بين لكم العلم بأن الدنيا دار البقاء ؟  أو بين لك أن النعيم في الآخرة بمعصية الله ؟  و مجاراة أعداء الله ؟     يا مصابيح الهدى : ما لكم أظلمتم ؟ ، و يا أنجم البيان : ما لكم هويتم ؟ ، هل بعد العلم اليقين تفردون الدنيا بالقصد ؟  و هل بعد البيان و التعيين تسكن نفوسكم إلى محو السنة و تعزيز البدعة ؟!  اشرحوا لي قوله تعالى  )  فَتَرَىالَّذِينَ فِي  قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ  يَقُولُونَ نَخْشَىأَن تُصِيبَنَادَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَنيَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ  مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْعَلَى مَاأَسَرُّواْفِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ(  سورة المائدة آية (52)  ، و قوله تعالى )  وَلاَتَرْكَنُواْإِلَىا لَّذِينَ ظَلَمُواْ   فَتَمَسَّكُمُ النَّارُوَمَالَكُم مِّن دُونِاللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ   لاَتُنصَرُونَ(  سورة هود آية (113)    .


يا علماء الدنيا ، و عبيد الأمراء ، و أنصار أعداء الله ، اسمعوا بقلوبكم قوله تعالى   )  إَنَّ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَلِقَاءنَا وَرَضُواْبِالْحَياةِالدُّنْيَاوَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَاغَافِلُونَ  أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ  النُّارُبِمَاكَانُواْيَكْسِبُونَ(  سورة يونس آيات (7 ، 8) ، و قوله تعالى  )  إِنَّمَايَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء(  سورة فاطر آية (28)  .  اعلموا  - منحني الله و اياكم يقظة القلوب -   أن الله ما ائتمنكم على أمانته فأقـامكم ورثة لحبيبه و مصطفاه صلى الله عليه وسلم  ، إلا لتحفظوا رسول الله في أمته ، و تنصروه بإحياء سنته ، و تدبروا قوله تعالى      )  وَاللّهُوَرَسُولُهُأَحَقُّ أَنيُرْضُوهُإِنكَانُواْمُؤْمِنِينَ(  سورة التوبة آية (62)  .



هلموا بنا نتوب إلى الله و نرجع إليه ، قبل أن ينزل هازم اللذات و مفرق الجماعات ، و يقفل باب التوبة ، و اعلموا صدق وعد الله تعالى في قوله سبحانه  )  حَتَّىَ إِذَاأَخَذَتِالأَرْضُ زُخْرُفَهَاوَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَاأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَاأَمْرُنَالَيْلاًأَوْنَهَارًافَجَعَلْنَاهَاحَصِيدًاكَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ(  سورة يونس آية (24)  ، و قد ظهر مدلول هذه الآية في أوروبا و أمريكا و اليابان ، و ظهرت علامات الانتقام منهم جميعا لإصرارهم على الظلم    و الطغيان ، قال صلى الله عليه وسلم  ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) .

و إني أسأل الله تعالى أن يمنحنا العلم النافع ، و القلب الخاشع ، و النور الساطع ،   و يجدد بنا سنن نبينا صلى الله عليه وسلم  ، انه مجيب الدعاء ، آمين .


توجيه للنشء :


أيها الشباب الناشئون الآن ، و الرجال المسئولون غدا ، اعلموا أن لكم مجدا تليدا ، شاده أسلافكم الكرام بالعمل بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، حتى ملكوا الأرض طولها و العرض ، و لكن أهمل آباؤكم في واجب السنة ، فتفككت أعضاؤهم ، و تمزقت مجتمعاتهم ، و أذلهم العدو الخداع ، و قام كل واحد يقول : نفسي ، و جهلوا أنهم في سفينة لا نجاة لهم عليها إلا بإقامة حدود الله ، و العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و لو أن واحدا منكم جهل موقفه في هذا الوجود ، و دعاه العطش إلى خرق السفينة ليشرب من تحت رجليه ، و لم يمنعه الراكبون فيها بالقهر ، هلك و أهلكهم جميعا ، فكذلك أنتم يا أولادي ، يلزم أن تحافظوا على السفينة بالنفس و النفائس ، من أن يهمل واحد من المجتمع الإسلامي فيمكن العدو .



يا أبنائي : ، إن آباؤكم أهملوا فأضاعوكم أنتم ، و أنتم رجـال المستقبل ، و هم رجال الآخرة لكبر سنهم ، فأعزوا أنفسكم بالعمل بسنة رسول الله ، و ارفعوها عن أن تدنس بما حرمه الله ، و قومـوا لله و لرسوله صلى الله عليه وسلم  بالإخلاص ، و لأوطانكم العزيزة التي هي الإسـلام ، و الأرض التي فتحها المسلمون بدماء أصحاب رسول الله ، فاحفظوها و زيدوها كما فعل السلف الصالح ، و اعتقدوا أن الله تعالى يقول )وَلِلَّهِالْعِزَّةُوَلِرَسُولِهِوَلِلْمُؤْمِنِينَ(سورة المنافقون آية (8) .


ثانيا : إجماع المسلمين على إمام واحد :

الوسيلة الثانية هي إجماع المسلمين على إمام واحد ، بحيث أن كل من قام يدعو إلى نفسه للبيعة بالخلافة مع وجود الإمام القائم يعد من الخوارج ، و يجب أن يقتله المسلمون لأنه يعد ساعيا في الأرض بالإفساد ، هذا كله ما دام الإمام لم يعمل عملا يخرجه عن الإسلام ، بإباحة ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ، أو يترك ثغور المسلمين ليتمكن منها العدو ،     لأنه إن حصل منه ما يخرجه عن الدين ، سقط حقه على جماعة المسلمين ، و خرج من عهد الله ، و من عهد رسوله صلى الله عليه وسلم  ، و الواجب على أهل الرأي من المسلمين أن يخلعوه و يبايعوا غيره .  و الخارج عليه  - ما دام قائما بقدر استطاعته -  كلب من كلاب النار ، يعني أنه يطلب دنيا لا ديناﹰ، و يسعى في حظ يفرق به جماعة المسلمين .


متى رضي المسلمون بوجود إمامين في عصر واحد  - مهما اتسع الملك -  كان ذلك موجبا لغضب الله ، و إضعافا لسلطان المسلمين ، و قد سبق لي الكلام على الإمام مستوفى في كتاب ( النور المبين ) فمن أراد العلم به فليراجعه في موضعه من الكتاب .   والله تعالى ينبه إخواني المسلمين للعمل بالكتاب و السنة ، و إيثار ما عند الله على ما في الدنيـا ، إنه مجيب الدعاء ، و صلى اللهم على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم

ثالثا : إقامة حدود الله :

هذا الموضوع أهم المواضيع التي تجب العناية بها لأمرين عظيمين :

الأمر الأول :أن سعادة المسلمين في تلك الدار الدنيا ، و أمنهم على أنفسهم و أموالهم و أعراضهم و راحة قلوبهم ، متوقف على إقامة حدود الله ، بل و صفاء أفكارهم التي بها العمل في الدنيا للآخرة ، لأن الفرد إذا عمل في التفكير للمتعدى عليه ،   و أذية المبيح لعرضه و ماله ، أهمل العمل في الدنيا للآخرة  - من اختراعه و تحصيل علوم الصناعات   و الفنون -  و متى اشتغل كل فرد من المسلمين بتلك البلايا ، أصبح المجتمع كالجسد الذي اعتورته أمراض في كل أعضائه ، فصار في حاجة إلى الممرض والطبيب و المعين ، بعد أن كان قاهرا لأعدائه ، عاملا لنفع أعضائه المتممة له . هذا بعض ما يصيب المجتمع بترك إقامة حدود الله في الدنيا ، و كفى بذلك شرا ، و ذلك لأن الحكيم القادر خلق الإنسان مفطورا على الحرص ، و شغفا بنيل حظوظه و أغراضه ، فهو أجرأ من السبع عند نيل حظ من حظوظه ، لأن السبع إنما يجرأ بلا فكر و لا روية ، فقد يتقى و يتحفظ من شره ، و أما الإنسان فإنه عندما يدعوه حظه يقوم بتنفيذه بقوتين  - قوته البدنية التي هي كالسبع و قوة التدبير بفكره -  فلا يمكن أن يدفع شره ، و لذا فالحكيم القادر جعل حدوده و من أنواع القصاص و التعذير و التأديب ، لكبح جماح النفوس الطاغية الباغية ، و جعل أنواع العبادات و القربات لتزكيتها و تطهيرها بعد كبحها .  فإذا أهمل المسلمون في إقامة حـدود الله       و إقامة شعائره ظهر الفساد في البر و البحر ، و صار المجتمع كمجتمع الحيوانات المفترسة في غابة ، و وكلهم الله إلى أنفسهم ، و مكن منهم عدوهم ، و حبس عنهم رزق السماء ، فصاروا أذلاء بعد العز ، أعوذ بالله من قوم يضيع الحق بينهم .



الأمر الثاني: أن إهمال إقامة حدود الله و ترك القيـام بشعائر الله تجعل المؤمن ينقص إيمانه ، حتى قد يزول من قلبه ، فيخرج من الدنيا بغير إيمان  - نعوذ بالله من ذلك -  قال الله تعالى )   إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَالَّذِينَ إِذَا ذُكِرَاللّهُ وَجِلَتْ  قُلُوبُهُمْ وَإِذَاتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًاوَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ     الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّارَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ      أُوْلَـئِكَهُمُالْمُؤْمِنُونَحَقًّالَّهُمْدَرَجَاتٌعِندَ  رَبِّهِمْوَمَغْفِرَةٌوَرِزْقٌكَرِيمٌ  (سورة الأنفال آيات (2-4) ، و قال صلى الله عليه وسلم  ( لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن ، و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو مؤمن ) الحديث ، و قال صلى الله عليه وسلم  ( تارك الصلاة ملعون ) ، فوصف الله تعالى المؤمنين بما به يكونون مؤمنين ، و وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم  المنافقين الذين لا إيمان لهم بما به يكونون منافقين ، و قد بين الله سبحانه و تعالى صفات عباده المؤمنين في آية جمعت ما لا يكون المؤمن مؤمنا إلا به ، و هو قوله تعالى  ) ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾   ، و قال الله تعالى   )  وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (  سورة الطلاق آية (1)   ، و قد بين الله تعالى في القرآن الشريف أن الشرك ظلم عظيم بقوله تعالى  ) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿١٣﴾

لما كان المتعدي حدود الله قد ظلم نفسه ، فكأن الآية تشير إلى أن المتعدي حدود الله مشرك ، و أن التظاهر بالشرك ظلم عظيم ، و الفرق بين المتظاهر بالشرك و المتعدي حدود الله ، أن المتظاهر بالشرك كافر مخلد في نار جهنم ،   و المسلم المتعدي حدود الله وسع الله له الأمر في أن يتوب إليه ، فإن تاب التوبة النصوح بشروطها التي بينتها في كتاب ( أصول الأصول ) فذلك برهان على مغفرة الله له ، و إن مات على  غير توبته  - و العياذ بالله -  فأمره مفوض إلى ربه ، إن شاء أماته كافرا ، أو شاء أماته مسلما ، و عذبه على خطاياه    أو غفر له ، و أدخله الجنة ، لا يسئل عما يفعل و هم يسألون .

الإهمال في إقامة حدود الله و القيام بشعائره موبقة للنفوس ، ماحقة للإيمان ، مجلبة لغضب الله ، موجبة لعذاب الله إن لم يغفر .


من الذي يقيم حدود الله و يقوم بشعائر الله ؟ :

أولا : الفرد المسلم :

أما أولاﹰو بالذات : فكل فرد من المسلمين واجب عليه أن يسعى في جلب الخير لنفسه ، و دفع الضر عنه ، و لا خير أعظم من العمل بكتاب الله و المحافظة على سنة رسول الله ، لأنه بذلك يسعد السعادتين و ينال الخيرين ، و يسود في الدارين و لو عاش فقيرا ،   فإن العمل بالسنة و الكتاب ، يشرح الصدور و تطمئن به القلوب ، و يريح الفكر و البدن ،   و يجعل الإنسان آمنا في سربه ميسرا له قوته ، معافى في بدنه ، و هي سعادة الدنيا .  محبوبا في قومه ، موسعا له في قبره ، محمولا على نجائب العناية و رفارف الحنانة و الرأفة الإلهية ، و هي السعادة في الآخرة .



و مثل هذا متى ينقبض صدره ، أو يضيق رزقه ، أو يتألم جسمه ،  أو يهان بين قومه ، أو يفتقر إلى شرار الخلق ، أو يذل أبنائه بعده ؟  و قد قام بما جعل الله تعالى معه في حياته الدنيا بالهداية و التوفيق ، و في حياته البرزخية بالبشائر و الرحمة ، و في حياته الأخرى بالقرب و مشاهدة الوجه الجميل ، و النعيم المقيم ، و جعل الله تعالى خليفة عنه على أبنائه و أهله ، و من جعل الله خليفة عنه على أبنائه و أهله ، لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، قال الله تعالى في تحقيق ما قلنا  )أَلاإِنَّأَوْلِيَاءاللّهِلاَخَوْفٌعَلَيْهِمْوَلاَهُمْيَحْزَنُونَ  (  سورة يونس آية (62)  ،  و قال الله تعالى في خلافته عن وليه على أبنائه بعد موته  )وَأَمَّاالْجِدَارُفَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْ نِفِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌلَّهُمَاوَكَانَ أَبُوهُمَاصَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْيَبْلُغَا أَشُدَّهُمَاوَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ   (  سـورة الكهف آية (82)  .



هذا بعض ما يمكن أن يسطر على الأوراق ، أو تنطق به الألسنة ، من الخير الذي يناله المحافظ على حدود الله ، القـائم بشعائر الله ،  و نعمة الله لا تحصى على الأفراد العصاة أو الكفار ، من الإمداد و الإيجاد و العناية ، فكيف بنعم الله على العبد المطيع الولي ؟  لا يعلم نعم الله على  العبد المطيع إلا الله .



فالواجب على كل فرد من أفراد المسلمين  - و لو أهمل السلطان إقامة حدود الله     و المحافظة على شعائره -  أن يحافظ على العمل بالسنة و الكتاب ، محافظة على نفسه من أن يقع في هوة النار ، أو في جب تـنهشه الأفاعي ، و ليسارع إلى العمل بالسنة و الكتاب ،  كما يسارع إلى أن يملك أرضا ذات أنهار جارية و حدائق غناء و نسيم عليل  بليل ،  و أمن و أمان و إطلاق و سلطان ، ينالها بلا عناء و لا تعب فادح ، و لا بذل مال و لا نفس ، كيف تكون مسارعته إليها ؟  الجواب أكله إلى نفسه .

فالواجب على كل مسلم أن يقوم بنفسه لنيل ما به سعادتها في العاجل و الأجل بكل   ما في وسعه ، و ليعتقد أن إهماله هلاك لنفسه ، و تساهله خسران عليه ، قـال تعالى        )يَعِـظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًاإِنكُنتُم  مُّؤْمِنِينَ  (  سورة النور آية (17)  .

ثانيا السلطان :

أما الثاني الذي يقوم بحدود الله تعالى ، وان كان في ظاهر الأمر هو الأول ، كما قال سيدنا عثمان بن عفان ( ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن ) فهو السلطان القائم بالخلافة عن ربه و عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  المنفذ لأحكام الله ، المقيم حدود الله ، المحافظ على ثغور المسلمين ، الذي ينام الناس و يسهر ، و يرتاح الناس و يتعب ، و يأمن الناس و يخاف ،     و يشبع الناس و يجوع ليستريح يوم القيامة ، و يشبع و يأمن و يتنعم بنعيم لم يتـنعم به أحد غيره ، و هو الأمـان الذي يكبح النفوس عن استرسالها فيما فطرت عليه من المفاسد         و الأهـواء ، و يعين المظلوم على الظالم ، يؤم الناس في صلاتهم ، و يطوف عليهم في ليلهم ، يعود مرضاهم ، و يشيع جنائزهم ، و يذكرهم أيام ربهم ، فيكون إماما للمتقين ،      و سراجا منيرا لرعيته المطيعين ، و حربا على العصاة المارقين ، و أعداء الإسلام          و المسلمين المظاهرين ، هو الذي يقيم حدود الله ، و عدل ساعة منه حير من أربعين سنة مطرا ، فإن عدل ساعة ترضي الله تعالى و رسوله ، و تجعل المجتمع في سرور و أمان    و ائتلاف و وفاق ، فتكون قلوبنا مجتمعة  و الله معنا ، و متى اجتمعت القلوب كان  الله معنا فحقق وعده سبحانه الذي وعدنا به بقوله تعالى )   وَعَدَاللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوامِنكُمْ وَعَمِلُوا  الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَااسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنقَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ  الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ  وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًايَعْبُدُونَنِي  لَايُشْرِكُونَ بِي  شَيْئًاوَمَن كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  (  سورة النور آية (55) .


و قد أنجز وعده سبحانه  - بمزيد فضل منه -  لسلفنا الصالح رضي الله عنهم ، فمكن لهم في الأرض تمكينا أذل لهم جبابرة الأرض و ملوكها ، و نشر بهم دينهم بين عباده الذين سبقت لهم الحسنى منه سبحانه ، و كان كل من على ظهر البسيطة  في وسعة من الرزق ، و أمن على النفس و المال و الأهل و الولد ، و عافية في الأبدان ، لا فرق بين المسلم و الذمي ، فللذمي من الحقوق الاجتماعية ما للمسلم و زيادة .  أما قولنا ( و زيادة ) فلأن المسلم كان يطالب بزكاة ماله و حماية الثغور و جهاد العدو ، و بحقوق لإخوته المؤمنين في ماله و نفسه  - غير الواجب -  و القيام بشعائر الله ، و كان الذمي لا يطالب بشيء غير الجزية التي تؤخذ منه ليساعد بها على كبح جماح الظالم و إقامة العدل بين الناس ، و لحفظ الأنهار و جسور الترع  ، و لرجال الخفر و الحراسة ، و لتأسيس المستشفيات و الملاجيء للأيتام و العجزة و الشيوخ ، و لتجنيد الجند ، و هذا القدر كان ينفق على أهل الذمة أضعاف أضعافه من بيت مال المسلمين ، فكان هذا العمل من العدل و المساواة و إقامة حدود الله     و العمل بسنة رسول الله ، تمكينا من الله لعباده المسلمين .



و الإهمال في إقامة حدود الله و إحياء شعائر الله مؤد إلى ظلم العباد ، و خـراب البلاد ، و غضب الله عليهم ، و لا ينظر الله إلى جماعة تعدوا حدوده ، و أماتـوا سنته ،    و عملوا بغير كتابه ، و قوم لا ينظر الله إليهم أوقعوا أنفسهم في مقت الله و غضبه ، و أعوذ بالله من موجبات سخطه .

السلطان ظل الله في أرضه ، و سيفه المسلول على أعدائه ، و روضه الزاهر دانى الجنى لأوليائه ، و هو  - إذا كان كما وصفنا -  القـطب الغوث الفرد الجامع ، محل نظر الله إلى عباده ، و ميزاب فضله العظيم على أحبابه ، نسأل الله تعالى أن لا يخلي الأرض من قائم له سبحانه و تعالى بحجة ، و يفتح كنوز فضله و خزائن جوده و أبواب نعمه الواسعة  ، إنه مجيب الدعاء ، و صلى اللهم على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم .


ثالثا : المجتمع :

الثالث الذي يقوم بحدود الله ، و هو الحاكم على الخليفة ألأعظم ، و ممده ، و بيده خلعه و بقاؤه ، و يمكنه أن يعصيه و يطيعه ، و هو المجتمع ، و عليه أعظم  المسئولية ،    و بتهاونه  - و لو مع الإمام -  تحصل له البلية ، فالإمام و المجتمع مثلهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم  بالسفينة التي بها دور أسفل و دور أعلى ، فالذين في العلو يشربون من النهر ، و الذين في السفل يتناولون الماء من أهل العلو ، فلو قام واحد من أهل السفل و أخذ الفأس و أراد أن يخرق السفينة لتـناول الماء من النهر أهلك الجميع .  فعلى المجتمع أن يتحد و يتضامن على تنبيه السلطان لخير الجميع ، أو قهره على ذلك ، فإذا أبى خلع ، و إنما ينبه إذا أهمل في حدود الله سبحانه ، أو أهمل في شعائر الله ، أو سعى في الأرض بالفساد .  و إنما يقوم بهذا العمل المجتمع الإسلامي الذي تجمل بجمال أهل المدينة المنورة ، عقيدة و عبادة و خلقا      و معاملة ، لا مطلق مجتمع ، و الواجب على المجتمع الذي لم يتكمل بهذا لكمال أن يبتدئوا بتزكية نفوسهم ، حتى إذا زكت ولى الله عليهم خيارهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم  ( كما تكونوا يول عليكم ) ، أسال الله تعالى أن يمنحنا الهداية و التو فيق لما يحب ، و أن يولي أمورنا خيارنا ، إنه مجيب الدعاء .


و في الحقيقة و نفس الأمر ، إذا صلح المجتمع صلح بصلاحه الخليفة و الولاة ، لأن المجتمع الصالح يصلح من تولى أمره ، أسأل الله تعالى أن يمنحنا الـهداية و التوفيق لما يحب ، و أن يولي أمره لمن كان مصلحا ، و أن  تكون عناية الله محيطة به .


رابعا : تربية المسلمين التربية الدينية :

الوسيلة الرابعة  - و هي كون تربية المسلمين مؤسسة على التربية الدينية -  بحيث يكون التعليم أولا قاصرا على تعليم الإيمان ثم القرآن ، ثم يكون تعليم الصناعات ،          أو الزراعة أو التجارة ، أو تعليم فنون الجهاد و تدبير المدن و سياسة المجتمعات ، كله مؤسس على الدين ، و يكون تعليم تلك الفنون لأنها وسائل لإعلاء كلمة الإسلام ، و حفظ ثغوره ، و جلب الخير لأهله و قوة سلطان المسلمين .



هذا الموضوع  - و إن أخرناه في الوضع -  إلا أنه مقدم بالطبع ، لأنه الأساس الذي يعد  كقطب الرحى التي تدور حوله ، و ذلك لأن النشء هم الأمة في الحقيقة ، و هم الرجال العاملون في نفس الأمر ، و على قدر تربيتهم يكون مستقبل الدين و الدنيا ، و بقدر العناية بهم يكون نيل الخيرات ، و كذلك بقدر إهمالهم يكون ضياع الدين و الدنيا و الآخرة ، فأما الآباء فكأنهم كالزرع الذي أخرج شطأه فاستوى على سوقه ، و كمل و لم يبق إلا حصاده و حفظ جذوره ، فإذا كانت البذور جيدة صالحة أنبتت كل حبة سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ، و إن كانت ضعيفة فاسدة ، استطرقها الفساد حتى لو وضعت في أخصب أرض ما أنبتت .   و هذا مثل الآباء الصالحين و الأمهات الصالحات ، الذين علموا حق العلم أن أبناءهم أسرارهم ، فانتقى الآباء الأمهات كما ينتقي المزارع الأرض الخصبة لجودة زرعه ،  كما  قال صلى الله عليه وسلم  ( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ) ، و  يقول صلى الله عليه وسلم  ( اياكم و خضراء الدمن ،  قالوا : و ما خضراء الدمن يا رسول الله ؟  قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء )  على أنه إذا تزوج الإنسان بزوجة ناقصة الأخلاق فعليه أن يجاهد نفسه في أن يكمل ما فيها من الأخلاق ، حتى تكون زوجة فاضلة تعينه على طاعة الله تعالى ، تسره إن حضر ، و تحفظه إن غاب ، لأني أعتقد أن الأخلاق ليست طبيعية ، و إن خالفني في ذلك من كتب في علوم الأخلاق ممن لم يستـنر قلبه بنور القرآن المجيد .  فإذا رزقه الله بمولـود اشتركا في العناية به ،    لتكون صحته جيدة بالمحافظة عليه ، بتدبير صحته في غذائه و لباسه و نومه        و نظافته ، ليشب شباب الأصحاء ، حتى إذا تنبهت فيه قوة الغضب و المدافعة عن نفسه بالانتقام مما يؤذيه ، لاحظاه ملاحظة تجعله يكون بطيء الغضب ، صبورا على تحمل ما يؤذيه ليحس أن ذلك لا يغضب ، و بالنظر إليه بدون بشاشة عند تسرعه في الانتقام ، ليحس أن ذلك العمل قبيح ، حتى إذا تنبهت فيه قوة الفضائل  - و أولها الحياء -  و ابتداؤها من سن التقليد     من السنة الثالثة من عمره ، و يتباعد الوالدان من عمل القبيح قولا كان أو فعلا ، و لو بالإشارة ، فان كان و لا بد ففي خلوة  ، لأن الولد لا يرى في عينيه أكمل من والديه ،       و يلزم إن يعملا أمامه الأعمال الفاضلة كالصلاة ، و شكر المحسن و تأديب المسيء ،       و الصدقة ، و مدح أهل الفضائل مدحا يشوقه إليها ، و التحرز من مدح بعض أهل الرذائل أمامه ، و كما يحصل من الجهلاء الذين يمدحون الحمقى في أعمالهم القبيحة ،  و يلاحظ أيضا أن لا يسب الوالد زوجته أمامه حتى لا يسمع الولد من والديه و لا يرى منهما إلا ما تنمو  به الفضائل ، و يجب أن يحافظا على الأولاد من صحبة أهل الأخلاق الفاسدة ، صغارا كانوا أو كبارا ، و من سماع العبارات القبيحة و الألفاظ السمجة ،  و يعتنيا بمراقبة الأولاد في أوقات الرياضة و الألعاب ، حتى يتبين لهم مضار اللعب في الأماكن القذرة ، و مضار الألعاب المضرة ، و يجب أيضا العناية بالطفل في هذا الدور من أن يشتم بقبيح الشتائم ،    أو يعاقب على بعض هفواته عقوبة صارمة ، فإن ذلك يجعله ينطبع على الرذائل من الكذب  و قلة الحياء ، و الإقدام على القبائح .



و المتعين أن يغض الوالد بصره عن هفوات العين ، و عيوبه التي يدعو إليها سنه ، ثم يؤدبه عليها بموعظة و حكمة بعد فراغه منها ، بحكايات يحكيها له ، أو مثل يضربها له على قدر قواه ، حتى يكره الرذائل و يحب الفضائل ، فينطبع على الأكمل من نشأته ، و يجب على الوالدين أيضا أن يسمعوا أولادهم في هذا الدور من العبارات ما يجعلهم يحبون إخوتهم  و أخواتهم و أقاربهم و جيرانهم ، و أهل محبة والديهم ، حتى ينطبع على الميل إلى التعاون الذي يتلقاه الولد في صغره عن أمه و أبيه ، إذا أعطياه شيئا قالا له : لا تجعل أحدا يشاركك فيه ، فإذا رجع إليهما و أخبرهما أنه أعطى فلانا شيئا اضرباه على ذلك !  .


دور التعليم :

إذا بلغ الولد سن التعليم  - و ذلك في الخامسة من عمره -  ابتدأ والده أن ينبهه لنعم الله المحيطة به من الخبز و الماء ، و الشمس و الهواء ،و النباتات و الحيوانات ،  مبينا له قدر النعمة عليه من الله ، بأسلوب يقبله عقله ، حتى تميل نفسه إلى محبة الله حبا بقدر ما ينكشف له من خواص ما حوله ، لينمو فيه ذلك الحب الذي يكون عليه مدار سعادته في الدنـيا و الآخرة ، فإن محبة الله سبحانه و تعالى إذا حلت قلب الصبي بالبرهان المناسب  لسنه ، شب شباب المفكرين ، و نشأ نشأة الملاحظين ، و تنمو معه محبة الله كلما كوشف بخواص الأشياء التي حوله و ما فيه ، فتشتد الرغبة فيه سبحانه و تعالى ،  و المحبة تؤدي إلى الطاعة ، فإذا علم حكما من أحكام الله سارع  في القيام بالعمل به ، فيكون خلقه ربانيا محمديا بالفطرة بلا تخلق ، و بذلك يجمل بالعواطف الربانية ، و المنن الربانية ، فيكون خيرا حقيقيا لنفسه ، و لوالديه و أرحامه و جيرانه ، و أهل بلده ، و المسلمين جميعا ، و بذلك يكون إماما للمتقين ، و قدوة للمؤمنين .



و متى تربى الأبناء على تلك التربية الحسنة الشرعية ذهب الغل من القلوب و أبدله الله تعالى بالعطف ، و الحسد و أبدله الله بالإيثار على نفسه ، و الطمع فيما لا مطمع فيه     و أبدله الله بالجود ، و الغيبة و النميمة و السعي في مضار الناس و أبدلها الله بالعمل بما  يعني كل شخص ، و متى كثر أهل الفضائل الإسلامية ، قل أهل الرذائل الشيطانية ، أو قلدوا الأتقياء ، أو تستروا في أعمالهم القبيحة ، و إنما تؤثر الفضائل الإسلامية في الطفل من نعومة أظفاره ،  حتى إذا بلغ أشده نمت فيه الفضائل نموا لا يعتورها مزج برذائل ،  و لا خلط بقبائح ، قلا يصدر عنه إلا الكمال .



ثم إذا بلغ الصبي سن تلقي العلوم  - و تبتديء من السنة السابعة -  وجب أن يحتاط والده في هذا الدور حيطة عليه أكثر من حيطته على صحته من الأمراض ،  فإن دور    تلقيه العلوم هو دور الاستعداد لبذر البذور في القلوب .  فإن كانت بذورا تنتج ثمرا طيبا أثمرت ثمرة صالحة ، فنورت قواه الفكرية ، و جملت أفراد أمته ،  و نفعته في دنياه         و أخرته ، و نشأ متمسكا بالآداب الصحيحة عاقد قلبه على العقيدة الحقة ، مجملا بالأخلاق الفاضلة ، مسارعا إلى الخير ، معاونا على البر و التقوى ، مؤمنا كامل الإيمان ، تقيا عاملا بالكتاب و السنة ، إماما للمتقين ، و إن كان ما يبذر في أرض قلبه بذورا خبيثة من الآراء الفاسدة و العقائد المضلة و علوم الجدل و المعارضات ، أنتجت فسادا في الآراء و الأخلاق  و ضعفا في الإيمان ، و إنما النشء بالنسبة للمعلمين و الأساتذة ، كمعدن قابل للطرق ، يصوغه كيف يشاء ، و بقدر ما احتاط الوالدان في المحافظة عليه في دور الطفولية لوقايته من المؤذيات ، يجب أن تكون الحيطة في هذا الدور أعظم ، لأن تلافي المضار في سن الطفولية ممكن ، و لكن ما يعتريه في سن التعليم و التربية كالنقش على الحجر ، لا يمكن تلافيه بوجه من الوجوه .



فيجب أن يكون المعلم أولاﹰتقياﹰيخشى الله تعالى ، و يرجو ثوابه ، و يعلم أن الولد الصغير عضو كبير متمم للأمة ، و يكون عالما بما أوجبه الشرع و ما نهى عنه ، و بمحاسن العوائد القومية ، و بقدر الخير الذي يعود على الأمة من الفرد الواحد إذا كان متعصبا للدين  و العوائد الحسنة القومية ، ميالا بفطرته إلى جلب الخير للأمة و دفع الشر عنها ، مسارعا بسجيته لاستقباح كل عادة قبيحة ، و خلق ذميم ، و لو من أقرب قريب له ، معتقدا حق الاعتقاد أن الحق إنما يؤيده أهل الإيمان العلماء بسبله العارفون بقدر نعمه عليهم ، المؤمنون بيوم الحساب ، الذين شهدوا بعيون بصيرتهم قدر نعمة الدار الآخرة و بقائها ، و يعتقد أن الأمة قد تسود بالفرد الواحد ، إذا نشأ على الآراء الصحيحة و المباديء الحسنة و الغيرة على الدين و حب الوطن ، فيكون المعلم كأنه في أثناء تربيته للنشء يرفع قواعد مجد الأمة و يشيد مراقي سعادتها ، و يفتح لها كنوز الخيرات .


أخص صفات المعلم :

و من أخص صفات المعلم أن يكون كامل الإيمان عالما بقوى النفوس ، و بوظائف الأعضاء ، و أسباب أمراضها ، و ما يحفظ مسلكا يكون فيه نمو قوى النفوس سائرا مع نمو قوى البدن و الأخلاق ، و أن يكون ميالا بطبعه إلى التعليم حبا في العلم ، و رغبة في انتشاره بين الأمة ، لا لأجر يتقاضاه ، أو لمذهب ينشره من مذاهب أهل الفساد ، و آراء مضلة يبثها في الناس ، أو لدسيسة و خديعة ينمي بها أفكار الأمة ، و يربي عليها أبناءها .



و كلما كان معلم علوم اللسان و الأخلاق و العلوم الرياضية ، و فنون الطب ، مسلما كان النفع به أكمل و أتم ، و يلزم أن لا يسلم الطفل لغير المسلم في أي علم أو فن           إلا لضرورة شديدة تدعو إليها الحاجة دينا أو دنيا ، و كل معاهد العلم التي شيدها غير المسلمين أو أدارها رجال ليسوا منهم ، تـفسد العوائد و الأخلاق ، و تضعف قوة التأثير الديني ، و تفكك عرى الوحدة القومية ، و تذهب ثروة الأمة ، و تضعف صناعتها و فنونها ، لأن المعلمين يحسنون للصبيان  - الذين هم الأمة المستقبلة -  عوائدهم و فنونهم و أخلاقهم ، فينطبعون على بغض كل ما كان عليه آباؤهم ، فتنقل أموال الأمة إلى البلاد التي منها المعلمون ، و متى قلت الأموال التي بها عمارة الدنيا ، و قوام الدين ، و بها سد ضروريات الإنسان ، فسدت الأخلاق لأن الضرورة تدعوه إلى الحيل و الكذب لجلب الدنيا و الذل        و الملق.



و إنما الأمم الأخـلاق ما بقـيت             فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبـوا



و لا غرابة ، فإن الأخلاق الإسلامية الفاضلة و تلك النفوس الإسلامية الزكية العالية ، و الشيم العربية الجميلة ، و العزائم التي اكتسبت من القرآن ، و قد كانت كالشمس المشرقة ضحوة يفتخر بها حتى أهل الذمة و جيران المسلمين من الوثنيين و غيرهم ، كادت كأنها لم تكن ، و أبدلت بالرذائل و القبائح ، و كيف لا ؟  و ها هي بيوت الزانيات يتزاحم عليها الناس أكثر من المساجد ، و أماكن الخمر و الميسر يفتخر الجلاس فيها أنهم أهل مدنية و حرية     و فضائل ، و غيرهم أراذل و أسافل ، و منازل الربا صارت كأنها بيوت أموال المسلمين ، يخاف الرجل على ماله من زوجته و أبيه و أمه ، و يضعها أمانة في بيوت الربا ، فأصبح المسلم لا يلذ له الطعام و لا الشراب و لا اللباس ، و لا يتلذذ برياش بيته و فراشه ، إلا إذا كان كل ذلك من صنـاعة غير المسلمين ، و من تجـار غير المسلمين .  هل بعد ذلك انحطاط في الأخلاق ؟  و إسراف في الأموال ؟  و قطيعة للرحم ؟  و حب لفقر الأهل       و الأقارب ؟  كل تلك البلايا لم تصب المجتمع الإسلامي إلا مما بذرفي قلوب الصبيان و هم في دور التعليم .



كان المسلم إذا عمل حيلة في قرض لجلب منفعة له ، و بلغ إخوته المؤمنون تركوا السلام عليه و هجروه لله ، و حرموه طعامه و شرابه ، و قالوا : آكل الربا ، و هو يعمل بحكم شرعي ، إلا أنه حيلة في الجملة .



و إن كنت’ على يقين أن المعلم الذي لم يتجمل بفضائل الأخلاق و لم يتكمل بالكمالات الشرعية يكون ضره أكثر من نفعه ، و إن أمكنه أن يجعل تلاميذه محصلين للعلوم الصحيحة و الفنون المفيدة .  و لكن إذا ما كانت الأمة قد نالت قسطا وافرا من الآداب الإسلامية ،  يكون لكل تلميذ مدرستان ، مدرسة يتلقى فيها العلوم على يد معلم يعلمه ما ينفعه في دينه     و وطنه  - و إن قصرت به نفسه على بلوغ الكمالات الأخلاقية -  و مدرسة منزلية يتلقى فيها الأخلاق و الفضائل الإسلامية و العوائد الحسنة القومية من أساتذة حصروا آمالهم في مستقبل هذا التلميذ ، هم والده و والدته و عمه و جده و خاله و إخوته الكبار عنه ، و أساتذة يحبون أن ينالوا الخير على يده ، هم جيرانه و أقاربه .



فإذا اعتنت الأمة بانتقاء المعلمين ، و اختاروا منهم من توفرت فيه تلك الصفات ،    و هي تقوى الله تعالى ، و التشبه بأئمة الهدى ، و حب العلم و الرغبة في انتشاره ، و حسن سياسة الرعية  - التلاميذ -  و معرفة النفوس و تزكيتها ، و معرفة القوى التي هي الخيال  و الوهم ، و الطرق التي تجعلها صالحة لاكتساب العلوم ، و معرفته و لو بما قل من علم وظائف الأعضاء حتى يمكنه أن يستعمل الحواس الظاهرة في خدمة العقل ، و الصبر الذي يجعله يسوس مملكته التي هو مليكها بلين الجانب ، و أن يكون نافعا مفيدا مشهورا بالفضائل في منزله ، و في المدينة و في مدرسته .


و أكمل صفة في المتعلم أن يكون متزوجا ، و عندي أن المعلم المتزوج أنفع من غيره ، خصوصا إذا كان له أولاد ، فإنه يشعر برحمة للتلاميذ ، و صبر على رعونتهم ،    و حرص على خيرهم و سعادتهم .


الإهمال في اختبار المعلمين :

و قد أهمل الناس اختبار المعلمين في أخلاقهم و آدابهم و فضائلهم ، و اكتفوا بورقة تعطى من معهد من معاهد العلوم ، تشهد لحاملها بالتحصيل ، فتكون تلك الورقة التي هي شهادة من أفراد لا يتجاوز عددهم أربعة أشخاص ، أجلسوه أمامهم دقائق ، و طرحوا عليه مسائل بعد أن استحضرها و حصلها فأجابهم عليها ، فشهدوا له بالتحصيل ، و لا يهمهم أمر آدابه و فضائله و أخلاقه و آرائه و عقيدته و كمالاته النفسانية ، فإن خبث النفس يخفيه الخوف و يظهره الأمن ، هذه الورقة إذا وصلت إليه جعلته بين الأمة  - لجهلها -  كأنه أقـام حجة دامغة على الفضائل النفسانية و الكمالات الأخلاقية ، و امتاز بها على أمته ، فيؤمن على الدماء و الأعراض و النفوس ، و قد يكون طبيبا يدعوه خبث نفسه إلى قتـل نفس بريئة ، أو خراب مدينة ، أو إذلال عائلة .  و قد يكون حاكما فيفسد المجتمع ، و يفرق كلمته ، و يوقع العداوة و البغضاء بين أفراده ، و قد يكون معلما فيفسد الأخلاق و العقائد ،  و يظهر البدع و الضلالات ، و ربما أفسد النشء بتقليدهم له .



كل ذلك لتهاون القائمين بشأن التعليم في امتحان الآداب و الأخلاق و الفضائل        و الكمالات النفسانية امتحانا عمليا ، الأمر الذي أفسد أخلاق المتعلمين من الأمة .  فإنك لا ترى متعلما في هذا العصر إلا و الفضائل عنده رذائل ، و الكمالات الدينية عنده نقائص ،    و العوائد القومية عنده جهالات ، حتى إذا رأى رجلا من أهل الفضيلة و الكمالات و العلم    و الحكمة قال : هذا ليس عصريا و أنا عالم عصري ، ثم رماه بأنه متعصب للقديم ، و لعله يريد بالقديم ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ، من التواضع و الرحمة ببني الإنسان ، و إيثار الناس بالخيرات الدنيوية ، و غض البصر عن عيوب الناس إلا بموعظة حسنة ، و  السعي في تزكية النفس و تحصيل كمالاتها ، هذا الذي يراه قديما .  و يرى أن المدنية الجلوس على الطرقات في أماكن اللهو ، و الغفلة مع الطبقة السفلى من أهل الخلاعة ، الذين لا عقل يعقلهم عن الرذائل ، و لا دين يدعوهم إلى الفضائل ،  من الإباحيين الذين يـرون حالة البهائم هي الفضائل و المدنية ، فلا يشعرون بغيرة على عرض ، فيجلس الرجل يداعب المرأة في المجتمعات ،  و يستحسن أن تكون زوجته و أخته و أمه في هذا المجتمع  - مجتمع الضلالة -  و يرمي زوجته المصونة العفيفة الحيية بأنها جاهلة ليست متربية ،    و نعم ، هي جاهلة  ، لأنها تجهل أنها بهيمة و تعلم أنها إنسانة تقضي عليها رتبتها الإنسانية بألا تبدي جمالها إلا لمن أحله الله لها ، و لا تجالس لغير حاجة ضرورية في أوقات الصفا  إلا من لا يشينها الجلوس معه ديناﹰو أدباﹰو عادة ، و نعم ، ليست متربية تربية تخرجها عن رتبتها الإنسانية إلى رتبة الحمير و الكلاب و القطط ، لا ، بل إلى رتبة أدنى من ذلك ، فإن الحمارة إذا دنا منها الحمار تفر منه و ترفسه حياء ،  و الأنثى من الحمام لا تأنس إلا  بذكرها ، فإذا دنا منها غير  ذكرها  - و كان زوجها في عمل منزلي -  فـرت منه إلى عشها ، و كذلك الأنثى من أنواع الطيور و السباع ، فإلى أي رتبة نزل الإنسان في هذا العصر ؟  اللهم رحماك بالإنسان .



من أين ألمت تلك البلايا بالمسلمين ؟  ألمت بهم من معلمي الضلالة ، و الآباء الجهلاء ، و المتزينين بزي أهل التقوى و الصلاح من كلاب الدنيا ، فكانت تلك الورقة هي الطاعون على الأمة .  و قد كان ولاة الأمور من السلف ينتقون أهل التقوى و الصلاح من العلماء ، و يضربونهم على الولاية ، و ينتقون أهل التقوى و الصلاح من العلماء للإرشاد    و التعليم و يقرونهم على القيام بتلك الوظيفة ، و لا ينظرون إلى غيرهم مهما بلغوا من العلم ما داموا على غير التقوى ، و قد ضرب الإمام أبو حنيفة و سجن على الولاية فأبى ، و قهر الإمام مالك على أن يعلم أمير المؤمنين هارون في بيته فأبى ، و كانت الأمة إذ ذاك هي الأمة مجداﹰو عزاﹰو سلطانا و عدلا .



هذا كله ما تناله الأمة من الخير من المعلمين الصالحين ، و ما تناله من الشر من المعلمين الضالين ، فالمعلمون هم الأمة ، و الأمة بالمعلمين ، و لم يظهر الفساد في أمة و لا تفرقة و لا ضعف و لا محو للسنة و إظهار للضلالات و البدع إلا بالمعلمين ،  فأعاذ الله الأمة الإسلامية من معلمي السوء و دعاة الجهالة .


بيان أنواع الخيرات :

و هنا يحسن أن أضع أصلا عاما مبينا لأنواع الخيرات ، وهذا ألأصل يجب أن تكون التربية العلمية و العملية وسيلة لتحصيله ، يسعى المسلم للقيام بتحصيل أنواع من الخيرات يجذبه إليها الطمع في نيل ثواب الخالق سبحانه و تعالى ، و الفوز بمعونته سبحانه في الدنيا ، و نعيمه و رضوانه و مغفرته في الآخرة ، تلك الخيرات ثلاث :



أولا: تدبير النفس و تطهيرها من لقسها ، و إعـدادها لأن تقوم بالأعمال الخاصة بها ، من تحصيل المعرفة بالله تعالى ، و علم ما يجب له سبحانه ،  و تحصيل الفضائل التي يكون بها المسلم مسلما ، يسلم الناس من يده و لسانه ، و ينتفع الناس به في دينهم و دنياهم .



ثانيا: العناية بالبدن عناية تحفظ عليه صحته ، حتى  تكون أعضاؤه سليمة ، و  أمزجته معتدلة ، يمكنه أن يقوم بتـنجيز ما تدعوه إليه نفسه الفاضلة من الأعمال النافعة ، و لا يكون ذلك إلا بالاعتدال في الرياضة و المأكل و المشرب ، و الملبس و المسكن و الأعمال .

ثالثا: العناية بتحصيل ما به نيل الخيرات للدين و الآخرة و الدنيا من الأموال بطرقها الشرعية الفاضلة ، و السلطان  بوجوهه التي مدحها الشرع ، و حسنها العقل ، و كثرة الأصدقاء الذين لا يمكن للمسلم أن يتحصل عليهم إلا بقدر ما ينالونه منه من الخيرات ديناﹰ   و دنيا ، أو دينا فقط ، أو دنيا فقط ، و الأصدقاء في الله هم خير الأصدقاء الذين ينفع الله بهم المسلم في الدنيا و الآخرة .


تربية المسلمين وسيلة لا غنى لهم عنها :

هذا الأصل ينبغي أن يكون قطب الرحى الذي تدور حواليه أصول التعليم ، حتى إذا حصل أفراد الأمة تلك المعاني و صار كل فرد يعلم وجوه تحصيل الخيرات التي لا بد له منها في أي مجتمع من المجتمعات ، انتقى من معاهد العلم أفرادا فطروا على الخير و الهدى      و التقوى إلى التربية الخصوصية ، ليكون اختصاصيين في تولية الولايات ، أو قيادة الجند   أو الفتية ، أو الإرشاد و الوعظ ، أو علم المخالفات و البرهان و الاستنباط ، بقطع النظر عن النسب و الغنى ، فكم من نفس خبيثة في جسم من أشرف العائلات ، و كم من نفس لئيمة في جسم من أغنى العائلات ، و كم من نفس كريمة فاضلة في إنسان من والدين خاملين ، و هذه حقوق من حقوق الأمة يجب أن تطالب بها الأفراد ،  إن لم يقم بها الأعضاء النائبون عن الأمة ، و الرجال المتسلطون عليها ، و بمشيئة الله تعال سأكتب رسالة في العالم و المتعلم ، ينفع الله بها إن شاء الله تعالى .

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

- طرق لتعديل سلوك الأطفال

-  طرق لتعديل سلوك الأطفال
كلنا نحلم بأن يصبح أبناؤنا مثاليين، ونحاول تعديل سلوكهم بشكل مستمر؛ ولكن كثيرًا ما نتعجل في استخدام العقاب الفوري، وقد ننجح في ردع الطفل عن السلوك غير المقبول ولكن على المدى الطويل يؤثر ذلك بشكل سلبي جدًّا على شخصية الطفل، وننسى وجود العديد من الأدوات والأساليب السهلة لتعديل السلوك، والتي تختلف باختلاف الموقف، وقد يستغرق تطبيق بعضها وقتًا طويلاً بعض الشيء للتأثير على الطفل؛ مما يتطلب من ولي الأمر أن يتحلى بالصبر والهدوء، وقد تشعر الأم ويشعر الأب بالإحباط في بادئ الأمر؛ ولكن على المدى الطويل تكون النتيجة باهرة، وقد اخترت لكم 10 طرق فعالة في تعديل سلوك الطفل:
1 - رواية القصص للطفل حول السلوك بشكل عام، بما يناسب عمر الطفل، التي مع الوقت سوف تتراكم في اللاوعي عند الطفل، ثم يبدأ الطفل بعد فترة بتقليدها تلقائيًّا.

2 - عدم إحراج الطفل بتوبيخه أمام الآخرين.

3 - توجيه الطفل بشكل مباشر، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"[1]، ولا يمكن ممارسة هذه الطريقة إلا إذا كان الوالدان يجالسان أبناءهم باختلاف أعمارهم، ويصاحبانهم ويحاورانهم بشكل مستمر.

4 - إشباع رغبة الطفل في الحصول على الاهتمام والانتباه والحب والاحترام؛ لأن حرمان الطفل من ذلك يدفع الطفل للبحث عن الاهتمام في شكل سلوك غير مقبول.

5 - التجاهل، إن تجاهل السلوك غير المقبول لدى الطفل يؤدي إلى إخماده في فترة قصيرة، مثال ذلك: تجاهل بكاء الطفل عندما يرفض المربي تنفيذ طلب غير مناسب، وقد يرتفع بكاء الطفل وعويله وإلحاحه؛ ولكن في نهاية المطاف سوف يتوقف حتمًا.

6 - التحاور مع الطفل حول السلوك السيئ الذي قام به، والإنصات إلى وجهة نظره، فأحيانًا يذهلنا الأطفال عندما نجدهم يحللون الموقف بشكل أفضل وأبسط من أولياء الأمور، وعلى المربي التعبير عن مشاعره نحو هذا السلوك، مثل أن تقول الأم: «أنا مستاءة من فعلك كذا وكذا». ولكن هنا يجب عدم ربط السلوك بالطفل، كأن تقول الأم: «أنا مستاءة لأنك مشاغب». والأخذ بعين الاعتبار استخدام ألفاظ إيجابية وحضارية، دون اللجوء إلى الألقاب السلبية والمهينة، وهنا أحب أن أذكر أن بعض الأطفال يحب الجدال والرد بشكل غير مناسب، عندها يجب إنهاء الحوار بشكل حازم.

7 - سد الذريعة، فمثيرات السلوك السلبي لدى الطفل يجب الابتعاد عنها، مثلاً إذا كان الطفل يتشاجر مع أبناء الجيران، بكل بساطة امنعه من اللعب معهم، ليس عقابًا له، بل للتخلص من المشكلة من جذورها.

8 - تعليم الطفل سلوكًا بديلاً، وأبسط مثال على ذلك هو عندما يطلب الطفل حاجة بشكل غير مهذب، هنا دور الأم لتعلمه الأسلوب المهذب في طلب الحاجات، مثل أن يقول: «لو سمحتي، وشكرًا».

9 - لوحة النجوم أو النقاط، لتحفيز الطفل على الاستمرار في السلوك الحسن، ويجب المكافأة في نهاية الجدول، والتي ليست بالضرورة أن تكون مكافأة مادية.

10 - وضع النقاط على الحروف وإنهاء المشكلة، مثلاً عندما توبخ طفلاً على سلوك ما، ثم تنصرف، لا يعتبر ذلك حلاًّ، ويظل الطفل غارقًا في الشعور بالذنب، ومن المفترض عند نهاية كلامك أن تطلب من الطفل الاستغفار والاعتذار، ثم احضنه ليعلم أنك ما زلت تحبه رغم كل شيء.

وهنالك مئات الأفكار لتعديل السلوك، وعلى المربين التفكير خارج الصندوق كما يقال، والبحث ثم البحث عن أجمل الأساليب التربوية لمساعدة الطفل على أن يكون إنسانًا سويًّا.

الاثنين، 4 أبريل 2016

خواص وأسراروعجائب سورة الفاتحة

قال ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدى خير العباد) :
{ كل داء له دواء ، وأنا أحسنت المداواة بالفاتحة ، فوجدت لها تأثيراًً عجيباً في الشفاء ،
وذلك أني مكثت بمكة مدة يعتريني أدواء لا أجد لها طبيباً ولا مداوياً ، فقلت :
يا نفسي دعيني دعيني أعالج نفسي بالفاتحة ؛ ففعلت ؛
فرأيت لها تأثيراً عجيباً ، وكنت أصف ذلك لمن اشتكى ألماً شديداً ،
فكان كثيراً منهم يبرأون سريعاً ببركة الفاتحة.

ثم قال :وقد يتخلف الشفاء لضعف همَّة الفاعل، أو لعدم قبول المحل أن يتداوى بكتابة الفاتحة ،أو أن يتداوى بقراءة الفاتحة، فكذلك يتخلَّف الشفاء لضعف همِّة القارئ أو لتغيير القارئ في المخرج والصفات، أو لعدم قبول المحل، وإلاَّ فالآياتُ والأدعيةُ في نفسها نافعة شافية}

وهكذا ، فإن فاتحة الكتاب تبرئ الأسقام ، والآلام ، وتعجِّل العافية في حينها.
وقد ورد في ذلك عن عبد الملك بن عُمير مُرْسَـلاً فيما رواه البيهقى:
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
{فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُل دَاءٍ} قال المناوي
{أى شفاءاً من : داء الجهل ، والمعاصي ، والأمراض الظاهرة ، والباطنة ،
وأنها كذلك لمن تدبَّــر ، وتفكَّـــر ، وجــــرَّب ، وقــــوى يقينه}

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
{فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنَ السَّم} (رواه بن منصور والبيهقي )

وأخرج الخلعي عن جابر رضي الله عنه :
{فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُل شئ إلا السَّام (الموت)}
والرقية بالفاتحة ثابتة بما فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

ومنه عن أَبِي سَعِيد الخدرى رضي الله عنه قال:
{بَعَثنَا رَسُولُ الله في سَرِيَّةٍ ، فَنَزَلنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلنَاهُمْ القِرَى فلم يَقْرُونَا ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُم فَأَتَوْنَافقالُوا: هَلْ فِيكُم مَنْ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ؟ قُلْتُ : نَعَم أَنَا ، وَلَكِنْ لاَ أَرْقِيِه حتى تُعْطُونَا غَنَماً ،قالُوا: فَإِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ شَاةً ؛ فَقَبِلْنَا ، فَقَرَأْتُ عَلَيِه الْحَمْدَ لله سَبْعَ مَرَّاتٍ ،
فَبَرأَ وقَبَضْنَا الغَنَم
قَالَ: فَعَرَضَ في أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقُلْنَا لاَ تَعْجَلُوا حتى تَأْتُوا رَسُولَ الله ،
قالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَيْهِ ، ذَكَرْتُ لَهُ الذي صَنَعْتُ ، قالَ
(وَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقَيْةٌ؟ اقْبِضُوا الغَنَمَ وَاضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ)}[1]

وقد قال الشيخ البوني رحمه الله في (شمس المعارف) :
{وفقني الله وإياكم ، فإن فاتحة الكتاب لها خواصٌ عجيبة ،
ومن خواصها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيما رواه البزَّار عن أنس)
{أنَّ مَنْ قرَأها عندَ وضعِ جَنبهِ على الفِراش، وَقَرأ معها " قُلْ هو اللهُ أحدٌ" ثلاثاً والمُعَوِّذَتَين
فقد أمِنَ مِنْ كُلِّ شئ إلا المُوت}

كما أخرج الطبراني عن الســائب بن يزرد قوله
{عوَّذَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب تَفْلا}

وقد نقل صاحب ( خزينة الأسرار )
عن الشيخ محيي الدين بن العربي قدَّس اللهُ سِرَّهُ:
{من كان له حاجةٌ ؛ فليقرأ الفاتحة أربعين مرةً بعد صلاة المغرب
عند الفراغ من الفرض والسنَّة،
ولا يقوم من مكانه حتى يفرغ من قراءة الفاتحة، وبعده يسأل مراده ؛
فإن الله تعالى يقضيه لا محالة، وقد جُرِِّبَ فوجدناه نافعاً،
ثم يقرأ هذا الدعاء بعد الفراغ من قراءة الفاتحة:
إلهي علمك كاف عن السؤال، اكفني بحقِّ الفاتحة سؤالاً، وكرمُك كاف عن المقال،
أكرمني بحق الفاتحة مقالاً، وحصِّل ما في ضميري}

وقال الشيخ البوني في كتابه (شمس المعارف) :
{قال العلماء العارفون بالله تعالى:
في الفاتحة الشريفة ألف خاصية ظاهرة ، وألف خاصية باطنة ،
ومن داوم على قراءتها ليلاً ونهاراً ؛ زال عنه الكسل ، والفشل ،
وطهَّر الله تعالى باطنه، وظاهره من جميع الآفات النفسانيَّة، والإرادات الشيطانيَّة،
وألهمه الله تعالى العلم اللدنِّي ، ظاهراً ، وباطناً ، ويكون القارئ على استقامة تامة }

وقد روى صاحب تفسير " روح البيان " ،
والحنفي في ( الفتاوي الصوفية ) عن الحكيم الترمذي
{من داوم على قراءة الفاتحة مع البسملة بين سنَّة الصبح وفرضه إحدى وأربعين مرة،
لم يطلب منزلة إلا وجدها، إن كان فقيراً أغناه الله، وإن كان مديوناً قضى عنه الدين،
وإن كان مريضاً شفاه الله سريعاً، وإن كان ضعيفاً قوى،
وإن كان غريباً عزّ وشرف بين الناس، ويرزقه ولداً صالحاً لو كان عقيماً،
قال :
ومن يقرأ هذا الترتيب على وجع ومرض بنيَّة خالصة، شفاه الله تعالى.
فهي واقية لمن قرأها عن جميع الآفات والأمراض،

وقد أخرج الديلمي عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم:{فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرؤهما عبد في داره فتُصيبُه ذلك اليوم عينُ إنْسٍٍ ولا جِنٍّ}
{1}رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم
منقول من كتاب {مفاتح الفرج}
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً 

الأحد، 3 أبريل 2016

- اليوم الرابع من أيام الله: يوم البرزخ

- اليوم الرابع من أيام الله: يوم البرزخ
وهذا اليوم يبدأ بالموت، ويستمر إلى يوم البعث. والبرزخ يعني الحجاب والفاصل الذي يفصل ويحجز بين شيئين. وقد حجز يوم البرزخ بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة، وفصل بين يوم الدنيا ويوم البعث، أو أنه حجز بين الأحياء وبين الأموات فلا يكاد الأحياء يعرفون شيئا من أمر الأموات إلا ما أخبرنا الله ورسوله به عنهم.
والبرزخ هو الحجاب المعنوي الذي لا يدركه الحس، ولا يخضع للبحث والتجربة. قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، [19-20،الرحمن]. وماء البحر وماء النهر ماديان مرئيان، ولكن البرزخ الذي بينهما معنوي لم يدر حقيقته أحد. لأنه من أسرار القدرة الإلهية العجيبة، أما الحواجز المادية فلا يقال لها برزخ وإنما يقال لها فاصل، حاجز، سدَّ إلى غير ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، [99-100،المؤمنون].
وهذه الآية الشريفة بينت حال الكافر عند الموت، وأنه يطلب من الله عند الاحتضار الرجوع إلى الحياة الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا، لأنه عاين الحق اليقين الذي كذب به من قبل، ورأى عذاب البرزخ الذي ينتظره، وشاهد الأهوال المقبل عليها، متمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحاً، ولكن اجله قد انتهي، وعمره قد انقضى، ورجوعه مستحيل، لأن نظام الله في خلقه، وسنته في كونه لا تتبدل حتى لو رجع ما نفعه هذا الرجوع شيئا، لأن نفسه الشريرة لا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه من الكفر والظلم والعناد، وتلك هي فطرتها التي عاشت عليها عمرها وحياتها. قال الله تعالى وهو اعلم بهذه النفوس: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، [28،الأنعام]. في طلبهم الرجعة إلى الدنيا ليعملوا صالحا.
قال تعالى ﴿كَلَّا﴾، كلمة نفى الله بها صدق الكافر في طلبه الرجوع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا، ونفى بها أيضا رجوعه إلى الدنيا لاستحالته. ومعنى قوله تعالى:﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، أي لابد أن يقولها ندما وتحسرا مع علمه أنه لا رجعة له، لأنه لم ير أحدا قبله رجع إلى الدنيا. ولكنه لما عاين عذاب البرزخ تمنى الرجوع بهذه الكلمة. والتمني هو طلب الأمر المستحيل. قال الشاعر: إن الأماني والأحلام تضليل.
قال الله تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، يرد الله على الكافرين المنكرين لحياة البرزخ، وعلى الذين تركوا أمر الحياة البرزخية وراء ظهورهم لا يعبأون بها ولا ينظرون في أمرها، بأنها حقيقة واقعية ولاحقة بهم لا محاله وعند الموت يرونها كما رآها صاحبهم هذا الذي طلب الرجوع إلى الدنيا عند معاينتها.
والحياة البرزخية هذه بينَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:{القبر إما روضه من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار}[1]
والمؤمنون يسمعون هذه الأخبار، فيؤمنون بها، والتصديق بحقيقته. لأن بيان رسول الله للغيبيات هو حق اليقين. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، [44،النحل].
والقبر محسوس ملموس، ولكن ما يجري فيه لصاحبه لا يشهده ولا يراه إلا رسول الله الذي اخبرنا به. وقد مرَّ رسول الله على قبرين يعذب فيهما صاحباهما، فقال رسول الله {إن صاحبي هذين القبرين يعذبان، وما يعذبان في كبير ارتكباه. أما أحدهما فكان. لا يستبريء من بوله، وأما الآخر فكان يمشى بين الناس بالنميمة}[2]
وأن صاحبي القبرين معروفان لأصحاب رسول الله الذين يخبرهم، ولكنهم لو فتحوا القبرين ليروا بعين الرأس العذاب ما رأوه، لان العذاب يُوَصِّله الله لمن يستحقه بكيفية لا يعلمها إلا الله ورسوله، وقدرة الله فوق الشك والتُهَمِ، وكذلك كان رسول الله يخبر عن أصحاب النعيم في البرزخ، لأنه صلى الله عليه وسلم مبشرا ونذيرا، وشاهد على كل شيء: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، [2-3،النجم].
وأما المعذَّبون في البرزخ من عصاة المؤمنين، فإن الله سبحانه يعذبهم على قدر جناياتهم، ثم يعفو عنهم. وهناك مواسم للعفو الإلهي، يعفو الله فيه عن العصاة من المسلمين، مثل رمضان وأيام الجمعة، وأيام عرفة وعاشوراء، وأيام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها من مواسم الخير الإلهي.
هذا وإن عذاب القبر أنواع كثيرة، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، [38،المدثر]. ونعيمه كذلك درجات متفاوتة. قال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، [4،الأنفال]. فمنهم ومنهم ومنهم. أما أهل الكفر والعياذ بالله فإنهم معذبون في قبورهم حتى تقوم الساعة، جزاء وفاقا، وما ظلمهم الله شيئا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
فانظر كيف طلب الكافر الرجوع إلى الدنيا عند الموت، وانظر كيف يستبشر المؤمن بالموت ويفرح بلقاء ربه الكريم، الغفور الرحيم..! فإن الملائكة الذين يتوفون المؤمنين يقولون لهم عند الموت: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، [32،النحل]. فيهنئوهم بالتحية والسلام، وبدخول الجنة والنعيم السرمدي، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، [32،النحل].  فليس بين المؤمن وبين الجنة إلا خروج الروح، وهنالك يفرح المؤمن بلقاء الله ويستبشر ويسر سرورا عظيماً بما أكرمه الله به، ويقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، [26-27،يس].
أما الكافرون فانه ليس بينهم وبين عذاب النار إلا خروج الروح، وإن ملائكة العذاب تفزعهم وتهددهم بالإنذارات المؤلمة المحزنة، ويضربونهم ضربا شديدا وهم ينتزعون أرواحهم من أجسامهم  قال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، [27،محمد].
وبعد موتهم فورا يعذَّبون في قبورهم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، [93،الأنعام].
فقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾،  يعنى يوم الموت تجزون عذاب الذُّل والهوان والنكال الشديد. ومعنى قوله تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾، تقريع وتهديد لهم، أي مالكم استسلمتم للموت وسكراته، فاخرجوا أنفسكم مما أنتم فيه من الخطوب والمصائب إن كنتم تملكون لها شيئا، فإنكم اليوم تلقون جزاءكم على سوء صنيعكم، وليس بينكم وبين هذا الجزاء الشنيع إلا خروج الروح من أجسادكم. قال الله في شأن قوم نوح عليه السلام: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، [25،نوح]. فبمجرد إغراقهم في الطوفان دخلوا عذاب النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وان الفاء من قوله تعالى (فادخلوا) تقتضى ترتيب ما بعدها على ما قبلها ووقوعه فورا وبدون مُهْلَه، وتسمى فاء الفورية كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، [38-39،القيامة]. فإن الفاء عطفت هذه الأفعال على بعضها بدون تراخ.
ونود أن نشير إلى أن الموت الذي كتبه الله على كل حَيٍّ، إنما هو نهاية الحياة الكونية الجسمانية، التي تقوم بالغذاء والشراب والعلاج والتنفس، وإنما يكون الموت بخروج الروح من هذا الجسم، والروح سر من أسرار الله، وغيب من أمر الله، لم يدر حقيقتها أحد إلا الله، وإنما تقوم بتدبير هذا الجسم إلى الأجل الذي قدره الله للبقاء في الدنيا.
وإن الإنسان يدركه الموت أين كان وكيف كان. قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾، [78،النساء]. ومعنى بروج مشيدة يعنى قصور منيعة ومجهزة بكل أنواع المتع والزينة، وبعيدة عن أسباب الموت التي تعرفونها، فإن الموت يهجم على الإنسان بسبب وبغير سبب، لأن الأجل قدره الله بالأنفاس، فإذا انقضى آخر نفس خرَّ الإنسان ميتا ولو كان في ريعان شبابه وبكامل صحته وقوته، وبين أهله وعشيرته وخدمه وحشمه، فلن يغنى عنه كل ذلك شيئا. قال جل شأنه: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾، [61،النحل].
والساعة عند الله أسرع من لمح البصر. والمعنى إذا حضر أجل الإنسان لا يقدر أحد أن يؤخره لحظه ولا أقل ولا يقدر أحد أن يميت أنسانا قبل مجيء أجله بطرفة عين أو أقل. ذلك لأن الله نظَّم هذا الأمر وحده بمشيئته وقدرته، فلا دخل لأحد من أهل السموات والأرض فيه.
هذا وأن المقتول ميت بأجله الذي حدده الله له، وإن كان القتل سببا في موته. وأن القاتل يحاسب على مباشرته أسباب القتل، وعلى قصده ونيته.
والموت سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وأنه آية من آيات الله عزَّ وجلَّ الدالة على كمال قدرته، وسيطرته وقهره لعباده، وتصريفه في خلقه وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، [2،الملك]. فكما أن الحياة آية من آيات الله الكبرى الدالة على قدرة الله وإرادته وحكمته، فإن الموت كذلك، وقد خلق الله الموت لأنه آية الفناء والعدم لمظاهر الحياة التي خلقها الله في الأحياء.
وقد طلب بنو إسرائيل من سيدنا موسى عليه السلام أن يرفع الله عنهم الموت. وألحوا في هذا الطلب، فسأل سيدنا موسى ربه أن يرفعه عنهم خمس سنين، فاستجاب الله له، وفي خلال هذه السنين الخمس ابتلاهم الله بالأمراض الشديدة، وبالجدب وبالفقر، وموت الحيوانات والطيور، ومنع عنهم الغيث وجفَّ ماء العيون والآبار، حتى أكلوا الأخضر واليابس، والحشرات السامة والحيوانات الميتة، والكلاب والجيف، وضاقت  عليهم الأرض بما رحبت، واخذوا يتمنون الموت فلم يجدوه، وعلموا أن الموت هو رحمة من الله بخلقه، وإغاثة منه لعباده، فمرت عليهم السنوات الخمس كخمسين ألف سنة في شقاء وأمراض وجوع وويلات.
وقد يتمنى الإنسان الموت فلم يعثر عليه، وقد يكرهه الإنسان فيقع عليه رغم أنفه.
فكم من سليم مات من غير عله.. وكم من مريض عاش حينا من الدهر
ولله في خلقه حكم وشئون تخفى على أهل البصائر والقلوب وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
أما حياة البرزخ فهي تشبه إلى حد كبير حياة الرؤيا المنامية، ففيها إحساس معنوي، وإدراك روحي، بحيث يشعر الإنسان بالنعيم والسرور الذي يعيش فيه، أو بالعذاب والبؤس الذي يتقلب فيه.
وكل واحد من أهل البرزخ له حالة خاصة لا يحس بها غيره من أهل البرزخ، فقد يجمع القبر بين ضدين، وبين مؤمن وكافر، وبين صالح وطالح، بين تقي وفاجر، بين مظلوم وظالم، وكل منهم يعيش في عالمه وفي ملكوته، من روضات الجنة الهنيئة أو حفرة من حفر النار المتلهبة، ولا يحس احدهما بصاحبه وهما متلاصقان، فسبحان من خلط ماء البحر بماء النهر العذب، وجعل بينهما برزخا لا يبغيان.
فلو أن رجلين نائمان على سرير واحد، ورأي أحدهما في منامه أنه يتمتع في عيشة هنيئة، يأكل ويشرب، ويتفكر ويتلذذ بمشتهياته، بين خلانه وإخوانه، ورأي الآخر في منامه انه يمر بمحنة قاسية، وأن السباع تطارده والأفاعي تنتهشه، والنار تحرقه، وانه يستغيث ولا مغيث. فانظر كيف يعيش كل منهما في رؤياه ولا يحس أحدهما بصاحبه وهما في سرير واحد متلاصقان..!!
وحياة البرزخ كلها عجائب، ومن صفت من الأكدار سريرته، وطهرت من الأوزار علانيته، وتلقى علوم البرزخ بيقين وتسليم لله ورسوله، علمه الله ما لم يكن يعلم، وكاشفة بمعاني الأحاديث والآيات الواردة في شان الحياة البرزخية، فازداد يقينا وتسليما لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾، [282،البقرة].
هذا وان الروح بعد خروجها من الجسد، تأخذ منه صورته وطباعه، وفطره وأخلاقه، وأعماله وأحواله، وتعيش بها في البرزخ. وذلك لأن الروح اكتسبت كل ذلك من الجسم أيام إقامتها فيه، حتى يتعارف مع نظراءه وأشكاله من أهل البرزخ، كما كان التعارف في الدنيا.
أسال الله عزَّ وجلَّ  أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، وأن يرزقني وإخواني جوار سيدنا رسول الله الأعظم في الفردوس الأعلى، انه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.




[1] البيهقي في السنن عن ابن عمر.
[2] البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
منقول من كتاب أيام الله
لفضيلة الشيخ محمد على سلامه 
وكيل وزارة الاوقاف ببوسعيد

- كيف آمن الجن بالإسلام؟وهل يرتقى فى المقامات؟

- كيف آمن الجن بالإسلام؟وهل يرتقى فى المقامات؟
السؤال الخامس عشر: هل يرتقى الجن فى المقامات؟.
الجواب :
نعم إن الجن مخلوق عاقل مكلف بالعبادة، وبجميع أحكام الدين المتعلقة بفعل الخير واجتناب الشر، كالإنسان تماماً.
وأن المؤمنين من الجن يتنافسون فيما بينهم فى عمل الصالحات والقربات، ويجاهدون أنفسهم وعناصرهم وأهواءهم وحظوظهم في طاعة الله ورسوله، وكل منهم يرتقى على حسب قوة اعتقاده، وحركة جهاده ولقد كان إبليس لعنه الله من الجن المؤمن، وأخذ يرتقي في المنازل والدرجات حتى صار مع الملائكة فى الملكوت الأعلى، وتلطفت ناريته وتهذبت عناصره إلى أن كان يدعى بطاووس الملائكة.
ومعنى ذلك أنه تحلى بالحلل والرياش الفاخرة من المعانى والمباهج والآداب الراقية من العلم والمعرفة والطاعة والعبادة والذكر والفكر والشكر والتسبيح والتحمد والتقديس والتهليل والتكبير وغير ذلك من العبادات، وفي آخر لحظة غره حاله، وحكم عليه طبعه، وارتد والعياذ بالله عن الايمان وكفر بالله العظيم، وقد كان فى أرقى المقامات، وغلبت عليه شقوته، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن الشقاء بعد الهناء، انه سميع عليم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
السؤال السادس عشر : كيف آمن الجن بالإسلام؟
الجواب : إن الجن لما منعوا من استماع أخبار السماء  كما كانوا من قبل، ورجموا بالشهب أخذوا يبحثون عن علة ذلك، فعرفوا أن النبي الخاتم قد بعثه الله، فانصرفوا إليه وتوجهوا إلى رسول الله يطلبون منه أن يبلغهم ما أرسل به، وفى هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾.  [29،الأحقاف]. وكان هذا النفر من الجن هم من أكابرهم ورؤساءهم، فآمنوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به من عند الله، ثم ذهبوا بعد ذلك إلى أقوامهم، يبلغونهم دين الله الحق. وبطبيعة الحال كان من الجن من قَبِلَ الدعوة وآمن. وكان منهم من أعرض وكفر، ولما توجه رسول الله إليهم ليبلغهم رسالة الله قال لأصحابه وهو بمكة: {من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل}. فلم يذهب معه أحد غير عبد الله بن مسعود قال فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي رسول الله برجله خطاً ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر فانطلق فتبرز ، ثم أتاني فقال: {ما فعل الرهط؟} قلت هم أولئك يا رسول الله فأعطاهم عظمًا وروثًا زادًا ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم، وهذا الحديث رواه ابن جرير بسنده عن عبد الله ابن  مسعود رضي الله عنه، وإن هذا الحديث الشريف يبين كيفية دعوتهم ودخولهم في الإسلام، ويبين أيضا من هم حيث جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا لابن مسعود لا يتعداه ولو تخطاه لأذوه.
السؤال السابع عشر : هل بلغتهم جميع أحكام الإسلام وآدابه بهذه الكيفية التى مرت فى الاجابة السابقة؟
الجواب:
يجوز أن يكون الأمر كذلك، ويجوز أن يكون قد سمح لهم رسول الله بالحضور مع إخوانهم الإنس مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليتلقوا عنه القران والسنة، وجميع أحكام الإسلام وآدابه ولكن بشرط أن لا يؤذوا أحدًا من المسلمين، ولا من غيرهم فى سبيل ذلك.
وإن الذي يهمنا هو اليقين بأن الدعوة قد بلغتهم، وأن الحجة قد قامت عليهم، وأنهم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشياء كثيرة من أمور الدين المتعلقة بهم، وأن رسول الله كان يجيبهم وأنهم آمنوا وأسلموا وأخبر القران عنهم بذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. [14،الجن].
السؤال الثامن عشر: هل آمن الجن بالرسل السابقين وكان منهم يهود ونصارى ومجوس وغيرهم؟
الجواب:
نعم لأن الجن مكلف تمامًا مثل الإنس، بتوحيد الله وبطاعته وذلك مصداق قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. [56،الذاريات]. وأن ذلك مقرر فى جميع الشرائع والديانات السابقة على الاسلام ، وهذا علاوة على أن الله عزَّ وجلَّ أرسل إليهم رسلاً من جنسهم، ليبلغوا رسالات الله ويدل على ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾. [130،الأنعام]. فقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير هذه الآية الشريفة أن الله قد أرسل رسلاً كثيرين من الإنس ورسلاً قليلين من الجن. جاء ذلك فى تفسير ابن كثير ويدل على ذلك أيضا المدة الطويلة التي مضت على الجن قبل خلق الإنسان، فإن الله أمر الجن أن يؤمن به وأن يعبده بفرائض وواجبات ألزمه بها، وقد كان ذلك عن طريق الرسل الذين أرسلهم الله إلى الجن من جنسهم وأيضا يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. [4،إبراهيم]. وأن الجن قد تختلف لهجته كثيرًا عن بني الإنسان، فكان لهم رسل من جنسهم ويدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. [24،فاطر]. وأن الجن أمم كالإنس تماما، ولذلك كان لهم منذرون ومبشرون من جنسهم، حتى لا يحتجوا بأن الرسل الذين بعثهم الله إليهم لم يكونوا من جنسهم ولم يتمكنوا من الأخذ عنهم والانتفاع بهم، وهذا لا يمنع أن الله أرسل إليهم رسلاً من الإنس كما أرسل إليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن الله ختم به جميع الرسالات من الإنس والجن والملائكة، ومنحه الله خواص كل نوع من الأنواع العاقلة حتى يخاطبهم على قدرهم، وعلى حسب خصوصياتهم، ويعطي لكل منهم حقه من دين الله ورسالاته فإنه صلى الله عليه وسلم النبى الوحيد والرسول الفريد الذى جعله الله رحمة لجميع العالمين. وأن الرحمة حقيقتها هى إغاثة الكائن الحي من الشقاء والعناء والعذاب الأليم، وإدخاله في حصون الهداية والأمن والسلامة، فما أعظمها من رحمة، وما أجَلَّ سعادة العالمين بها.

الأحد، 13 مارس 2016

- اليوم الثالث من أيام الله: يوم الدنيا

- اليوم الثالث من أيام الله: يوم الدنيا
وهذا اليوم يبدأ من تكوين الإنسان من سلالة الطين، ثم نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاماً، فكسوة العظام لحماً، فإنشاءه خلقاً آخر، وذلك بشق السمع والبصر واللسان والأنف، واليدين والرجلين، وما إلى ذلك من المعدة والأمعاء، والكبد والطحال، والقلب والرئتين، والأوردة والشرايين وغيرها. ثم يأذن الله للروح أن تدخل إلى هذا الجسم الذي تكامل خلقه، والسكن الذي تم بنيانه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم يولد ويتدرج في طفولته إلى أن يبلغ أشده صبياً، فشاباً، فرجلاً، فكهلاً، فشيخاً كبيرا، ثم تنتهي حياته بعد ذلك.
وهذه اليوم هو عمر الإنسان وحياته، وهو عصره وحظه ونصيبه من الدنيا، وهذا اليوم هو يوم الاختبار والابتلاء من الله بالأوامر والتكاليف والشرائع، وابتلاه فيه كذلك بالمحن والخطوب والأمراض وغيرها، واختباره أيضا في هذا اليوم بالصحة والعافية، والمال والزوجة والأولاد، والشهوات والمتع واللذات.
وهذا اليوم من أخطر الأيام التي يمر بها الإنسان، إذ أنه تتوقف عليه سعادته أو شقاؤه بعد ذلك، وأنه يوم العمل والحركة، يوم الجهد والاجتهاد، ويوم الإيمان والإسلام والإيقان، ويوم يشتد ندم الإنسان عليه أن ضيعه، ويعظم أسفه على فقدان جزء منه من غير فائدة، وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الدنيا بقوله: {الدنيا كسوق انتصب ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر}[1].
وهو يوم يغتر به أهل الغفلة والجهالة، ويغتنمه أهل الذكر والنباهة، وقد أكثر الله من الحديث عن شأن هذا اليوم في القران الكريم، فقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأرض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،
والمعنى الإجمالي لهذه الآيات الشريفة: أن الله عزَّ وجلَّ وضح لنا شأن الحياة الدنيا بالنسبة للمفتونين بها والمخدوعين بحبها، وأنها لعب ولهو وزينة وتفاخر بالآباء والقبائل، والعصبية والمناصب، والوظائف والجاه والمنزلة، والأثاث والرياش واللباس والمراكب، والقصور والمزارع وما إلى ذلك، وتكاثر في الأموال والأولاد، يعنى اجتهاد في جمع الأموال وتكثيرها وتكديسها واقتنائها، وكذلك تكاثر في الأولاد يعنى كثرة التزاوج، وكثرة التناسل حتى يكون الإنسان مفاخر ومُدلاً على أقرانه وأنداده بكثرة أولاده وذريته، ومباهيا من كان أقل منه في الأولاد والأموال كما قال الرجل لصاحبه في القرآن الكريم: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، [34،الكهف].
ثم أراد الحق سبحانه أن يضع بين أيدينا صورة محسوسة، ومثلا مرئيا ملموسا، يقرب لنا به حقيقة الحياة الدنيا، حتى لا تنطلي علينا ولا تخدعنا، فذكر لنا أن شأنها كزرع أعجب الزراع شكله ومنظره، وفرحوا بخضرته ونضرته، وهيجانه وثماره، فإذا به قد اصفر لونه، وذبل عوده، وصار حطاماً متهالكة وهشيماً دارساً. وهذا المثل قد كشف الغطاء عن حقيقة الدنيا لكل عاقل نظر إليها من خلال القرآن الكريم وبيان الله عزَّ وجلَّ لشأنها.
ولذلك يوضح الله أن الذين يعيشون في الدنيا من أجل هذه الأشياء التي مر ذكرها، مخدوعون، ومغرورون بها، فإذا انتهت حياتهم هذه ندموا ندامتين ندامة على ذهابها عنهم إلى غيرهم من الورثة، وضياعها من أيديهم، وندامة على معاناتهم وشقائهم في جمعها من غير فائدة أخذوها من وراء ذلك، ومحاسبة الله لهم على ذلك. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ثم أمر الله المؤمنين بالتسابق والمسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة. والجنة والمغفرة هما في الحقيقة، التوبة والإنابة والعمل الصالح الذي يؤهل الإنسان لمغفرة الله وجنته، قال صلى الله عليه وسلم: {كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى}[2].
والتسابق هو الإسراع والتعجل حتى لا تضيع الفرصة على المؤمنين، لأن العمر قصير جدا، والمطلوب عظيم جدا. أما قصر العمر فإن الإنسان لا يدري أيدرك الغد أم لا، فهو في شك في بقاءه ساعة أخرى بعد ساعته التي هو فيها. ومن هنا كان العمر قصير جدا. وأما كون المطلوب عظيما جدا. فلأن طلب المؤمن هو المغفرة من الله وجنته ورضوانه. ومن هنا أمرنا الله بالسباق والتسابق نحو تحصيل هذه الخطوة في دار النعيم المقيم.
وتلكم الجنة ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأرض﴾، وذلك معناه أن السموات والأرض لاشك في وجودهما، وهما معروضتان أمامنا كما نرى، ونعيش فيهما نستظل بالسماء وننتفع بما فيها، ونمشى على الأرض وننتفع بخيراتها، فكذلك الجنة التي عرضها الله علينا في القران هي حق اليقين لاشك في تسخير السموات والأرض لنا – وذلك مستحيل، لأن عرضهما علينا، وتسخيرهما لنا، من البديهيات التي لا يختلف عليها أحد، ومن المسلمات عند كل الخلق مسلمهم وكافرهم – فإن الجنة بالنسبة للمؤمنين كذلك، والله على كل شيء قدير.
وإن كُمَّل المؤمنين من أهل اليقين، إذا قاموا إلى عمل صالح، وطاعة من الطاعات، وشهدوا أنهم قائمون إلى مغفرة الله وجنته، فتسابقت أعضاؤهم ونواياهم، وعقولهم وقلوبهم ومشاعرهم، كل ذرة فيهم، إلى المغفرة والجنة، إذ أنهم يرون طاعة الله ورسوله هي جنة النعيم فيسارعون إليها. ويرون المعصية هي نار الجحيم فيهربون منها.
وتلك الجنة ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وأُعِدَّت يعنى جهزت لهم. وأنها تنتظر قدومهم، بل أنها تسعى في استقبالهم والحفاوة بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾، [31،ق].
والإيمان بالله ورسله عمل من أعمال القلوب الذي يشرق نوره على الأجسام والجوارح فيشدُّها إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به في أعماله وأقواله وأحواله، وأخلاقه ومعاملاته وعباداته.
والإيمان والعمل الصالح إنما يكون من الإنسان في فترة وجوده في هذه الدنيا. وبذلك قد انكشف المراد من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، إلى آخر الآية الشريفة  فاللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، هي الحياة الدنيئة الرديئة الهابطة الضائعة، وهي عمل لعمارة الدنيا بالحق والعدل والعلم والنفع العام والخاص.
ومن هنا كان يوم الدنيا للمؤمن يوم مغانم ومكاسب، ومنافع وأرباح هائلة، وتحصيل للمكارم والأخلاق العالية، وأن أنفاسه في هذا اليوم أغلى من النفائس والدرر والجواهر، وإنه يبخل بأصغر جزء من عمره أن يضيع في غير فائدة، لأنه يعيش مرة واحدة في كل لحظة من عمره، فهو يعمرها بما يسعده عاجلا وآجلا. وقد قال العارف بالله: (إن الكون رواية تمثيلية تمثل أدوار جد وكمال، وتحوى فصول هزل ونقص وضلال. وأبطال التمثيل قسمان: قسم يدعوا إلى الحق، وآخر يهدي إلى الضلال، فالذين يدعون إلى الحق الأنبياء المرسلون والعلماء العاملون، وأئمة الضلال فرعون وهامان وقارون والنمرود ويؤيد دعواهم إبليس اللعين وكل مغرور بزخارف الدنيا ونسيان يوم الدين)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {نعمت الدنيا مطية المؤمن للدار الآخرة}[3]. وقال صلى الله عليه وسلم: {الكيس دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني}[4]. والكيس يعنى العاقل، ودان نفسه يعنى حملها المسؤلية وطالبها بالسداد والوفاء، واتهمها دائما بالقصور والتقصير، وحاسبها بصفة مستمرة على لك، حتى لا تطغى عليه، ولا تقهره على معصية الله ورسوله. والعاجز هو الضعيف الجاهل الذي ترك نفسه تتبع هواها وتتمادى فيه، ولم يقو على حبسها ومنعها، فهامت به في أودية الضلال والشهوات، وتاهت به في أفعال السوء والظلم والمعاصي، فأوردته المهالك والأخطار الشديدة، وأخذ يمنيها بالأحلام والأماني الباطلة، ويطلب من الله تحقيق هذه الأحلام والأماني بدون حق: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، [39،النور]. وهنالك يندم ويتحسر ولا ينفعه الندم ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، [24،الفجر].
وقد اقسم الله بالعصر، وهو يوم الحياة الدنيا، تبياناً لقدره وأهميته، وتنبيها على شأنه وحرمته وقيمته. فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، [1-2،العصر]. والعصر هو عمر الإنسان، والمقسوم عليه هو خسران الإنسان العاجز الغافل الذي لم يدر قيمة عمره وحياته، وأضاعها سدى﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، [3،العصر]. فقد خرجوا من الخسران وغنموا المكاسب العظيمة في عصرهم، فآمنوا واجتهدوا في فعل الخيرات وعمل الصالحات، واستمسكوا بالحق والصبر، ووصى بعضهم بعضا بهما، وعرفوا لعمرهم حقه ومكانته، وانتهزوا فرصته ولم يضيعوا شيئا منه، فطوبى لهم وحسن مآب.
فكم من جأهل مات غما بحسرة، وكم من عالم نال حظا من الخيرات. وان يوم الدنيا ينتهي بالموت. وأسال الله العلي القدير أن يوفقني وإخواني المسلمين في هذا اليوم لما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل منا وأن يقبل علينا بوجهه الكريم، إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



[1]
[2] رواه البخاري عن أبي هريرة.
[3] رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق.
[4] رواه ابن المبارك وأحمد والترمذي والبيهقي في السنن والحاكم في المستدرك عن شداد بن أوس.

منقول من كتاب أيام الله 
لفضيلة الشيخ محمد على سلامه 
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد سابقا
جاري التحميل...